← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon
الآباء البطاركة في عصر الأيوبيين [١١٧١ - ١٢٥٠ م]
The patriarchs of the Ayyubid era (1171-1250)
"الآباء البطاركة في عصر الأيوبيين"
عاصر الايوبيين في مصر الذين امتد حكمهم من (١١٧١ إلى ١٢٥٠ م) اثنان من الآباء البطاركة، هما الأنبا يوأنس السادس ٧٤ (١١٨٩ - ١٢١٦) وخلا الكرسي البطريركي بعده مدة عشرين سنة، والأنبا كيرلس الثالث ٧٥ الشهير بابن لقلق (١٢٣٥ - ١٢٤٣)، وظل الكرسي البطريركي بعده شاغراً مدة نحو سبع سنوات ونصف حتى نهاية الدولة الأيوبية. ونعرض فيما يلي لتاريخ كل من هذين البطريركين:
الأنبا يوأنس السادس ٧٤ (١١٨٩ - ١٢١٦)
رسم بطريركاً بعد نياحة سلفه الأنبا مرقس بن زرعة بخمسة وثلاثين يوماً. وهو علماني وكان اسمه قبل رسامته أبو المجد بن أبو غالب بن سورس.. كان ينتسب إلى أسرة ذات ثراء كبير، وكان يشتغل بالتجارة وكان له وكالة بمدينة مصر، وكان يمتلك مصنعاً للسكر وطواحين وأملاك.. أما عن تقواه فيذكر كتاب تاريخ البطاركة الكثير عن ذلك «كان بتولا عالماً.. كاملا في جسده وقامته. بشوش الوجه، حسن الخلق، لين الكلام.. ما كان يغفل عن صلوات السواعي الليلية والنهارية. محباً ومجتهداً في ضيافة الغرباء وافتقاد المرضى والمحبوسين.. كثير المودة لكل أحد، ويفعل الخير مع كل أحد».
ولشدة محبة المسلمين له توسط في رسامته القاضيان المريضي والرضى أخوه ابنا الجباب.. وهذا يتفق مع الشروط التي وضعها الرسول بولس عن الأسقف واختياره أن تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج، أي غير المؤمنين.. ويقول تاريخ البطاركة عن الكنيسة في عهده «لما علم السيد المسيح أن هذا الأب يحبه سلم له خرافه ليرعاهم.. فرعاهم بطهارة قلبه وبرفق يديه ساسهم وأهداهم. واهتدت البيعة في أيامه وصلح حال الشعب ودامت السلامة». وكانت رسامته في عهد سلطنة صلاح الدين الأيوبي.
١ - وفي عهد هذا البطريرك تنيح المطران القبطي بالحبشة، فأرسل امبراطور الحبشة إلى البطريرك طالباً رسامة مطران لهم، كما أرسل هدية جليلة إلى سلطان مصر ومعه كتاب يطلب فيه أن يقوم البطريرك برسامة مطران للحبشة.. وظل البطريرك يبحث بين الرهبان عمن يصلح. واستغرق الأمر ثلاثة أشهر حتى ضجر رسل امبراطور الحبشة من طول مقامهم. وكان ذلك في عهد الملك العادل (١٢٠٠ - ١٢١٨ م).. أخيراً استقر رأيه على ترقية أسقف فوة وكان يدعى كييل إلى رتبة مطران وإرساله إلى الحبشة. وكان الصليبيون قد أفنوا أهالي مدينة فوة عن بكرة أبيهم سواء من المسيحيين أو المسلمين. واضطر الأسقف إلى الالتجاء للدير.. وكان البطريرك يظن أن الأسقف كييل قد صقلته السنوات التي أمضاها في الأسقفية.. وقوبل المطران كييل (كيلوس) بغاية الحفاوة والترحاب في بلاد الحبشة حتى أن الامبراطور استقبلة خارج العاصمة مسيرة ثلاثة أيام.. وأغرقوه بالعطايا. وكان له عشرة قسوس كتلاميذ لخدمته.. وتفاءل الأحباش بمقدمه خيراً، لأن المطر كان قد امتنع عن النزول فصلى وقدس هذا الأب فنزل المطر.. وظل على هذه الحال أربع سنوات.
وحدث في السنة الخامسة أن ضاع قضيب ذهب من خزانة المطران، فاتهم المطران كبير قسوسه التلاميذ العشرة بسرقة هذا القضيب. وأمر عبيده بضربه، فأخذوا يضربوه أمامه بلا شفقة، وكان يأمرهم بالمزيد من الضرب، وتوسل من أجله بعض الكهنة فلم يقبل توسلهم. وظلوا يضربونه حتى مات.. وحاول أهل القسيس المقتول أن ينتقموا من المطران، ففر من المكان حاملا معه ما خف حمله وغلا ثمنه.. ولكن كل هذا أخذ منه بالقوة في رحلته الطويلة إلى مصر. ووصل إلى مصر معدماً.
ولما تقابل مع البطريرك روى له رواية مخالفة للواقع.. قال أن ملكة الحبشة أخذت تلح عليه حتى رسم أخاها أسقفاً على مدينة الملك، وكان اسمه خيرون. فلما رسم أخذ يحرض الناس ضد المطران القبطي. وإن خيرون هذا عمل على قتل المطران.. فلما سمع البطريرك هذه الرواية لم يصدقها. وجعله يقيم في كنيسة حارة زويلة بالقاهرة. وأرسل كتاباً إلى امبراطور الحبشة صحبة أحد القسوس ويدعى موسى يستعلم منه عن حقيقة الموقف.. وجاء رد الامبراطور كيف أن المطران كييل عاش في أبهة تفوق الخيال وبنى له قصراً فخماً، وحضر مع رسول البطريرك رسول من قبل الامبراطور.. وهكذا نرى هذا البطريرك لا يتعجل إصدار الأحكام.
عقد البطريرك مجمعاً على المطران كييل في كنيسة المعلقة وقضى بتجريد كييل من رتبته الكهنوتية بعد أن أقر بصحة الأخطاء المنسوبة إليه.. وقف كييل بملابسه الكهنوتية أمام المجمع. ولما صدر حكم التجريد مزقوا ملابسه (شلحوه).. وقد رسم البطريرك مطراناً آخر للحبشة يدعى اسحق وكان راهباً بدير الأنبا انطونيوس. وكان أخوه الأكبر راهباً معه فرسمه قساً وأرسلهما إلى بلاد الحبشة. فقام المطران اسحق بخدمة كنيسة الحبشة خدمة مرضية. وقد أعطاه الله نعمة في عيون الأحباش فحسبوه في عداد القديسين. ومما يذكر عنه أنه استحضر من مصر عدداً من العمال الأقباط لنقش حجارة الكنائس بالحبشة. واستمر هذا الأب أربعين سنة مطراناً على الأحباش.
٢ - وحدث في أيام هذا البطريرك أن قساً من البشمور ترمل بوفاة زوجته، فتزوج بأخرى. فطردوه من بلده فمضى إلى الاسكندرية وأخذ يؤدي في كنائسها الخدمات الدينية. فلما نما خبره إلى البطريرك استاء أشد الاستياء ووبخ اكليروس الاسكندرية. وسن قانوناً يقضي بأنه لا يجوز لأية كنيسة أن تقبل كاهناً غير معروف ليؤدي بها الخدمات الدينية دون أن يكون معه تصريحاً كتابياً بذلك من رئاسته الكنسية.
أخيراً تنيح هذا الأب الطاهر بعد أن قضى على الكرسي البطريركي نحو سبع وعشرن سنة. وحزن عليه الجميع أقباط ومسلمون.
٣ - ومما هو جدير بالذكر أنه منذ أيام هذا البطريرك بطل إرسال أساقفة إلى الخمس مدن الغربية وذلك نتيجة ارتداد أهلها عن المسيحية واعتناقهم الاسلام، وذلك بعد أن ذاقوا اضطهاداً مريراً على يد الملوك البيزنطيين الملكانيين ثم حكام المسلمين.
الأنبا كيرلس الثالث بن لقلق ٧٥ (١١٣٥ - ١٢٤٣)
بعد نياحة البابا يوأنس السادس، ظل الكرسي البطريركي شاغراً مدة عشرين سنة تقريباً بسبب الظروف التي واجهتها البلاد بسبب الحملات الصليبية، وكذا بسبب خلافات الأقباط فيما بينهم في شأن من يصلح لرتبة البطريركية الجليلة.. وكان الأنبا يوأنس ٧٤ قد تنبأ قبل نياحته ببقاء الكرسي البطريركي خالياً مدة طويلة.
يقول كاتب سير البطاركة عن الأنبا يوأنس السادس، أنه في اليوم السابق لنياحته «غشى عليه نحو ثلاث ساعات. ثم فتح عينيه وتحدث مع الحاضرين عنده، وسألهم عن منصور تلميذه وكان مريضاً. فقالوا له مات. فقال كفنوه وادفنوه، فأنا غداً أكون عنده. ثم غشى عليه دفعة ثانية. ثم فتح عينيه وقال للحاضرين عنده: يكون بينكم بعدي خلاف عظيم فيمن تقيموه. ويكون الكرسي بلا بطريرك زماناً طويلا، حتى يقيم لكم المسيح رجل يأتي به من حيث لا تعرفون وبالفعل تنيح في اليوم التالي١٣٩.
١ - ظهر ثلاث مرشحين للبطريركية لكل منهم فريق من الأراخنة يناصرونه.. وللأسف كانت الأساليب التي استخدمت بعيدة كل البعد - لا أقول عن قوانين الكنيسة - بل عن أبسط مبادىء التقوى المسيحية.. وكان هؤلاء المرشحون الثلاثة هم القس بولس البوشي والقس داود بن لقلق الفيومي والأرشيدياكون أبو شاكر بطرس ناظر كنيسة أبي سرجة بمصر القديمة (ويقال أنها الكنيسة المعلقة).. وظل مناصروا هؤلاء المرشحين الثلاثة يبذلون قصارى جهدهم في تعيين مرشحيهم، مقاومين بعضهم بعضا، مستخدمين الأساليب العالمية مدة طويلة دون أن يتمكن فريق من التغلب على الآخرين.
التجأ فريق أبي شاكر بطرس إلى وسائل غير مشروعة وقدموا مبالغ طائلة لبيت المال والسلطان ذاته ومع ذلك لم ينجحوا فيما أرادوا.. أما القس بولس البوشي والقس داود بن لقلق فظلا متلازمين يشتركان ويتعاونان في وضع الكتب الدينية دفاعاً عن المسيحية.. وظل القس داود بن لقلق طوال هذه المدة مثابراً في اغتنام كل فرصة تواتيه للوصول إلى تحقيق مأربه وهو كرسي البطريركية. أما القس بولس البوشي فلما رأى المنازعات على أشدها وأخذت شكلا يتنافي مع أصول الدين سحب نفسه من ميدان المنافسة كما انسحب الارشيدياكون أبو شاكر بطرس، وهكذا خلا الميدان للراهب القس داود بن لقلق الفيومي.
٢ - ونتوقف هنا قليلا لنعرف شيئاً عن الراهب القس داود بن لقلق الفيومي.. كانت منطقة الفيوم بها عدة أديرة في القرن الثالث عشر مأهولة بالرهبان. فانخرط داود في أحد أديرة الفيوم ولعله دير القديس بقطر.. وكان من زملائه في هذا الدير الراهب بولس البوشي.. رسم داود قساً وخدم بأحد كنائس الفيوم. وما لبث أن حدث خلاف شديد بينه وبين كهنة هذه الكنيسة، وقام عليه بسبب هذه المنازعات أكابر مسلمي المدينة واعتقلوه فضاً للمشاكل واستتباباً للسلام. لكنه ما لبث أن أطلق سراحه بواسطة أحد أراخنة الأقباط المدعو أبو الفتوح نشء الخلافة المعروف بابن الميقاط وأحضره إلى القاهرة وأسكنه معه بداره. وكان ذلك في حياة البابا يوأنس السادس. ومنذ ذلك الوقت توطدت العلاقة بين الراهب داود بن لقلق ونشء الخلافة أبو الفتوح.. ويبدو أن الراهب داود - رغم نبوغه العلمي - كان له تعاليم مخالفة لتعاليم الكنيسة.
في تلك الآونة تنيح مطران الحبشة وسعى الراهب داود أن يرسم بدله.. وقدم مائتي دينار للملك العادل ليصدر أمره للبطريرك برسامته.. فأرسل الملك رسولا من قبله للبطريرك يحمل له الأمر الملكي. لكن البطريرك اعتذر في لباقة عن إجابة هذا الطلب لأن الراهب داود لا يصلح للمنصب لفساد إيمانه لأنه يقول بما يقوله الروم الملكانيون. وإن ذهابه إلى الحبشة قد يجر معه مشاكل كثيرة. ولما سمع الملك ذلك عدل عن طلبه. ورسم البطريرك مطراناً آخر على بلاد الحبشة. ويبدو أن الراهب داود كان بالفعل يشارك الروم الملكانيين بعض معتقداتهم ويقلدهم حتى في الزي والثياب.
٣ - كان العضد الأكبر للراهب داود هو الشيخ أبو الفتوح نشء الخلافة، بينما كان اضداد الراهب داود يستعينون على أبو الفتوح بالسلطان الملك الكامل ابن الملك العادل.. ورغم كل محاولات أبي الفتوح فانه لم ينجح في جمع الكلمة على ترشيح الراهب داود، فلجأ إلى وسيلة أخرى.. أنفذ رسله إلى كراسي الآباء الأساقفة بالوجه البحري وإلى أسقف طنبدي بالوجه القبلي، فاجتمع سبعة أساقفة فأكرمهم وطلب إليهم كتابة تزكية للراهب داود بأنه يصلح بطريركاً.
٤ - وتصادف أن الملك الكامل خرج من القاهرة في نزهة قاصداً الاسكندرية، فعبر بحر ابيار ورأى صومعة راهب حبيس هناك فوقف تحتها وصاح عليه فكلمه ودعا له. فشكى الملك له من وجع في فؤاده، فصلى له الراهب الحبيس على قليل من الزيت الطيب ودفعه له وقال «إذا دهنت موضع الوجع والله الشافي» فدهن به موضع الوجع فبرىء لوقته. فوهبه شيئاً من يده، فصار له في قلبه مودة من ذلك الوقت١٤٠.. ولما كثر النزاع حول ابن لقلق تذكر الملك الكامل الراهب الحبيس بابيار، وقال للأساقفة الذين طلبوا تعيين بطريرك لهم «أنا آمر أن يكون حبيس أبيار بطريرككم. وأنا أرضاه لكم».. وكتب في الحال إلى والي الغربية وشمس الدين القاضي أن يمضيا إلى ابيار وينزلا بالحبيس من صومعته إلى القاهرة.
٥ - فلما سمع نشء الخلافة أبو الفتوح بذلك الخبر اتفق مع الأمير فخر الدين عثمان وزير الملك الكامل على أن يقولوا للسلطان عن الراهب الحبيس بابيار «أنه يسأل مولانا السلطان أن لا يزعجوه ولا ينزلوه من صومعته». وأنفذوا رسلا أرجعوه ثانية إلى ابيار بعد أن كان قد وصل إلى قليوب.
٦ - سمع بهذا الخبر أحد الأقباط ويدعى الأسعد بن صدقة وكان من الأراخنة، فغار غيرة الرب وأخذ جماعة من الناس ووقف للسلطان وقاوم نشء الخلافة أبا الفتح في رسامة الراهب داود بن لقلق، وقال للملك الكامل «أنه يصانع المال حتى يتقدم علينا وما نرضاه. وقد دفع للملك العادل مالا كثيراً حتى يأمر البطريرك أن يجعله مطراناً فما صلح. فهل يحل الله لك أن تجعله علينا بطريركاً يفسد ديننا، ويجعل قبط مصر كلهم روماً ويخرجها من أيدي المسلمين». فأنفذ الملك الكامل إلى والي مصر رسالة يقول فيها «أن أنت مكنت أبا الفتوح وأصحابه أن يقيموا بطريركاً بغير أمري شنقتك»١٤١.
٧ - قام أبو الفتوح بمحاولة أخيرة لرسامة الراهب داود، فانتهز فرصة خروج الملك العادل إلى الاسكندرية واستأذنه في رسامة داود، فقال له «اجعله بطريركاً والحق به إلى الاسكندرية ولا تبطىء».. وبالفعل استعد داود بالثياب الكهنوتية وصعد مع الأساقفة وأبو الفتوح إلى الكنيسة المعلقة ليرسموه بطريركاً.. فاتصل البعض بوالي مصر فركب وجماعة من جنده وجاء إلى الكنيسة المعلقة وفرقوهم وفر الراهب داود، وخرج الأساقفة قاصدين كراسيهم.. ومنذ ذلك الوقت لم يعد نشء الخلافة أبو الفتوح يتحدث في أمر رسامة الراهب داود١٤٢.
٨ - يأس داود من رسامته بطريركاً وسكن أحد الأديرة القريبة من القاهرة وهو دير القديس فيلوثاوس المعروف بدير النسطور الذي كان يشرف عليه أحد أعوانه. «وطال الحال بغير بطريرك حتى لم يبق من الأساقفة سوى أسقفين بالوجه البحري وأسقفين بالوجه القبلي». وخلت كنائس كثيرة من الكهنة، حتى أن مدينة الاسكندرية وبرية شيهيت لم يبق لهم إلا كاهن واحد.. كما نفذ الميرون أيضاً حتى اضطرت أغلب الكنائس أن تأخذ بواقي الميرون ويجعلونه في المعمودية، كما اضطرت بعض الكنائس في القرى إلى استخدام زيت الغاليلاون بدل الميرون١٤٢.
٩ - أخيراً بواسطة راهب يدعى عماد، اتفق مع الراهب داود أن يدفع ثلاثة آلاف دينار ذهب ويضمنه بها لبيت المال. وكان الملك الكامل بالاسكندرية واتفقوا معه أن تتم رسامة الراهب داود بالاسكندرية بعيداً عن المتعصبين ضده بالقاهرة. وبالفعل تمت رسامة الراهب القس داود ابن لقلق بطريركاً بالاسكندرية باسم كيرلس الثالث وذلك بواسطة وضع يد أسقفين أحدهما أسقف أشمون طناح (أشمون الشرقية)، والثاني أنبا مرقس أسقف مليج وكان ذلك يوم ١٦ يونيه سنة ١٢٣٥ في كنيسة أنبا شنودة خارج المدينة. وأكملت الرسامة يوم الأحد التالي ٢٣ يونيه بكنيسة سوتير١٤٣.
١٠ - ومن الأخطاء الكثيرة التي تؤخذ على كيرلس الثالث التجاؤه إلى السيمونية في الرسامات الكهنوتية. كان قد تقرر عليه أن يدفع اثني عشر ألف بندقي لبيت المال (ما يوازي ثلاثة آلاف دينار)، وكان لا يملك منها شيئاً، فلجأ إلى السيمونية لسداد هذا المبلغ.. وبطبيعة الحال هذا خطأ واضح وشديد. أما السبب فان هذا البطريرك رسم بطريقة غير شرعية ولا تقرها قوانين الكنيسة.. وقيل عنه أنه لم يرسم أسقفا أو كاهنا أو شماسا إلا بالسيمونية.. ورسم عدداً كبيراً من الأساقفة لأن معظم الكراسي الأسقفية كانت خالية.. وقيل أنه في أقل من سنة زمنية رسم أكثر من أربعين أسقفاً، وعدداً لا يحصى من القسوس والشمامسة١٤٤.. وكان عذره الذي يقدمه دائماً إزاء النقد المتواصل من الجميع هو جمع ما يجب دفعه من المال إلى السلطان.. وبسبب السيمونية ابتعد عنه أكثر الناس التصاقاً به مثل الشيخ نشء الخلافة أبو الفتوح الذي كان أكثر المتحمسين لرسامته بطريركاً. وقد تعرض لاهانات وحبس بسبب تصرفاته التي أنكرها عليه الجميع حتى أقرب المقربين إليه.
وحدثت بعض المشاكل والاحتكاكات من جانب عامة الناس بسبب مسجد كان ملاصقاً للكنيسة المعلقة وتعمد مؤذن المسجد مضايقة البطريرك، بل كسروا القلاية البطريركية وسرقت منها بعض الأواني الفضية. المهم أنه بسبب ذلك ذهب جمع غفير من المسلمين إلى الأمير جمال الدين بن يغمر نائب السلطان وشكوا إليه وقالوا «يا مولانا هل تغلق المساجد وتفتح الكنائس» فأجابهم «هذا حديث لا يسمع، بل أن الجميع تفتح أبوابها. ومن أراد المسجد يطلع إليه إلا أنه لا يؤذي أحد، ولا يتعرض أحد لآخر. أما هؤلاء النصارى فهم رعية السلطان وأنتم أدرى بذلك. وإن هذا المسجد فقير وأنا أقوم به، إلا أن التعدي لا يمكن أحد منه».. وكان النصارى مع اخوانهم المسلمين في سلام وأنصاف واحترام متبادل١٤٥.
١٢ - ظل البطريرك كيرلس الثالث سائراً في خطته من جهة أخذ السيمونية في الرسامات الكهنوتية حتى ضج الشعب من تصرفاته واجتمع جماعة من الأراخنة واتفقوا على مناقشة البطريرك في تصرفاته وطلعوا إلى الكنيسة الأسقفية، ودار بينهم حوار وحديث ساخن.. قالوا له «إلى متى تفعل هذه الأشياء التي جعلتنا هتكة ومسبة بين الأمراء والشعوب». سألهم «وما هي هذه الأشياء التي تتضررون منها». قالوا له «أخذك السيمونية على الكهنوت» فلما سمع احتج بسداد الأموال للسلطان، أجابوه «ومن أحوجك أن تقرر للسلطان شيئاً.. ما كان معين عليك أن تدخل فيه، ولم تطرح عليك البطريركية بالقوة، بل أنت الذي قدمت رشوة في سبيلها، وخطبتها لك وقضيت فيها إلى اليوم مدة تسعة وعشرين شهراً.. حصل الخراب في أعمال كنيستنا على يديك»، أجابهم البطريرك «اني لم أخرب كنيستكم بل عمرتها. فما كان فيها سوى أسقفين وأصبح عددهم اليوم خمسين أسقفاً، كما أصبح عدد الكهنة لا يعد ولا يحصى». قالوا له «أن الأساقفة هم الآخرون يأخذون السيمونية». فرد عليهم «ومن يرضى بهذا للأساقفة.. لو بلغني أن أسقفاً أخذ سيمونية لمنعته». وختموا حديثهم معه بأن يكتب إلى الأساقفة بمنع السيمونية١٤٦.
١٣ - وفي سبيل جمع مزيد من الأموال اتبع البطريرك جميع الأديرة للبطريركية بعد أن كان الأساقفة مسئولين عن الأديرة التي تقع في نطاق أيبارشياتهم. كما أنشأ مطرانية قبطية على بيت المقدس وبلاد الشام ورسم لها أسقفاً يرعى الأقباط في هذه البلاد باسم باسيليوس. وكان هو أول بطريرك يرسم مطراناً للقدس.
١٤ - وإزاء تصرفات البطريرك السابق الاشارة إليه تقدم إليه البعض بمطالب إصلاحية في مقدمتها إيمان الأقباط وإبطال السيمونية، لكنه لم يبال بها ولم يغير من طريقته. فطالبوه بعقد المجمع المقدس.. ولما أعيت الأساقفة الحيلة مع البطريرك حضر إلى القاهرة أربعة عشر أسقفاً أغلبهم من الوجه البحري واجتمعوا بالبطريرك في كنيسة حارة زويلة في ٣ سبتمبر سنة ١٢٣٨ م. ووضعوا قرارات وقعوا عليها وحرموا من يحيد عنها، وهي المعروفة باسم قوانين كيرلس بن لقلق. وتستفتح هذه القرارات باقرار الايمان الأرثوذكسي المحدد بواسطة المجامع المسكونية الثلاثة الأولى نيقية والقسطنطينية وأفسس وآباء الكنيسة وقوانين الرسل والمجامع المقبولة. بعد ذلك وضعت في أربعة كتب: الكتاب الأول يتعلق بنظام إدارة البطريركية؛ والكتاب الثاني يشمل التشريع الكامل لعوايد وطقوس ونظام البيعة؛ والكتاب الثالث يتكلم عن الأوقاف والصدقات؛ والكتاب الرابع يتناول موضوعات طقسية. هذه القرارات والكتب كتبت بين عامي ١٢٣٨، ١٢٣٩ م. وقد أضيفت إليها كتاب خامس في سنة ١٢٤٠ م ويشمل ما اتفق عليه في مجمع زويلة مع بعض إضافات وقد اشتهر باسم «اتفاق المعلقة».
خرج الأساقفة وعادوا إلى كراسيهم بعد انتهاء مجمع زويلة. لكن البابا كيرلس الثالث بعد تحديد الأنظمة التي تتبع في إدارة شئون الكنيسة وموافقته عليها هو والأساقفة المجتمعين معه، لم يقم بتنفيذها. فعقد له في ٨ سبتمبر سنة ١٢٤٠ مجلس في القلعة (قلعة صلاح الدين) بحضور الوزير معين الدين بن الشيخ والأساقفة وشيوخ الرهبان والأراخنة وبعض المسلمين الذين حضروا مع الوزير. وقد تقرر في هذا المجمع بحضور البابا كيرلس أن تسير الأمور في الكنيسة على نحو ما سبق تقريره في مجمع زويلة وأضافوا إليه ما يأتي:
(أ) أن يلازم القلاية البطريركية أسقفان عالمان أحدهما القمص بولس البوشي الذي تقرر رسامته أسقفاً على مصر، والثاني أحد الأساقفة العلماء بالوجه البحري وحددوا أسماءهم ويعمل البطريرك معهما في كل ما يتعلق بشؤون الكنيسة الادارية.
(ب) أن تتولى كل كنيسة بمصر والقاهرة والاسكندرية إدارة أوقافها.
(ج) أن تختصر القوانين التي وضعت في سنتي ١٢٣٨، ١٢٣٩ بالاتفاق مع البطريرك والأساقفة الحاضرين، وتكتب عدة نسخ وتوزع على الكراسي للسير بموجبها.
(د) فيما يختص بالرهبان الذين يخدمون في كنائس العالم، يستمر بالخدمة من كان موجوداً منهم حتى نياحة البابا يوأنس السادس، بحيث لا يناول أحد منهم النساء من جسد الرب ودمه.
١٥ - وحدثت أواخر أيام البطريرك كيرلس بن لقلق مشاحنات بسبب تجاور مسجد وكنيسة المعلقة واعتدى المسلمون على حائط الكنيسة المجاور للمسجد، وحدثت بلبلة كبيرة بسبب ذلك. وكان المسلمون يطلعون على سطح قلاية البطريرك ويؤذنون ويكبرون، وحدث ما حدث نيتجة ذلك. وعلى الرغم من أن الأمير أحضر قوماً منهم وضربهم بشدة كما حبس والي مصر جماعة منهم لكنهم لم يهدأوا١٤٨.
١٦ - نصح أسقف مصر العالم التقي أنبا بولس البوشي البطريرك بأن يلجأ إلى حياة الوحدة، أملا في الهدوء، ومراجعة تصرفاته والبعد عن العالم والاحتكاك بالناس بما يهيء له الرجوع إلى الصواب أواخر حياته، حتى تتساوى أعماله بمواهبة النادرة المثال كما قال فيه أبو شاكر بطرس المعروف بابن الراهب في كتابه التاريخ «أنه كان رجلا بارعاً، ذا فنون كثيرة، إلا أنه كان يحب جمع المال وأخذ السيمونية، ولهذا عصت عليه أقوام وأهانوه وعقدوا له مجالس» - وقد أفلح الأنبا بولس البوشي في إقناع البطريرك بذلك، فاعتزل في دير الشمع بالجيزة حتى نياحته في ١٠ مارس سنة ١٢٤٣ ودفن بنفس هذا الدير. وقد عاصر من ملوك الايوبيين: الملك الكامل والعادل والصالح والمعظم.. ومن المؤلفات التي حفظت له كتاب المعلم والتلميذ.. ولما تنيح استولى السلطان على جميع مخلفاته. وظل الكرسي البطريركي بعده شاغراً نحو سبع سنوات ونصف.
- (١٣٩) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، الصفحة ١٢٢.
- (١٤٠) تاريخ البطاركة، المجلد الثالث، ج ١، الصفحة ١٢٣.
- (١٤١) كامل صالح نخلة، البابا كيرلس الثالث، طبعة دير السريان، الصفحة ١٥.
- (١٤٢) كامل صالح نخلة، البابا كيرلس الثالث، طبعة دير السريان، ص ١٦، ١٧.
- (١٤٣) كامل صالح نخلة، البابا كيرلس الثالث، طبعة دير السريان، ص ١٧، ١٨.
- (١٤٤) المصدر السابق، ص ٢٨، ٢٩.
- (١٤٥) المصدر السابق، ص ٣٠، ٣١.
- (١٤٦) المصدر السابق، ص ٥٧، ٥٨.
- (١٤٧) المصدر السابق، من الصفحات ١٠٣ إلى ١٠٥، ومن الصفحات ١٣٢ إلى ١٧١.
- (١٤٨) المصدر السابق، ص ١٢٥، ١٢٦.
From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.
يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.
Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.