← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon

الآباء البطاركة في العصر الفاطمي [٩٦٩ - ١١٧١ م]

The patriarchs of the Fatimid era (969-1171)

"الآباء البطاركة في العصر الفاطمي"

عاصر الخلفاء الفاطميين في مصر - الذي امتد حكمهم إلى مائتي سنة - اثنا عشر أباً من الآباء البطاركة، ابتداء من البابا البطريرك ابرام بن زرعة ٦٢ (٩٧٥ - ٩٧٨) الذي عاصر المعز لدين الله إلى البابا البطريرك الأنبا مرقس الثالث الذي عاصر العاضد الفاطمي آخر الخلفاء وكذلك صلاح الدين الأيوبي.. وسنتكلم عن بعض هؤلاء البطاركة الذين حدثت في عهودهم أحداث جسام أثرت في الكنيسة وعلى الشعب القبطي.

الأنبا ابرام بن زرعة السرياني (٩٧٥ - ٩٧٨)

كان سرياني الجنس يعمل بالتجارة، ويدعى ابراهيم بن زرعة، وكان مقيماً بمصر. عاش حياة تقية وعرف عنه كثرة صدقاته على الأرامل والمساكين والمستورين والضعفاء. وكان شيخاً لحيته نازلة على صدره.. وكانت تربطه بالخليفة المعز ورجال دولته صلات حبية، كما كانت تربطة بأراخنة مصر أواصر المحبة، وكان مكرماً منهم. دخل ليصلي بكنيسة الشهيدين سرجيوس وواخس (أبو سرجة) بمصر القديمة في أحد الأعياد، فلفت منظره ووقاره المجتمعين بالكنيسة واتفق رأيهم على اختياره بطريركاً، فقبضوا عليه وقيدوه بالحديد فصرخ وبكى وقال ما استحق هذا الأمر، فحملوه إلى الاسكندرية حيث تم تكريسه ورسامته ليصبح البطريرك ٦٢ من بطاركة الكرسي المرقسي.

١ - ومما يذكر عنه أنه بعد رسماته تصدق بكل ماله، وأبطل الشرطونية التي سار عليها بعض من سبقه من البطاركة.. وأعطاه الله نعمة في عين الخليفة المعز «وكان المعز يحضره إليه في كل وقت، ويأخذ رأيه فيما يعن له ويتبارك به، وسأله أن يسكن بمصر»٣٧.

٢ - وكان بعض الأراخنة في ذلك الوقت يقتنون السراري وينجبوا منهن أولاداً، فأصدر حرماً على كل من يقتني سراري، فأطاعه الجميع ماعدا أرخن واحد من أصحاب الدواوين، كان عنده عدد من السراري، ورفض إطاعة البطريرك.. «ضرب له البطريرك عدة مطانيات فلم يطعه، وبقى على سوء فعله» فقرر البطريرك زيارته في بيته لعله يستحي منه.. لكن هذا الأرخن ما أن علم بمقدم البطريرك لزيارته حتى أغلق باب داره. وكانت النتيجة أن البطريرك ظل واقفاً لمدة ساعتين أمام الباب يطرقه دون أن يجيبه أحد.. حرمه البطريرك ونفض غبار نعليه على عتبة الدار وكان من حجر الصوان فانكسرت إلى اثنين. ورأى هذه الآية كثيرون وهاب الناس البطريرك.. وبعد أيام قليلة هلك ذلك الأرخن وكل ماله٣٧.

٣ - ولعل أعظم الآيات التي تمجد الرب بها على يد ذلك البطريرك وفي عهده كانت نقل جبل المقطم.. أوغر الوزير اليهودي الذي أسلم يعقوب بن كلس صدر الخليفة المعز ضد النصارى بقوله أنه مكتوب في إنجيلهم «من كان فيه إيمان مثل حبة خردل فأنه يقول للجبل انتقل واسقط في البحر فيفعل» وقال له إما أن يكون النصارى على صدق أو كذب في إنجيلهم.. استدعى الخليفة البطريرك أنبا ابرام وسأله عن حقيقة وورود هذا القول في الانجيل فأجاب بالايجاب.. فطلب إليه أن يرى هذه الآية وإلا أفنى النصارى بالسيف. كانت مفاجأة للبطريرك واعتراه خوف عظيم ولم يعرف بماذا يجيب، لكنه طلب أن يمهله ثلاثة أيام.

٤ - استدعى البطريرك الكهنة والأراخنة والشعب الأرثوذكسي في بيعة المعلقة وأعلمهم بالأمر وهو يبكي. ووضع على الرهبان قانون صلاة وصوم بالخبز والملح والماء من المساء إلى المساء، وأن يجتمعوا في البيعة ليل نهار. أما البطريرك فظل صائماً هذه الأيام الثلاثة. ومن فرط حزنه وإعيائه سقط في صبيحة اليوم الثالث على الأرض وغفا غفوة يسيرة، فرأى السيدة العذراء وقالت له بوجه فرح «ما الذي أصابك؟».. أخبرها بالأمر، فقالت له السيدة العذراء «لا تخف فاني ما أغفل عن الدموع التي سكبتها في بيعتي هذه». وقالت له أن يقوم ويخرج من موضع معين يؤدي إلى السوق، وسيجد إنساناً بعين واحدة، يحمل جرة ماء، وهذا الانسان هو الذي تتم على يديه الآية.

استيقظ البطريرك ونفذ ما قالته العذراء وتقابل مع الرجل الذي أشارت إليه العذراء. فأمسكه وضرب له مطانية وقال له «من جهة الرب إرحم هذا الشعب». ثم أخبره عن الأمر الذي لأجله خرج للقائه. فقال له الرجل «اغفر لي يا أبي فاني خاطىء ولم أبلغ إلى هذا الحد».. لكن البطريرك أخبره بما قالته العذراء.. أراد البطريرك أن يعرف شيئاً عن هذا الرجل، فكان جوابه «أنا رجل دباغ وهذه عيني التي تراها أنا قلعتها لأجل وصية الرب عندما نظرت ما ليس لي نظر شهوة.. وأنا في هذا الموضع أجير لرجل دباغ» وأنه يأكل خبزاً وينفق ما تبقى معه على المستورين المنقطعين من الأخوة نساء ورجال. وإنه يقوم باكراً ليحمل في جرته ماء للفقراء «فنهاري كله أعمل في المدبغة وليلي قايم أصلي وهذه قضية حالي».. وطلب إليه ألا يظهره لأحد «فليس لي قدرة أن احتمل مجد الناس».. وطلب إليه أن يخرج ومعه الكهنة والشعب إلى الجبل الذي يحدده الخليفة، ومعه الأناجيل والصلبان والمجامر والشموع.. وليقف الخليفة وعسكره وجماعته في جانب والأب البطريرك وشعبه في جانب آخر، ويقف هو خلفه دون أن يعرفه أحد، ويصلوا ويصيحوا قائلين يا رب ارحم فترة طويلة. ثم يأمرهم البطريرك بالسكوت والهدوء ويسجد ويسجد الجميع معه، وأن ذلك يكون ثلاث دفعات وفي كل دفعة يسجد البطريرك ويقف ثم يصلب على الجبل وسيرى الجميع مجد الله.

٥ - أخبر البطريرك الخليفة باستعداده للخروج إلى الجبل، وخرج الخليفة ووجوه دولته ووزيره ومعه اليهودي موسى.. وفعل البطريك كما قيل له من الرجل الدباغ، وصرخوا يا رب ارحم دفعات كثيرة ثم أمرهم بالسكوت وسجد على الأرض وسجد الجميع معه ثلاث دفعات، وفي كل دفعة كان البطريرك يرفع وجهه ويصلب على الجبل فيرتفع عن الأرض، فاذا سجدوا نزل الجبل إلى حده - فخاف المعز خوفاً عظيماً وصاح هو ومن معه من المسلمين «الله أكبر، لا إله غيرك». وبعد ثالث دفعة قال المعز للبطريرك: «حسبك يا بطرك قد عرفت صحة دينكم»٣٨.

٦ - ثم طلب الخليفة المعز إلى البطريرك أن يسأل أي شيء ليفعله له. فقال له «ما اتمنى إلا أن يثبت الله دولتك ويعطيك النصر على اعدائك».. وأعاد عليه الطلب ثلاث مرات. وأخيراً قال البطريرك «إذا كان ولابد فأنا أسأل مولانا أن يأمر إن أمكن من بناء بيعة أبومرقورة (أبو سيفين) بمصر لتهدم حوائطها فتحولت إلى شونة للقصب. وكذلك الكنيسة المعلقة التي تهدمت بعض جدرانها. فأمر المعز للوقت أن يكتب سجل بتمكين البطريرك من ذلك على أن يكون الصرف على العمارة من بيت مال المسلمين.. فأخذ البطريرك السجل شاكراً، وأعاد المال وقال للمعز أن بيت المال أحق بهذا المال.

٧ - لما قرىء السجل الصادر من الخليفة عند بيعة أبو مرقورة، تجمع الباعة والأوباش وقالوا لو قتلنا كلنا بالسيف ما مكنا أحد من وضع حجر على حجر في هذه البيعة. فعاد البطريرك إلى الخليفة وأخبره بذلك. فغضب المعز وركب لساعته ومعه جنوده وأتى إلى المكان وأمر بحفر الأساس فحفر بسرعة، وجمع له عدداً كبيراً من البنائين، وحملت إليه الحجارة من كل مكان بأمر الخليفة، وبدأوا البناء.. فلم يجسر أحد أن ينطق بكلمة ما عدا شيخ واحد كان يؤم أولئك الباعة في الصلاة بالمسجد القريب من المكان. هذا ألقى بنفسه في الأساس المحفور، وقال أريد اليوم أن أموت على اسم الله ولا أدع أحد يبني هذه البيعة. وما أن علم المعز بذلك حتى أمر أن ترمى عليه الحجارة ويبني فوقه فلما ألقوا عليه الجير والحجارة أراد أن ينهض ويقوم فلم يمكنه الأعوان لأن المعز أمر بدفنه في الأساس الذي طرح نفسه فيه. فلما رأى البطريرك ذلك تطارح بين يدي المعز وسأله فيه إلى أن أمر باصعاده من الأساس.. وهكذا حتى كملت عمارة البيعة وكذلك بيعة المعلقة.. كما بنى هذا البطريرك كل البيع التي كانت تحتاج إلى عمارة ولم يعترضه أحد في شيء. وامتدت العمارة إلى كنائس الاسكندرية التي كانت تداعت جدرانها.

٨ - أما كيفية نياحة هذا البطريرك القديس فيكتنفها الغموض. وقيل أن أحد الأراخنة الأقباط ويدعى أبي السرور الكبير كان يقتني عدداً كبيراً من السراري فأمره باخراجهم فلم يفعل. فأوقع عليه حرماً، ومنعه من تناول القربان المقدس.. وقيل أن ذلك الأرخن كاد للبطريرك وسقاه سماً مات بسببه. وظل على الكرسي البطريركي ثلاث سنوات وإحدى عشر شهراً، ودفن بالكنيسة المعلقة بمصر القديمة.. وبكى عليه الناس كثيراً.

٩ - ونود أن نشير هنا إلى أن معجزة نقل جبل المقطم ورد ذكرها تفصيلا في كتاب تاريخ البطاركة المعاصر في كتابته لهذه المعجزة - كما ذكرها أبو المكارم في القرن العاشر في كتابه الكنائس والديارات وذكرها الرحالة ماركو بولو الذي من البندقية في القرن الثالث عشر - وليس ذكر هذه المعجزة حديثاً كما يزعم الدكتور على ابراهيم حسن في كتابه «مصر في العصور الوسطى» وقوله أن أول من ذكرها هو صاحب كتاب الخريدة النفسية. وعلى أية حال فهناك إثبات من زاوية أخرى على حقيقة حدوث هذه المعجزة، ذلك هو التحول الذي طرأ على سلوك الخليفة المعز لدين الله تجاه الأقباط ومن بعده ابنه العزيز بالله الذي تزوج من مسيحية.

١٠ - يذكر الفريد بطلر المؤرخ الانجليزي الذي كتب كتابا في مجلدين عن كنائس مصر القديمة أن المعز أمر بهدم المسجد الذي كان يقع مقابل كنيسة أنبا شنودة بمصر القديمة. وأنه اعتمد في المعمودية التي بجوار هيكل يوحنا المعمدان. وأنه تنازل عن كرسي الخلافة لابنه العزيز بأمر الله، وصرف أيامه الأخيرة في العبادة في أحد الأديرة٣٩ - وأورد هذه القصة ابن المكين في القرن الرابع عشر، وذكرها مرقس باشا سميكة. وإن كان المؤرخون المسلمون ينفون بشدة هذه الواقعة.. لكننا نقول أنه وإن كان اعتناق الخليفة المعز لدين الله للمسيحية لم يذكره مؤرخ مشهور، لكن الملابسات كلها تدل على صدق القصة وواقعيتها.. فمثلا يحيى بن سعيد الأنطاكي المتوفي سنة ١٠٦٦ م في كتابه «صلة كتاب سعيد بن بطريق المسمى التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق - وإن كان لم يشر إلى معجزة الجبل المقطم ونقله، لكنه يذكر بدون قصد أن خبر موت المعز لدين الله ظل مكتوماً زهاء ثمانية أشهر، وأنه في يوم من الأيام قبل وفاته، جعل أسرته تبايع ابنه العزيز بالخلافة.

ويقول الدكتور جاك تاجر في كتابه أقباط ومسملون «غير أن هناك نقطة مازالت تقلقنا: لقد أثار المعز - وهو أول خليفة نزل مصر - إشاعات حول وفاته، ولم يتردد فيها التاريخ القبطي حيث يقول أن هذا الخليفة ترك الحكم بعد أن اعتنق المسيحية. ومن جهة أخرى بلغ تسامح ابنه العزيز مع النصارى درجة تدعو إلى الدهشة بالنسبة إلى عمره. أما الحاكم فانه اختفى بعد أن تردد آخر شهور خلافته على الرهبان وأصلح الأديرة والكنائس وزار الأديرة وزينها وأهمل محاربة الصليبيين. وأخيراً خاطر الحافظ بحياته ليحمي وزيره بهرام النصراني. هل نستطيع أن نجزم بأن الافراط الذي وقعت فيه الأسرة يبرره فقط إخلاص النصارى لها؟٤٠.

الأنبا فيلوثاوس (٩٧٩ - ١٠٠٣ م)

هو البطريرك الثالث والستون من بطاركتنا، اختير من بين رهبان دير أبي مقار وعاصر الخليفة العزيز بالله والحاكم بأمر الله وجلس على الكرسي المرقسي أكثر من أربع وعشرين سنة، ولم يرد في سيرة هذا الآب البطريرك ما يستحق الذكر وإن كان قد عاصر ما يقرب من ثمان سنوات من حكم الطاغية الحاكم بأمر الله لكن لم يذكر شيء عن أي معاناة من الحاكم.

ويذكر تاريخ البطاركة أنه انتهى إلى نهاية سيئة وذلك أنه لم يكن يحيا الحياة النسكية التي تليق بطقسه كراهب وبطريرك.. فقد دخل إلى كنيسة مار مرقس الانجيلي بالاسكندرية ومعه جماعة من الأساقفة ودخل إلى الهيكل ليقدس السرائر. فلما رفع القربان سكت ولم يقدر أن ينطق بكلمة فجلس وأكمل القداس الأنبا مرقس أسقف البهنسا. وحملوا البطريرك إلى بيت أحد الأقباط وظل صامتاً تسع ساعات من النهار فلما سألوه عن السبب امتنع عن الكلام ونتيجة إلحاح السائلين قال أنه لما قدم القربان وقبل أن يرشم عليه بعلامة الصليب رأى شرقية الهيكل قد انشقت وخرجت منها يد وصلبت اليد على القربان فانشق في يده وأصيب هو بالصمت. ولما قال هذا جف منه عضو وبقى جافاً.. وبعد قليل تنيح هذا البطريرك بعد أن ظل على الكرسي البطريركي أكثر من أربع وعشرين سنة ونصف.

وقيل عن أهله أنهم وجدوا له مالا عظيماً من جملة ما جمعه في بطريركيته وقسموه فيما بينهم وكانوا أربعة أخوة. لكن هذا المال نفذ، ورأى كاتب السيرة أحدهم وهو يتسول.

لكن أهم ما جاء بسيرة هذا البطريرك هو قصة إيمان الواضح بن رجاء واستشهاد جرجس المزاحم.

الواضح بن أبو الرجاء٤١

هو شاب من المسلمين كان مقيماً بمصر، وكان من المتمسكين بدينه. بينما كان يسير في أحد الأيام رأى تجمعاً من الناس حول إنسان مسلم اعتنق المسيحية يحيط به الجند وقد أعدوا له كمية هائلة من الحطب ليحرقوه بعد قتله.. اقترب ابن رجاء من ذلك الانسان المتنصر وقال له «يا إنسان ما الذي حملك على هلاك نفسك بسبب دين تكفر فيه بالله تعالى وتشرك به آخر، فتستعجل بهذه النار في الدنيا وفي الآخرة نار جهنم لأنك تجعل الله ثالث ثلاثة، وهو واحد لا يشبهه شيء وتقول ان الله ولد. والآن فاسمع مني ودع عنك هذا الكفر، وعد إلى دينك، وأنا أجعلك أخاً ويكرمك كل واحد». فقال له الشاب المتنصر «لا تنسبني إلى الكفر والشرك بالله تعالى.. ونحن النصارى إنما نعبد إله واحد هو الآب والابن والروح القدس. وليس الابن غريب من الله الآب الذي هو كلمته وكذلك روحه. وسر ديننا عجيب مخفى عنكم لأن عقولكم لا تحتمله.. وأنا أرى أنك بعد قليل يدنو منك النور، ويضيء قلبك بنور المسيح وتجاهد عن الذي أنا أجاهد عنه، وعلى اسمه أبذل نفسي وجسدي للألم والموت. وستقبل أنت أيضا هذه الآلام التي أنا فيها». فلما سمع ابن رجاء هذا الكلام حنق عليه، وخلع نعله من رجله وأخذ يضربه على فمه ووجهه ورأسه وأخذ يلطمه بعنف وقال له «لا يكون هذا أبداً أن أكون مثلك أيها المرذول». فقال له «سوف تذكر كلامي، وتعرف صحة قولي».. ثم ضربوا عنقه بالسيف وطرحوا عليه حطب وبوص كثير وأشعلوا فيه النار.. وظلت النار مشتعلة ثلاثة أيام في حراسة الجند، وكان هذا كافياً لأن يحول الجسد إلى رماد، لكن «وجدوا جسده مثل الذهب لم يحترق منه شيئاً».

وعاد ابن رجاء إلى بيته وأمضى ليلته في ألم ووجع قلب مما سمعه من شهيد المسيح وحاول أهله أن يسروا عنه فلم يقدروا. وعلم أن جماعة من أهل مصر مزمعين أن يذهبوا إلى الحج في بلاد الحجاز فطلب إلى أبيه أن يذهب معهم للحج، رحب أبوه وسلمه لصديق له من المسافرين، وأوصاه به.

وفي طريقهم إلى الحج - في إحدى الليالي - رأى حلماً وفيه شيخ راهب منير جداً وقف به وقال له اتبعني تربح نفسك. فلما استيقظ قص على صديق والده الذي هو في صحبته ذلك الحلم فهدأ من روعه، وقال أن الراهب هو الشيطان يريد أن يجربك فلا تفكر في الأمر. وتكرر هذا الحلم ليلتين أخرتين، أي أنه رأى الحلم ثلاث مرات على ثلاث ليال.

فلما أتموا الحج، وفي طريق العودة، وبعد مسيرة ستة أو سبعة أيام، توقفوا ليتبولوا. ثم ركب صديق والده جملة، أما هو فتأخر وانقطع عنه، ولم يعد يرى أحد فصار يجري ليلحق بهم دون جدوى - تاه في الصحراء وجلس خائفاً من الوحوش - وإذا بشاب يركب فرساً بلباس بهي وقف أمامه وقال له «من أنت وكيف تهت في هذه البرية وحدك». فقص عليه قصته. فقال له ذلك الفارس أركب خلفي على الفرس «فلما ركب طار به الفرس في الجو فلم يدر أنه في سماء ولا في أرض حتى صار بسرعة في كنيسة الشهيد أبو مرقورة بمصر فانفتح له الباب وحده من غير أن يفتحه أحد» ثم اختفى عنه.

ظل مبهوتاً وكأنه في حلم، لكنه كان يرى القناديل موقدة والايقونات. وفي الصباح دخل قيم البيعة وظنه لصاً وأراد أن يستغيث، لكن أبا الرجاء أشار إليه بيده ليسكت ويتقدم نحوه، فلما دنا منه سأله الشاب «ما هذا الموضع». أجاب «كنيسة أبو مرقورة (أبي سيفين) بمصر». سأله «هل هذه مدينة مصر» أجابه «نعم. وهوذا أراك كأنك طائش العقل، فعرفني خبرك وما حالك»، أجاب الشاب «كيف لا يضل عقلي وأنا في هذه الليلة كنت في الموضع الفلاني وما عرفت كيف وصلت إلى ههنا.، الله هو العالم بذلك».

ودار حديث بينه وبين قيم البيعة روى فيه قصته، لكن القيم شك في كلامه وحسبه لصاً وأن الشهيد أبو سيفين ربطه في الكنيسة. سأله الشاب على شكل أبو سيفين وصورته، فأخذه إلى أيقونته، فلما رآها قال «حقاً هذه صورة الذي ظهر لي ورأيته في البرية وحملني على ظهر فرسة هذه إلى ههنا». ثم بدأ يكشف للقيم حقيقة أمرة وأنه رجل مسلم «وقد رضيت لأجل هذه الأعجوبة أن أصير نصرانيا»، وقال له «أنا ابن رجاء الشاهد وما أقدر أظهر لئلا أحرق بالنار وتحرق البيعة بسببي، لكن أريد أن تصنع معي جميلا وتأخذ الأجرة من السيد المسيح، وتخفيني في موضع حتى لا يراني فيه أحد حتى أدبر ما أفعل»، وطلب إليه أن يأتي له كاهناً ليشرح له المسيحية «ويثبتني في الأمانة فان قلبي قد مال إلى هذا الدين». وبالفعل مضى به القيم إلى شيخ قس عالم تقي فاضل أخذ يشرح له الايمان، وظل أياماً يدرس.

فلما قوى قلب ابن رجاء سأل الكاهن الشيخ أن يعمده «فخاف لئلا تكون ضربة من الشيطان، فأشار على الشاب المذكور بأن يمضي إلى وادي هبيب (برية شيهيت). فمن كثرة شهوته سأله سؤالا عظيماً بمطانيات كثيرة، وقال له ربما لا أعيش حتى أصل إلى هناك، والزمه بكثرة تضرعه له وبكائه حتى عمده، وسماه بولس، فلما لبس نور حلة المعمودية التمس ثياباً زرية ابتاعها من السوق ولبسها وسأله أن يصلي عليه وخرج ولم يعرفه أحد لتغير زيه وسحنته من كثرة صومه وصلاته واجتهاده وانتصابه لقراءة الكتب».

وصل الحجاج إلى مصر لكن ابن رجاء لم يكن بينهم. بحث عنه إخوته وسألوا صديق والدهم فبكى الرجل وعرفهم أن أخاهم تاه في الصحراء ليلا» فلما سمعوا هذا منه شقوا ثيابهم وعادوا إلى أبيهم فأخبروه بذلك، فأقام عليه مناحة وجنازة عظيمة. فلما انقضت أيام الجنازة كان شاب من أصدقائه ساكن بجوار بيعة الشهيد أبو مرقورة بمصر فأبصره يوماً قد خرج من البيعة وعاد إليها وعليه ثياب صوف وعليه زنار صوف، فقال بالحقيقة أن الناس يتشابهون ولو لم يكن ابن رجاء قد مات لقلت انه هذا».. ثم قابل أبوه وإخوته وقص عليهم القصة.. أردا إخوته أن يروا ذلك الشاب فتنكروا واختفيا في موضع قرب البيعة ينظرون الداخلين وقت صلاة الغروب، فلما انقضت الصلاة خرج المصلون ومعهم ابن رجاء، فتأملوه وعرفوه وأمسكوا به وقالوا له «ما هو الذي فعلته بنا يا أخونا. فقال لهما الذي بي ما تعرفاه». ثم مضيا به إلى البيت برفق وقالوا له ما أنت ولدنا «قال لهم أنا بولس يعني الاسم الذي سموه به وقت المعمودية. قال له أبوه فضحتني يا ولدي وفضحت شيخوختي بين القضاة والشهود». ثم أخذوا يتناقشون معه طويلا وقالوا له «لا تفضحنا في وسط الناس ولا تخزينا في هذه المدينة».. فلما لم يجدوا فيه حيلة جعلوه في بيت مظلم ثلاثة أيام بلا طعام ولا شراب دون جدوى.

ولما أعياهم أمره تشاوروا على قتله لئلا يفتضحوا، ثم رقت قلوبهم وأخرجوه سراً ومضوا به إلى الجيزة، وقالوا له «أبعد عنا نسترح من فضيحتك». أما هو فمضى إلى وادي النطرون وأقام هناك عند راهب تتلمذ على يديه ورهبنه.. وبعد أيام قليلة قال له أحد الرهبان «أن الرب لا يقبل نصرانيتك إلا أن تمضي إلى مصر حيث تعلن إيمانك».. عاد إلى مصر طاعة لهذا الكلام ومضى إلى منزل أبيه وقد وضع في قلبه أن يموت على اسم المسيح. فلما رآه أبوه بزي الرهبان اغتاظ منه وقال له «ما هذه الفضيحة؟ مضيت وعدت إلى بطرطور صوف - يعني القلنسوة المقدسة - ثم أخذه وحبسه في مطمورة مظلمة يطرح فيها كناسة التراب والرماد ووسخ الدار وأطبق عليها طابقها، وأقسم على كل من في الدار لا يعطوه خبزاً ولا ماء.. وأمر غلمانه وجواريه أن يرموا عليه كل ما يكنسوه من تراب ورماد ووسخ الدار وغسالة القدور. وأقام كذلك ستة أيام، وأمه باكية لا تفتر من البكاء بسببه وهي حزينة عليه جداً وكانت تدلي له الخبز والماء بحبل فلا يذوق منه شيئاً.

وبعد الستة أيام ضعفت قوته وكان ملازماً الصوم والصلاة ليله ونهاره. وظهر له في اليوم السابع الراهب الذي كان ظهر له أولا في طريق مكة وفي يده خبز نقي، فظن أنه خيال، فلم يأكل منه شيئاً حتى عرف أنه أمر ظهر له من عند الله، فقال له الراهب تعرفني، قال له نعم أنت الذي رأيتك في المنام ثلاث دفعات في طريق مكة. قال له نعم أنا ذاك، وأنا مقارة أب وادي هبيب.. والآن فقد أرسلت إليك لأعزيك فتقوى وأصبر فان لك مجازاة عظيمة، ثم غاب عنه، فأخذ ذلك الخبز وأكل بعد أن صلب عليه فتقويت نفسه».

وإذ فشل أبوه في كل محاولة لارجاعه، حاول أخيراً إذلاله بأن أمر أخاه الأكبر أن يجامع سرية كان قد رزق منها بولد قبل إيمانه، يجامعها أمامه، وإذ لم يفلح في إثنائه أغرق ابنه الصغير، أما هو فقال لأبيه «أنا أحب ابني وهو ولدي غير إني أحب الله أكثر منه».

أخيراً قدم ضده شكوى للحاكم بأمر الله وكان هو الخليفة في ذلك الزمان، فأمر بحضوره مع أبيه عند قاضي القضاة والشهود ليناظروه.. والعجيب أنه لم يثبت لأبيه عليه حجة، فأمر الحاكم باطلاقه ليمضي حيث يشاء.

وكان ابن رجاء قد سمى نفسه الواضح، واتصل بالعالم الأنبا ساويرس بن المقفع اسقف الاشمونيين السابق الاشارة إليه ليستفيد من علمه ويتقوى إيمانه فنشأت بينهما صداقة قوية وكان يقرأ عليه كتب الآباء ويشرحها كما كان يفسر له الكتب المقدسة ويروي له الكثير من سير القديسين خاصة ما يناسبه من سيرهم.. وقد ذكر ابن الرجاء - في كتاب له مفقود - إحدى القصص، وهي قصة الشهيد الهاشمي، ونسجلها حسبما وردت في كتاب تاريخ البطاركة:

«كان ببغداد إنسان يدعى مقدم ابن ملك ويعرف بالهاشمي، وأنه لم يهتم قط بشيء من أمور المملكة.. سوى أنه كان يركب في كل يوم ومعه الجند ويرصد بيع النصارى في وقت القداس، فيدخلها راكب، ويأمر بأخذ القربان من على الهيكل ويكسروه ويخلطوه بالتراب ويقلب الكأس. وكل ما فعل ذلك في بيعة مضى إلى أخرى وفعل فيها ذلك حتى كادت بغداد تخلو بيعها من القداسات.. وامتنع أكثر الكهنة عن القداس خوفاً من هذا.. وكانت معونة الله تجذبه ولا يدري.. فلما كان في بعض الأيام دخل إلى بيعة من البيع كعادته، ففتح الله عينيه فأبصر في صينية القربان طفلا جميلا نبيلا، وفي وقت القسمة أبصر الكاهن وقد ذبحه وصفى دمه في الكأس، وفصل لحمه قطعة قطعة في الصينية. فبهت الهاشمي ولم يستطع الحركة.. ثم خرج الكاهن يقرب الشعب باللحم وكذلك الشماس بكأس الدم، وهو ينظرهما، فتعجب وقال لجنده ألا تروا هذا الفاعل الصانع يعني الكاهن. قالوا له نحن نراه. قال لهم نصبر لهذا، يأخذ طفلا يذبحه ويقسم لحمه على هذا الجمع العظيم ويسقيهم من دمه. قالوا له الله يوفقك يا سيدنا ما نرى نحن إلا خبزاً وخمراً. فزاد خوفه وتعجبه. وبقى الشعب متعجبين لوقوفه باهتاً ولم يفعل بالقربان ما جرت به عادته. فلما فرغ الكاهن وخرج الناس، استدعى الكاهن وقال له ما رآه. فقال له يا سيدنا أعيذك بالله ما هو إلا خبز وخمر. فلما علم أن هذا السر ما ظهر إلا له فقط، قال له «أريد أن تعرفني سر هذا القربان وبدايته».. فعرفه الكاهن كيف أسس المسيح سر الأفخارستيا، ثم قال له إنما الله أظهر لك هذا السر الخفي الحقيقي المقدس خلاصاً لنفسك.

«ثم إنه قرأ عليه كتب الكنيسة وبين له الأسرار حتى طاب قلبه لاعتناق المسيحية، فأمر أصحابه بالانصراف وبات هناك مع الكاهن وعمده بالليل وسار نصرانياً.. فلما كان الغد أتاه أصحابه بالدابة فطردهم ولم يكلمهم. وإذ علموا الخبر مضوا إلى أبيه وأعلموه بما كان، فأنفذ وأحضره بالقوة، وحاول معه باللين والتخويف كي يرجع فأبى «عند ذلك أسلمه للعذاب. فعذب عذاباً شديداً فلم يرجع عن أمانته. فقطعت رأسه بالسيف على اسم السيد المسيح وتمت شهادته».. وقد كرم مسيحيو بغداد جسده وبنوا عليه كنيسة عرفت باسم كنيسة الهاشمي».

أقام الواضح (بولس) ابن رجاء في برية شيهيت سنتين، فلما رأوا ما عليه من تقوى وعلم أمسكوه قهراً وساموه قساً.. فلما نمى خبر رسامته قساً إلى أبيه لم يطق ذلك، وأعطى بعض العربان دنانير ليقتلوه - فنصحه بعض الرهبان إزاء ما علموه من محاولة قتله - أن يذهب إلى الريف ويختفى فيه فأطاعهم وخرج إلى بلدة تدعى صندفا٤٢، وأقام فيها سنتين في كنيسة على اسم الشهيد تادرس ملازماً لخدمتها ليلا ونهاراً.. فدخل الشيطان في قلب قوم من سكان تلك الجهة، فأذاعوا خبر تنصره في صندفا والمحلة، وكان ذلك قبيل وفاته بيومين. مرض خلالهما بحمى شديدة وبترتيب إلهي حضر شماس يدعى تيدر بن مينا من منوف إلى البيعة التي كان فيها ابن رجاء (بولس) فقال له «مطانوه لا تفارقني حتى تواريني التراب وتأخذ البركة، فما بقى لي في العالم إلا يومين. فاذا أنا قبضت (مت) فبادر بدفني قبل أن يعلم المسلمون فيأخذوا جسدي فيحرقوه بالنار. وكان قوله روح نبوه.. فبعد يومين تنيح كما قال فأذاع الشيطان خبره في المحلة وصندفا، فتجمع أهلها وأحاطوا بالكنيسة جيث تنيح.. وهنا أرشد الله الشماس تيدر بن مينا أن يدفنه بمكان في الكنيسة. ولما تم ذلك دخل المتجمهرون وطلبوا جسده، فلم يجدوه.

وحكي عن الواضح بن رجاء أنه قال «كل ما جرى على من عذاب وما حل بي من ألوان لم يقلقني غير ثلاثة أشياء وهي مجامعة أخي لسريرتي قدامي، وتفريق ولدي منها قدامي وأنا أنظره، وأعظم منهما كون البطريرك يبصرني وتلاميذه يطالبون بالدنانير على قسمته لي قسيساً وهو ساكت لا يمنعهم ولا يردعهم». وكان هؤلاء قد طلبوا منه مبلغاً من المال عقب رسامته قسيساً، ولما لم يكن معه شيئاً «رآهم بعض الأراخنة يطالبوه وقد أزعجوه بالطلب فدفع لهم عنه ما طلبوه».

مار جرجس المزاحم٤٣

كان استشهاده في ١٩ بؤونه سنة ٦٩٥ ش الموافق ٢٦ يونيه سنة ٩٧٩ في خلافة العزيز بالله الفاطمي وبطريركية الأنبا فيلوثاوس ٦٣ - وعلى الرغم من أن عهد العزيز اتسم بالتسامح مع النصارى كما سبق أن أوضحنا لكن الغوغاء والعامة كانوا يثيرون متاعب في بعض المناطق.. ومن أمثلة ذلك ما حدث بمنطقة طلخا بسبب هذا الشهيد.

كان اسمه مزاحم، وكان ابناً لرجل يدعى جمعة العطوي وهو مسلم متزوج من مسيحية اسمها مريم، تزوجها بالعنف دون إرادتها وإرادة والديها. وكان من قرية تعرف باسم الدروتين، مركز طلخا، دقهلية.. قضى الاثنا عشر سنة الأولى من عمره على دين أبيه، على أن أمه كانت تواظب على الذهاب إلى الكنيسة وحين عودتها كان يسألها أن تعطيه جزء من القربان البركة الذي كان يستطعمه كالشهد في فمه.. كانت هذه هي البداية التي حركته نحو التفكير في اعتناق المسيحية.. وبدأ يتردد على الكنيسة مع أمه.. قصد الأنبا زخاريوس أسقف دمياط وهناك نال سر العماد المقدس على يد أحد كهنته وتناول من الأسرار المقدسة وعرف باسم جرجس المزاحم.

تزوج من فتاة تدعى سويلا أبنة كاهن كنيسة بساط النصارى (مركز طلخا) ويدعى القس ابانوب.

حرك الشيطان قوماً ضده فمضوا وأخبروا متولي الحرب بدميره بقصة جرجس المزاحم.. وقف أمام متولي الحرب هذا واعترف - حينما سئل - أنه تنصر، فأمر بتعذيبه حتى سال دمه على الأرض، وبعد أن أمر بحبسه أطلق سراحه بمعجزة، إذ ظهر ملاك الرب لمتولي الحرب في صورة إنسان وسأله العفو عنه وخلصه من بين يديه. وتعتبر هذه الشهادة الأولى.. ولم يقتصر التعذيب على جرجس المزاحم وحده، بل تعداه إلى زوجته التي نالتها شدائد كثيرة، كانت تضرب ضرباً مبرحاً.. والعجيب في سيرة هذا الشهيد أنه حيثما اتجه كان الشيطان يدخل في أحد الناس ويذيع خبر تنصره ووصوله إلى ذلك المكان.

ومن ألوان التعذيب التي احتملها أنهم في إحدى المرات جعلوا في عنقه حبلا وسحبوه في شوارع تلك البلدة. فجاء رجل من المتجمعين حوله وضربه على رأسه بالسيف فشقها، فوقع القديس على الأرض.. وكان في تلك الفترة يعمل في معصرة زيت. فبلغ صاحب المعصرة أن أحد رجاله قتل، فذهب إلى حيث هو وخلصه من أيديهم وأخذه معه، وكان في نيته أن ينتظر حتى يوم صلاة الجمعة، ويأخذه معه إلى المسجد فاذا رفض الصلاة مع المصلين أحرقه حياً.. علم بالأمر عامل مسيحي كان يعمل بمعصرة الزيت فأسرع إليه وأخبره فخرج من تلك الناحية قاصداً محلة روح ومنها إلى سبرباي ثم إلى طنط الجزيرة، قليوبية، فأقاموا فيها مدة ثلاث سنوات، ولكن عدو الخير دخل في بعض الأشخاص وأذاعوا خبره، فذهب إلى ناحية تسمى اخنا وأقام فيها ثلاث سنوات. وهناك مرض بمرض شديد جداً ثم انتقل هو وزوجته إلى جهة محلة خلف (بجوار المحلة الكبرى) - ومنها مضيا إلى ناحية الديجويه (حاليا جميانه)، فأقاموا فيها مدة ثلاث سنوات.. هناك تعاهدوا هو وزوجته أن يعيشا في بتولية كأخ وأخت.. ومن جميانه مضيا إلى بلدة بساط النصارى وهي بلدة زوجته، فأقاما في بيت والدها.. وأخذ يجاهد في الصلوات حتى أنه كان يضرب كل ليلة خمسمائة مطانية.

لكن الأفكار أخذت تقلقه من كثرة ما عانى من آلام في كل موضع يذهب إليه، ففكر في الذهاب إلى دير أبو مقار للترهب هناك.. وبينما هو يفكر في ذلك إذ رأى رؤية كأنه صاعد إلى السماء جالساً عن يمين السيد المسيح. وسمع صوتاً يقول «يا جرجس تقو في الشهادة. طوباك أنك استحققت أن تعد مع الشهداء وتنال الأكليل السمائي مع الأبرار في ملكوت الرب فلا تخف يا جرجس فالتعب يسير والنعيم كثير».. فلما سمع هذا الكلام تقوى وأعلم زوجته به، فكان جوابها عليه «يا أخي أن ما رأيت في هذه الرؤيا يشير إلى أن الرب لا يريد أن تترهب لكنه يريد أن تظهر اسمه القدوس وتنال إكليل الشهادة والفرح العظيم، وأدعى أنا زوجة شهيد».. وكانت تشجعه وتقويه على الجهاد والشهادة.

قصد قساً راهباً يدعى شيث وعرض عليه أفكاره من جهة الدير والشهادة، وبعد أن نصحه قال له «لكن طوباك يا ولدي جرجس أن أنت صبرت على عقوبة واحدة فهي أخير لك من مقامك في الدير سنة كاملة». ومنذ ذلك الحين بدأ يهيىء نفسه للشهادة وإكليلها.. وكان يتشجع بواسطة الرؤى التي تعلن له.

أما شهادته الثانية فكانت في دميره أمام أحد الحكام هناك، بينما كان هو مقيماً ببساط النصارى. فحرك الشيطان عليه إنساناً شريراً وأخذ يذيع خبره، وأحضروه إلى دميره، وهناك أوثقوه وضربوه ضرباً مبرحاً، وجعلوا من عنقه حبلا وذهبوا به إلى دار النائب فأمر أن يطرح في خزانة مظلمة. ثم أحضروه ثانية أمام النائب وعذبوه كثيراً مادياً ومعنوياً. فمنهم من كان يبصق على وجهه ومنهم من يضربه على رأسه بغير رحمة، ومنهم من ضربه على عنقه ومنكبيه بقطعة حديدية حتى تكسرت عظامه. وكانوا يضربونه وهو موثق، أما هو فكان لا يفتر عن ذكر السيد المسيح بابتهاج.

استدعاه متولى الحرب بدميره للمثول أمامه وهناك قدم الشهادة الحسنة واعترف بالسيد المسيح قائلا له «حي هو الرب إلهى، مهما عذبتني فانني لن أجحد اسم سيدي ومخلصي يسوع المسيح»، فعذبوه عذاباً شديداً وقيدوه بالقيود الحديدية، وضربه بعضهم بقطعة خشب على رأسه فشقوها، ثم طرحوه في السجن. وفي منتصف تلك الليلة ظهر له رئيس الملائكة ميخائيل وستره بجناحيه وأخذ يشجعه، ومسح بيده على جسده، فللوقت ضمدت جراحاته، ثم صعد ميخائيل إلى السماء.

وظهرت له السيدة والدة الاله في شبه حمامة ونشرت جناحيها على رأسه، ووضعت فمها في موضع الضرب، وأيقظته من رقاده، فرفع رأسه وأمسك جناحها الأيمن فطارت من يده وامتلأ المكان نوراً، أما جراحاته فشفيت وأحس بقوة في جسده.. وفي السجن زارته زوجته القديسة وأخذت تشجعه وروى لها كل ما حدث معه بواسطة الملاك ميخائيل والعذراء مريم.

ومرة ثانية ظهر له الملاك ميخائيل وأضاء كل السجن نور.. وفي مرة أخرى ظهر له السيد المسيح بنور عظيم لم يستطع أن يفتح عينيه فيه وكان معه ميخائيل وجبرائيل رئيس الملائكة.

وفي السجن عذب كثيراً.. وكانت زوجته تزوره وتشجعه وتقويه.. ومرة أخرى ظهر له ملاك الرب ميخائيل الذي كان يستغيث به، وشجعه وقال له «أن لي اليوم أسبوعا أسأل الرب عنك فأرسلني بهذا الرداء ليكون لك به قوة، تقدم إلى لأغطيك به»، فتقدم إليه القديس ونشر عليه الرداء فصار واحداً مع جسده ورشم عليه بعلامة الصليب المقدس فشفى لوقته.

قصده بعض المسيحيين في السجن لينالوا بركته وطلبوا منه شيئاً بركة يضعوه في منازلهم، أما هو فأعطاهم الخرق التي كانت على ساقيه وساعديه ورجليه ومصبوغة بدمه. وما أن علمت زوجته بذلك حتى ذهبت إليه تقويه وتبكته لأنها خافت عليه من المجد الباطل وقالت له «من أنت حتى استحققت هذه المنزلة وتعطي خرقاً من جسدك للناس بركة، ألعلك مثل بولس الذي كان الناس يأخذون الخرق التي يضعها على جسده.. وما أن سمع القديس هذا الكلام حتى بكى بكاء مراً وتعهد أمامها أنه ما يعود يفعل مثل ذلك.

أخذ الناس المملوءون حقداً وشراً يضغطون على متولى الحرب لكي يسلمهم القديس ليقتلوه حتى أن بعضهم قالوا له سنصير مسيحيين إن لم تسلمنا هذا الرجل.

وبعد أن نالته شدائد كثيرة - لا داعي لذكر تفاصيلها - أعلن له في رؤيا أن شهادته ستكمل في ١٩ بؤونه - ومرة ثانية ظهر له السيد المسيح في شبه رجل أمير وبيده كتاب مفتوح وقال له «السلام لك يا حبيبي جرجس ذا الاسم الحلو في فم كل إنسان. تقو وتعز فهوذا جميع آلامك وأتعابك التي تقبلتها على اسمي مكتوبة في هذا الكتاب فطوباك. لكن ارفع عينيك لتنظر، فرفع عينيه نحو السماء فرأى شاباً حسن الصورة متمنطقاً بلباس أبيض شبه ملاك عظيم يتبعه جمع كثير جميعهم بملابس بيضاء كالثلج. سجدوا جميعهم لمن بيده الكتاب. فقال له القديس من هو هذا الملك العظيم الذي يتبعه هذا الجمع؟ فقال له السيد المسيح بفمه الطاهر: هذا حبيبي جرجس الفلسطيني الذي سميت أنت باسمه. وأما هذا الجمع الذي يتبعه فهم كافة الشهداء والقديسين جاءوا جميعا ليطلبوا من أجلك لكي تكمل شهادتك».. ولما فرغ المخلص من هذا الكلام أخفى نفسه عنه.

وفي الغد ذهب متولي الحرب إلى السجن وقال للقديس جرجس المزاحم «ما فائدة انتظارك هنا. أذهب إلى زوجتك وأعلمها بأن تأخذ لك إنساناً يضمنك ويعطيني عشرين ديناراً. وأنا لا أسلمك إلى أهل دميره». فأجابه القديس «ليس معي مال لأعطيك، ولا لي أحد يضمني لك، فان أرادوا أن يحرقوني بالنار، وإن أرادوا أن يغرقوني في البحر فليفعلوا ما يريدون بي».

وفي اليوم التالي (١٧ بؤونه) شاع خبر أن خطاب الوالي الذي يقضي باطلاق سراح القديس قد ورد من مصر. فاجتمع جماعة من الشعب وخرجوا قائلين ولو نموت كلنا لا نطلقه، لكن نخرجه ونحرقه حياً. وظل الناس يضغطون على متولي الحرب فوعد أن يسلمه لهم في اليوم التالي.. فأسرع الناس إلى السجن حيث القديس وتطلعوا فرأوا قوماً يصلون معه فظنوا أنهم جماعة من النصارى، فبقى بعضهم عند السجن وذهب البعض إلى الوالي يخبرونه، فأمر أن يذهبوا إلى السجن ويذبحوا بالسيف من يجدوه هناك من النصارى. لما عادوا إلى السجن لم يجدوا سوى القديس فتعجبوا، ولم يكن هؤلاء الذين شوهدوا يصلوا معه سوى أرواح الشهداء والقديسين الذين أتوا إليه في هذه الساعة الحاسمة ليعضدوه.

أرادوا أن يأخذوه ولا يبقوه للغد لئلا يهرب. فقال لهم «لا أقدر أن أهرب من خدمة مخلصي التي أنا مستعد لها»، فلم يصدقوه ولكنهم أسلموه إلى راهب اسمه مينا ليضمنه، وهو الذي كتب سيرته. فضمنه ولم يتركهم يعذبونه.

وفي لقائه الأخير مع زوجته طلب إليها أن تبتعد عنه لئلا يقتلوها، فأجابته «يا أخي وسيدي أسألك أن لا تنساني عند لقائك بالسيد المسيح». فرشم القديس ذاته بعلامة الصليب وقال لها «يعوضك المسيح يا أختي عن تعبك معي في هذا الزمان كله. الآن أسألك وأودعك بأن تذكريني في صلواتك لكي يعينني الرب إلى النهاية». ثم قبلت قدميه وقالت له «تعز وتقو وانظر إلى الرب ولا تخف من الموت فيضيع جميع تعبك».

وحتى اللحظات الأخيرة كانوا يجاهدون معه لكي ينكر إيمانه لكنه ثبت. ورغم الاغراءات الكثيرة ثبت معلناً إيمانه.. نزعوا ثيابه وجلدوه بالسياط حتى سال دمه على الأرض ثم أخذوه إلى موضع الشهادة وأخذوا يضربونه بلا شفقة ولا رحمة - البعض بالعصى والبعض بقطع من حديد. وتم ما قاله المسيح «ستأتي ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه قد قدم قرباناً لله».

تجمع حوله نحو ألف وخمسمائة من الغوغاء بالعصي والحراب والسيوف ولم يهدأوا من تعذيبه. أما هو فلم يفتر عن ترديد اسم السيد المسيح في فمه. وانقضوا عليه بالحراب والسيوف وقطع الحديد يضربونه. ولما لم يمت قالوا كل هذا الذي فعلناه به ولم يمت ولم يفتر عن ذكر إلهه. وأخيراً قال واحد منهم أن الاسم الذي يردده بفمه هو الذي يجعله لا يموت، فوثب واحد وأخذ طوبة من الخزف الحاد ووضعها في فم القديس لكي لا يستطيع ذكر اسم المسيح. أما هو فكان يردده في قلبه.

أخيراً تقدم نحوه غلام راكباً حصاناً وفي يده حربة وطعنه في صدره فبرزت من ظهره، فرشم القديس ذاته بعلامة الصليب دون أن يموت. وأخيراً تقدم واحد وضربه ثلاث ضربات بالسيف فلم يقطع السيف فيه شيئاً فبهت الجميع لهذا الأمر. وتقدم آخر وضربه بالسيف على رأسه فشقت إلى نصفين. ورغم ذلك أخذوا حجراً يضربونه على رأسه. ومازال الضرب ينهال على رأسه حتى تحطم وتهشم وللوقت أسلم الروح في يد الرب. وكانت الساعة الثالثة من يوم الخميس ١٩ بؤونه.

الأنبا زخارياس البطريرك ٦٤ (١٠٠٤ - ١٠٣٢ م)

بعد نياحة البابا فيلوثاوس ظل الكرسي البطريركي شاغراً لمدة شهرين وثمانية أيام. وفي مدينة الاسكندرية وقع اختيار الأساقفة على كاهن شيخ متبتل يدعى القس زكريا وكان يخدم بكنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بمدينة الاسكندرية وكان قيماً على جميع كنائس الاسكندرية، وكان محبوباً من جميع الأساقفة حتى أنهم كانوا ينزلون عنده في بيعته. أما سبب الاسراع في اختياره دون رهبان الأديرة فهو أنه كان بالاسكندرية تاجر ذو ثراء كبير يدعى ابراهيم بن بشر. وبسبب ثرائه كانت تربطه صداقة بمعظم ولاة القطر المصري إذ كان يقضي لهم حوائجهم ويهاديهم، طمع هذا التاجر في كرسي البطريركية، وتمكن بصلاته بكبار رجال الدولة أن يستصدر سجلا بتقديمه بطريركاً، بل أن بعض أهالي الاسكندرية زكاه بالفعل لهذا المنصب.

اتفق الأساقفة مع الاسكندرانيين على تقديم القس زكريا ورسامته بطريركاً وقالوا «هذا أجود ممن يجيئنا بيد قوية وأمر سلطاني ويكون زماننا كله عنده كالعبيد»٤٤ وبالفعل أتموا رسامته باسم البابا زخارياس البطريرك ٦٤. وكانت بطريركيته في عهد الحاكم بأمر الله والخليفة الظاهر.

وفي عشية يوم الرسامة وصل ابراهيم بن بشر بالسجل. فما أن وصل إلى ظاهر المدينة حتى أعلمه أحد معارفه برسامة القس زكريا بطريركاً، فاضطرب اضطراباً شديداً حتى أنه مرض.. خشى الآباء الأساقفة عواقب هذا الأمر، وخافوا غضب الخليفة، فأشاروا على البطريرك أنبا زخارياس أن يطيب قلب ابراهيم بن بشر بالأسقفية. وقال الأساقفة له «هذا أمر قد كان من الله سبحانه والآن فأول كرسي يخلو من أسقفيات هذا الاقليم وتعلم أنه يصلح لك تصير عليه أسقفاً»٤٤.. ثم رسموه قمصاً (ايغومانس) «فلما خلا كرسي منوف العليا جعلوه عليه».

١ - وفي مدة السبع سنين الأولى من بطريركية الأنبا زخارياس كان الهدوء والسلام يعم البيعة «ومن بعد ذلك لم يصبر الرب على أفعال الرعاة الذين كانوا في ذلك الزمان. وأنزل غضبه على البيع بسببهم. فأبعدوا منها لأنهم كانوا قد صاروا مثل الولاة المسلطين على الكهنة. ويختلقوا حججاً لجمع المال بكل وجه. ويتجروا في بيعة الله لمحبة الفضة والذهب. ويبيعوا موهبة الله بالمال»٤٥.

ومن أمثلة التسيب التي يذكرها تاريخ البطاركة في ذلك الزمان أن قيم أحد الكنائس كان يشرب الخمر الصافي ويخلط الخمر العكر بالماء يصفيه ويقدمه للكهنة ليكون تقدمة القربان في الكنائس إلى أن يعفن. لأن الأساقفة كانوا يرسموا للكهنوت من لا يصلح ولا يفهم.

وفي أيامهم - أعنى الرعاة - انقطع التعليم أيضاً، ولم يردع أحد أحداً، ولا يقول له أخرج القذى من عينيك لئلا يقول هو أخرج أنت الخشبة أولا من عينيك.. وانقلبت الأمور وصار الفهيم العالم غير معدود لاسيما إن كان فقيراً، والجاهل غير الفهيم إن كان موسراً يقدموه للطقس العالي من طقوس الكهنة. فمن أجل ذلك نزلت يد الرب عليهم وحل غضبه على البيعة لعلمه بأنا لا نستحق أن ندخل من بابها كالزمان الذي أنزل فيه غضبه على أورشليم حتى خربت وسبى أهلها وبنيهم وبناتهم»٤٦.

يذكر تاريخ البطاركة عن هذا البطريرك أنه كان «عفيفاً جداً مثل الخروف الوديع ولم يكن يفعل شيئاً مما ذكرناه برأيه، حتى الخبز الذي يأكله إذا خلوه لا يطعموه لا يطلبه، وكذلك الماء الذي يشربه. وكان كالأخرس. وكان أهله وتلاميذه، حاكمين عليه وهم يدبرونه، وهم الذين يأخذون المال ممن يقدموه له ليجعله فيما يريدون. ولو أراد أن يطعم إنساناً خبزاً فما قدر إلا باحسانهم، وإذا التمس منه إنسان شيئاً أرسله إليهم، ومن التمس منه كهنوتاً أنفذه إليهم ليفصلوا معه، وإلا فما يمكنون بقسمه»٤٧.

٢ - هذه الصفات التي ذكرها تاريخ البطاركة عن هذا البطريرك جرت عليه متاعب كثيرة، منها ما حل به بسبب راهب من دير أبو مقار يدعى يؤنس. هذا الراهب حورب بشهوة الأسقفية فقصد البطريرك وقال «أريد تلبسني ثياب الأسقفية فقط، واجعلني على كرسي خراب»٤٧. وكالعاة أنفذه البطريرك إلى حاشيته، ولما أعلمهم بما يريد شتمه خائيل أسقف سخا وابن شقيق البطريرك لأنه يريد الأسقفية دون أن يدفع شيئاً. تملك الغضب هذا الراهب بعد أن أهانوه وقصد مصر ليرفع شكواه للخليفة الحاكم بأمر الله. وبالفعل كتب عدة شكاوى ضد البطريرك. فلما علم أراخنة مصر بالأمر منعوه، وكتبوا إلى البطريرك - وكان في برية شيهيت. عاد الراهب إلى برية شيهيت وقدم رسالة الأراخنة للبطريرك فأحالها لأبن أخيه أسقف سخا المذكور. فحرض عليه البدو ليقتلوه. وبالفعل ألقوه في بئر وأخذوا يرجموه بالحجارة لولا أنه وجد فتحة في البئر اختبأ بها. فلما سمع البطريرك بذلك تأثر جداً وحرم ابن أخيه على ما فعله، وأرسل تلاميذه وأصعدوا الراهب من البئر. ووعده البطريرك بالأسقفية حينما يخلو أحد الكراسي. خلا كرسيين لكن البطريرك لم يرسمه على أيهما. بل كان تلاميذ البطريرك يثيرون الراهب المذكور بكلام موجع. فملأ الحنق قلبه ومضى ليشكو البطريرك إلى الخليفة.

٣ - في مصر كتب الراهب يؤنس شكوى ضد البطريرك ذكره فيها بكل ما هو مشين. وخرج إلى الجبل حيث كان يذهب الحاكم بأمر الله وصاح «أنت خليفة الله في أرضه فأعني لوجه الله». وناوله الشكوى وكان مكتوب فيها «أنت ملك الأرض، لكن للنصارى ملك لا يرضى بك لكثرة ما قد كنز من الأموال الجزيلة لأنه يبيع الأسقفية بالمال، ولا يفعل ما يرضي الله تعالى. وذكره في الرقعة بقبائح كثيرة مثل هذا».. فما أن أطلع الحاكم على ما بالشكوى حتى أمر باغلاق أبواب الكنائس وإحضار البطريرك. وكان قد شاخ وطعن في السن٤٨.

٤ - أمر الحاكم بأن يطرح البطريرك للسباع (أسود) لتأكله. لكن الذي حفظ دانيال في جب الأسود حفظ البابا زخارياس، فلم تقربه الأسود. وألقى الحاكم أيضاً مع البطريرك راهب نوبي اسمه شبشيه، وكانت الأسود تخضع له وتلعق رجليه على نحو ما تفعل الكلاب بأصحابها. ظن الحاكم بأمر الله - حينما بلغته هذه المعجزة - أن المسؤولين عن الأسود تطعم الأسود وتشبعها قبل أن تطلقها على البطريرك والراهب النوبي. فأمر بأن تجوع السباع، وتدبح شاه وتنزع عن البطريرك ثيابه ويلطخ جسمه بدم الشاه. ففعلوا كما أمر الحاكم لكن الأسود ظلت مسالمة له وللراهب ولم تؤذهما.

٥ - أخرجوا الأنبا زخارياس إلى السجن وظل معتقلا ثلاثة أشهر، وحاولوا إرهابه بشتى الوسائل تارة بالحريق وأخرى بطرحه للأسود إن لم يدخل في دين الاسلام. وإذ لم يفلح الارهاب كانوا يعرضون عليه الكرامة.. أخيراً دبر الرب أن يطلق الحاكم بأمر الله كل من بالحبس بعد شفاعة أحد مقدمي العرب ويدعى ماضي بن مقرب.. فرح النصارى باطلاق البطريرك من السجن، وأشاروا عليه بالذهاب إلى برية شيهيت، خوفاً أن يكون إطلاقه سهواً من الحاكم، أو يكون نسى أنه في ذلك المكان الذي أطلق منه.. قبل البابا المشورة وانطلق إلى البرية وأقام فيها تسع سنين.

٦ - ذكرنا سابقاً ونحن نتكلم عن الحاكم بأمر الله أن راهباً يدعى بيمين كان قد أسلم وعاد إلى المسيحية وأعطاه الله نعمة في عين الخليفة فصار مقرباً إليه. وقلنا أن الحاكم سمح له ببناء دير شهران يسكنه مع عدد من الرهبان. وكان الحاكم بأمر الله يتردد على هذا الدير ويقيم هناك ويؤاكل الرهبان. ولما أحس الراهب بيمن أن الله أعطاه نعمة في عيني الحاكم بأمر الله تكلم في شأن البطريرك الأنبا زخارياس وسأله الاذن في بناء الكنائس فوعده بذلك. فانفذ الراهب بيمين من أخبر البطريرك بالحضور من دير أبو مقار. حضر البطريرك وأخفاه بيمين عنده في الدير.

فلما أتى الحاكم إلى الدير كعادته أخرج له البطريرك فسلم عليه وبارك عليه ودعا له.. فسأل الحاكم الراهب بيمين «من هذا» قال «هذا أبونا البطريرك أنفذت أحضرته كما أمرت». فسلم عليه وكان معه جماعة من الأساقفة، فقال الحاكم للراهب بيمين «من هؤلاء؟» فقال له «هؤلاء خلفاؤه في البلاد وهم الأساقفة». أخذ الحاكم يتأمل البطريرك وكان قصير القامة يرتدي ثياباً بسيطة ولم يكن وجيهاً في هيئته، بينما كان الأساقفة الذين معه ذوي مناظر حسنة وقامات فارغة. فسألهم الحاكم «هذا مقدمكم كلكم» قالوا نعم يا مولانا الرب يثبت ملكك». فتعجب وقال لهم «إلى أين ينتهي حكمه» قالوا له «ينفذ حكمه في ديار مصر والحبشة والنوبة والخمس مدن الغربية وافريقيا وغيرها» فازداد عجبه وقال «كيف يطيعوه كلهم بلا عساكر ولا مال ينفقه فيهم» قالوا له «بصليب واحد تطيعه هذه القبائل كلها» سألهم «وأيش هو هذا الصليب». أجابوه «مثال الذي صلب عليه المسيح». فقال الحاكم «بالحقيقة ليس في العالم دين ثابت مثل دين النصارى. هوذا نحن نسفك الدماء وننفق الأموال ونخرج الجيوش وما نطاع. وهذا الرجل الشيخ الحقير المنظر الدميم الخلقة تطيعه أهل هذه البلاد كلها بكلمة»٤٩.

٧ - في هذا اللقاء قال الحاكم بأمر الله للبطريرك وللأساقفة الذين معه «أقيموا ههنا حتى أقضى حوائجكم». وأصدر سجلا بفتح الكنائس كلها التي في أنحاء البلاد وعمارتها وأن تعاد إليها ما نهب منها من أخشاب وأعمده وطوب - وكذا الأراضي والبساتين التي كانت تمتلكها الكنائس في كلا البلاد المصرية أمر أن تعاد إلى الكنائس.. كما أعفى المسيحيين من الزي الخاص وحمل الصليب على صدورهم. وصرح بضرب نواقيس الكنائس.

٨ - أمضى البابا زخارياس بقية حبريته - بعد اجتماعه بالحاكم في دير شهران - في هدوء وسلام حتى تنيح بسلام في ٤ يناير سنة ١٠٣٢ بعد أن أمضى في البطريركية ثمان وعشرين سنة، منها سبع سنوات قبل اضطهاد الحاكم، وتسع سنوات هي مدة اضطهاد الحاكم. أما الاثنا عشر سنة الأخيرة قضاها في بناء البيع وتعميرها. وكان رجل معجزات ذكر كتاب تاريخ البطاركة بعضها.

ومن معجزاته أن الأنبا مرقورة تلبانه ضرب جسده بالبرص الشديد، فحضر إلى الأنبا زخارياس فقال له البطريرك بتواضع وقلب متوجع أنه يشاركه في التوجع فيما أصابه. ولكنه أعلمه أنه ما يصح أن يكهن إلا بعد أن يشفى من البرص حسب شريعة العهد القديم. فبكى الأسقف وطلب إلى البطريرك أن يؤازره بصلاته، وخرج من عنده وقصد إلى كنيسة في ايبارشيته على اسم السيدة العذراء، وانقطع في الكنيسة صائماً ثلاثة أيام بلياليها وهو يتشفع بالعذراء من الصورة وكأنها قد مسحت جسمه فاستيقظ وقد عوفى من مرضه. ثم توجه بعدها إلى البطريرك وأعلمه بما حدث وقال «يا أبي هذا بصلواتك». فأجابه «بل بأمانتك وصلاتك»٥٠.

١٠ - وحدث أن شماساً متزوجاً وقع في خطية زنا فضرب جسمه بالبرص فأخذ يبكي بحرقة فقالت له زوجته وكانت امرأة تقية «قد أخطأت يا أخي وغلطت فبادر إلى الآب زخارياس القديس وأمسك بقدميه والزمهما حتى يسأل الله فيك فتبرأ».. فذهب إلى البطريرك وطرح نفسه بين يديه وبكى طويلا وتعلق بقدميه واعترف له بكل شيء. فقال له البطريرك «يا ولدي فيك أن تثبت علي بين يدي السيد المسيح» فقال له «أحكم علي بما شئت فاني فاعله بمعونة الله لي وبركة صلاتك». فأدخله إلى مكان مظلم عنده وقال له «يا ولدي واصل الصلاة والتضرع والبكاء، وتب أن لا تعود إلى الخطية». وكان يجعله يصوم ثلاثة أيام، ثلاثة أيام ثم يطعمه بقليل من الخبز ويسير من الماء وكان يفتقده ويصلي عليه بين الحين والآخر.

وبعد تمام أربعين يوماً أتاه فوجده قد طهر من البرص، فجعله يستحم ثم دهنه بزيت وصلى عليه وقال له «يا ولدي قد عوفيت فاعرف ما ندرته على نفسك ولا تعود إلى خطية. ولا تظن أنني صومتك ثلاثة أيام وثلاثة ليالي وافطرت أنا، بل حي هو اسم المسيح ما تغذيت في هذه الأربعين يوماً إلا بمثل ما غذيتك به». ثم بارك عليه وصرفه فعاد إلى زوجته المباركة فرحاً مسروراً٥١.

١١ - ومما يذكر عنه أنه أتته يوماً سيدة وقدمت له مبلغاً من المال. فقال لها الأنبا زكريا «الرب يقبل عطاياك» وصمت. وانتظرت هي دعوات أخرى فلم يقل، فخرجت وهي تشعر بالضيق. فأحس بها تلميذه فأسرع إليه وأخبره فطلب أن يستدعيها فلما مثلت أمامه أمر تلميذه باحضار ميزان. ثم وضع تقدمتها في كفة الميزان وفي الكفة الأخرى وضع ورقة كتب عليها «الرب يقبل عطاياك». وعندما رفع الميزان رجحت الكفة التي بها الورقة. فقال لها البابا «يا ابنتي خذي منهما ما أردت». فخرت أمامه باكية وأخذت الورقة واحتفظت بها كبركة٥٢.

الأنبا شنودة الثاني (١٠٣٢ - ١٠٤٦ م)

هو البطريرك الخامس والستين من بطاركة الكنيسة القبطية عاصر من خلفاء الدولة الفاطمية الظاهر والمستنصر.. بعد نياحة الأنبا زخارياس سعى البعض إلى هذا المنصب وطمعوا أن ينالوه بأمر الخليفة ويلزموا الأساقفة بقبول الأمر العالي.. فلما علم بقيرة الرشيدي الكاتب صاحب الصليب (الذي ذكرنا قصته مع الحاكم بأمر الله وشجاعته)، وكان إنساناً غيوراً، جمع بعض أفاضل القوم ومضى إلى الوزير علي بن أحمد وخاطبه في الأمر. وكان الوزير رجل فهيم يحب النصارى فقال لبقيرة ومن معه أن العادة جرت أن من يرسم بطريركاً يدفع لبيت المال ثلاثة آلاف دينار. لكننا «تركناها كرامة لكم. وما تفعلوا بعد هذا ما يرضى الله سبحانه كما يفعل عندنا ببغداد». ثم أخذ يشرح لهم كيف يصفون المرشحين لمثل هذا المنصب حتى يصبحوا ثلاثة فقط «ثم يكتبوا أسماءهم الثلاثة في ثلاثة رقاع. والرابعة يكتبوا فيها اسم الرب.. وتجعل على الهيكل ويصلوا ويقدسوا. وبعد الصلاة والقداس يجيبوا طفل صغير من أولادهم ما عليه خطية، فيمد يده ويأخذ أحداهن. فان كان فيها اسم من الثلاثة أوسموه بطركاً. وإن كان فيها اسم الرب أعلموا أن ما في الثلاثة من يصلح فيكتبوا أسماء ثلاثة آخر. ولم يزالوا كذلك إلى أن يصطفي الله سبحانه من يختاره فيطلع اسمه فيوسموه بطركاً. وهكذا يجب أن تفعلوا أنتم ههنا»٥٣.. هذا كلام وزير مسلم. فتعجب الجميع من حكمته وفهمه وشكروه.

١ - اجتمع الأساقفة ومعهم رؤساء برية شيهيت، ولم يأخذوا بمشورة الوزير، بل أخذوا يفكرون فيمن يختارونه من بين الرهبان، فذكر إنسان ترهب وعمره أربع عشرة سنة بدير أبو مقار اسمه شنودة عارفاً بالكتب المقدسة وكان في ذلك الوقت قد أصبح شيخاً. فقال أحد الأساقفة أنه رأى في حلم من يقول له «أول من يدخل غداً من باب البيعة ويقبل الأجساد خذوه فهو البطرك».. وكان هذا الداخل الأول هو شنوده فأخذوه للوقت.. وقيل أن شنوده رأى حلماً في تلك الليلة الرسولين بطرس ويوحنا وكأنهما يسلمانه مفاتيح. فروى الحلم لراهب آخر فقال الراهب «البطريركية تصير لك».. وقيل عن الراهب شنوده هذا أنه كان يشتهي هذا المنصب، وكان قبل ذلك قد سعى ليصبح أسقفاً لمصر، ولما لم يكن لديه ما يدفعه رفضوه٥٣.

واضح من هذا الأسلوب في اختيار بطريرك ورسامته، أسلوب خاطىء، فمن يدرينا بصحة الرؤيا التي رآها الأسقف، وهل هي من اختراعه أو هل هي من عدو الخير.. فما حدث بعد ذلك من هذا البطريرك في تصرفاته يثبت بأن هذا الاختيار لم يكن سليماً وبطبيعة الحال لم يكن من الله.

وقبل أن يرسمه الأساقفة بطريركاً اشترطوا عليه أن يرسم الراهب يؤنس الذي سعى بالأنبا زخارياس وكان سبباً في إلقائه للأسود وسجنه - اشترطوا عليها أن يرسمه أسقفاً على الفرما حتى يسكتوه. ومع ذلك فقد اشترط يؤنس أن يدفع له البطريرك ثلاثين ديناراً كل سنة لأن كرسي الفرما الذي سيرسم عليه فقير. كما اشترط عليه أن يرسم أخاه في ايبارشية أخرى وتعهد المرشح للبطريركية بذلك.. وبعد تردد الأساقفة في اختيار من يصلح للبطريركية واستعرضوا أسماء رهبان آخرين، اتفقوا أخيراً على الراهب شنوده المقارى، ورقوه إلى رتبة القمصية، ثم ساروا به إلى الاسكندرية لرسامته.

٢ - اجتمع أراخنة الاسكندرية للنظر في أمر المرشح للبطريركية لأن الأمر يخصهم فهو أسقفهم. فأخذوا عليه تعهداً كتابياً بأن يقدم لهم خمسمائة ديناراً كل سنة يصرفوها على كنائس الاسكندرية، وبأن لا يرسم أحد بالسيمونية (دفع مبلغ من المبال مقابل الرسامة الكهنوتية)، كما تعهد لهم بأن يؤدي بعض عوائد أخرى منها مائة دينار للوالي.. لكن لما لم يكن هذا البطريرك - بعد رسامته - يملك شيئاً، قال له البعض هل «أنت أخير من آبائك الذين كانوا يأخذون الشرطونية (السيمونية) ويدفعونها في هذا وغيره، فوافقه ذلك». ومعنى هذا أنه نكث في تعهده بعدم أخذ سيمونية في الرسامات الكهنوتية.. وقد رسم أسقفاً على كرسي بنا مقابل ستمائة دينار.. بل أنه تمادي في محبته للمال، ويذكر عنه تاريخ البطاركة «وأحب المال وجمع منه شيئاً كثيراً ووهبه لأهله. وكان محباً لمجد هذا العالم»٥٤.

٣ - خرج الأساقفة بالمرشح البطريركي من الاسكندرية قاصدين مصر لاتمام رسامته بطريركاً ونزل في كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بجزيرة الروضة.. ومضى إليه جماعة الكهنة والأراخنة ليتباركوا منه، وكان معهم الشماس بقيرة الرشيدي صاحب الصليب السابق الاشارة إليه. فلما سلموا عليه وأخذوا بركته وجلسوا قال لبقيرة «الرب قد ملك فلترتعد الشعوب» (مزمور ٩٩). قال له بقيرة «ما معنى هذا الكلام يا أبانا؟». قال له أنا طلبت أسقفية مصر ما رضيت بي، وطلبت فيلوثاوس. وهوذا الرب قد جعلني ملكاً بغير اختيارك».

لم يكن البطريرك موفقاً في كلامه ولا في الروح والأسلوب الذي تعامل بهما مع أراخنة شعبه وهو في مستهل حبريته، ولذلك فقد تضايقوا ونظر بعضهم إلى بعض وهموا بالقيام. فقال له بقيرة «هذا الكلام قاله داود النبي في المزمور عن السيد المسيح وحده لأنه ملك على اليهود من غير أن يشتهي أن يكون ملكاً لأنه جاء لخلاص العالم. وهوذا أنت الآن شبهت نفسك بالرب وشبهتنا باليهود». وقاموا وانصرفوا غاضبين قائلين عنه أنه ليس في حبريته خلاص٥٥.

٤ - ويعقب تاريخ البطاركة على هذا الكلام بالقول أنه بالحق لم يكن في حبريته خلاص، لأنه رسم أسقف بنا الذي أشرنا إليه بالسيمونية، وأعقبه برسامة أسقفاً لأسيوط بعد أن أخذ منه مالا وفيراً. ووقف شعب أسيوط من هذا البطريرك موقفاً شديداً، فمنعوا الأسقف الجديد من دخول مدينتهم مدة ثلاث سنين لرسامته بالسيمونية بالمخالفة لوصية الرب «مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا».. أما أسقف أسيوط هذا فقد عاد أدراجه إلى البطريرك وطلب منه إما المال الذي دفعه وإما تمكينه من أسقفيته. فلم يستطع البطريرك أن يفعل له شيئاً وأعاد له المال الذي أخذه منه. فتصرف الأسقف تصرفات شائنة وأخيراً كتب إلى اثنين من الأساقفة المجاورين لأسيوط يمكنوه من الدخول إلى إحدى ضياع كرسي أسيوط.

٥ - ومن أمثلة محبة هذا البطريرك للمال أن أسقفاً يدعى إيليا تنيح فانفذ وأخذ داره وكل ماله. فحضر شقيق الأسقف إلى البطريرك وتوسل إليه أن يعطيه الدار خالية ولا يريد شيئاً آخر. لكن البطريرك لم يلتفت إلى توسلاته.. وكان نتيجة العثرة التي أعثر بها هذا الانسان أنه ذهب وأسلم، فأخذ الدار بكل ما كان فيها، بعد أن قدم شكواه للقضاء. ومما يذكر أن هذا البطريرك أصدر قراراً بأن تؤول مقتنيات الأساقفة بعد نياحتهم إلى البطريركية٥٦.

وظل هذا النظام معمولا به حتى أبطله البابا شنوده الثالث بموجب قرار أصدره وأعلنه.

٦ - وفي العام التالي لرسامته توقف عن دفع ما تعهد به لكهنة وأراخنة الاسكندرية سنوياً. وتحايل على بعض الأراخنة حتى حصل على تعهده الكتابي بدفع خمسمائة دينار سنوياً، وأبدله بآخر يدفع بمقتضاه ثلثمائة وخمسون ديناراً.. وكان حاضراً هذه الواقعة بقيرة الرشيدي الكاتب الشماس صاحب الصليب وشارك في الصلح ثم قال له «يجب أن تترك هذه الشرطونية (السيمونية) التي تأخذها. ولا تبيع موهبة الله بالمال». فأجابه البطريرك «من أين لي ما أنفقه على نفسي وتلاميذي، وما احتاجه من المؤون واللوازم، وما أعطيه للاسكندرانيين، وما أقوم به عن خراج الأرض التي علي». قال له بقيرة أنهم مستعدون لحساب دخله ومصروفاته ويتعهدوا بسداد ما ينقص. وبذلك - كما قال له بقيرة «تستريح من هذا الاثم السوء الذي يكرهه الله والناس». فتظاهر بموافقته، لكنه في داخله كان لا يرضى. رغم ذلك كتب تعهداً بخطه بما يفيد ذلك ثم أرسل واستدعى الأساقفة لكن أحدهم أخذ يثيره بكلام مضاد حتى غير فكره ونقض تعهده.. وانتهى به الأمر إلى أن قال «أن لم آخذ الشرطونية (السيمونية) فقد مضت مني البطريركية».

٧ - لما سمع الشماس بقيرة صاحب الصليب جاء إليه وأخذ يناقشه في الأمر فوافقه البطريرك وقال لبقيره «أحضر لي الخط الذي كتبته لك لأوقف الأساقفة عليه إذا اجتمعوا. فدفعه له. فلما صار في يده مزقه قطعة قطعة».. وكان من نتيجة ذلك أن غضب الأساقفة الذين أرسل في طلبهم وقالوا على الأنبا شنودة البطريرك «إنما يتلاهى بنا وأحضرنا لأمر ورجع ففسخه».. وأصر الآباء الأساقفة على ترك السيمونية والاقلاع عنها.. ومن أجل ذلك عقدوا معه اجتماعاً من باكر إلى الليل. وكان الشماس الكاتب بقيرة الرشيدي صاحب الصليب حاضراً هذا الاجتماع معهم، فما استطاعوا أن يزحزحوا البطريرك عن رأيه. ثم دخل إليه أحد تلاميذه برقعة كتبها له إنسان شرير. وبعد قراءتها أهان الشماس بقيرة، ثم أومأ إلى تلاميذه فوثبوا عليه وضربوه ضرباً مبرحاً. ثم قام البطريرك وأنفض الاجتماع على لا شيء.

٨ - وكأن ما أصاب الأقباط من رئاستهم الدينية لم يكن كافياً، فجاء فيضان النيل ناقصاً سنتين متواليتين، فانتشرت المجاعات، وبسبب الشراقي كثرت الجرذان (الفئران) بصورة وبائية وكأنه غضب من الله. وقضت هذه الفئران على زراعات كثيرة وأكلت الحبوب والمحاصيل. وأخذ الناس يصرخون ضارعين إلى الله أن يرفع عنهم هذه الضربة - ضربة الفئران فرفعها عنهم وجاء فيضان النيل ثانياً فأعاد الرخاء إلى البلاد.

٩ - وفي سنة ١٠٢٧ م وقع الظاهر معاهدة مع الامبراطور البيزنطي قسطنطين الثامن مؤداها أن يذكر اسم الخليفة الظاهر في البلاد التابعة له في المساجد وأن يرمم المسجد الكائن بالقسطنطينية، ومقابل ذلك تعهد الخليفة الظاهر بالسماح باعادة بناء كنيسة القيامة بمدينة القدس (أورشليم)٥٧ وكان أبوه الحاكم بأمر الله قد هدمها، وهكذا أعيد بناء كنيسة القيامة.. ومما يذكر عن الخليفة الفاطمي الظاهر (١٠٢٠ - ١٠٣٥ م) «أنه كان على النقيض من أبيه الحاكم بأمر الله في سياسته نحو أهل الذمة فلم يكد يتولى الخلافة حتى عمل على اكتساب عطفهم بأن أصدر بياناً، أعلن فيه، أنهم أحرار في عقائدهم وشعائرهم، وأنه لا إكراه في الدين، وأن من آثر فيهم الدخول في الاسلام اختياراً من قلبه وهداية من ربه، فليدخل فيه مقبولا مبرأ. ومن آثر البقاء على دينه من غير ارتداد، كان عليه ذمته وحياته»٥٨.. وبسبب موقف هذا الخليفة أخذ الشعور العدائي نحو الذميين يقل ويضعف.. ومعنى سياسة الخليفة الظاهر أنه منح الحرية الدينية لمن ارتدوا عن المسيحية في عهد أبيه الحاكم أن يعودوا إلى دينهم المسيحي ثانية. كما سمح باعادة بناء الكنائس المتهدمة٥٩.

١٠ - بعد هذا أصيب الأنبا شنودة البطريرك بصداع شديد في رأسه مع سعال، وكان يحس وكأن ناراً تشتعل في رأسه، كما لحقه وجع في أذنه. وظل مريضاً لمدة ثلاث سنين إلى أن افتقده الرب وتنيح «وهو يشتهي الدنيا» وكان ذلك في ٢٩ أكتوبر سنة ١٠٤٦ م٦٠.

الأنبا خرستوذولس ٦٦ (١٤٠٦ - ١٠٧٧ م)

كانت مدة حبرية هذا البطريرك في خلافة الخليفة الفاطمي المستنصر، الذي سبق أن تحدثنا عنه.. وهو من الآباء النساك الذي تمجد الرب على يديه بأيات وعجائب كثيرة، وعاصره أيضاً آباء نساك عرف عنهم صنعهم للآيات والعجايب.. وهو أصلا من بلدة بورة٦١، ترهب منذ حداثته بدير البرموس ببرية شيهيت، وانتقل منها ليتوحد في صومعة تطل على البحر في نتراوه (بحيرة البرلس حالياً)، وكان يحتفظ في الصومعة بجسد القديسة تكله تلميذة بولس الرسول.

١ - وقع اختيار أراخنة الاسكندرية على اختياره بطريركاً، فسار إليه عشرة منهم ومعهم سيمون كاهن بيعة مار مرقس، وبصعوبة كبيرة تمكنوا من مقابلته، وأمسكوه وساروا به إلي الاسكندرية، ورسم بطريركاً في اليوم الخامس عشر من شهر كيهك سنة ٧٦٣ ش / ١١ ديسمبر سنة ١٠٤٦ م. ويشهد عنه تاريخ البطاركة بهذه العبارة «كانت بداية أمره حسنة وظهرت منه معجزات، وكان روح القدس قريباً منه.. وكانت قسمته من الله».. ثم سار حسب العادة إلى دير أبو مقار ببرية شيهيت.. ويذكر موهوب بن منصور بن مفرج الشماس الاسكندري كاتب سيرة هذا البابا، أنه سمع من فم البابا نفسه أنه حينما كان بصومعته قبل رسامته بطريركاً رأى في حلم «القديسين بطرس ومرقس، وقد سلما له دوباره مفاتيح كبيرة مشدودة».

٢ - وبعد رسامته بطريركاً كرس ست كنائس بالاسكندرية: كنيسة باسم يوحنا الانجيلي وكنيسة باسم الشهيد مرقوريوس (أبوسيفين)، كنيسة باسم الملاك روفائيل، وكنيسة باسم الشهيد مار مينا، وكنيسة باسم الشهيد مار جرجرس، كما جدد بيعة مار مرقس. وسمع كاتب سيرة هذا البطريرك من فمه يوم تكريس كنيسة يوحنا الانجيلي أنه رأى في حلم القديس يوحنا الانجيلي قائماً في هذه البيعة وبيده مجمرة ذهب مملوءة بخوراً.. ورسم البطريرك يوم تكريس بيعة الملاك روفائيل قساً واحداً واثنين وستين شماساً، وشرط على آبائهم أنه ليس لهم حق في ما للبيعة.

٣ - وقد نالت هذا البطريرك متاعب كثيرة على يد محمد اليازوري وزير المستنصر. ولقد أشرنا إلى ذلك في حديثنا عن الخليفة الفاطمي المستنصر. وكان ذلك الوزير شديد الكراهية للمسيحيين عامة وللأقباط خاصة.. كما نالته متاعب على يد رجال قبيلة «اللواته» الذين عاثوا فساداً في الوجه البحري وقبضوا على البطريرك أنبا خرستوذولس، وأذاقوه ألوان العذاب بعد أن نهبوا داره وأسره اللواتيون ولم يطلقوا سراحه إلا بعد أن دفع عنه ثلاثة آلاف دينار على نحو ما أشرنا قبلا فيما كتبنا عن الخليفة المستنصر.

+ ومن تلك المتاعب ما قام به ستة من الأساقفة هم: يوحنا أسقف سخا المعروف بابن الظالم الكاتب (قبل الاسقفية)، وأنبا خائيل أسقف قطور، وأنبا إيليا أسقف طمويه (طموه)، وأنبا جرجه أسقف الخندق، وأنبا مرقس أسقف البلينا وأنبا ميخائيل أسقف تانيس، وجماعة من كهنة الاسكندية، وفدوا إلى مصر، واتفقوا على خلع الأب البطريرك أنبا خرستوذولوس، مدعين بأنه عند رسامته لم تقرأ عليه الصلوات التي جرت بها العادة أن تقرأ على البطاركة.. كأن هذا هو السبب الظاهر، أما السبب الحقيقي فكان خصومة بين أنبا يوحنا أسقف سخا المذكور والبطريرك.. ويبدو أن الأنبا خرستوذولوس كان حازماً في معاملته. ولم يحرك ساكناً إزاء هذه الزوبعة.. لكن سوء التفاهم بين البطريرك ويوحنا ابن الظالم انتهى بتدخل أرخن غيور هو الشيخ أبو زكري يحيى بن مقاره صاحب ديوان المملكة، الذي أحضر له الأسقف المذكور وقدس معه القداس.

+ ولقى هذا الأب البطريرك متاعب بسبب راهب يدعى فلوطس (أو قلوطس) اشتهى الأسقفية، ولما لم يكن مستحقاً لهذه الدرجة الشريفة رفض البطريرك رسامته فظل يقدم شكاوى منه إلى المسئولين حتى قبض على البطريرك في دمرو، ووجدوا في داره ستة آلاف دينار فصادروها وحملوها إلى بيت المال. وبعد وساطة أفرج عن الأب البطريرك وعاد إلى مقر كرسيه بدمرو.

+ نالت الأنبا خرستوذولوس متاعب كثيرة من راهب يدعى القس أبو يعقوب. طمع هذا الراهب في البطريركية والأنبا خرستوذولوس على قيد الحياة. وظن أنه يستطيع تحقيق حلمه هذا بواسطة ناصر الدولة بن حمدان لأنه كان صديقه وكان قد وعده بذلك. فسار الراهب إلى الاسكندرية وانتظر وصول ابن حمدان، لكن الراهب مرض ومات ودفن. ومما يجدر ذكره أن تلميذاً للراهب اسمه يعقوب كان ملازماً له قال «أن السيد المسيح قد ستر هذا القس أبو يعقوب وستر على الشريعة بموته». وقال أنه في نزع الموت كان يقول «يا رب قد أخطأت فامهلني سنة واحدة حتى أتوب وأبكي على خطيتي. ثم قال امهلني ستة شهور ثم قال شهر واحد إلى أن انعقد لسانه ومات.. وتمت فيه المجازاة الدنياوية العاجلة. وكفى البطريرك أمره» (تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢٠٢، ٢٠٣).

+ ومن المتاعب التي نالت هذا البطريرك أن إنساناً يدعى علي القفطي وشى بالبطريرك عند أمير الجيوش بدر الجمالي بقوله أن البطريرك له من قبله في بلاد النوبة مطران اسمه بقطر. هذا المطران هدم مسجداً في بلاد النوبة، وله مطران في الحبشة اسمه قوريل يعمل على تحويل المسلمين عن دينهم. أصدر بدر الجمالي أمراً بالقبض على البطريرك فقبض عليه واعتقل. وكان بدر الجمالي قد أرسل رسولا إلى بلاد النوبة يدعى حسام الدولة، فانتظر عودته ولما سأل عن وشاية علي القفطي الخاصة بهدم المسجد نفى هذه الواقعة. فأحضر أمير الجيوش البطريرك إلى مجلسه مكرماً مبجلا وأحضر كلا من حسام الدولة وعلى القفطي الذي أقر واعترف بكذبه. فأحضر أمير الجيوش القضاة والفقهاء وسألهم فيما يستحقه علي القفطي الكذوب الذي أراد إحداث فتنة ووقيعة بين ملكين. فأفتى الفقهاء بقتله. فقال أمير الجيوش للبطريرك «فماذا تقول أنت فيه؟ فقال له ما عندنا في مذهبنا قتل ولا مجازاة على الشر بشر. وأنت السلطان والأمر لله ولك». فأمر بقتله.. كما أظهر له البطريرك كذب الادعاء بخصوص مطران الحبشة. فزاد أمير الجيوش في إكرام البابا خرستوذولوس. (تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢٠٤، ٢٠٥).

٤ - وفي عهد هذا البطريرك تمكن الأقباط من الاحتفاظ برأس مار مرقس كاروز بلادنا على الرغم من سعي الروم للحصول عليها مقابل عشرة آلاف دينار. وقد أشرنا أيضاً إلى ذلك في حديثنا عن الخليفة المستنصر. ونضيف هنا أن رأس مار مرقس كانت تظهر منها عجائب كثيرة.. ويروي تاريخ البطاركة أن شخصاً شك في قلبه وقال «أترى هذه رأس القديس مار مرقس أم لا». ففي تلك الليلة ظهر مار مرقس لشقيقه وقال له «أخول شك في.. ففي الصباح أعلم أخاه بما رآه في الحلم، فلما سمع تعجب وارتعب واعترف بما خامره من شك، ومضى إلى حيث رأس القديس وصلى بدموع طالباً الصفح عنه» (تاريخ البطاركة، المجلد الثان، ج ٣، الصفحة ١٨١).

٥ - ومن الأمور الحسنة التي تذكر لهذا البطريرك اهتمامه بالنواحي الطقسية في الكنيسة والعبادة. ولقد وضع قوانين طقسية، نسخة منها موجودة بمكتبة المتحف القبطي بمصر القديمة. وقد بدأ في إصدار هذه القوانين في ٨ مسرى سنة ٧٦٤ ش (أول أغسطس سنة ١٠٤٨ م) بعد أقل من سنتين من رسامته بطريركاً. وكان أول هذه القوانين خاصاً بالمعمودية. وتلاه بقوانين عن العبادة الكنيسة وخشوع المؤمنين في دخول الكنيسة. وتناول في قوانينه أمور كثيرة تتعلق بطاعة الزوجات لأزواجهن - وتكلم عن الصوم الأربعيني وطقس أسبوع البصخة ابتداء من نهاية قداس أحد الشعانين - كما تكلم عن طقس الخماسين وصوم الرسل وصوم يومي الأربعاء والجمعة وصوم الميلاد والغطاس.

+ وكان رهبان دير أبو مقار يحفظون القربان المقدس من يوم أحد الشعانين حتى يوم الأربعاء السابق لخميس العهد، فأنكر عليهم الأب البطريرك ذلك وبين لهم خطأ هذا العمل. وأمر بابطال ذلك وحرم كل من يفعله فيما بعد، وكان ذلك بحضور عدد من الأساقفة بدير أبو مقار.. ولكن الرهبان ثاروا وقالوا له «ما أنت أفضل من الآباء الذين من قبلك». فقام البطريرك وأخرج من خزانة الكتب بدير أبو مقار ميمر في هذا المعنى وقرىء على جميع الرهبان. وهكذا أبطلت تلك العادة الخاطئة.

+ ومن أمثلة تدقيق هذا البطريرك في مراعاة طقوس الكنيسة وعقائدها وحزمه في تنفيذ ذلك أن طبيب الخليفة الخاص ويدعى الشيخ أبو البشر وهو سرياني الجنس (والسريان يضيفون الزيت والملح للقربان) - حضر إلى كنيسة الشهيد مرقوريوس ومعه قربان من عند السريان ليقدس عليه البطريرك وكان سيصلي في هذه الكنيسة. وحصل نقاش بينهما، ولما لم يظهر هذا الطبيب خضوعاً أمر تلاميذه أن يبعدوه عنه، فأخذوه وأخرجوه خارج الكنيسة ومضى هذا الطبيب إلى الوزير وشكاله، كما كتب إلى بطريرك أنطاكية شاكياً، فلم يبال البطريرك بشيء من ذلك.

+ ومن أمثلة حزمه وتدقيقه وعدم الأخذ بالوجوه أن قصده بعض أراخنة مصر، وسألوه أن يعطي حلا (يحالل) ابن أخت الشيخ أبو زكري يحيى بن مقارة صاحب ديوان المملكة (وهو الذي صالحه مع يوحنا ابن الظالم أسقف سخا بعد الزوبعة التي أحدثها) - وهذا الشخص المحروم كان ممنوعاً لأجل جرم ارتكبه فلم يحالله. فلما ألحوا عليه في الكلام قال لهم «الكلمة الواحدة تغني الحكيم، والكلام الكثير لا يغني الجاهل شراً». فلما سمعوا منه ذلك كفوا عن الكلام٦٢.

٦ - وفي أواخر حبرية البابا خرستوذولوس رسم بطريرك جديد في أنطاكية اسمه يوحنا وكان من القديسين. فبعث إليه الأنبا خرستوذولوس برسالة الشركة في الايمان (ستوديقا) بين الكنيستين كالمعتاد. وأضاف إلى الرسالة شيئاً مما عاناه من متاعب كالنهب والأسر والعقوبة وأنه أخذ منه ما يزيد عن مائة ألف دينار وغير ذلك. فجاء رد البطريرك الأنطاكي مملوء نعمة ومحبة، ومما قاله «أي مال لنا نحن الذين صرنا في هذه الرياسة الجليلة التي لا نستحقها إلا غنى السيد المسيح إلهنا.. وجميع التلاميذ والقديسين الذين نحن خلفاؤهم لم يكنز أحد منهم كنزاً. ولا كان لأحد منهم سوى ثوب واحد لا غير، حتى أن القديس العظيم حبيب السيد المسيح يوحنا بن زبدي الانجيلي كان يخدم في زبل الحمام بمدينة أفسس عند انسان رومي، ويأكل الخبز الذي بتعبه في مستوقد الحمام. فكيف يكون لنا نحن الحقيرين مال. وذكر له من هذا في كتابه شيئاً كثيراً وهو تعزية وتوبيخ وتسلية». وبعدها تنيح هذا الأب القديس البطريرك يوحنا الأنطاكي٦٣.

٧ - ورسم الأنبا خرستوذولوس صايغ من أهل البلينا يدعى بمون أسقفاً على مدينة أرمنت بعد أن أشيع أن أسقفها الأنبا باسيليوس قد تنيح.. ولما توجه الأسقف الجديد إلى أرمنت وجد أن أسقفها مازال على قيد الحياة.. وأقام في ضيعة لمدة عشر سنوات حتى تنيح الأنبا باسيليوس أسقف الايبارشية.

٨ - سبق أن ذكرنا أنه في زمان الخليفة الفاطمي المستنصر حلت بمصر أيام سود استمرت سبع سنوات بسبب انخفاض مياه النيل وحدثت مجاعات وانتشرت أوبئة وترتب على ذلك قيام حروب أهلية في مصر نتيجة الغلاء الفاحش وندرة القوت.. وكان هذا بلا شك تأديباً من الرب لأولاده الذن انحرفوا وحادوا عن طريقه وأخذوا يتشبهون بغير المؤمنين فتكبروا وتصلفوا.. يقول كاتب تاريخ البطاركة «ولما صار جميع مقدمي المملكة والناظرين في دواوينها وتدبير أمرها كلهم نصارى وهم الملاك النافذ أمرهم بغوا وعتوا وبذخوا هم وجميع النصارى بديار مصر، وتكبروا وعزت نفوسهم. ووقع بينهم البغضة والحسد وبين مقدميهم. وصار أكثر اهتمامهم بالأمور الدينياوية والتجمل والتفاخر والكبرياء على بعضهم بعض. فنزل الأدب من السماء من عند السيد المسيح على جميع النصارى حتى لحق غيرهم من الأمم لينتقم منهم عن جميع ذنوبهم في هذه الدنيا ويخلصهم في الآخرة قبل أن يصيروا إليه...»٦٤.

ومما قاله أيضاً «... كثرت خطايانا وذنوبنا.. حتى أن جماعة ثقات من المسلمين والنصارى أبصروا بأعينهم الدموع تجري من أعين بعض الصور التي في الكنائس»٦٥.

+ ومن القصص المؤثرة فيما يختص بتأديبات الرب لشعبه، أن إنساناً مسيحياً كان دائماً يستشفع بالشهيد مرقوريوس (أبو السيفين) وكان يقضي حوائجه مقابل خدمته له.. وفي زمن تأديب الرب هذا استشفع هذا الرجل كعادته بالشهيد مرقوريوس فلم يقض له حوائجه كما اعتاد، فدخله الشك من جهة هذا الشهيد. فظهر له الشهيد في تلك الليلة «وأخرجه إلى موضع واسع، وأوقفه على جب فيه خيل وسلاح. وقال له أتعرفني؟ أنا مرقوره فلا تشك في وأعلم إني أنا وأخوتي الشهداء وغيرنا قد أمرنا بأن لا نشفع في أحد في هذا الزمان لأنه زمان أدب. وهذه خيلنا وسلاحنا قد تركناها هنا»٦٦.

٩ - كذلك حرص البطريرك الأنبا خرستوذولوس على الصلات الطيبة التي تربط بين الكنيسة في مصر ومملكة النوبة المسيحية. فما أن وصلته رسالة جرجس ملك النوبة يطلب فيها رسامة مطران لهم لنياحة مطرانهم حتى بادر باختيار راهب تقي ورسمه وأنفذه إليهم، فرح به النوبيون لأنه دشن لهم كنيسة كان قد بناها سلفه.

وكان ملك النوبة هذا قد قطع الجزية التي كان يرسلها إلى مصر لكنه عاد إلى دفعها بعد أن أقنعه رسول من قبل البابا خرستوذولوس بذلك حفظاً للسلام بين الدولتين. ولم ينس الرسول أن يؤكد للملك أنه يقدم له النصيحة رغم عدم رغبته في التدخل في شؤون الدولة السياسية. وهذا يؤكد أن كنيسة الاسكندرية قد عرفت دائماً - كما فعلت في اثيوبيا - حدود رسالتها فلم تتعد دائرة الدين٦٧.

١٠ - قديسون وأبرار معاصرون للبابا خرستوذولوس:

(أ) من المعاصرين للبابا خرستوزولوس، الأنبا باسيليوس أسقف أرمنت وكان قديس روحاني. ذكر عنه أنه في زمن المجاعة والغلاء أنه كان يتصدق بكل ما عنده. وفي ليلة من الليالي طرق رجل مستور (هذا هو التعبير في المخطوطات القديمة الذي يقصد به الفقراء)، باب أسقفيته، فقال لتلميذه - وكان يدعى مينا - أعطه خبزاً. ولم يكن لديه سوى رغيفان من الخبز، فدفع له منهما رغيف. ثم قرع الباب آخر فأعطاه جزء من الرغيف الباقي. ولم يتبق سوى جزء من الرغيف لوجبه الافطار. فلما جلس ليفطر قرع الباب ثالث، فضجر التلميذ مينا، فألزمه الأسقف أن يدفع بقية الرغيف له. ولم يتبق شيئاً لافطاره. وفي المساء قرع إنسان الباب فقال لتلميذه أن يفتح لمن يقرع البابا. فقال التلميذ بضيق «ما بقى عندنا شيء ندفعه لمن يقرع. كيف أكلمه وليس عندنا شيء نعطيه فألزمه باجابته». كان التلميذ يظن أن القارع سائل من السائلين، وما أكثر دهشته حينما وجد إنساناً جاء بطعام٦٨.

(ب) ومن المعاصرون أيضاً أنبا إيليا أسقف طموه (قبلي الجزيرة وعلى مقربة منها) - وكان شيخاً كبيراً جداً، حدثت معه عجائب كثيرة سمعها كاتب السيرة منه ومن حضرها وشاهدها بنفسه. ومنها أن الأنبا إيليا كان يصلي القداس يوم عيد مار بقطر الشهيد بكنيسته بالجيزة. وفي منتصف القداس رأى الأسقف نوراً عطيماً على صورة السيدة العذراء التي في الهيكل. وظل النور مدة طويلة. وشاهد جميع الشعب الحاضرين هذا النور.

(ج) ومن المعاصرين أيضاً لهذا البابا الأنبا ميخائيل أسقف تنيس Tinnis٦٩ كان اسمه أبو حبيب ميخائيل ابن بدير الدمنهوري - ترهب بدير أبو مقار ببرية شيهيت.. تربى تربية روحية، كان خاله مينا مهندساً من موظفي الدولة، وعن طريقه تعرف بالشماس بقيره الرشيدي حامل الصليب السابق الكلام عنه، وصارا صديقين حميمين. رسم شماساً وهي أول درجة من درجات الكهنوت.. انشغل بتدوين سير باباوات الكنيسة القبطية. لذا اعتزل صحبة بعض الأراخنة من بينهم بقيرة الرشيدي بدير الأنبا يحنس كاما عند الراهب بسوس. وكانوا يواصلون الليل بالنهار. وتمكن بجهد شاق من تجميع وكتابة سير عشر باباوات (من البابا ٥٦ إلى البابا ٦٦).

كما تعاون الشماس أبو حبيب ميخائيل بن بدير مع الأنبا ساويرس أسقف الاشمونين حينما كان منشغلا بكتابة تاريخ البطاركة وذلك بأن ترجم له السير البابوية من القبطية إلى العربية.

ثم وقع اختيار البابا البطريرك ابرام بن زرعة ٦٢ ليكون كاتبه وكتب السنوديقا (رسالة الشركة في الايمان)، التي بعث بها هذا البابا إلى البطريرك الأنطاكي كما كانت العادة، واستمر يكتب السنوديقا تحت رياسة خمسة من الباباوات.

وتقديراً من البابا خرستوذولوس للراهب الشماس أبو حبيب ميخائيل رقاه لدرجة الأسقفية على ايبارشية تنيس مع استمراره في عمله ككاتب للسنوديقا.. وبعد أن كتب السنوديقا للبابا خرستوذولوس كلفه بحملها إلى بطريرك أنطاكية بصحبة الأنبا غبريال أسقف صالحجر.

أما عن نياحة هذا الأسقف النشيط فيبدو أنها كانت في أواخر عهد البابا خرستوذولوس لأنه ذكر عن هذا البابا أنه رسم أسقفاً على تنيس باسم الأنبا صموئيل.. وهكذا يكون الأنبا ميخائيل قد عاصر ستة من الباباوات كان مع الأخير أسقفاً٧٠.

(د) وكان هناك رهبان قديسون عاصروا البابا خرستوذولوس، نذكر منهم الراهب بيسوس Bessus بدير أنبا يحنس كاما (الذي اندثر)، وآخرين غيره.

الراهب بيسوس:

ويعتبر الراهب القديس بيسوس من الشخصيات العجيبة حقاً. ويبدو أنه كان من السواح، كما كانت له موهبة النبوة ومعرفة المستقبل، كما كان مقتدراً في صلواته وبركته.. ونورد هنا بعض قصص عن ذلك:

+ زاره أحد عشر شخصاً من الاسكندرية للتبرك منه، واستضافهم وقدم لهم طعاماً ثم أتاهم بجرة صغيرة من الماء وبارك عليها، وشربوا منها جميعاً حتى امتلأوا، ولم تنقص الجرة إلا إلى مقدار نصفها.. وفي الصباح سألهم ألا يدعوا أحداً من أراخنة مصر ممن يخرجون إلى البرية في عيد الغطاس يأتي إليه، وإلا ترك الدير وذهب إلى مغارة.

وكان موجود بدير أبو مقار أرخن يدعى أبو البدر بن مينا الزرادي وألح في ضرورة مقابلته للاعتراف بذنوبه.. فلما علم بذلك قال أنه سيذهب لدير أبو مقار حتى لا يدع الجمع الكبيرة من الأراخنة يذهب إليه. وبالفعل ذهب إلى دير أبو مقار وتقابل مع هذا الأرخن، ولما عزم على الانصراف ألحوا عليه بالمبيت بدير أبو مقار حتى ينالوا بركة أكثر. وإزاء إلحاحهم قبل المبيت. ثم طلب منهم الانفراد للصلاة، فحبسوه في خزانة وأغلقوا عليه، وباتوا أمام بابها ليتباركوا منها، ويسمعوا صلواته ويصلون معه.. وما أكثر دهشتهم حين فتحوا الخزانة التي حبسوا فيها الراهب بيسوس في الصباح، فلم يجدوه.. وبالاستعلام من دير أنبا يحنس كاما علم أنه غادره إلى دير أبو مقار بعد غروب الشمس وعاد قبل صلاة منتصف الليل كل هذه المفارقات في وقت خروجه من دير أبو مقار والعودة إليه في مدة أقل بكثير جداً من الوقت الذي تستغرقه هذه الرحلة، بالاضافة إلى حبسه في الخزانة وخروجه منها وبابها مغلق.. كل ذلك جعل كاتب سيرته يسأله عن متى ذهب ومتى عاد فكان جوابه «مالك إلى هذا حاجة»٧١.

+ حدث في سنة ٩٧٨ ش / سنة ١٠٨٢ م أن عرقاً تصبب من أعمدة دير أنبا موسى، وكذا من عدة صور في كنيسة الشهيد تادرس بمصر ببني وائل، حتى أن عرقها كان ينحدر منها بغزارة كالماء. وحدث في تلك السنة أن مرض الجدري انتشر بصورة وبائية، ومات بسببه في أقل من شهر واحد وعشرون ألف صبي. فكتب كاتب سيرة القديس بيسوس إليه أن يصلي من أجل أن يرفع الله هذا الوباء، كما طلب إليه أن يوصي رهبان شيهيت - وكان عددهم سبعمائة راهب - بأن يصلوا من أجل هذا الموضوع أيضاً.. وحمل الرسالة إليه راهب فاضل من دير نهيا (اندثر) كان القديس بيسوس يحبه.. وفي صباح عيد الميلاد وكان يوافق ٢٨ كيهك في ذلك العام، طلب راهب دير نهيا من القديس بيسوس أن يعطيه رداً على الرسالة حتى يعود إلى ديره. فقال له بيسوس «الجواب أنهم قد تخلصوا وأنعم عليهم السيد المسيح». وكتب رسالة جاء فيها «أن السيد المسيح قد خلصهم في هذا اليوم».. وحدث أن الوباء رفع في اليوم الذي حدده٧٢.

+ ومن أمثلة بركة القديس بيسوس تلك القصة التي رواها الشماس أبو حبيب ميخائيل بن بدير الدمنهوري وهو أحد الذين جمعوا سير البطاركة.. قال أنه كان مختفياً عند القديس بيسوس بالدير ومعه جماعة من الأخوة النصارى مختفين كذلك. ورآه يضع زيتاً في المسرجة وبارك عليه، وأوقدها لهم. وأقام الشماس أبو حبيب عنده خمسة عشرة ليلة ينسخ الكتب كل ليلة إلى منتصف الليل.. ولم ينقص الزيت الذي في المسرجة٧٣.

+ وفي ذات مرة حضر إليه راهبان متخاصمان من أحد الأديرة. فاجتهد أن يصلح بينهما فقبل الصلح واحد وأبى الثاني ومضى ولم يطعه.. عاد إليه هذا الراهب غير المطيع بعد ثلاثة أيام وقد ضرب جسمه بالبرص... وتوصل إليه أن يلبسه شيئاً من ثيابه. فألبسه ثوباً ومضى. وعاد في اليوم التالي ليعيد الثوب بعد أن شفي٧٤.

+ ومن معجزات القديس بيسوس أن راهباً شاباً ببرية أبو مقار أصيب بمرض الفالج (الشلل) وفقد النطق، فحملوه إلى القديس بيسوس بدير أنبا يحنس كاما فوضعه في كنيسة العذراء التي بالجوسق لمدة ثلاثة أيام. وذكر الراهب بعد ذلك أنه أبصر ثلاثة أشخاص خارجين من الهيكل. فقال إثنان منهما للثالث وهو يتقدمهم «أقض حاجة بيسوس في هذا الشاب». فدفعه برجليه وقال له قم، فقام صحيحاً تماماً. وللوقت ناداه بيسوس من أسفل دون أن يراه وقال له «يا فلان أنزل». فنزل الراهب الشاب وقد برىء وسجد على قدميه وتحدث بما رآه وسمعه.

+ ومن معجزاته أيضاً أن واحداً من النصارى في محلة ابن علي أصيب بمرض الفالج والخرس فحملوه على دابة إلى القديس بيسوس بديره، وصلى عليه ثلاثة أيام بلياليها، فخرج من عنده معافى تماماً، وعاد إلى بلدته وهو يمجد الله٧٥.

+ وروى الشماس يؤنس الراهب - وهو تلميذ له - أن أباه القديس بيسوس صعد إلى الجوسق (القصر) ليصلي، فدخل الدير ثمانية عشر رجلا سودانياً، فاستولوا على الدير، وأمسكوا بواحد من الرهبان وأخذوا يعذبونه. فنزل بيسوس من الجوسق وأمسك رقبة مقدمهم بيده وأخرجه من باب الدير. وفعل ذلك مع الباقين حتى أخرجهم جميعاً من الدير، وأغلق الرهبان باب الدير.. وحلف أولئك السودانيين أن أبصارهم عميت، وأن يد بيسوس كانت على رقابهم مثل حجر ثقيل٧٦.

+ وفي مدة المجاعة التي عمت البلاد المصرية في حكم الخليفة المستنصر وحبرية البابا خرستوذولوس، كان البدو يترددون على دير أنبا يحنس كاما، وليأخذوا طعاماً من الخبز والقمح. وكان القديس بيسوس لا يرد سائلا.. وظل الأمر على هذا المنوال حتى أنه لم يتبق لرهبان الدير إلا قوت يوم واحد فقط يأكلونه ثم يخرجوا من الدير ويهيموا على وجوههم.. فأتاهم قوم يطلبون طعاماً. فقال بيسوس للرهبان أن يعطوهم ما عندهم. فتذمر الرهبان واغتاظوا. لكن القديس بيسوس قال لهم في هدوء «في آخر النهار يصلكم من عند المسيح ما يكفيكم لأيام عديدة، فلا تضيق صدوركم».. فدفعوا كل ما عندهم من قمح لهؤلاء القوم. ثم عادوا وقالوا إن ما عندهم طاحونة. ولم يكن بالدير سوى طاحونة واحدة، فأعطاها لهم.. فتذمر الرهبان على بيسوس وقالوا له «قلت أن القمح يجيئنا عشية وأخذت الطاحونة التي ليس عندنا غيرها ودفعتها لهؤلاء القوم. فهل إذا جاء القمح نقرقشه أو نسلقه». قال لهم بيسوس «لا تقنطوا فان الرب يأتينا بما نحتاجه. فانه جل اسمه لا يعوزه علم شيء. فطيبوا نفوسكم». وفي وقت الغروب وصل جملان محملان قمحاً، وعلى ظهر أحدهما طاحونة جديدة أكبر من التي أعطوها. فسبح الرهبان الله ومجدوه٧٧.

+ وذكر عن الراهب القديس بيسوس أنه صعد مرة إلى الجوسق (القصر) ليصلي صلاة الساعة الثالثة، وأصعدوا معه قفة مملوءة خبزاً. فجاء إلى الدير قوم يطلبون طعاماً. فقال بيسوس لتلميذه أعطهم ما في القفة. وبالفعل أعطوهم كل ما فيها.. فلما فرغ من الصلاة جاء قوم آخرين يطلبون طعاماً، فقال بيسوس لتلميذه أن يعطي هؤلاء القوم الذين يصيحون شيئاً من الخبز.. قال تلميذه يؤنس - الذي روى هذه القصة - لمعلمه بيسوس أما دفعت الخبز لأولئك الذين أتوا قبلا. فأجابه بيسوس أما رجعت وملأتها. فقال التلميذ له «منذ صعدت إلى ههنا وأنت قائم تصلي مكانك ما برحته، فمتى ملأتها؟. فقال بيسوس «قد ملأتها. وهوذا هي مملوءة خبزاً فانزل بعضه للجائعين».. وأشهد يؤنس التلميذ الله على نفسه أن بيسوس «لم يمسكها بيده منذ فرغت وكانت فارغة. وكان هو قائم يصلي. وأنا صليت معه الثالثة»٧٨.

وكان أحد الرهبان ويدعى يسطس قد فقد بصره، فصلى عليه بيسوس لمدة شهر كامل إلى أن رد إليه البصر ثانية٧٨.

وبعد نياحة خرستوذولوس اتجهت أفكار الآباء الأساقفة إلى القديس بيسوس ليجعلوه بطريركاً. فلما هموا أن يمسكوه صاح عليهم وأخذ حجارة يضرب بها صدره حتى كاد يؤذي نفسه. وقال لهم «أنا ابن مملوك تجعلوني بطرك. لا تطلبوني أنا ولا مقاره الامنوت٧٩ (البواب بدير أبو مقار) الذي قد هرب منكم واختفى. ولا تتعبوا فان بطركهم هوذا عندهم في الاسكنا بدير أبو مقار».

وفيما يختص بهذا القديس فان كتاب تاريخ البطاركة يورد تنبؤات كثيرة له تمت كما تنبأ بها.

بطرس الحبيس في صومعة سنجار[^80]:

كان له عجائب كثيرة منها أنه ذات مرة بينما كان يصلي القداس الالهي في كنيسة دمرو، وأثناء تقديس القرابين، وضع أصبعه على حافة الكأس. وفيما يقول «وهذه الكأس أيضاً يجعلها دماً كريماً للعهد الجديد الذي له»، امتلأ الكأس حتى نهايته وانصبغ أصبعه بلون الدم القاني. غشي عليه ولحقه رعب شديد. ومن ذلك اليوم - ولمدة خمسة عشر عاماً - ظل يربط أصبعه هذا بخرقة حتى لا يراه أحد. وامتنع عن صلاة القداس٨١.

الراهب شنودة بجهة نوسا:

وكان راهباً شيخاً قديساً يعيش في صومعة بجهة نوسا٨٢، وكان فاقد السمع. فأرسل إليه كاتب سيرته بتاريخ البطاركة رسالة للصلاة من أجله هو ومن أجل أخيه فهد وكان كلاهما مقبوض عليه بأمر أمير الجيوش بدر الجمالي. فأرسل إليه رداً قائلا قد خلصكم السيد المسيح اليوم.. وتم الافراج عنهما في نفس هذا التوقيت٨١.

الراهب كييل بدير أبو يحنس القصير:

وهو راهب قديس يسمى كييل ابن الجندي، كان يكشف ما في قلوب الناس قبل أن يفصحوا عنها.. قصده جماعة وكان ضمنهم رجل نصراني من أهل فوه.. وكان الراهب كييل قلما يفتح لمن يقرع بابه - فلما فتح لهم قال للرجل الذي من فوه «يا فلان وسماه باسمه ما خفت من السيد المسيح ربنا لما زنيت ليلة الأحد في الطاحونة بفوه».. فلما سمع الرجل هذا الكلام سقط على الأرض وتعلق برجل كييل وبكى وسأله أن يستغفر له فضمنه وقال له إن أنت تبت فأنا أضمن لك الغفران فتاب لوقته. فقال له طب نفساً فان الرب قد غفر لك».. ثم أخذ يحدث الباقين كل واحد باسمه ويذكر له ما أتى لأجله قبل أن يحدثه.

وحدث أن الراهب كييل هذا وقف يصلي ليلة أحد بين يدي صورة السيدة العذراء حتى الصباح. فكلمه أبليس من خلف الصورة وقال له «قد تعبت يا كييل يكفيك. فزجره كييل كعادته معه.. وصلب عليه فصار زوبعة سوداء ومضى عنه.

عرف كييل وقت نياحته وخروجه من هذا العالم، وطلب إلى الرهبان أن يأتوه يوم الجمعة وقت الساعة التاسعة ليودعهم فانه راحل عنهم في ذلك اليوم.. فذهب إليه الرهبان وكان هو بغاية الصحة وكان يخدمهم. ثم قام واستحم ولبس ثياباً نظيفة واضطجع قدامهم وقال اقرأوا على المزامير ثم ودعهم وتنيح٨٣.

الشهيد بفام بن بقورة الصواف:

هو ابن أخت أنبا جرجه أسقف ميساره. كان يبلغ من العمر ٢٢ سنة ويقيم بمصر.. تعرض لتجربة شديدة حينما ارتد عن المسيحية. فرفضه أبوه وأمه وأبعدوه عنهم.. لكن الله لم يتركه إذ ندم على فعلته، وقرر العودة ثانية إلى المسيحية.

مضى إلى كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل المختارة (وكانت بجزيرة الروضة وتدعى وقتذاك جزيرة مصر)، وأقام بها أياماً.. وعول على التوجه إلى دير أبو مقار صحبة بعض الرهبان والاقامة فيه.. وكان ذلك بناء على مشورتهم. فلما حان وقت المسير غير فكره وقال لهم «ما منفعتي إذا مضيت معكم إلى تلك البرية، ولم اعترف بالمسيح في الموضع الذي أنكرته فيه». وتركهم وشد زناره (علامة نصرانيته) - وأخذ يمشي في أسواق مصر.

كان أبوه على صلة طيبة بأحد كبار موظفي الدولة ويدعى «عدة الدولة رفق». فلما رأى المسلمون زناره في وسطه بعد إسلامه، أمسكوا به واقتادوه إلى الشرطة، فاعتقله الوالي وضيق عليه. فمضى أبوه إلى صاحبه عدة الدولة رفق، ووعده بمبلغ كبير من المال إن هو خلص ابنه.. فقال له عدة الدولة أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً «إلا إذا تظاهر بالجنون. وأنفذ أنا الشهود إلى الحبس ينظروه ويسمعوا كلامه وأخلصه وهو نصراني».

كان معه في الحبس راهب سرياني الجنس أخذ يعظه فأنار قلبه وأبان له طريق الشهادة حتى حبب إلى نفسه الشهادة على اسم المسيح. وصار الاستشهاد عنده أحلى من الشهد حتى صار يشتهيه ويؤثره على الحياة. فلما دخل إليه الشهود في السجن كلمهم بعقل واتزان واعترف بالايمان المسيحي.. فقالوا له إنما قيل لنا أنك فعلت هذا عن جنون أصابك.. فقال لهم «لو كنت مجنوناً ما حفظت ديني وإيماني. وأنا بحمد الله عاقل مؤمن بالسيد المسيح له المجد».. ثم مضى الوالي بالشهود إلى الوزير وشرحوا له ما كان بحضور عدة الدولة رفق فأمر الوزير بقتله.

أبلغوه في السجن الأمر الذي يقضي بقتله بقصد إرهابه، لكنه ثبت على إيمانه. فأخرجوه من سجن الشرطة وتبعه خلق كثير يحملون العصي وآلات التعذيب.. وفي المكان المعد للقتل، أخذ نائب الوالي يغريه باغراءات كثيرة، ويقدم له الوعود حتى يرجع عن رأيه، فقال له الشاب «لو دفعت إلى ملك مصر ما التفت إليه» فرفع يده ولطمه. وكان في أصبعه خاتم كبير من الذهب أصاب عينيه فتورمت. وإمعاناً في إرهابه قال نائب الوالي للسياف «جرد السيف» فجرده. وقال للشاب «انظره أنه قاطع» وأرادوا أن يعصبوا عينيه، لكنه قطع جزء من كم ثوبه وعصب عينيه بيده.. وبرك على الأرض وحول وجهه نحو الشرق، رشم جبينه بعلامة الصليب، ومد عنقه. والتمس أن يشرب فلم يطعه أحد.. وضربت عنقه فوقع بطنه على الأرض، أما رأسه ووجهه فكان منتصباً نحو الشرق، مما أثار عجب جميع الحاضرين.

أقاموا أربعة لحراسته في تلك الليلة فرأوا نوراً عظيماً حل على جسده حتى أنهم فزعوا منه.. وبعد ذلك أمر الخليفة المستنصر أن يسلم جثمانه لذويه ليدفنوه حيثما شاءوا.. فحمله أبوه إلى كنيسة ميخائيل المختارة، ودفنه خارج الباب.

وفي اليوم الثالث وصل البابا خرستوذولوس إلى هذه البيعة، ولما علم أنهم دفنوه خارج الباب استنكر هذا التصرف. وقال «لا يدفن الشهيد خارج البيعة. وأمر بهدم القبر وأخرج جسده ودخل به إلى الكنيسة، وكشف عنه الكفن وقبله وتبارك منه. ووجد عليه دماً سائلا كأنه نزف منه لوقته. فأخذ البطريرك من الدم وصلب على ثيابه. وبنى مذبحاً هناك على اسمه، وكرزه ودفنه مقابله على سطح الأرض حتى يتبارك منه الناس٨٤.

١١ - أخيراً تنيح البابا القديس الأنبا خرستوذولوس بعد أن أكمل جهاده الحسن. وكان ذلك في يوم السبت ١٤ من كيهك سنة ٧٩٤ ش / ١٠ من ديسمبر سنة ١٠٧٧ م بعد أن جلس على الكرسي المرقسي مدة ٣١ عاماً. ودفن في كنيسة العذراء بمصر القديمة المعروفة باسم الكنيسة المعلقة بقصر الشمع. وبعد فترة نقل جسده المقدس إلى دير أبو مقار بوادي النطرون.

الأنبا كيرلس الثاني ٦٧ (١٠٧٨ - ١٠٩٢ م)

كانت حبرية هذا البابا الفاضل في خلافة الخليفة الفاطمي المستنصر الذي سبق أن تحدثنا عن عهده. لكن المتصرف الفعلي في شئون البلاد كان هو بدر الجمالي الأرمني الذي استحضره الخليفة من سوريا وخلع عليه عدة ألقاب منها لقب «أمير الجيوش»، وكان رجلا قوي الشكيمة، حسن التصرف. وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك.

بعد نياحة البابا خرستوذولوس ظل الكرسي البطريركي شاغراً نحو ثلاثة شهور.. اجتمع بعض الأساقفة وأراخنة مصر وبعض كهنة الاسكندرية بدير أبو مقار لاختيار من يخلفه.. واتجه فكرهم إلى القديس بيسوس الذي سبق أن تحدثنا عنه وعن معجزاته وشخصيته. وحينما ذهبوا إليه رفض بشدة. وقال لهم «لا تتعبوا فان بطركهم هوذا عندهم بدير أبو مقار».. وبالفعل وقع اختيار الجميع على راهب قس من دير أبو مقار يدعى جرجه.. وحاول أن يستعفى فما استطاع. فأخذوه كرهاً والبسوه الثوب وأسموه كيرلس وهو يبكي.. والعجيب أن الراهب كان مزكى من سلفه البابا خرستوذولوس.. وساروا به إلى الاسكندرية وتمت رسامته بطريركاً باسم كيرلس الثاني في ١٨ مارس سنة ١٠٧٨ م / ٢٢ برمهات سنة ٩٧٤ ش٨٥.

١ - وتحت حكم بدر الجمالي ويده القوية وسياسته الحكيمة عم السلام والرخاء أنحاء البلاد المصرية. واتجه نحو تنمية التجارة، فاقرض التجار مبالغ كبيرة تسدد على أقساط مريحة، كما مكنهم من الاتجار مع البلاد الأخرى خارج مصر.. ثم اتجه إلى الزراعة وأولاها عنايته، فتنازل للزراع عن ضرائب ثلاث سنين كانت متأخرة عليهم. وهكذا تضاعفت المحاصيل نتيجة هذا التشجيع.. وكانت النتيجة الطبيعية للرخاء المادي هي النشاط الفكري في الكتابة والابتكار.. وهكذا ازدهرت العلوم والفنون.

على أن أعظم ما يميز هذه الفترة هو الفن المعماري. فأقيمت الأبنية العظيمة في القاهرة وغيرها من المدن الكبيرة. وأحاط بدر الجمالي مصر القديمة والقاهرة بأسوار منيعة. وكان المتولي عمارتها راهب قبطي يدعى يؤنس (يوحنا)، وهو الذي أشرف على تصميمها٨٦. وفي ملاحظة هامشية للعالم المؤرخ الفريد بتلر على ما ذكره أبو المكارم عن الراهب القبطي يؤنس يقول «ليس هناك دليل أكبر من أن الأقباط كانوا هم مهندسي القاهرة».. ويذكر أبو المكارم أن الراهب يؤنس هو الذي صمم أسوار القاهرة الجديدة في عهد بدر الجمالي والخليفة الفاطمي المستنصر. وكانت الأسوار الأولى قد بناها جوهر الصقلي. وأقام بدر الجمالي الأسوار الجديدة بعد قرن من الزمان وكان ذلك في سنة ١٠٨٧ م ولم تبن الأسوار الجديدة مكان الأولى ولكنها أقيمت في مواضع أخرى أعطت المدينة مزيداً من الاتساع خاصة من ناحيتي الشمال والجنوب. وقد أقيمت الأسوار الجديدة من الطوب الأحمر أما أبواب المدينة فبنيت من الحجارة. وهذه الأبواب هي باب النصر وباب الفتوح وباب زويله.

ووسط استتباب الأمن والهدوء كلف بدر الجمالي الأقباط بتنظيم الدواوين وتشكيلها وبلغ مقدار ما جبى في أيامه ضعفي ما كان يجبى قبلا٨٧.

٢ - بعد أن تمت رسامة البابا كيرلس الثاني بالاسكندرية سار إلى مصر وقصد كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بجزيرة الروضة في الموضع الذي يقال له المختارة (لذا ترد في المخطوطات باسم كنيسة ميخائيل المختارة (أنظر تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ٢١٠)، فهب لاستقباله الانبا يعقوب أسقف مصر وأنفذ إلى الشيخ أبو الفضل يحيى بن ابراهيم متولي ديوان الأبواب (رئيس الشرطة) وديوان الصناعة، يعلمه بوصول البابا البطريرك إلى كنيسة ميخائيل بجزيرة الروضة، فسارع هذا الشيخ وأرسل حصاناً أبيض ليركبه البابا. وكان بصحبته عدد من حفظة الأمن وعبر النيل إلى مصر وكان في استقباله على الشاطىء جمهور كبير من الناس. وسار البابا إلى قصر الخليفة تتبعه جموع كثيرة ويتقدمه موكب من خدام الكنيسة. وهكذا حتى وصل إلى قصر الخليفة المستنصر. وخف لاستقباله مأمون الدولة (وكان يسمى الأستاذ، وكان من المقربين للخليفة) - ثم أخذ مأمون الدولة البابا بمفرده وأدخله إلى الخليفة المستنصر وكانت معه أمه وأخته جالستين «وبين أيديهم طيب كثير فضمخوه من ذلك الطيب. وقالوا بارك علينا وعلى قصرنا. فبارك عليهم ودعا لهم ففرحوا به وقالوا له جعلك الله مبارك علينا وعلى دولتنا». ثم خرج ووقف على باب القاعة، وأمر بطرس أسقف دقميرة٨٨ أن يقرأ الدعاء، فقرأه، وبارك هو أيضاً ودعا٨٩.

ثم أخرج البطريرك ومن معه إلى دار أمير الجيوش بدر الجمالي فاستقبل استقبالا حسناً فدعا له دعاء كثيراً، وأمر بطرس أسقف دقميرة فقرأ الدعاء.. وأمر بدر الجمالي والي مصر أن يخرج معه إلى حيث يريد «وأن يراعيه ويخدمه ويقضي حوائجه مادام بمصر. فخرج مبجلا ونزل إلى كنيسة السيدة العذراء المعلقة بمصر.. ثم طلع بعد أيام إلى كنيسة السيدة بالقاهرة بحارة الروم».

٣ - ولما حل الصول الكبير خرج قاصداً دير أبو مقار وهناك حدث شيء عجيب في يوم الخميس الكبير (خميس العهد) بينما كان وعاء الميرون موضوعاً على المذبح فاض الميرون على يديه وعلى المذبح من تلقاء ذاته، وكان الأمر موضع دهشة الحاضرين.

٤ - وتبادل البابا كيرلس الثاني والأنبا ديونسيوس البطريرك الأنطاكي رسالة السنوديقا (الايمان المشترك) - وبموجبها كان يذكر اسم كل بطرك في الصلوات والقداسات في كنائس الكرسي الآخر.

٥ - وفي عهده اعتزل سلمون ملك النوبة شؤون المملكة وتنازل عنها لجورجيوس ابن اخته، وانفرد هو بالعبادة والنسك (وكان ذلك في السنة الثانية لبطريركية البابا كيرلس الثاني) في بيعة على اسم القديس أبو نفر وكان هذا المكان يبعد عن أسوان مسيرة عشرة أيام. وكان والي أسوان يومئذ هو أسعد الدولة شاردكين القواسي. فأتاه أحد رجاله وقال له «يا مولاي أتريد أن أمضي وأحضر لك سلمون الذي كان ملكاً على النوبة» قال له «نعم». فذهب في صحبة عشرين رجلا وفاجأوا البيعة التي فيها سلمون. وأخذوه وسيره أسعد الدولة إلى القاهرة. فلما وصل القاهرة استقبل أحسن استقبال وأكرمه بدر الجمالي وأنزله في دار حسنة. وأقام على هذه الحال نحو سنة ثم تنيح ودفن في دير الخندق (أنبا رويس) الذي كان في ذلك الوقت خارج مدينة القاهرة.

وفي أثناء إقامة سلمون ملك النوبة بمصر ظهر بجلاء ما كان بين القبط والنوبيين من الرابطة الدينية. وتبودلت الزيارات بينه وبين البطريرك ووجهاء القوم، الذين بالغوا في إكرامه. فكان وجوده بينهم هذه المدة الوجيزة سبباً في تعزيز شأنهم وإعلاء مقامهم عند أكابر الدولة وعظمائها ولاسيما بدر الجمالي، الذي لما علم بما بين الأقباط والنوبيين والأحباش من الرابطة الدينية، كان يحاول إبرام معاهدات مع ملوك هاتين الدولتين لتسهيل طرق التجارة وامتدادها بين مصر وهذه البلاد، كاشف وجهاء الأقباط بما في قلبه، وطلب منهم بذل المساعي لتنفيذ مقاصده. فلبوا طلبه وشرعوا في فتح باب الاتصالات مع ملوك النوبة والحبشة بواسطة الأب البطريرك كيرلس الثاني.. وبعد تداول المحادثات والمكاتبات تم الاتفاق أخيراً وأثني عليهم. وأنعم على الأب البطريرك بمال يستعين به على إصلاح الديارات والكنائس التي خربت٩٠.

٦ - ورسم الأنبا كيرلس مطراناً على الحبشة يدعى ساويرس وهو ابن أخت المطران المتوف بدلا من شخص يدعى «قوريل» اغتصب الكهنوت وادعى الأسقفية ببلاد الحبشة دون رسامة كهنوتية.. فلما وصل المطران الشرعي قاومه قوريل المذكور.. ولما تحرج موقفه جمع مالا كثيراً وحاول الهرب من بلاد الحبشة بما معه من أموال لكنه قبض عليه وأرسل مقبوضاً عليه إلى أمير الجيوش بدر الجمالي. وأحضره إلى مجلسه وحقق معه في كل ما نسب إليه. ولما تبين له صحة الاتهامات أعتقله وضرب عنقه بحد السيف وكان ذلك سنة ٨٦٠ ش.

وفي الحبشة عمل المطران القبطي ساويرس في أن يبين للأحباش خطأ اقتناء السراري إلى جانب الزوجات وطلب إلى البطريرك أن يؤازره في موقفه برسالة رعوية يوجهها خاصة لملك الحبشة ووزرائه ورجال دولته. وبالفعل كتب البابا كيرلس كتاباً وافياً من كل الوجوه وأنفذه إليه مع الرسل الذين حملوا الرسالة.

٧ - وقام بعض الأساقفة ضد هذا البطريرك بسبب حاشيته التي كانت تأتي أعمالا شائنة تسيء إليه وحرر البطريرك إقراراً يقر فيه قبوله إبعاد أفراد حاشيته.. لكن بعد أن تركه هؤلاء الأساقفة عاد وأنكر على الأساقفة هذا الحق وكأنهم يفرضون عليه أمراً.. لكن يبدو أن الأمر لم يكن فقط يتعلق بالحاشية، بل لأن البطريرك كيرلس الثاني حال رسامته كان قليل العلم شأن ديمتريوس الكرام البطريرك ١٢، لذا ظنوا أنهم يشاركوا في تدبير أمور الكنيسة ويأخذ برأيهم. لكن خاب ظنهم في هذه الناحية.. والعجيب أن هذا البطريرك لازم قراءة الكتب وتفسيرها حتى فاق كثيرين من الأساقفة والكهنة من هذه الزاوية.

٨ - على أن هؤلاء الأساقفة لما رأوا تراجعه عن تعهده بابعاد حاشيته، سلكوا طريقاً آخر للنيل منه فاتصلوا بشخص يدعى يسيب وكان يعمل ناظراً لبساتين بدر الجمالي، وبعد أن استمالوه إلى جانبهم قدموا لبدر الجمالي شكاوى بواسطته ضد البطريرك وحبكوا الموضوع. وكان البطريرك قد سافر إلى دميرة وأقام عدة شهور. فأرسل إليه بدر الجمالي يستدعيه على أن يكون بصحبته جميع الأساقفة. وبالفعل اجتمع مجمع الكنيسة المقدس في بستان خاص ببدر الجمالي يقع بظاهر القاهرة (ضواحيها) وبحضوره وكان ذلك في يوم السبت ٢٣ من مسرى سنة ٨٠٢ ش / سنة ١٨٠٢ م وكان عدد أعضاء المجمع بخلاف الأب البطريرك ٤٧ أسقفاً. وكان منهم ٢٢ أسقفاً من الوجه البحري، ٢٢ أسقفاً من الوجه القبلي وأسقف بابليون مصر، وأسقفي الخندق والجيزة - وهذا يدل على أن عدد الأقباط في ذلك الوقت كان مايزال كبيراً جداً - أما ايبارشيات هؤلاء الأساقفة كانت: أبا يعقوب أسقف بابليون مصر - أبا غبريال أسقف الخندق - أبا حزقيال أسقف الجيزة وأوسيم.

أساقفة بحري:

يوحنا أسقف سخا - مرقس أخوه أسقف سمنود - صموئيل أسقف تنيس - ميصائيل أسقف دمياط - تاودروس أسقف تلبانه - يؤنس أسقف دميره - خائيل أسقف أبو صير - يسطس أسقف صهرجت - خائيل أسقف منوف - يؤنس أسقف طندتا (طنطا) - خائيل أسقف نوسا - خائيل أسقف البرلس - غبريال أسقف نستروه (غربي البرلس على الساحل الرملي بين البحر المتوسط وبحيرة البرلس) - مقارة أسقف صا - مقارة أسقف بنا - تاودروس أسقف خربتا - غبريال أسقف دمنهور - مرقورة أسقف مصيل - رفائيل أسقف سرسني - يسطس أسقف رشيد - تاودروس أسقف اتريب (بنها) - مينا أسقف البنوأنين (ولم يحضر من أساقفة الوجه البحري لمرضهم خائيل أسقف قطور - تاودروس أسقف سنجار - بطرس أسقف دميره - بفام وقزمان أسقفا الواحات).

أساقفة الصعيد:

يعقوب أسقف أطفيح - دانيال أسقف طموه - صموئيل أسقف وهناس - متاؤس أسقف الفيوم - مقارة أسقف القيس - بطرس أسقف البهنسا - ببنوده أسقف طحا - خائيل أسقف الأشمونين - أسحق أسقف انصنا - مرقوره أسقف قسقام - اندونه أسقف أسيوط - أفرهام أسقف شطب - متاؤس أسقف قاو - كليدس أسقف اخميم - مرقس أسقف البلينا - قلته أسقف هو - مرقوره أسقف الأقصرين - بمون أسقف أرمنت - تاودروس أسقف أسنا - بفام أسقف أسوان - يوحنا أسقف دندرا - بدير أسقف قوص (تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ٢١٤)

وفي هذا المجمع خاطب أمير الجيوش بدر الجمالي الأساقفة بكلام شديد «أنطقه الله به»، وأمرهم أن يدونوا مجموع قوانين الدين ويعرضوه عليه. وعطف على البطريرك وكرمه وعظم قدره أمام الجميع.. ولما انصرفوا انقسموا إلى فريقين: فريق من خمسة أساقفة هم يوحنا بن الظالم أسقف سخا وأخوه مرقس أسقف سمنود ويؤنس أسقف دميره وخائيل أسقف أبو صير ومقارة أسقف القيس وانضم إليهم الشماس أبو غالب بيمين بن تيادر بن مرقورة السنجاري، وأخذوا يعملون قوانين أكثرها من العهد القديم بما يتفق مع هواهم.. أما الأب البطريرك ومعه بقية الأساقفة فعملوا قوانين مختصرة.

فلما أكملوها - وكانوا قد استغرقوا في ذلك نحو ثلاثة أسابيع - استدعى أمير الجيوش البطريرك والآباء الأساقفة.. وفي هذه المرة خاطبهم بكلام طيب وأكرمهم وقال لهم «كونوا كلكم شرع واحد، ولا تختلفوا. وأطيعوا مقدمكم، وكونوا مثله. ولا تكنزوا فضة ولا ذهب، وتصدقوا بكل ما يحصل لكم كما أوصاكم المسيح. وهذه القوانين التي عملتوها ما أحتاج إليها، وإنما طلبتها منكم ليتجدد عندكم أنتم علمها، لما بلغني من بعد عهدكم بها وبقراءتها». وكأنه في كلماته هذه كان ملهماً من الله.. ثم قال «أمضوا وصلوا علي».

وأمر أحد أصحاب دواوينه بقضاء كل ما يحتاجونه. فانصرف الجميع مسرورين، وقصدوا كنيسة القديس أبو سيفين بمصر القديمة، ورفعوا الذبيحة في ذلك اليوم وكان يوم سبت وغده يوم الأحد فشاع الفرح جميع النفوس٩١.

٨ - ولا يفوتنا هنا أن نذكر انتقام الله من المغرضين وكيف يظهر كرامة خدامه الأبرياء.. ذكرنا أن الأساقفة الخمسة الذين تعصبوا ضد الأب البطريرك لجأوا إلى شخص يدعى «يسيب» ناظر بساتين (خولي) بدر الجمالي وكان قريباً منه، وتمكنوا من إثارة يسيب ضد البطريرك وشحنوه حتى قدم الشكاوى ضد البطريرك.

نعود إلى يسيب هذا الذي تعصب لخصوم البطريرك.. فبعد أن أنصرف الآباء الأساقفة من محضر بدر الجمالي عاتب بطرس أحد تلاميذ البطريرك يسيب على ما فعله. فما كان من يسيب إلا أن خاطبه بقبيح الكلام. وحاول أحد الأساقفة أن يهدىء من غضبه دون جدوى. وازداد غضبه على التلميذ. فلما خرج البطريرك من البستان حيث كان يعقد الاجتماع ورأى يسيب هائجاً خاطبه بكلام لين فلم يهدأ. ودار كلام بينه وبين البطريرك. وأخيراً قال له البطريرك «يا يسيب إذا كان لك سلطان الأرض، فأنا معي المسيح الذي له سلطان السماء والأرض». ونزل البطريرك عن دابته وضرب ليسيب مطانية. وإزاء ذلك بكى جماعة من النصارى كانوا حاضرين. ومع ذلك لم يرتدع يسيب.

وفي يوم السبت التالي مباشرة (في مثل نفس اليوم الذي ضرب البطريرك المطانية ليسيب)، نما إلى علم أمير الجيوش أموراً ضد يسيب فغضب منه، وركب لوقته إلى البستان وأمر بضرب رقبته، وضربت رقبته في نفس المكان الذي ضرب له فيه الأب البطريرك المطانية. وكان أيضاً في مثل تلك الساعة. فتعجب جميع الناس وازدادت كرامة الأب البطريرك عندهم، وعند أمير الجيوش أيضاً.

١٠ - وحدثت أزمة بين بدر الجمالي والأب البطريرك وبعض الأساقفة بسبب هدية أرسلها مطران الحبشة مع أخيه، لم تقع عند بدر الجمالي موقعاً حسناً. وبسبب كلمة غير حكيمة قالها أسقف من حاشية البطريرك غضب أمير الجيوش. وقرر على كل أسقف كان حاضراً مع البطريرك (وكان عددهم عشرة) دينارين كل يوم حتى يكتبوا إلى ملك الحبشة ويسافر أسقفين برسالة إليه.. وانتهى ذلك اللقاء نهاية سيئة. وأمر بالقبض على أخي مطران الحبشة الذي حمل الهدية.. وبسبب هدية حسنة وصلت من عند ملك النوبة، طابت نفس أمير الجيوش وأرسل واستدعى البطريرك والأساقفة العشرة وأكرمهم وطيب قلب البطريرك. وكان أمير الجيوش قد طلب من مطران الحبشة ساويرس قبل سفره أن يبني أربعة مساجد للمسلمين هناك. لكن المطران بنى سبعة مساجد ولكن الأحباش هدموها وأرادوا أن يقتلوا المطران. بل أن ملك الحبشة قبض على المطران واعتقله. ولما تأكد أمير الجيوش من ذلك هدأت ثورته٩٢.

١١ - ويذكر تاريخ البطاركة أن البطريرك كيرلس الثاني كتب قوانين قرأت في جميع الكنائس بأنحاء البلاد. وبلغت هذه القوانين أربعة وثلاثين قانوناً. وتناولت هذه القوانين التحذير من السيمونية في الرسامات الكهنوتية، والحض على قبول التائبين وقال «أي أسقف أو قس يرفض قبول الخاطىء التائب فليقطع - ثم انتقل إلى الكلام عن الرعاية ورعاية الأسقف لكهنته وتعليميهم وواجبه نحو الفقراء. ومن ضمن هذه القوانين تحذير الكهنة والعلمانيين المسيحيين من الالتجاء لغير حكم الكنيسة.. ثم انتقل إلى الكلام عن أهمية الصوم والعناية بسر الزيجة ووجوب احترام رجال الاكليروس. وحرم على العلمانيين دخول الهياكل٩٣.

١٢ - وبعد أن أكمل جهاده الحسن أسلم الأب البطريرك كيرلس الثاني نفسه الطاهرة بيد المسيح الذي أحبه. وكان ذلك في يوم الأحد الثاني عشر من بؤونه سنة ١٠٩٢ م / ٨٠٨ ش بعد أن تناول القربان المقدس. ودفن في كنيسة ميخائيل المختارة بجزيرة الروضة. وحمل جسده بعد ذلك إلى دير أبو مقار ببرية شيهيت.

وفي هذه السنة الأخيرة التي تنيح فيها لم يذهب إلى برية شيهيت كعادته، لكنه كان ينتقل من دير الشمع غربي طموه (اندثر هذا الدير) إلى كنيسة ميخائيل بجزيرة الروضة إلى الكنيسة المعلقة وكان مداوماً على قراءة الأناجيل المقدسة الأربعة باللغة القبطية.

ويذكر كاتب سيرته عنه أنه «راهب قديس روحاني متواضع وديع زاهد جداً باغض للقنية، يتصدق بجميع ما يحمل إليه من الكراسي الأسقفة على الضعفاء. ومنه ما يصرفه في عمارة الكنائس والديارات ومنه ما يصوغ به آنية فضة برسم الهياكل المقدسة، ومنه ما يعين به النصارى المصادرين، ويفكهم من العقوبة، حتى أنه لما تنيح لم يوجد له دينار ولا درهم. وكانت أفعاله كلها حسنة جميلة. وكان حلو المنطق مقبول الصورة صايم الدهر كثير الصلاة، لا يأكل مما يعمل في قلايته لتلاميذه شيئاً من الألوان ألا لون واحد٩٤.

١٣ - ومما هو جدير بالذكر أنه في بطريركية الأنبا كيرلس الثاني - وعلى وجه التحديد سنة ١٠٨٨ م / ٨٠٤ ش كان عدد الرهبان ببرية شيهيت أكثر من سبعمائة راهب كالآتي: أربعمائة بدير أبو مقار، ومائة خمسة وستون بدير يحنس القصير، وخمسة وعشرون بدير يحنس كاما (وهذين الديرين اندثرا فيما بعد)، وعشرون بدير البرموس، وأربعون بدير الأنبا بيشوي، وستون بدير العذراء (السريان)، وفي مغارة أبو موسى راهبين احدهما سرياني والآخر قبطي - هذا عدا السواح الذين لا يعرفهم كاتب السيرة٩٥.

الأنبا ميخائيل السنجاري ٦٨ (١٠٩٢ - ١١٠٢ م)

بعد نياحة الأنبا كيرلس الثاني، كان الدور على الاسكندرانيين لاختيار البطريرك الذي يخلفه، فاجتمع أراخنتهم ومقدمي كهنتهم لتدبر الأمر، واجتمعوا بالآباء الأساقفة بكنيسة الشهيد مرقوريوس (أبي سيفين) ولما لم يستقروا على أحد قصدوا أديرة برية شيهيت إلى دير أبو مقار. وعرض أن فكروا في راهب حبيس يدعى صموئيل سرياني الجنس، لكنهم علموا أن إيمانه غير سليم.. فعدلوا عن هذا الراهب ثم قيل لهم عن راهب حبيس في قلاية سنجار هو القس ميخائيل، يجمع بين المعرفة الدينية والحياة الروحية والايمان المستقيم. وكان متقدماً في السن. وهكذا شدوا رحالهم إلى سنجار٩٦. وهناك اجتمعوا بأهلها فشهدوا عنه شهادة حسنة. فلما تحققوا من ذلك قر رأيهم على اختياره بطريركاً.

١ - ساروا إلى قلايته وطلع إليه أنبا سنهوت أسقف مصر وبعض الأساقفة والشماس أبو غالب ابن مرقورة السنجاري. وتناقشوا معه في الأمور الايمانية فتحققوا من صحة إيمانه، وحينئذ كاشفوه بنيتهم من نحوه. وبعد تمنع ضربوا له مطانية وألحوا عليه في موافقته وقالوا له «لا تحوجنا أن نأخذك غصباً ولا كرهاً فان ذلك مما لا يليق بك».. وكانوا قد ذكروا أن لهم شروطاً، فسألهم عنها فطلبوا إليه أن يكتب بخطه إيمانه، وأن يلتزم بما لكهنة كنائس الاسكندرية من حقوق مالية لدى بطاركة الكنيسة السابقين، وأن يلتزم بأن تتم الرسامات الكهنوتية بدون سيمونية وأخيراً يلتزم بأن يرد لأساقفة بعض الكراسي ما اغتصبه بعض البطاركة السابقين من ايبارشياتهم سواء من جهة الايرادات أو ضم بعض الكنائس. وضربوا له على سبيل المثال أن الأنبا خرستوذولوس كان قد أخذ من أسقفية مصر كنائس العذراء المعلقة، وأبو سيفين والعذراء بحارة الروم، ومن أسقفية أوسيم والجيزة كنيسة ميخائيل بجزيرة الروضة ومن كرسي طموه دير الشمع ودير الفخار (دير أبو سيفين) وغيرها.. فما كان من القس ميخائيل السنجاري إلا أن أجابهم إلى جميع هذه الطلبات وكتب بخطه بما يفيد ذلك وحرم في تعهده هذا من ينقص منه شيئاً أو يتراجع في شيء. وأشهد منه على نفسه جميع من حضر من الأساقفة وكهنة الاسكندرية سواء الذين صعدوا إلى صومعته أو الذين انتظروا أسفلها٩٧.

٢ - سار القس ميخائيل صحبة هذا الوفد إلى الاسكندرية ورسم بطريركاً في يوم ١٢ بابه سنة ٨٠٩ ش / ٩ أكتوبر سنة ١٠٩١ م وقصد بعدها دير أبو مقار ببرية شيهيت، ومنه إلى الكنيسة المعلقة بمصر. فلما أقام بها أياماً التمس منه أنبا سنهوت أسقف مصر أن يفي له بما تعهد به بخطه ويرد كنائس كرسيه إليه، لكنه لم يفعل. والعجيب أنه أنكر ما كتبه وقال أنه ليس خطه. وأكثر من ذلك أنه حرم كل من يشهد عليه بما فيه.

ولم يكن الأمر قاصراً على ما كان للأنبا سنهوت وحده، بل أنه لم يرد لأحد من الأساقفة ما كان له٩٩.

وكان تعهد البطريرك الكتابي قبل رسامته والذي ذكرناه آنفاً في أربعة نسخ - نسخة بحوزة البطريرك ونسخة بحوزة كهنة الاسكندرية، ونسخة بحوزة أنبا يوحنا أسقف سخا بحكم كونه أكبر الأساقفة، ونسخة بحوزة أنبا سنهوت أسقف مصر، فلما حدث الخلاف بين البطرير وأنبا سنهوت هدد البطريرك كهنة الاسكندرية بالحرم إن لم يرسلوا إليه تعهده الذي بحوزتهم فأرسلوه إليه، وهدد كذلك أسقف سخا فسلمه النسخة خوفاً منه.. ويذكر كتاب تاريخ البطاركة كلاماً صعباً عن دكتاتورية هذا البطريرك فيقول «لأنه لما تمكن من الأمر واستقرت أقدامه في البطريركية ظهر في سطوته وهيبته وسلطته ما صار له في قلوب الأساقفة وغيرهم من الخوف والرهبة مثلما كان للأب خرستوذولوس نيح الله نفسه. ولم يكن أحد من الأساقفة ولا الأراخنة يقدر يقاومه في خطاب ولا يرادده. وأذل الأساقفة وأهانهم حتى صاروا له مثل أرض يطأها»٩٩.

٣ - أما الأنبا سنهوت الذي كان بحوزته النسخة الرابعة والأخيرة من تعهد البطريرك الكتابي، فأخذ البطريرك تارة يعده وتارة يتوعده، فلم يفلح في انتزاع التعهد منه، فأوقفه عن الصلاة والتصرف في كنائس كرسيه فلم يهمه ذلك وكان من ضمن ما قاله الأنبا سنهوت للبطريرك «أنت قد أنكرته وقلت أن ما هو خطك فما حاجتك به حتى تطلبه». وأرسل إلى كهنة جميع الكنائس بمصر والقاهرة وأمرهم ألا يذكروا أسمه في القداس أو أي صلاة. لكن الأسقف ظل صامداً. أخيراً بلغ أنبا سنهوت أن البطريرك مزمع أن يرسل بعض تلاميذه ليحضروه أمامه بالقوة لكي يصدر عليه في مواجهته حكماً بالقطع. فلما علم بذلك اختفى ومضى إلى دير الأنبا صموئيل القلموني واختفى فيه٩٩.

اجتمع الأراخنة ومضوا إلى البطريرك وكان يومئذ بكنيسة الملاك ميخائيل بجزيرة الروضة وشكوا له من غيبة أسقفهم وخاطبوه بشجاعة وقالوا له «وما نعرف السبب الموجب في القوانين لما فعلته مع الأسقف من المنع. وهو الآن غايب ونحن حاضرين، ونريد أن تعرفنا السبب في منعه. فان ثبت عليه أنه ارتكب جناية توجب القوانين عليه.. وإن لم يثبت عليه شيء ولا ارتكب جناية توجب القوانين فيها ما فعلته به، فما يجوز لك أن تهيننا وتظلم أسقفنا وتبعده عنا.. وهوذا نحن قد جئنا إليك فها مطانوة ولا تحوجنا نتظلم منك إلى غيرك». وبعد تعب شديد أعطى البطريرك حلا للأسقف الأنبا سنهوت أن يعود إلى كرسيه ويباشر مهامه الكهنوتية. فأرسل الأراخنة إليه أن يعود فعاد وفرح به الجميع ومضوا معه إلى البطريرك وتصافحا وشكره الشعب على إعادة أسقفهم إليهم١٠٠.

لكن صلح البطريرك مع أنبا سنهوت كان صلحاً غاشاً، وكان يتحين له الفرصة للانتقام والتخلص منه كلية.. وكان البطريرك من وقت لآخر يختلق له أموراً يشرده بسببها عن كرسيه ويبعده عن كنائسه. وفي السنة العاشرة لبطريركيته جمع البطريرك مجمعاً من بعض الأساقفة لمحاكمة الأنبا سنهوت، أما التهمة فكانت أنه صلى قداسين في يوم واحد في كنيستي المعلقة وأبي سرجة. ووقع عليه حرماً، وتنيح البطريرك الأنبا ميخائيل دون أن يحالله. وكان الحرم يقضي بقطعه من الكهنوت. وكانت هذه التهمة باطلة. ومع ذلك فقد ألزم الأساقفة التوقيع عليها. وقد فعلوا ذلك خوفاً منه ومن سطوته.. وقد تم هذا الحكم غيابياً أي دون أن يحضر الأنبا سنهوت ليدافع عن نفسه كما تقضي بذلك - لا قوانين الكنيسة فقط بل أبسط مبادىء العدالة.

ولما حصل على قرار المجمع موقعاً عليه من الأساقفة أرسل إلى الأنبا سنهوت ليحضر أمامه ويقطعه. لكن أنبا سنهوت كان قد علم بالأمر فهرب واختفى عند بعض أولاده الكهنة بالقاهرة، ثم سار ليلا إلى دير القديس ساويرس في جبل أسيوط (اندثر) وأقام فيه أياماً.. وفي هذه الأثناء أظهر الله انتقامه كما سوف نرى١٠١.

٤ - وفي السنة الثانية من بطريركية هذا الأب مرض بدر الجمالي بمرض الفالج لشيخوخته، وتولى مكانه في الوزارة ابنه الأفضل. وكان إنساناً فاضلا أميناً وعادلا، ترفع عن الظلم، ورد للمظلومين ظلامتهم وأنصفهم من خصومهم ويشهد تاريخ البطاركة أنه سلك في جميع الأفعال المرضية والطرق الحميدة ما لم يسبقه إليه من كان قبله».. وبعد تسعة شهور من استوزاره توفى الخليفة المستنصر بالله. وخلفه في الخلافة أصغر أبنائه ولقب «المستعلي بالله».. وكان هذا دافعاً لأخوته الأكبر منه نزار وعبد الله واسماعيل إلى الخروج عليه وعدم مبايعته خليفة. ثم عاد وبايعه أخواه عبد الله واسماعيل. أما نزار وهو الأخ الأكبر فقد ذهب إلى الاسكندرية وتحالف مع واليها. وكان نتيجة ذلك أن سار الأفضل في جيش إلى الاسكندرية وحاصرها. وبعد قتال شديد طلب إلى والي الاسكندرية ونزار الاستسلام وطلبا الأمان. فقبض عليهما وسار بهما إلى القاهرة وألقى بهما الخليفة المستعلي بالله في السجن وظل يضيق عليهما حتى ماتا.

وفي هذه الأثناء توفى أمير الجيوش بدر الجمالي كما توفى الخليفة المستعلي بالله بعد أن مرض وكان ذلك في السنة العاشرة من بطريركية الأنبا ميخائيل. وتولى الخلافة ابنه المنصور وعمره يومئذ ست سنوات.

٥ - بعد هذه الأحداث وصل رسول من ملك الحبشة إلى الوزير الأفضل يلتمس أن يقام لهم مطران لبلاده وأن يسيره مع رسوله. فأرسل إلى الأنبا ميخائيل البطريرك وأحضره وأعلمه بالأمر وطلب إليه أن يرسم مطراناً على وجه السرعة. فرسم راهباً يدعى جرجس مطراناً للحبشة وأنفذه إليهم. وللأسف فشل هذا المطران في رعاية الشعب هناك. بل قيل أنه أتى أفعالا مشينة لا تليق برتبته. فقبض عليه ملك الحبشة وأخذ جميع ما جمعه من أموال وأعاده إلى مصر، وكتب إلى الوزير الأفضل بكل ما فعله المطران هناك.

وبوصول المطران إلى القاهرة قبض عليه بأمر الوزير الأفضل وظل معتقلا عدة سنين مع راهب يدعى فرج الذي طالما قدم شكاوى كيدية ضد الأساقفة في زمن بدر الجمالي بقصد ابتزاز الأموال وكان ذلك في بطريركية الأنبا كيرلس الثاني١٠٢.

٦ - سبق أن ذكرنا ما فعله البطريرك ميخائيل مع الأنبا سنهوت أسقف مصر الذي فر هارباً إلى أحد أديرة جبل أسيوط.. وأراد البطريرك أن يضم أسقفية مصر بكنائسها إليه. فذهب وأقام في الكنيسة المعلقة وكان يفتش على الأسقف باجتهاد فلم يعثر عليه.. وفي يوم الجمعة ٢٨ من بشنس قبل نياحته بثلاثة أيام فقط سلم قيم كنيسة أبي سرجة دقيقاً ليعمل منه حملا ليصلي صباح الأحد في هذه الكنيسة، ويعلم الكهنة بذلك وأنه عول (أي البطريرك) أن يجعل هذه الكنيسة مقراً لبطريركيته وتنتهي بذلك أسقفية مصر، لكن الأجل لم يمهله ففي الغد - أي يوم السبت - ركب البطريرك ميخائيل دابته وخرج مع بعض كبار الأقباط ليلتقوا بالوزير الأفضل وكان عائداً من مدينة تنيس. فقابله عند دمنهور وسلم عليه.. وفي طريق عودته إلى مصر مرض البطريرك بالطاعون وكان منتشراً في البلاد. واسندوه على دابته وخرس لسانه لوقته. وهكذا حتى أوصلوه الكنيسة المعلقة، فأقام بقية يومه وليلته، وتوفى غداة يوم الأحد آخر بشنس سنة ٨١٨ ش / ٢٥ مايو سنة ١١٠٢ م. وعاد أنبا سنهوت إلى كرسيه وفرح شعبه به ومجدوا الله١٠٣.

وعاش الأنبا سنهوت حتى تنيح في سنة ٨٣٣ ش / ١١١٧ م ويذكر عنه تاريخ البطاركة أنه «كان فاضلا، مليح الكهنوت، غزير العلم، قنوعاً متواضعاً، سليم الصدر، ساذج النية، صبوراً طاهراً، جميل الأفعال.. وحزن عليه الجميع حزناً شديداً لمعرفتهم أنهم لا يجدوا مثله، ولا من اجتمع فيه الفضائل والعلم والطهارة والكهنوت مثلما اجتمع فيه»١٠٤. ويدعوه الأنبا مكاريوس الثاني البطريرك ٦٩ «الأخ القديس الحبيب الروحاني الأسقف أنبا سنهوت»١٠٥.

٧ - ومما هو جدير بالذكر أنه في أيام حبرية الأنبا ميخائيل البطريرك بدأت الحروب الصليبية في بلاد الشام. وملك الفرنجة أنطاكية وأكثر بلاد الشام الشمالية. ثم استولوا على مدينة القدس. فامتنع الأقباط عن زيارة الأراضي المقدسة لأن الفرنجة كانوا يبغضون الأقباط بسبب الخلاف العقيدي منذ مجمع خلقيدونية وما ترتب على ذلك من قطيعة بين الكنيسة الكاثوليكية البابوية والكنيسة القبطية. وسنعود للكلام عن الحروب الصليبية فيما بعد.

الأنبا مكاريوس الثاني ٦٩ (١١٠٢ - ١١٢٨ م)

كان قبل بطريركيته راهباً بدير أبو مقار، ورغم جلوسه على السدة البطريركية نحو ستة وعشرين سنة إلا أن هذه المدة لم يحدث فيها ما يستحق الذكر سوى أمرين:

أولا: ما جرى بين أراخنة مصر وهذا البطريرك بخصوص رسامة أسقف لهم خلفاً للأنبا سنهوت الذي أشرنا إليه قبلا.. ولأهمية هذا الموضوع الذي يوضح حق الشعب في اختيار أسقفهم، وتفهم الآباء البطاركة لهذا الأمر، رأينا من المناسب أن نعرض له.. يبدو أن هذا البطريرك الأنبا مكاريوس طمع في ضم أسقفية مصر إليه، ولا يقيم أسقفاً عليها، ورغم وضوح القوانين الكنسية أخذ يحاور ويداور١٠٦.. كتب البطريرك إلى أراخنة أسقفية مصر يقول:

«يكون الأسقف مختاراً من شعبه. ويقع التراضي من جميعهم عليه. ويكون معروفاً بالأوصاف التي تضمنها كتابهم. لم يغفل القانون أن يكون مختاراً من شعب غريب ولا من بطرك. فالآن السمع والطاعة لهم فيما أمر به القانون. تختاروا من يقع عليه رضاكم به وتسكنون إليه، ويكون مستصلح لكم، أقدمه عليكم. ولا أخرج عن رأيكم فيه لأنكم مقاسيه ومباشريه.. فانني يعلم الله لو جاءتني ملائكة السماء ما قدمت واحداً منهم إلا الذي يقدموه من ذاتهم»١٠٧.

ولما أكتشف أراخنة مصر أن البطريرك يقدم كلاماً معسولا دون أن تكون له نية رسامة أسقف لهم، اجتمعوا معاً وقالوا «كما أنه لا يجوز لنصراني أن يكون له زوجتين، كذلك لا يجوز أن يكون لأسقف كرسيين. والآب أنبا مقاره البطريرك (مكاريوس الثاني) هو أسقف مدينة الاسكندرية فكيف يمكن أن يكون له أسقفية مصر».. وأخذوا يفكرون فيمن يصلح للأسقفية لهذا الكرسي الذي كان يعتبر تالياً للبطريرك. فكروا أولا في أثنا عشر شخصاً من بينهم مرقورة الحبيس بابيار. ثم اختاروا من بينهم أربعة كان أولهم مرقورة الحبيس بابيار.. ثم أقاموا قداساً إلهياً وعملوا قرعة بين هؤلاء الأربعة وتقدم صبي شماس وأخذ من الرقاع واحدة، وكانت باسم يؤنس بن سنهوت. وعملوا محضراً بذلك وأرسلوه للبطريرك، ومعه رسالة من الشعب وهكذا تمت رسامة أسقف لمصر.

ثانياً: أما الأمر الثاني ذو الأهمية، فهو أنه في عهد هذا البطريرك هاجمت أول حملة صليبية البلاد المصرية.. فقد اتجه بولدوين Boldwin ملك مملكة بيت المقدس اللاتينية إلى البلاد المصرية لغزوها وكان ذلك سنة ١١١٧ ووصل إلى الفرما وفتك بأهلها بلا أدنى تمييز بين مسلم ومسيحي وأشعل النار فيها. واستمر في زحفه حتى وصل إلى تنيس، لكنه اضطر إلى العودة بعد أن مرض مرض الموت ولم يحاول المصريون الانتقام من ذلك الهجوم ووقفوا موقفاً سلبياً حتى نهاية الخلافة الفاطمية. وكانت سياسة وزرائهم هي الموقف السلبي والوقوف موقف الدفاع١٠٨.

+ ومما يذكر أن الوزير الأفضل لقي حتفه أواخر سنة ١١٢١ مقتولا بتدبير الخليفة الفاطمي الآمر. ولا شك أن الأفضل كان إنساناً حكيماً أحسن معاملة الأقباط. لكن غيرة الخليفة من نفوذ وزيره قادته إلى هذه الجريمة الشنعاء.

+ ويذكر عن الخليفة الآمر بأحكام الله أنه كان يتردد على دير نهيا (بجوار الجيزة) ويقضي فيه بضعة أيام. وكان في كل مرة يزور فيها الدير يمنح رهبانه ألف درهم. أما في زيارته الأولى فقد أوقف عليه ثلاثين فداناً لا يدفعون عنها مالا. وبلغ جملة ما قدمه للدير أكثر من ثلاثين ألف درهم.

الأنبا غبريال بن تريك١٠٩ ٧٠ (١١٣١ - ١١٤٥ م)

هو أبو العلا صاعد بن تريك من مدينة مصر، من عائلة قبطية عريقة. كان والده قساً وترمل. وكان كاهناً قديراً عالماً متقشفاً، يعيش حياة طاهرة نسكية، وكان ذا أموال كثيرة. وطلب إليه أن يرسم أسقفاً. لكن لما طلب منه مال مقابل الرسامة الكهنوتية امتنع.. نشأ نشأة صالحة إذ رباه أبوه الكاهن تربية دينية وثقافية حسنة حتى صار رجلا عالماً وكاتباً ملماً بعلوم الكنيسة والكتب المقدسة، فضلا عن أعمال الدواوين، مقتدراً في اللغتين القبطية والعربية. كما كان ناسخاً ماهراً، قام بنساخة عدة كتب قبطية وعربية، الأمر الذي ساعده على التبحر في علوم الكنيسة وعقائدها.

١ - على الرغم من مسئولياته الحكومية ككاتب في دواوينها فقد كان ملازماً للبيعة، محباً للصلوات، كثير الصدقات، باذلا نفسه لخدمة الكنائس والغرباء والمرضى، مفتقداً الأرامل والأيتام ومن في السجون. كان ذا منزلة كبيرة لدى الوزير أحمد بن الأفضل حفيد بدر الجمالي. ولعل ذلك يتضح من السماح له بتكريس نفسه شماساً للخدمة بكنيسة أبي سيفين مع الاحتفاظ بوظيفته في الديوان. وكان ذلك بسبب استقامته وأمانته ومقدرته على تصريف الأمور.

وبسبب ظروف الأمن المضطربة في البلاد وكثرة الوشايات ظل كرسي البطريركية شاغراً مدة أكثر من سنتين بعد نياحة البطريرك مكاريوس الثاني.

ويمكن تلخيص أسباب تأخير رسامة بطريرك جديد خلفاً للبطريرك مكاريوس الثاني في سببين: السبب الأول هو فقر الأقباط الشديد في تلك الفترة نظراً للظروف المختلفة، الأمر الذي يجعلهم في حالة عجز عن دفع مبلغ يتراوح من ثلاثة آلاف إلى ستة آلاف دينار لخزينة الدولة لاستصدار مرسوم التنصيب، وذلك بسبب الضرائب الباهظة التي فرضت بسبب الحرب مع الفرنجة.. أما السبب الثاني فهو خشية أراخنة الأقباط من رفض الوزير التصديق على انتخاب مسيحي بسبب حالة الشئون الدولية.. وفضلا عن ذلك فقد ازداد الأمر صعوبة بسبب اثنين من الرؤساء أضمرا كراهية شديدة لكل المسيحيين أحدهما مسلم هو ابن أبي قيراط والآخر سامري ويدعى ابراهيم - هذان الشخصان ضللا الخليفة بالقول أن الأقباط جمعوا أموال الكنائس وأرسلوها للفرنجة لمساعدتهم. وإزاء ذلك أمر الخليفة بمصادرة أي أموال قبطية سواء كانت خاصة بالكنيسة أو بأفراد من الأقباط. وظل الحال كذلك حتى أغتيل كلاهما في ظروف الفوضي التي كانت تعم البلاد. وتقلد مناصبهما بعد ذلك مسيحي ملكاني. وبواسطته سمح الوزير أحمد حفيد بدر الجمالي للأقباط برسامة بطريرك١١٠.

كان وقوع الاختيار عليه بطريركاً بسبب نبوءات بعض القديسين والارشاد عنه دون أن يعرفوه.

قيل أن سلفه البابا مكاريوس الثاني تنبأ عنه، وكذا الراهب الحبيس بأبيار. كما أرشد الرهبان الآباء إليه أحد قديسي دير السريان في ذلك الوقت ويدعى يوسف دون أن يعرف مجرد أسمه.. وذكر أنه في طفولته كان وهو يعلب مع أترابه مع الأطفال يقول لهم أنا بطريرككم ويلبس ثياباً متشابهة لثياب البطاركة.

رسم بطريركاً في الخامس من شهر أبريل سنة ١١٣١ م / ٩ أمشير سنة ٨٤٧ ش ودعي غبريال الثاني لكنه اشتهر باسم البابا غبريال بن تريك.

٢ - حدث وهو يقدس أول قداس له بعد رسامته بطريركاً بدير أبو مقار أن قال في الاعتراف الأخير عن جسد ربنا يسوع المسيح «وصار واحداً مع لاهوته». فأنكر الرهبان عليه هذا التعبير. أما هو فقال لهم أنه يقولها لأنه هكذا استلمها من الآباء الأساقفة يوم رسامته الذين كانوا يلقنونه.. بعد مناقشات طويلة استقر منعاً من اللبس أن يكون التعبير كالأتي «وصار واحداً مع لاهوته بغير افتراق ولا امتزاج ولا تغيير». وقد وافقهم على ذلك وأصدر أمره إلى جميع الكنائس بتلاوة الاعتراف بالصيغة الجديدة.. هذه الحادثة إنما تدل على أكثر من مدلول. فهي تدل على يقظة الآباء الرهبان في ذلك العصر واتقانهم للعلوم اللاهوتية وتمسكهم بمعتقد الكنيسة. كما تدل على شجاعة أولئك الرهبان حينما تصدوا لبطريرك الكنيسة. وتدل كذلك من جهة البابا على اتضاعه وخضوعه للحق.

وفي بداية عهده تنيح الأنبا يؤنس بن سنهوت أسقف مصر، ولم يرسم هذا البطريرك أسقفاً خلفاً له بل ضم كنائس هذا الكرسي له. وكان ذلك بطلب تقدم به شعب هذا الكرسي.

٣ - وعلى مستوى الدولة تميزت الفترة التي قضاها هذا البطريرك على الكرسي المرقسي بعدم الاستقرار، واضطراب الأمن وكثرة القلاقل، وكثرة من قتل من الوزراء ورجال الدولة.. وتميزت هذه الفترة بالصراع بين المصريين المسلمين والجالية الأرمنية كبيرة العدد التي استجلبها بدر الجمالي الأرمني. وكان نتيجة ذلك قتل بطريرك الأرمن وإحراق دير لهم وقتل من به من الرهبان. كما نهبت كنائس للأقباط.. وفي تلك الفترة كان في الوزارة شخص يدعى رضوان بن ولحشي أصدر أمره بعدم استخدام النصارى في الدواوين ولا يكونوا نظاراً وأن يشدوا زنانيرهم في أوساطهم ولا يركبوا الخيل وضاعف عليهم وعلى اليهود الجزية، وغير ذلك من أنواع الضغوط والتحقير الأدبي.. وفي عهد هذا الوزير هجم المسلمون على كنيسة منية زفتى وكانت باسم مار جرجس، واستولوا عليها وحولوها إلى مسجد. لكن الأنبا ميخائيل أسقف صهرجت الذي كانت تابعة له الكنيسة استغاث بالوزير رضوان ابن ولخشي وأوضح أنها بيعة قديمة فأمر باعادتها له.

٤ - وكان البابا غبريال بن تريك رجلا مصلحاً وطقسياً وقانونياً وكنسياً.

(أ) اصدر أمره بمنع دفن الموتي بالكنائس وبلغ حماسه لذلك أنه أمر باغلاق كنيسة حارة الروم لأن شعبها خالف تعليماته ودفن بها قمص الكنيسة، ولكنه عاد وفتحها بسؤال الأراخنة. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل إنه حمل جسد الأنبا مكاريوس سلفه إلى دير أبو مقار، وكان مدفوناً بالكنيسة المعلقة.. كما أصدر أمره بمنع تقديم ذبيحة على اسم الملاك ميخائيل لأن الذبيحة لا تقدم إلا على اسم الله. كما منع الكهنة من شرب الخمر وحارب الشعوذة والتنجيم والتسري.. وفيما يختص بهذه النقطة الأخيرة، امتنع بعض الأغنياء عن تنفيذ تعليماته في هذا الشأن فدعا عليهم، فلم ينقض زمن طويل حتى بادوا جميعاً.. كما حارب السيمونية ورسم في عهده ثلاثة وخمسين أسقفاً للايبارشيات القبطية.. ولم يضع هذا البابا يده على شيء من أموال الكنائس وأوقاف الفقراء.

(ب) ومن أهم إنجازاته الطقسية ترتيبه لصلوات أسبوع الآلام. وكانت القوانين الرسولية حتى زمان هذا البابا تقضي بقراءة العهدين القديم والجديد مدة هذا الأسبوع بلا ترتيب معين ولذا فقد كان غالبية الشعب يقرأها لذاته وحده، أي أنها لم تكن تقرأ على مسامع جميع الشعب. فجمع هذا البطريرك العلماء ورؤساء الكهنة وبعض رهبان دير أبو مقار ووضع ترتيباً وعمل كتاباً لذلك أسماه البصخة المقدسة. ولعل من الأمور التي دفعته إلى ذلك أن أكثر من كانوا يعملون في دواوين الدولة كانت لا تمكنهم ظروفهم من تكميل هذه الخدمات ومما هو جدير بالذكر أن كتاب البصخة نظمه بصورة أدق فيما بعد شخصية جليلة هو الأنبا بطرس أسقف كرسي البهنسا (بجوار بني مزار) (انظر كامل صالح نخلة، سيرة البابا غبريال بن تريك ص ٣٠ - ٣٢).

ومما هو جدير بالذكر أن البابا غبريال بن تريك هو أول من أصدر أمره إلى جميع الكنائس بقراءة الأناجيل والخطب الكنسية وما إليها باللغة العربية في الكنائس وذلك بعد تلاوتها باللغة القبطية وذلك بعد أن وجد أن الأقباط يتكلمون العربية. ومن غير المعقول ألا يفهم المصلي لغة الصلاة. لذا فقد بادر بهذا القرار الخطير حتى يتمكن الأقباط من متابعة الصلوات والقراءات والعظات١١١.

(ج) أما عن القوانين الكنسية التي وضعها هذا البطريرك، فقد تضمنتها ثلاثة كتب:

الكتاب الأول: ٣٨ قانوناً يختص بتنظيم أمور البيعة، وعلاقة الشعب بها دينياً ومدنياً وواجب الأساقفة نحو رعيتهم وكذلك واجبات الكهنة، ونهي عن سكنى الرهبان في العالم بل عليهم أن يمضوا إلى دياراتهم. كما أمر بعدم التقديس إلا بواحد من القداسات الثلاث (الباسيلي، الغريغوري، الكيرلسي). كما ذكر الآباء الأساقفة بانعقاد المجمع المقدس مرتين كل عام، لكن حرصاً على راحتهم أمر أن يحضر كل واحد من الأساقفة مرة واحدة في كل سنة إلى القلاية البطريركية للمناقشة في أحوال كرسيه.

والكتاب الثاني: يختص بتنظيم أمور الاكليروس.

أما الكتاب الثالث: فيختص بالمواريث.

ويقال أن لهذا البطريرك مؤلفات أخرى من بينها كتاب «علم الكنيسة» ومنه نسخة محفوظة في مكتبة الفاتيكان وله أيضاً عدة كتب في التفاسير (كامل صالح نخلة، سيرة البابا غبريال ابن بتريك ص ٣٥).

٥ - وحدث في الأحد الثالث من الصوم الكبير لسنة ١١٤٤ م / ٨٦٠ ش أن مرض البابا غبريال من كثرة تقشفه وأصوامه، وازدادت وطأة المرض عليه. وكانت جميع الكنائس ترفع صلوات عنه لكي يهبه الرب الشفاء.. فأبصر البطريرك في حلم السيدة العذراء مريم تقول له «الرب قد وهبك من أجلي أياماً أخرى» فقام من مرضه معافى تماماً.

كما قيل أنه رأى في منامه وكأن جماعة من الكهنة والرهبان ومعهم أناجيل وصلبان ومجامر وقالوا له إنا جئنا لافتقادك الآن، ونحن نعود إليك في العام المقبل في مثل هذا الوقت ونأخذك معنا. ثم عوفي من المرض.

وفي العام التالي ١١٤٥ م / ٨٦١ ش تنيح البابا غبريال بعد أن أكمل جهاده الحسن بعد مرض وصلوا عليه في كنيسة أبي سيفين ودفن في جانبها ثم نقل جسده إلى دير أبو مقارة بعد ذلك.

ميخائيل الثاني١١٢ ٧١ (١١٤٥ - ١١٤٦ م)

هو أحد رهبان دير أبو مقار ببرية شيهيت. كان إنساناً بسيطاً جمع بين الوقار والقداسة والعفة لكنه لم يكن عالماً ولا قارئاً للكتب، لكنه «لزم قانون الرهبنة من غير قراءة قبطي ولا عربي» عملت قرعة له مع اثنين آخرين ورقعة رابعة «باسم السيد المسيح الراعي الصالح». ووضعوا الرقاع على المذبح وأقاموا القداس ثلاثة أيام متوالية وأحضروا طفلا ليأخذ رقعة فكان المنصب من نصيب ميخائيل هذا.. وكان مشهوداً له من الجميع بحسن السيرة.

وبعد أن أصابته القرعة كرزوه شماساً فقساً وفي ثالث يوم قمصاً وكان ذلك في الكنيسة المعلقة بمصر. وتمت رسامته بطريركاً في الأسكندرية.. ويذكر تاريخ البطاركة أنه «بكلفة عظيمة حتى حفظوه قداس باسيليوس خاصة إلى أن قدس به».

كانت مدة بطريركته قصيرة جداً لكنها كانت طيبة، ولم يحدث أن أحداً ارتد عن المسيحية في أيامه. وفي أيامه القلائل رسم ثمانية أساقفة منها أسقف على كرسي شبرا الخيمة وكرسي شبرا دمنهور وكرسي منية بني خصيب وكرسي أخميم وكرسي البلينا.

كان كل مقامه على الكرسي البطريركي ثمانية شهور وأربعة أيام منها ثلاثة شهور في عافية والباقي وهو خمسة شهور مريضاً، وقضى مدة مرضه بدير أبو مقار.

يؤنس الخامس ٧٢ (١١٤٧ - ١١٦٦ م)

جلس هذا الأب على الكرسي البطريركي ما يقرب من ١٩ سنة (١١٤٧ - ١١٦٦ م) وعاصر من الخلفاء الفاطميين الحافظ والظافر والفائز والعاضد وهو آخر الخلفاء الفاطميين.

كان راهباً من دير أنبا يحنس القصير ويدعى يؤنس بن أبي الفتح.. وكان أحد المرشحين الثلاثة للكرسي البطريركي في المرة السابقة وعمل بينهم قرعة فكانت القرعة باسم البطريرك ميخائيل الثاني.. أجمعت الآراء على اختياره البطريرك الثاني والسبعين، فأرسل الأساقفة كهنة أحضروه من ديره إلى مصر، ورسم قساً ثم قمصاً بكنيسة المعلقة بمصر.

١ - ومنذ رسامة البطريرك الأنبا ميخائيل الثاني، وكان أحد رهبان دير أبو مقار ويدعى يؤنس بن كدران ينافس على الفوز بهذا المنصب. وفي هذه المرة أيضاً كرر محاولاته ولجأ إلى السلطات الحكومية، فأحال الخليفة الأمر إلى مجلس يضم الأساقفة وقاضى القضاة وبعض رجال الدولة الكبار. ويهمنا هنا أن نسجل رأي الآباء الأساقفة الذين أعلنوه في هذا المجلس[^113]:

«قال من حضر من الأساقفة والكهنة ليس لهم بطرك إلا من طلبوه ورغبوا فيه. ولا يكون هو (أي المرشح) طالب ولا راغب. وهذه سنة القوم من أول ما عبدوا الله بدين النصرانية وإلى هذا الوقت.. إذا صح عندهم أن الرجل الذي يريدوا يقدموه عليهم كامل أوصاف شريعتهم من القدس والدين والعلم والصلاح والعفاف والرحمة وبقية ما يحتاجوه أن يكون فيه على حكم مذهبهم، أخذوه كرهاً من غير اختياره وقيدوه بالقيد الحديد لئلا يهرب منهم إلى البرية الجوانية فلا يقدروا عليه. لأن قليل هم أهل هذه الصفة. وإن كانوا الكل آبائنا وأخوتنا. فأهل هذه الطبقة لا يوجد منهم إلا من الألف واحد، يكون قد توحد وقد تفرد وترك العالم وهرب منهم وجعل حياته مع وحش الجبال وسباع البرية، فنقل الله طبع السباع الكاسرة والوحوش الضارية إلى مسالمته. وإن الأسود إذا رأته تأتي إليه وتسجد عند رجليه فيبارك عليها ويستأنس بها ولا تضره. لمثل ذلك الشخص يطلبوا النصارى أن يكون مقدم عليهم. فان لم يجدوه قدموا غيره من أهل الاتضاع والعلم والدين، ومن يشهد له بالعفاف والطهر. ولا يجوز لهم أن يقدموا عليهم من رغب فيهم، ولا من يطلب بالسلطان».

وكان الخليفة عادلا منصفاً متزناً فأمر بأن يكتب سجل ويسير حاجب معهم إلى الاسكندرية ليعقدوا هناك اجتماعاً يضم أراخنة الاسكندرية وكهنتها ليختاروا واحداً من اثنين: إما يؤنس ابن أبو الفتح أو يؤنس بن كدران. وكان اجتماعاً كبيراً ضم الأساقفة والاسكندريين والقاهريين والمصريين. وسال الوالي والقاضي والفقهاء والحاضرين عمن يختارون، فصاح الجميع بفم واحد يؤنس بن أبو الفتح.. وما هو جدير بالذكر، ومما يدل على قداسة يؤنس بن أبو الفتح أن أحد المسلمين الحاضرين سأله «ما تقول أنت في هذا الرجل أعني يؤنس بن كدران أهو مستحق لهذه الرتبة دونك». فأجاب «نعم هو أصلح مني وأعلم بالشريعة». وكان هذا إظهاراً لفضيلته.. وانتهى الأمر برسامته بطريركاً بالاسكندرية، وسافر منها إلى مصر حيث قوبل أحسن استقبال، وساروا به إلى كنيسة أبي سيفين التي جعلها مقر بطريركيته.

ومما يدل على طيبة قلب هذا البطريرك أنه أراد أن يطيب قلب يؤنس بن كدران برسامته أسقفاً على سمنود فامتنع ولم يطع. وعاش حياته بين الدير والريف حتى توفى.

٢ - وتميزت فترة هذا البطريرك - فيما يختص بالدولة - باضطراب الأمن وكثرة حوادث قتل الخلفاء والوزراء. وكان أمراً طبيعياً أن يكون من نصيب الأقباط شيئاً من الاضطهاد والمتاعب. فقتل بعضهم وبيع بعضهم كعبيد بثمن بخس.. ومن الذين استشهدوا في ذلك الوقت الراهب شنوفه من دير أبو مقار بعد أن أمسكوه وعرضوا عليه الاسلام أبى فقتلوه. وحاولوا حرق جسده فلم يحترق. فأخذ المسيحيون جسده ودفنوه بكنيسة أبي سرجة بمصر القديمة، وكان ذلك في يوم ٢٤ من بشنس.. وهدمت كنائس كثيرة في ضواحي القاهرة بعد أن نهبوا ما فيها ومنها كنيسة الحمرا بحارة الروم البرانية وكنيسة الزهري. وزاد الطين بله هجوم الصليبين بقيادة عاموري Amalric على مصر، وهزيمة المصريين عند بلبيس١١٤.

ورغم هذه الظروف الصعبة ضد الأقباط كان واحد منهم هو الشيخ الأسعد صليب صاحب الديوان. وقام بتعمير كنيستي الحمرا والزهري وبعض الكنائس الأخرى حسبما استطاع.

٣ - وفي زمان هذا البطريرك تنصر رجل من اليهود بمصر من كبار قومه، كان خبيراً عالماً ومن أعيان قومه ويدعى أبو الفخر بن أزهر. قرأ كتب الديانة المسيحية وتبحر فيها، بل اتقن اللغة القبطية وتكلم بها. وكان يجادل اليهود باللغة العبرانية، ويفسر للنصارى بالقبطية. وعلى الغرم مما قاساه هذا اليهودي المتنصر من المسلمين واليهود على السواء حتى بلغت إلى محاولات القتل. لكنه ظل ثابتاً على الايمان المسيحي لمدة أربعين سنة ومات مسيحيا١١٥.

٤ - وحدث في زمان هذا البطريرك أن اغتصب عرش الحبشة دخيل بعد أن نفى الملك الشرعي فوبخه المطران القبطي الأنبا ميخائيل علي ما فعله.. فاغتاظ منه هذا المغتصب وبعث إلى وزير مصر في ذلك الوقت العادل بن السلار يلتمس رسامة مطران لبلاد الحبشة، كما كتب أيضاً بهذا الشأن للبطريرك وادعى أن المطران حدث له خلل في عقله. ولما طلب الوزير من البطريرك رسامة مطران آخر أجابه «ما في شريعتنا أن نولي إنسان رتبة الكهنوت، ونرجع نعزله منها حتى يموت. فاذا مات ولينا غيره لأن رتبة الكهنوت سمائية. ما هي أرضية». فغضب الوزير العادل من هذه الاجابة ورفض البطريرك رسامة مطران آخر، فأمر باعتقاله في سجن دار الوزارة. وقد قاسي البطريرك من ضيق السجن ونتانة رائحته الشيء الكثير. وظل معتقلا حتى قتل الوزير العادل فافرج عنه١١٦.

٥ - وحدثت ضيقة شديدة لهذا البطريرك بسبب مسألة لفظية تخص القداس الالهي. فقد كان بسمنود بعض رهبان من قلاية بشبيش (بجوار المحلة) أصلا من دير أبو مقار.. أضاف هؤلاء الرهبان إلى الاعتراف الأخير كلمة المحيى كصفة لجسد المسيح «هذا هو الجسد المحيى».. فلما بلغ الأمر البطريرك من أسقف سمنود الذي كان يعارض هذه الاضافة، جمع بعض الأساقفة وبعد الفحص لم يجدوا خطأ في هذا التعبير. لكن قام كهنة دير أبو مقار وقاوموا البطريرك في ذلك ورفعوا الأمر كشكوى من البطريرك إلى الوزير الصالح بن رزيق، ودسوا عنده ضد البطريرك لعلمهم أنه إنسان ظالم محب للمال. فأحضر الوزير البطريرك مع الرهبان وعقد لهم مجلساً بحضوره. وجرى الحديث في معني عقيدة النصارى وأثناء النقاش قال البطريرك للوزير الصالح بن رزيق «موسى أيش هو عندكم». قال نبي. قال في المسيح ما هو عندكم. قال روح الله وكلمته.. قال أتقدر أن تقول أن روح الله وكلمته نبي. قال لا. قال البطريرك فروح الله وكلمته أعظم وأشرف من الأنبياء لأنه خالق الخلائق كلها بكلمته الذي بها قال لكل الخلائق كوني فكانت كلمح البصر، فهي خالقة الخلائق والأشياء كلها». سكت الوزير وجرى بين الرهبان والبطريرك مرافعات كثيرة فزجرهم البطريرك بالكلام وأشار بعكازه الحديد الذي بيده ليضرب بعضهم فصرخوا وشكوا للوزير كيف يعاملهم البطريرك بهذه الكيفية أمامه. فطرد البطريرك فخرج من قدامه وهو يدعي عليه ويقول «كما رفعت أصاغرنا علينا، الرب يرفع أصاغر قومك عليك».. ثم أمر باعتقاله، وكتب منشورات لتحصيل مبالغ من أساقفة الوجه البحري.

وحدث أن البطريرك في اعتقاله كان ملازماً الصوم والصلاة كعادته، ورأى حلماً قال بعده لمن معه في السجن «تقووا بالله وافرحوا فان بعد أيام يسيره يفرج الله عني وعنكم».. وتم دعاء البطريرك ضده وتحقق حلمه، إذ بعد أربعة عشر يوماً قتل هذا الوزير الظالم بيد أحد أصاغر قومه١١٧.

٦ - أخيراً تنيح هذا البطريرك في يوم ٤ من شهر بشنس سنة ٨٨٢ ش / ٢٩ أبريل ١١٦٦ ودفن بكنيسة أبو سيفين بمصر القديمة مع جسد الأنبا غبريال بن تريك ونقلا في عهد الأنبا مرقس بن زرعة البطريرك التالي إلى دير أبو مقار.

مرقس الثالث ٧٣ (١١٦٦ - ١١٨٩ م)

جلس هذا الأب البطريرك على الكرسي المرقسي نحو اثنين وعشرين سنة ونصف وعاصر آخر الخلفاء الفاطميين العاضد وزوال الدولة الفاطمية، كما عاصر صلاح الدين الأيوبي وبداية الدولية الأيوبية.

كان قبل بطريركيته علمانياً باسم أبو الفرج بن أبي أسعد ويعرف بابن زرعة، كان من أصل شريف سرياني الجنس على نحو ما كان البطريرك ٦٢ ابرام بن زرعة.. كان له شهادة حسنة ليس من المسيحيين وحدهم بل من المسلمين أيضا.. كان تقيا عفيفا صائما مصلياً كثير الصدقات وفعل الخير، وكان بتولا «عالماً في دينه خبيراً بأمور الكهنوت».. قيل أن البطريرك المتنيح الأنبا يوأنس الخامس تنبأ عنه أنه سيكون البطريرك الذي يأتي بعده.. ولذا فحينما خلا الكرسي البطريركي أجمع الجميع على رسامته. ولذا لم يظل الكرسي البطريركي شاغراً سوى شهر واحد وأربعة عشر يوماً. وجعل مركز بطريركيته في الكنيسة المعلقة بمصر القديمة.

١ - وتتميز فترة بطريركية هذا الأب بالاضطراب الشديد في الأمن في البلاد المصرية نتيجة التنافس الشديد بين الوزراء وقادة الجيش وحملات الفرنجة على مصر التي يطلق عليها الحملات الصليبية. وكان وزير الخليفة الفاطمي العاضد هو طلائع بن رزيق وكان يلقب بالملك الصالح وكان رجلا قوي الشكيمة قتل القادة الذين كانوا يثيرون الفتن والدسائس. وما لبث أن حدث خلاف بينه وبين الخليفة العاضد الذي نجح في قتله، وأحل محله في الوزارة ابنه «أبا شجاع العادل». وما لبث بعد سنتين أن خلعه شاور والي الصعيد وقتله وأعتلى كرسي الوزارة. ثم ظهر ضرغام أمير البرقية وهي فرقة من الجند المغاربة من برقة. وتمكن ضرغام من خلع شاور. فهرب شاور إلى الشام واستنجد بنور الدين صاحب حلب ودمشق ليعيده إلى منصبه، وكان ذلك في سنة ١١٦٤ م. وفي نفس الوقت استنجد الوزير ضرغام بعموري Amalric ملك بيت المقدس اللاتيني.. وتتابعت حملات نور الدين وعموري عل مصر حتى بلغ عددها ثلاثا.. وكانت على النحو التالي١١٨.

(أ) لبى كل من نور الدين وعموري طلب شاور وضرغام. فأرسل نور الدين حملة بقيادة أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي وكان صغير السن. كما حضر الصليبيون إلى مصر بقيادة عموري نفسه.. ودارت الحرب بين جند شيركوه والمصريين تحت أسوار القاهرة واستمرت سجالا عدة أيام، تمكن شاور خلالها من قتل منافسه ضرغام، وطيف برأسه في الطرقات وسط مظاهر الفرح. وأدرك بذلك من تحقيق غرضه وهو تولي الوزارة.. ولكنه سرعان ما اختلف شاور مع شيركوه ونقض الشروط التي تعهد بها وهي دفع ثلث نفقات الحملة إلى مصر، كما رفض دفع الجزية التي وعد بارسالها.. وانتهى الأمر في هذه المرة بأن عاد شيركوه إلى الشام بعد أن عرف ما يسود مصر من فوضى. وأخذ يعد العدة مع نور الدين لحملة ثانية على مصر١١٩.

(ب) جاءت الحملة الثانية إلى مصر سنة ١١٦٦ م بقيادة شيركوه ومع ابن أخيه صلاح الدين، واتفق وصولها مع وصول الفرنجة أيضا. فسار الجيشان بحذاء شاطىء النيل حتى وصلا إلى القاهرة. واتحد المصريون وشاور مع الفرنجة الذين عسكروا بالقرب من الفسطاط، في حين عسكر شيركوه في الجيزة وكان شيركوه قد تقدم بجنوده إلى الصعيد، فتبعه الفرنجة والمصريون والتقى الفريقان في مكان يعرف بالبابين (بلدة تقع على بعد عشرة أميال جنوبي المنيا) ودارت بين الفريقين موقعة حامية، وأحرز شيركوه نصرا مؤزرا، لكنه لم ير من الحكمة أن يسير مباشرة إلى القاهرة للاستيلاء عليها فسار في الصحراء شمالا حتى وصل الاسكندرية فدخلها بدون مقاومة، وأقام ابن أخيه صلاح الدين واليا عليها، وعاد هو إلى الصعيد ليجبي الأموال من أهلها. أما قوات الفرنجة والمصريين فعادت إلى القاهرة بعد واقعة البابين، ثم زحفت إلى الاسكندرية وحاصرتها برا، بينما كان أسطول الفرنجة يحاصرها بحرا. ولما لم يكن لدى صلاح الدين من الجند ما يمكنه من رفع الحصار، أسرع أسد الدين شيركوه لنجدته. ولم يلبث المصريون والفرنجة أن أرسلوا إليه يطلبون الصلح. فأجاب طلبهم شريطة ألا يقيم الفرنجة في البلاد المصرية، ثم عاد إلى دمشق.

على أن جميع قوات الفرنجة لم تغادر مصر تنفيذا لاتفاق الصلح، بل عقدت مع شاور معاهدة كان من أهم شروطها أن يكون للفرنجة بالقاهرة شحنة (حامية)، كما اتفق الطرفان على أن يكون للفرنجة مائة ألف دينار سنويا من دخل مصر.

(ج) اعتقد شاور أن عودة حملتي شيركوه والفرنجة إلى بلادهما يثبت مركزه، إلا أنه كان واهما، فسرعان ما عاد شيركوه بحملة ثالثة إلى مصر سنة ١١٦٨ م، وذلك حين علم نور الدين أن الفرنجة قد جمعوا كافة قواتهم وزحفوا بها على مصر من جديد، ونقضوا ما عاهدوا المصريين عليه. وفي هذه المرة اتحد شاور مع حملة نور الدين لا مع الفرنجة كما حدث في الحملة الثانية. ولما تقدم الفرنجة نحو الفسطاط أمر شاور باحراقها ليحول بذلك بين الفرنجة وبين الوصول إليها. فسكب عليها عشرين ألف برميل من النفط، واستخدم معاونوه عشرة آلاف مشعل لاحراقها. واستمر هذا الحريق الهائل أربعة وخمسين يوماً. وبطبيعة الحال فر الشعب - وكان غالبيتهم من الأقباط. وكان حريق الفسطاط ضربة قاسمة للأقباط، ولم يسلم من الحريق من الكنائس سوى ستة فقط كانت في حصن بابليون ومن هذه الكنائس كنيسة العذراء (المعلقة)١٢٠.

أسرع الأهالي نحو القاهرة ليستعدوا لصد هجوم الفرنجة، فهزمت جيوش الفرنجة، ودخل شيركوه القاهرة دخول المنتصر، وقابله أهلها بالترحاب، واستقبله الخليفة الفاطمي العاضد بأحسن مظاهر الاستقبال، إذ قدر له تخليصه من الوقوع فريسة لحكم الفرنجة.

(د) وعلى الرغم من اتحاد شاور مع شيركوه في قتال الفرنجة، فان شيركوه كان واثقا من أن فرصة امتلاك مصر لن تتاح له مادام شاور فيها. فأمر بالقبض عليه، وعهد إلى صلاح الدين بأمر قتله. وبالفعل قام صلاح الدين بما عهد إليه.. واسندت الوزارة إلى شيركوه وظل بها مدة شهرين تقريباً مات بعدها، فتولاها من بعده صلاح الدين. ومن هنا تبدأ مأساة سقوط الفاطميين. فقد كانت سياسة نور الدين السني المذهب تدور حول القضاء على الخلافة الفاطمية الشيعية١٢١.

(هـ) شرع صلاح الدين في استمالة قلوب الناس إليه، وأخذت سلطة الخليفة العاضد في الضعف. أثار ذلك حاشية العاضد فدبروا المكايد للتخلص من صلاح الدين. ومنها أنهم كاتبوا الفرنجة ودعوهم إلى مصر للتخلص من صلاح الدين. وهنا دارت معركة بين جنود الخليفة وقوات صلاح الدين انتهت بفوز صلاح الدين.. وفي نفس الوقت جاءت حملة من الفرنجة إلى دمياط يعاونهم أسطول كان ذلك سنة ١١٦٩ م وحاصروا المدينة، لكنهم اضطروا إلى فك الحصار عنها والانسحاب إلى بلادهم. وهكذا فشلت في غزو دمياط والاستيلاء على مصر١٢٢.

كان لانتصار صلاح الدين وفشل الفرنجة من غزوهم لمدينة دمياط أثر في ارتفاع نجم صلاح الدين.. ولما أيقن صلاح الدين أن سلطته استقرت وجه اهتمامه إلى القضاء على المذهب الشيعي بمصر.. وانتهى الأمر باسقاط اسم العاضد من خطبة الجمعة، وذكر اسم الخليفة العباسي بدلا منه. وكان العاضد في ذلك الوقت مريضاً، فلم يعلم بما كان يجري. وبوفاة العاضد سقطت الدولة الفاطمية الشيعية سنة ١١٧١ م١٢٣.

وجدير بالذكر أن صلاح الدين بدأ حكمه كوزير باتخاذ سياسة عدائية تجاه الأقباط. كما سنوضح فيما بعد.. لكن الأمور لم تستمر على هذا النحو، فبفضل صلوات الأنبا مرقس البطريرك «أصلح الله لهم (الأقباط) قلب سلطانهم ببركة صلواته فقربهم وأدناهم. واستخدمهم في ديوانه في أموال دولته وأنعم عليهم، فعادوا إلى أرفع مما كانوا عليه»١٢٤.

أخيرا تنيح هذا البطريرك في اليوم الأول من شهر يناير سنة ١١٨٩ م.

مشاهير الأقباط في عهد الفاطميين١٢٥

تقلد كثير من الأقباط في عهد الفاطميين الوظائف العالية في دواوين الحكومة، لاسيما المتعلقة بالأعمال الحسابية التي استقلوا بها تماما. وامتازوا عن غيرهم بوضع قواعد دقيقة. فلم يتمكن غيرهم من تسييرها مثلهم.. وكانوا قد اتقنوا اللغة العربية وألفوا بها مؤلفات كثيرة تشهد لهم بغزارة العلم وطول الباع ونقلوا إليها جملة مؤلفات من اللغتين اليونانية والقبطية. فعرفت الدولة فضلهم وكفاءتهم، فقدرتهم حق تقدير، ومنحتهم الألقاب السامية مثل:

الرئيس - هبة الله - الأمجد - الأسعد - الشيخ - نجيب الدولة - تاج الدولة - فخر الدولة... الخ. ونسوق هنا أسماء بعض مشاهير الأقباط وأفاضلهم في زمن الفاطميين.

المعلم سرور الجلال - كان ضامنا (ملتزما) في خلافة المستنصر، فكون ثروة طائلة. وكان محسنا فطنا، مدبرا، فنال بذلك نعمة لدى الخليفة، واكتسب ثقته لصدقه واستقامته، فلم يرد له كلمة ولم يرفض له طلبا.. ومع كل ذلك يذكر عنه أنه كان متواضعا كريما جوادا عالي الهمة حسن الأخلاق محبا لعمل الخير لجميع الناس على السواء دون تمييز بين مسيحي ومسلم.. ولذا أحبه الجميع.

الشيخ السعيد أبو الفخر المعروف بابن صاعد كان كاتب الرواتب في خلافة الحافظ (١١٣٠ - ١١٤٩ م). ثم ترقي إلى رئاسة المجلس ولما توفى تعين مكانه في وظيفته الأولى ولده الشيخ السعيد شديد الملك. وكان له ولد آخر يسمى السعيد أبو البركات.

الشيخ الوجيه أبو الحسن الأمح كان كاتب سير الخليفة الحافظ.

الأسعد أبو الخير جرجه بن أبي وهب الشهير بابن الميقاط. كان من أكابر الأقباط وأغنيائهم في زمن الخليفة العاضد (١١٦٠ - ١١٧١ م) آخر الخلفاء الفاطميين. ادعى عليه شاور الوزير أنه يتخابر مع جنود الصليبيين الفرنجة سرا. فقبض عليه وصار يعذبه حتى مات.. وهو أصل عائلة كبيرة اشتهرت فيما بعد بعائلة «النشو» ومنها أبو الفتوح بن الميقاط الذي تقلد رئاسة ديوان الجيش في أيام الملك العادل الأيوبي.

السيدة ترفة كانت سيدة غنية بمصر القديمة. واشتهرت بالتقوى والغيرة الدينية وأعمال الخير. شيدت كنيسة على اسم أبي نفر من مالها الخاص وشيدت أعلاها مكانا فسيحا ليكون ديرا لعذارى الراهبات. واستنسخت جملة كتب مخطوطة وأوقفتها على الدير المذكور.

أبو اليمن يوسف مكراو بن زنبور الشهير بأمين الأمناء. كان أمينا على خزائن الخليفة. تم تولى نظارة الريف بالوجه البحري.. ومن مآثره العديدة إنشاء دير أبي السيفين بطموه المطل على النيل قبلي الجيزة على البر الغربي، وأحاطه ببساتين فسيحة كانت غاية في البهجة والرونق، فكان من أعظم المتنزهات حتى أن الوزير الأفضل بن بدر الجمالي كان يتردد عليه كثيرا ويقيم فيه أيام ترويحا عن النفس.. وهو أصل عائلة كبيرة اشتهرت بالمجد والكرامة والغنى. استمرت زمناً طويلا. وكان آخر أعضائها ابن القسيس ابن زنبور الذي أسلم في أيام دولة المماليك وسمى بعلم الدين.

أبو سعد منصور بن أبي اليمن - كان كاتبا بليغا، وبطلا شجاعا. تولى الوزارة في أيام الخليفة المستنصر ثم تنازل عنها حين أدرك حرج مركزه لما طالبه الجند الأتراك برواتبهم، ولم يكن في الخزينة ما يفي مطامعهم.

الشيخ صفي الدولة ابن أبي ياسر بن علوان الكاتب. ومن مآثره بناء كنيسة على اسم آيا صوفيا قرب أهرام الجيزة. وقد زالت معالمها. ويغلب على الظن أنه كان ملكانياً (من كنيسة الروم).

الشيخ أبو الفضل المعروف بابن الأسقف. كان كاتب سر الأفضل بن بدر الجمالي.

المعلم زوين كان ملتزماً بمصر في خلافة الحافظ.

أبو الطيب - كان كاتب سر ناصر الدولة زعيم الأتراك في أيام الخليفة المستنصر. وحدث في أيامه أن أتباع ناصر الدولة بينما كانوا يعيثون فساداً في الوجه البحري، هجموا على ديارات الرهبان ونهبوها. وأسروا البابا خرستوذولوس وكان بأحد هذه الأديرة واحتجزوه عندهم حتى يدفع الأقباط عنه دية يفتدوه بها. فخلصه أبو الطيب من أيديهم.

الشيخ الأحزم - كان كاتب ديوان النظر وهو ديوان المراجعة على دواوين الأموال. وكان لمن يتولى نظارته حق العزل والولاية.

أبو البركات بن أبي الليث - كان رئيس ديوان المجلس. حسده البعض فرفعوا للخليفة تقريراً ضده مدعين أنه يختلس أموال الدولة. كما اتهموه أنه يستخدم أقاربه ويقدمهم على غيرهم، فلم يلتفت الخليفة لأقوالهم لأنه اكتشف تحامل كاتبيها عليه.

أبو المليح الشهير بمماتي - كان في خلافة المستنصر ووزارة بدر الجمالي. اشتهر بالغنى وعمل الخير والاحسان، عرف عنه إحسانه وصدقاته الكثيرة للجميع - مسلمين ومسيحيين - بدون تمييز خاصة في أيام المجاعة والغلاء الشديد. وهو جد أسعد بن مهذب بن زكريا الذي أسلم في وزارة شيركوه أيام العاضد.

وغير هؤلاء كثيرون خلعت عليهم ألقاب الشرف والتبجيل مثل:

الشيخ الأكرم أبي الفضائل بن أبي سعيد - وأبو غالب بن أبي المكارم البلبيسي - والشيخ أبو زكري الصيرفي - والشيخ أبي البركات بن أبي سعيد هيلان الكاتب المجيد - والشيخ ابن أمين الملك بن المهذب - والشيخ أبي اليمن البزاز - والشيخ المهذب أبي أسحق ابراهم بن أبي سهل الفيومي المعروف بالزقزوق - وفخر الدولة أبو المكارم بن الفتح الاسكندراني وغيرهم مما لا يسعنا إحصاء أسمائهم والأعمال التي عملوها، والخدمات التي قدموها للكنيسة والأديرة.

ومن الأراخنة الأقباط في عصر العاضد الأسعد صليب بن ميخائيل المعروف بابن الايغومانس - كان عالماً فاضلا كلفا بالعلم، محبا للعلماء. ولما أحرق شاور الوزير الفسطاط قام هو بتجديد دير مار مينا بها، وأنشأ بها مدرسة ومنتدى علمياً كان محط رجال أهل العلم والأدب في زمانه. له رسالة في أسرار الكنيسة بخط يده، كانت محفوظة بدار الكتب بمدينة لننجراد بروسيا١٢٦.

ملاحظة

١ - وفي الوقت الذي تمتع فيه الأقباط بالراحة في ظل حكم الفاطميين، بدليل هذه المراكز التي شغلوها نجد أن البعض قد ارتد عن المسيحية وأسلم.. ومن هؤلاء الشيخ أبو نجاح بن الراهب الذي أخذ يتقلب في الوظائف العالية حتى تسلط على جميع الدواوين. وآل على نفسه اضطهاد الأقباط ومضايقتهم بكل ما أوتي من قوة، وما وسعته الحيلة، حتى أنه حصل الجزية منهم مضاعفة. وتمادي في غيه، فعم ضرره جميع الرؤساء والمباشرين، فتعصبوا عليه وشكوه إلى الخليفة، الذي لما تحقق صدق شكواهم وعظم جرمه وتعديه، أمر بسجنه وضربه بالنعال حتى يموت. كما استولى على جميع ممتلكاته وكانت كثيرة١٢٧.

ومن هؤلاء أحد الكتاب الأقباط ويدعى زكريا بن أبي المليح مماتي، وكان يقرض الشعر. فكتب التماساً رفعه إلى أسد الدين شيركوه، صدره بالبيتين الآتيين:

يا أسد الدين ومن عدله ... يحفظ منا سنة المصطفى
كفى عياراً شد أوساطنا ... فما الذي أوجب كشف القفا

وكان يقصد بذلك استرحام أسد الدين شيركوه بأن لا يمنع النصارى من إرخاء الفدية. فلم يجب طلبه ولما يئس من ذلك اسلم.. وكان زكريا هذا من أقباط أسيوط، ولما اسلم ولى ناظراً على الدواوين وكان شاعراً مجيداً. وله عدة مصنفات كتب معظمها بعد اسلامه. وأصبح اسمه بعد الاسلام الأسعد بن شرف الدين أبي المكارم بن سعيد بن أبي المليح. وكان جده أبو المليح من رجالات الدولة في زمان أمير الجيوش بدر الجمالي وزير الخليفة المستنصر١٢٨.

٢ - وهناك اثنين من الأقباط ظهرا في القرن الثاني عشر يدعوهما يعقوب نخله رفيله في كتابه تاريخ الأمة القبطية من المصلحين، بينما يذكرهما القس منسي القمص في كتابه «تاريخ الكنيسة القبطية» بين المبتدعين. ونحاول أن نأخذ عنهما وعن آرائهما فكرة.

(أ) القس ياسر بن القسطال:

كان قساً عالماً راهباً أخذ يتأمل في أحوال الأقباط، وأدرك أنهم بحاجة إلى إبطال بعض عادات دخيلة عليهم. منها أن يكون من حق الخطيب مشاهدة خطيبته قبل العقد عليها، وألا يكره أحد على الزواج بمن لا يريد.. كان دافعه إلى ذلك كثرة المنازعات الأسرية التي تحدث بين المتزوجين، الأمر الذي ربما قاد إلى التسري وظهور مشاكل في مسألة توريث المخلفين من التسري - هذه العادة الخاطئة جداً التي شاعت بين الأقباط تشبهاً بغيرهم ممن يتزوجون بأكثر من زوجة واحدة.

ومن العادات التي أخذ يقاومها وكانت دخيلة عليهم منذ مجيء العرب إلى مصر، مسألة حلق شعر الرأس والختان الذي كانوا يحرصون عليه أشد الحرص حتى أنه ما كان يسمح للطفل بالعماد إلا بعد ختانه. وأبان لهم أن الختان ليس فريضة دينية بل مجرد عادة.. مثل هذا الكلام لا غبار عليه. لكن رجال الاكليروس تصدوا له وأخذوا يذيعون أن ما يقول به ابن القسطال بدعة. وقد ألف في ذلك عدة رسائل مثبتاً صحة رأيه. لكنهم أصروا على موقفهم منه، وقطعوه وطردوه من بينهم وأخرجوه من ديره الذي كان موجوداً بالعدوية بين مصر القديمة وطره. وكان من أفخر الأديرة. وكان يقصده كبار الأقباط. وكان بجانبه بستان فسيح جميل أنشأه القس من ماله الخاص. فأخرجوه منه بالقوة، ووضع البطريرك يده عليه. فعاش بعد ذلك فقيراً ذليلا، ومات حزيناً كئيباً.. أما البستان فلم يهنأ به البطريرك فقد استولى عليه الأمير جبريل بن الخليفة الحافظ (١١٣٠ - ١١٤٩)، ووسعه وجعله متنزهاً خاصاً به وبالخلفاء الفاطميين، بعد أن كانوا يأتون إليه لمجرد الزيارة وينصرفون.. وبعد سقوط الفاطميين آل هذا البستان إلى أخو صلاح الدين الأيوبي ويدعى طفتكين، وضم إليه بساتين أخرى مجاورة وكذلك كل الجهة المعروفة بالعدوية وساحل البحر وكانت كلها ملكاً للأقباط وكانت بها كنيسة تسمى كنيسة السودان استولى عليها أيضاً وهدمها.

ومن مآثر هذا القس أنه بعلمه استطاع أن يقنع أحد كبار اليهود ويدعى الفخر بن زاهر بالديانة المسيحية وذلك بعد مباحثات ومناقشات. وكان هذا اليهودي متفقهاً في أمور دينه. ولما آمن هذا الهيودي بالمسيح انضم إلى الكنيسة القبطية وتعلم اللغة القبطية واتقنها ورسم شماساً على كنيسة حارة زويلة وظل بها حتى مات.

(ب) مرقس بن القنبر:

كان متأخراً عن ابن القسطال، وكان حائزاً على قسط من العلوم والمعرفة، فضلا عن معرفته للغتين القبطية والعربية. كما كان يجيد اللغة اليونانية وترجم منها بعض الكتب إلى العربية، ويقال أنه كتب كتباً نادى فيها بمبادىء مخالفة لتعليم الكنيسة. رسمه أسقف دمياط كاهناً لأحدى بلاد الصعيد وكان ذلك قبل أن يكتب هذه الكتب.. وإزاء هذه التعاليم الغريبة، طلب بعض الأساقفة والعلمانيين من البابا يؤنس الخامس أن يصدر ضده حكماً بالحرم. فتمهل عليه لعله يرجع عن غيه. ولكنه سمع عنه أنه ترك زوجته وصار راهبا طمعا في الحصول على رتبة الأسقفية. وكان ذلك دليلا على سوء نيته، فحرمه البطريرك وقطعه من شركة الكنيسة، فلم يبال بذلك بل استمر في أعماله. وكان يتبعه ويستمع إليه كثيرون.

ولما اعتلى الكرسي المرقسي البابا بن زرعه كتب إليه أساقفة وأراخنة الصعيد التصرف لتلافي الخطر المحدق بالكنيسة من جراء الفتن التي يحاول مرقس بن القنبر إشعالها. فأرسل إليه البطريرك ومثل أمامه ونصحه وتظاهر أنه قبل نصحه واعترف أنه أخطأ، وإزاء ذلك حله من حرمه وعاد إلى بلدته، ولكنه عاد إلى سيرته الأولى. فلما رأى البطريرك ذلك عقد مجمعاً من ستين أسقفاً وافق فيه على حرمه وتجريده من رتبته الكهنوتية.

لجأ مرقس بن القنبر إلى المسؤولين بالدولة وطلب أن ينظروا في دعواه.. أراد الحكام أن يتدخلوا في أمره، لكن البطريرك والأساقفة أبوا بالكلية قبول طرح المسألة أمام الجهات الحكومية، وارتضوا بتحكيم البطريرك الأنطاكي. فسعى هذا لايجاد الصلح لكنه فشل.. كانت النتيجة أن ارتمى مرقس في أحضان كنيسة الروم وكانت ضعيفة، فتركها وعاد إلى البطريرك وطلب إليه أن يقبل توبته، وكان الناس انفضوا من حوله ورجعوا إلى كنيستهم الأم، فعاد ثانية إلى كنيسة الروم ولكنها لم تقبله في هذه المرة.. وهكذا أمضى بقية حياته طريداً١٢٩.

  1. (٣٧) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، الصفحة ٩٢.
  2. (٣٨) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، الصفحات من ٩٤ إلى ٩٦.
  3. (٣٩) Alfred Butler, the Ancient Coptic Churches vol.I pp.126,127.
  4. (٤٠) جاك تاجر، أقباط ومسملون، ص ١٥١، ١٥٢.
  5. (٤١) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، الصفحات من ١٠١ إلى ١١٣.
  6. (٤٢) كانت جزء من مدينة المحلة الكبرى - انظر القاموس الجغرافي لمحمد رمزي، ج ١، الصفحة ١٨٥.
  7. (٤٣) عن المخطوط الذي نشرته كنيسة دمياط سنة ١٩٦٩.
  8. (٤٤) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، ص ١١٦، ١١٧.
  9. (٤٥) تاريخ البطاركة، المجلد الأول، ج ٢، ص ١١٧، ١١٨.
  10. (٤٦) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، ص ١١٩، ١٢٠.
  11. (٤٧) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، الصفحة ١٢٠.
  12. (٤٨) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، الصفحة ١٢٠.
  13. (٤٩) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، ص ١٣٥، ١٣٦.
  14. (٥٠) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، الصفحات من ١٤٨ إلى ١٥٠.
  15. (٥١) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، الصفحات من ١٤٨ إلى ١٥٠.
  16. (٥٢) ايريس المصري، قصة الكنيسة القبطية، ج ٣، الصفحة ٧٣.
  17. (٥٣) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، ص ١٥١، ١٥٢.
  18. (٥٤) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، ص ١٥٣، ١٥٤.
  19. (٥٥) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، ص ١٥٣، ١٥٤.
  20. (٥٦) منسي القمص، تاريخ الكنيسة القبطية، (طبعة سنة ١٩٢٤، الصفحة ٥١٠.
  21. (٥٧) Stanley Lane-Poole; History of Egypt in the Midolle Ages, p. 136.
  22. (٥٨) د. محمد جمال الدين سرور، الدولة الفاطمية فى مصر، الصفحة ٨٩.
  23. (٥٩) ايرس المصري، قصة الكنيسة القبطية، ج ٣، الصفحة ٧٨، عن تاريخ القدس لعارف باشا.
  24. (٦٠) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، الصفحة ١٥٨.
  25. (٦١) واقعة على الشاطىء الغربي لفرع دمياط وتقع على مقربة منها وهي من البلاد القديمة التي اندثرت (القاموس الجغرافي - القسم الأول، ص ١٧٦، ١٧٧).
  26. (٦٢) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٢، الصفحة ١٦٩.
  27. (٦٣) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ٢٠٦.
  28. (٦٤) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١٧٣.
  29. (٦٥) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١٨٢.
  30. (٦٦) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١٩٨.
  31. (٦٧) دكتور زاهر رياض، كنيسة الاسكندرية في افريقيا، ص ١٦٨، ١٦٩.
  32. (٦٨) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ١٨٤، ١٨٥.
  33. (٦٩) مدينة مصرية قديمة اندثرت، وكانت تقع بجزيرة في بحيرة المنزلة - ومازلت الجزيرة موجودة حتى اليوم وتعرف باسم جزيرة تنيس - وتقع على بعد تسعة كيلومترات جنوب غربي مدينة بورسعيد.
  34. (٧٠) عن مقال للشماس كامل صالح نخلة - عن كتاب قصة الكنيسة، ج ٣، ص ١٠٦، ١٠٧ - وكتاب تاريخ البطاركة.
  35. (٧١) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحات من ١٨٧ إلى ١٨٩.
  36. (٧٢) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ١٨٩، ١٩٠.
  37. (٧٣) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١٩١.
  38. (٧٤) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١٩١.
  39. (٧٥) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ٢٢٨.
  40. (٧٦) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١٩٢.
  41. (٧٧) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١٩٢.
  42. (٧٨) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ١٩٢، ١٩٣.
  43. (٧٩) هو أب راهب قديس كان معاصراً القديس بيسوس ولما طلبوه ليرسموه بطريركاً بعد الأنبا خرستوذولوس هرب واختفى في بعض البلاد حتي رسم البابا كيرلس الثاني.
  44. (٨٠) هي الآن كوم سنجار في جزيرة واقعة في بحيرة البرلس على بعد ١٠ كيلومتر جنوب غربي قرية البرج الواقعة على البحر المتوسط باقليم البرلس التابع لمدينة بيلا بشمال الدلتا.
  45. (٨١) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ١٩٣، ١٩٤.
  46. (٨٢) تابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية.
  47. (٨٣) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ١٩٥، ١٩٦.
  48. (٨٤) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ١٧٠، ١٧١.
  49. (٨٥) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحات من ٢٠٧ إلى ٢٠٩.
  50. (٨٦) أبو المكارم، كنائس وديارات مصر، بالانجليزية - ورقة ٥١ (أ) - ستانلي لينبول، تاريخ مصر في العصور الوسطى، بالانجليزية، الصفحة ١٥٢ - يعقوب نخلة روفيلة، تاريخ الأمة القبطية، ص ١٣٨، ١٣٩.
  51. (٨٧) يعقوب نخلة روفيلة، تاريخ الأمة القبطة، ص ١٣٩، ١٤٠.
  52. (٨٨) هناك خلط بين دقميرة ودميرة في بعض الكتب - لكنها أسقفية أخرى وكرسي آخر غير دميره - وهي حاليا تعرف باسم كفر دميره الجديد، تابع لمركز طلخا، انظر Munier; Liste Episcopales pp. 27, 28. وانظر أيضاً محمد رمزي، القاموس الجغرافي، القسم الثاني، الجزء الثاني، الصفحة ٩٠.
  53. (٨٩) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢٠٩، ٢١٠.
  54. (٩٠) يعقوب نخلة روفيلة، تاريخ الأمة القبطية، ص ١٤٠، ١٤١.
  55. (٩١) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢١٤، ٢١٧.
  56. (٩٢) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحات من ٢٢٠ إلى ٢٢٢.
  57. (٩٣) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١١٨. ايريس المصري، قصة الكنيسة القبطية، ج ٣، الصفحات من ١١٦ إلى ١١٨ عن أوسوالد بورمستر الذي نشر هذه القوانين بالعربية مع الترجمة الانجليزية سنة ١٩٣٦.
  58. (٩٤) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢٢٩، ٢٣٠.
  59. (٩٥) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ١٦٠.
  60. (٩٦) هي الآن كوم سنجار في جزيرة واقعة في بحيرة البرلس على بعد عشر كيلومترات جنوب غربي قريرة البرج الواقعة على البحر المتوسط باقليم البرلس التابع لمدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ.
  61. (٩٧) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢٤٠، ٢٤١.
  62. (٩٨) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢٤٠، ٢٤١.
  63. (٩٩) تاريخ البطاركة، المجلد الثانى، ج ٣، الصفحة ٢٤١.
  64. (١٠٠) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢٤٢، ٢٤٣.
  65. (١٠١) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢٤٧، ٢٤٨.
  66. (١٠٢) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، ص ٢٤٦، ٢٤٧.
  67. (١٠٣) تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، ج ٣، الصفحة ٢٤٨.
  68. (١٠٤) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، الصفحة ٧.
  69. (١٠٥) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، الصفحة ١٣.
  70. (١٠٦) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، الصفحة ١٥.
  71. (١٠٧) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، الصفحة ١٤.
  72. (١٠٨) Stanley Lane-Poole, History of Egypt in the Middle Ages, p. 165.
  73. (١٠٩) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، ص ٢٥، ٣٦. كامل صالح نخلة، سيرة البابا غبريال ابن تريك.
  74. (١١٠) Aziz S. Atiya, History of Eastern Christianity, p. 93. تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، ص ٥٢، ٥٣.
  75. (١١١) سليمان نسيم، تاريخ التربية القبطية، الصفحة ٩٧.
  76. (١١٢) يعرف باسم ميخائيل بن دنشتري وهذه كلمة قبطية ومعناها القلاية الكبيرة، وهي إحدى قلالي دير أبو مقار (انظر كتاب Evelin White)، والترجمة الانجليزية لتاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، الصفحة ٣٦ عربي، الصفحة ٥٩ انجليزي.
  77. (١١٣) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، الصفحة ٤١.
  78. (١١٤) Stanley Lane-Poole, History of Egypt in the Middle Ages, p. 177.
  79. (١١٥) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، الصفحة ٥٣.
  80. (١١٦) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، ص ٥٣، ٥٤.
  81. (١١٧) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، ص ٥٤، ٥٦.
  82. (١١٨) دكتور على ابراهيم حسن، مصر في العصور الوسطى، ص ٢٥٠، ٢٥١. دكتور جمال الدين سرور، الدولة الفاطمية في مصر، الصفحات من ١٢٧ إلى ١٢٩.
  83. (١١٩) دكتور علي ابراهيم حسن، مصر في العصور الوسطى ص ٢٥٠، ٢٥١. دكتور جمال الدين سرور الدولة الفاطمية في مصر، الصفحات من ١٢٧ إلى ١٢٩.
  84. (١٢٠) Aziz S. Atiya, *History of Eastern Christianity*, p. 93, 94.
  85. (١٢١) دكتور على ابراهيم حسن، مصر في العصور الوسطى، الصفحة ٢٥٢.
  86. (١٢٢) دكتور جمال الدين سرور الدولة الفاطمية في مصر، الصفحات من ١٢٤ إلى ١٣٦.
  87. (١٢٣) دكتور جمال الدين سرور الدولة الفاطمية في مصر، الصفحات من ١٢٤ إلى ١٣٦.
  88. (١٢٤) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ٢، الصفحة ٩٧.
  89. (١٢٥) يعقوب صالح نخلة رغيلة، تاريخ الأمة القبطية، ص ١٤٢، ١٦٣ - ١٦٨.
  90. (١٢٦) رمزي تادرس، دائرة المعارف القبطية، الصفحة ١٧.
  91. (١٢٧) يعقوب نخلة رفيلة، تاريخ الأمة القبطية، الصفحة ٦٦.
  92. (١٢٨) يعقوب نخلة رغيلة، تاريخ الأمة القبطية، الصفحات من ١٦٠ إلى ١٦٢.
  93. (١٢٩) منسي القمص، تاريخ الكنيسة القبطية، طبعة أولى، الصفحة ٥٥١.

From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.