← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon

قديسو الكنيسة وعلماؤها وأراخنتها في عصر الولاة [٦٤٢ - ٨٦٨ م]

The Church’s saints, scholars and archons under the governors (642-868)

«قديسو الكنيسة وعلماؤها وأراخنتها في عصر الولاة»

ما أغنى الكنيسة القبطية بقديسيها وعلمائها في كل الأجيال. أنه من المستحيل أن يحصي الانسان كل القديسين في فترة تمتد نحو قرنين وربع من الزمان وهو ما اصطلح على تسميته بعصر الولاة. لكننا نقدم بعض النماذج.

البابا بنيامين الأول البطريرك ٣٨ (٦٢٣ - ٦٦٢ م):

ولد في قرية بيرشوط (كفر مساعد مركز ايتاي البارود - محافظة البحيرة)، وانحدر من أسرة واسعة الثراء. مال منذ صباه لحياة الرهبنة، وترهب بدير كانوبوس بجهة أبو قير الحالية.. أعلن له في رؤيا أنه سيرعى قطيع المسيح. ومنذ ذلك الوقت أخذت العناية الالهية تعده لهذه المهمة الخطيرة. قربه إليه البابا اندرونيكوس ٣٧، ورسمه قساً ليخدم معه، وصار مساعداً له.. وعندما أحس بقرب انتقاله، أوصى به ليكون خليفته على كرسي مار مرقس. وتتميز حياة البابا بنيامين الرعوية بثلاث مراحل متباينة:

المرحلة الأولى: تمتد منذ رسامته أوائل سنة ٦٢٣ حتى اختفائه سنة ٦٣١.

وقد تميزت هذه الفترة بالنسبة لهذا البابا أنه عاصر الخمس سنوات الأخيرة من الحكم الفارسي لمصر - وكانت فترة هدوء نسبي، قام خلالها بجولة رعوية زار خلالها منطقة حصن بابليون بمصر القديمة، وأرسل منشوراً رعوياً للآباء الأساقفة بالتدقيق مع الكهنة خاصة حديثي السن منهم، كما قام بعزل المتهاونين روحياً من بينهم.

ولما عاد الحكم الروماني إلى مصر ثانية بعد انسحاب الفرس منها نعم هذا البابا بثلاث سنوات من الهدوء، لانشغال الدولة البيزنطية وعلى رأسها الامبراطور هرقل بتصفية مشاكل ما بعد الحرب مع الفرس.

المرحلة الثانية: وتمتد من سنة ٦٣١ إلى سنة ٦٤٤:

وفيها اختفى البابا بنيامين، وظل مختفياً حتى أصدر عمرو بن العاص خطاب أمان له.. وتتميز هذه الفترة بالتمزق والانقسام الذي حدث نتيجة سياسة الامبراطور ومحاولته فرض عقيدة جديدة للشعوب التي يحكمها بالقوة، وتنصيب المقوقس بطريركاً ملكانياً وحاكماً زمنياً في نفس الوقت على النحو الذي درسناه فيما سبق.

ويقال أن الرب كشف للبابا بنيامين الأحداث التي كانت عتيدة أن تحدث وأمره أن يختفي هو وجميع الأساقفة، ليرعوا كنائسهم وشعبهم من مخابئهم. وفعلا كتب للآباء الأساقفة بما يفيد ذلك موصياً شعبه بالتمسك بالعقيدة القويمة حتى الموت.. وقد خرج البابا بنيامين مختفياً بأديرة وادي النطرون ومنها إلى الصعيد. وظل مختبئاً بأحد أديرة الصعيد لمدة ثلاثة عشر عاماً.. وبينما كان هذا البابا في مخبئة، غزا العرب مصر واحتلوها.

المرحلة الثالثة: وتمتد من سنة ٦٤٤ إلى نياحته سنة ٦٦٢:

وفيها شهدت مصر الحكم العربي.. وعاد البابا بنيامين إلى نشاطه الرعوي بعد اختفاء لمدة ثلاثة عشر عاماً. خاصة بعد التعاطف الذي أظهره القائد العربي عمرو بن العاص على الأقباط والنعمة التي أعطيت للبابا في عينيه حتى أن عمروا أعطى للبابا بنيامين سلطاناً على جميع رجال الكنيسة في مصر ليدبر أحوالهم، كالبطريرك والرئيس الشرعي للكنيسة في كل إقليم مصر، كما أمر باسترداد جميع الكنائس التي اغتصبها الروم خاصة في الاسكندرية.

أما عن جهود البابا بنيامين الرعوية في هذه الفترة فنستطيع تلخيصها فيما يلي:

١ - تثبيت الايمان الارثوذكسي بين أقباط مصر، وعودة الذين ضلوا عن الايمان باتباعهم الايمان الخلقيدوني.

٢ - دعوة الأساقفة الذين ضعفوا تحت وطأة اضطهاد قيرس (المقوقس)، بالرجوع إلى حضن الكنيسة. وبالفعل عاد كثيرون وهم يذرفون دموعاً غزيرة.

٣ - أقام أساقفة جدد مكان الأساقفة الخلقيدونيين، بعد أن تعذر على الروم إرسال بطريرك جديد إلى مصر مدة ٧٧ عاماً بين سنتي ٦٥١، ٧٢٨.

٤ - أعاد رأس القديس مار مرقس بعد أن سرقها أحد البحارة من كنيسة مار مرقس بالاسكندرية وكانت تقع على السور الشرقي للمدينة، وكانت ملفوفة بلفائف، وظنه مالا مخبئاً - وبمعجزة إلهية لم تبحر المركب التي كانت فيها الرأس. فخرج البابا ومعه الكهنة وحملوا الرأس المقدس وسط التسابيح.. وكانت كنيسة مار مرقس قد أحرقت أثناء فتح العرب الثاني للاسكندرية في صيف سنة ٦٤٦ م. وقد أعاد بناءها خلفه البابا اغاثون ٣٩.

٥ - ومما يذكر للبابا بنيامين أنه دشن كنيسة الأنبا مقار بديره ببرية شيهيت. ويروي أنه في أثناء صلوات التكريس شاهد الأنبا بنيامين الأنبا مقار حاضراً بين أولاده رهبان الدير، فظنه واحداً منهم ووضع في قلبه أن يرسمه أسقفاً حينما يخلو أحد الكراسي، لكن السيرافيم ظهر له وأعلمه بحقيقة هذه الشخصية وهو أنه أنبا مقار أبو البطاركة والأساقفة.. ووقت الدهن بالميرون رأى البابا بنيامين يد السيد المسيح تمسح معه الهيكل.

البابا خائيل البطريرك ٤٦ (٧٤٤ - ٧٦٨):

ظل كرسي البطريركية شاغراً لمدة سنة ونصف قبل رسامته، حدث خلالها مشادات عمن يصلح لهذا المنصب. وأخيراً أعطيت علامات من الرب بخصوص اختيار هذا البابا الذي كان مترهباً بدير القديس أبو مقار ببرية شيهيت. وقد احتمل هذا البابا شدائد وضيقات واضطهادات تجل عن الوصف مما أشرنا إليه سابقاً في أكثر من موضع. وقد عاصر نهاية الدولة الأموية وقيام العباسية.. حاول الخلقيدونيون (الملكانيون) أن يضعوا أيديهم على بيعة مار مينا العظيمة بمريوط. وقد قويت شوكتهم بعد أن أقيم لهم بطريركاً يدعى قسما (٧٢٨ - ٧٥٦).. وكان عضدهم هو ثاوفيلكتس بطريرك الروم في الشام الذي كان مقرباً للخليفة الأموي مروان بن محمد. واستطاع أن يحصل من الخليفة على خطاب إلى والي مصر عبد الملك بن مروان للتحقيق في ملكية بيعة مار مينا المشار إليها. وقد حقق الوالي الموضوع بنفسه أولا، ثم أحاله إلى أحد القضاة.. قدم الخلقيدونيين رشوة للقاضي ورغم وضوح ثبوت ملكية البيعة للأقباط فانه أخذ يماطل.. فاقترح البعض أن يدفع البطريرك خائيل شيئاً للقاضي. فتصدى الأنبا مويسيس أسقف أوسيم وقال أنه ما يليق بالبطاركة والأساقفة أن يدفعوا رشوة لأحد، والله لن يتخلى عنا. وفي نفس الأسبوع عزل القاضي المرتشي، وأقيم آخر وكان شخصاً لا يحابي، فحكم بملكية الأقباط لهذه الكنيسة.

وفي أثناء نظر قضية ملكية كنيسة مار مينا بمريوط جرت أول محادثات للوحدة المسيحية في مصر بين الأقباط والروم والملكانيين في مارس أو أبريل سنة ٧٤٩.. وكانت المبادرة من جانب الملكانيين لكنها لم تكن بنية خالصة، وكانت نتيجة لفشلهم في وضع يدهم على بيعة مار مينا بمريوط.. أرسل البابا خائيل يستطلع رأيهم في هذه المسألة. فكان جوابهم أنها خدعة. لكن الأنبا مويسيس أسقف أوسيم رأى أن يجربوا ويرسل إليهم وفداً لمعرفة رأيهم. وفعلا أرسل البطريرك اثنان للتباحث هما القس مينا كاتب البطريرك (وهو الذي خلف البابا خائيل في البطريركية، والشماس يحنس كاتب سير البطاركة. وكان الأول عالماً بكتب البيعة. اجتمع الاثنان مع قسما بطريرك الملكانيين وقسطنطين أسقف مصر الملكي.. اعترف الاثنان بطبيعة واحدة للمسيح بعد الاتحاد وليس طبيعتين ولما طلب منهما أن يحررا اعترافهما كتابة ليحملوه للبابا، لكنهما سألا عن وضعهما ووضع باقي الأساقفة الملكانيين بعد الاتحاد. وطلب قسما البطريرك المكاني أن يعامل كأب مثل البابا خائيل، ويحضر جميع البيع مثله. فطلب القس مينا الرجوع للبطريرك. فلما سمع الأساقفة الأقباط طلب قسما، صاح أنبا مويسيس أنه لا يكون هناك بعد الوحدة أبوان، بل أب واحد للكنيسة. واقترح إن كان قسما يقبل أن يكون اسقفاً على مصر ويكون أخا للأساقفة.. ولما أخبر قسما بطريرك الملكانيين بذلك فرح أولا، إلا أن شماساً من الاسكندرية يتبعه، تدخل وأفسد هذا الاتفاق المبدئي للوحدة، لأنه كان يطمع أن يكون أسقفاً. وهكذا فشلت أول مباحثات للوحدة المسيحية، لكنها نجحت في ضم قسطنطين أسقف مصر الملكاني إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

أعتقل البابا خائيل شهراً كاملا في السجن (٨ سبتمبر - ٩ أكتوبر ٧٤٩ م)، وكان معه أنبا مويسيس أسقف أوسيم وأنبا تادروس أسقف مصر. وأعطاه (البابا خائيل) الرب نعمة في عيون المسجونين مسيحيين ومسلمين وغيرهم. وكانوا يعترفون له بذنوبهم التي فعلوها. فكان يعزيهم ويصبرهم ويقول لهم أنهم إن نذروا توبة حقيقية وعدم العودة لمثل الذنوب التي فعلوها فان الله يخلصهم قبل انتهاء السنة. فعاهدوه جميعاً على ذلك. وقد تمجد الرب وتم ما قاله حرفياً. وقد أفرج عنه الوالي بعد ما ضمنه بعض أراخنة الأقباط في أن يذهب إلى الصعيد ليجمع ما يمكن جمعه من الأقباط ويقدمه للوالي. وأعطاه الرب نعمة في هذه الجولة وتمت على يديه معجزاء شفاء كثيرة.

وحدث يوم خروج البابا خائيل من السجن بعد اعتقاله شهراً، أن طلب إليه الشعب أن يصلي معهم قداساً. وبالفعل رفع القرابين في كنيسة سرجيوس وواخس (أبي سرجة) بمصر القديمة.. ولما حان وقت التناول تقدم إليه رجل ليتناول من الأسرار المقدسة، ولم يناوله. وفي نهاية الخدمة حضر هذا الرجل للبابا البطريرك باكيا ليعرف سبب منعه من تناول الأسرار المقدسة فقال له البطريرك أنه لم يمنعه، لكن المسيح هو الذي فعل ذلك، وطلب إليه أن يعترف بخطيئته.. فاعترف الرجل وقال أنه كان يتناول طعام الافطار في بيته ثم يأتي إلى الكنيسة ويتقرب من الأسرار. وهكذا فعل في ذلك اليوم ليتناول من يد البابا. كان ذلك سبباً في أن أصدر البابا خائيل تعليماته إلى الاكليروس لكي يحذورا الناس من ذلك.

وحدثت معجزة عجيبة في بيعة العذراء مريم بالاسكندرية، حينما دخل شاب غير مسيحي ورأى صورة السيد المسيح على الصليب والجندي يطعنه في جنبه بالحربة. وسأل الشاب عن معنى الصورة فقيل له أنها تعبر عن خلاص العالم. فما كان من ذلك الشاب إلا أن أخذ قصبة وطعن الصورة في الجانب الأيسر في استهزاء. وللوقت تصلب الشاب والتصقت يده بالقصبة التي طعن بها صورة المصلوب، وصار معلقاً هكذا وهو يصرخ طوال اليوم. فصلى الشعب الحاضرين كيرياليسون.. ولم يعد الشاب إلى حالته الطبيعية إلا بعد أن اعترف أن تلك الصورة هي للمسيح المخلص.. وبعدها قصد ذلك الشاب أحد الأديرة وتعمد هناك.

أما عن الضيقات الكثيرة التي احتملها هذا البابا فقد أشرنا إليها في أماكن متفرقة من هذا الكتاب.

البابا يوساب البطريرك ٥٢ (٨٣٠ - ٨٤٩):

لما خلا الكرسي البطريركي بعد نياحة البابا سيمون الثاني، حاول شعب الاسكندرية أن يقيموا شخصاً يدعى اسحق ابن أندونة صاحب ديوان السلطان بالفسطاط على الكرسي البطريركي نظرا لثرائه الكبير ومركزه.. وكان الرجل علمانيا متزوجا، وللأسف فان أسقفي مصر وأوسيم حبذا هذا الاختيار. فما كان من بقية الأساقفة إلا أن عقدوا مجمعاً بالاسكندرية ووبخوا الأسقفين بقولهم «أين تركتم خوف الرب وخالفتم القوانين؛ حتى أنكم عمدتم برجل علماني متزوج بامرأة لتجلسوه على كرسي مار مرقس الانجيلي بخلاف ما جرت به العادة والقوانين». وكان في هذه الكلمات فصل الخطاب، فلزموا الصمت وما عادوا يذكرون ذلك العلماني. وعرض اسم القس يوساب المترهب بدير أنبا مقار فانفذ مجمع الأساقفة بعض الأساقفة وكهنة الاسكندرية إلى برية شيهيت. وبينما هم سائرون وضعوا علامة وقالوا «إن كان الرب يختار تقدمة هذا الانسان (يوساب)، فأننا نجد باب قلايته مفتوحاً.. ولما وصلوا إلى الدير اتجهوا نحو قلايته فوجدوه قائماً وقد خرج ليغلق بابها.. فكانت هذه العلامة أن الرب اختاره.

وقد امتلأ تاريخ هذا البابا بالأزمات والمشاكل والضيقات: منها موضوع أسقفي تانيس ومصر اللذين طلب شعباهما أبعادهما وإلا تركا الكنيسة وانتهى الأمر بقطعهما من الكهنوت بقرار مجمعي.. وفي أيامه ثار البشموريون وكان ذلك في خلافة المأمون العباسي، الأمر الذي أشرنا إليه سابقاً. وقد تعرض للموت بضرب عنقه بالسيف بواسطة أخو الافشين قائد الجيش بوشاية أسقفي تانيس ومصر كما أسلفنا سابقاً.

قام البابا يوساب برسامة أسقفين لتانيس ومصر كما أسلفنا بدل الأسقفين المقطوعين، كما رسم أساقفة كثيرين أوفدهم إلى أنحاء الكرازة المرقسية في افريقيا والخمس مدن الغربية ومصر والحبشة والنوبة.

وفي أيامه أصدر المعتصم الخليفة العباسي أمراً إلى واليه على مصر بتجريد الكنائس من زينتها، وينزع منها الأعمدة الرخامية. ومن الكنائس التي خضعت لتنفيذ هذا الأمر بيعة مار مينا بمريوط، على يد نسطوري يدعى لعازر. هذا وقد سبق أن أشرنا إلى الضيقة التي سببها تادرس الذي اشتهى أسقفية أوسيم، ويوحنا أسقف مصر الذي اشتهى أن يكون متقدماً على بقية الأساقفة.

كان البابا يوساب يعد شباناً من الافريقيين - ممن كانوا يهدونهم ملوك الحبشة والنوبة المسيحيين - ليكونوا بمثابة إرساليات للكرازة في بلاد الحبشة وغيرها من البلاد الافريقية.. وفتح البابا لهؤلاء الشبان مدرسة لتعليمهم قواعد الدين المسيحي في البطريركية. لكن أسقف مصر المقطوع من الكهنوت وشى إلى قاضي مصر أن هؤلاء الشبان مسلمين.. فما كان من القاضي إلا أن أرسل وأحضر هؤلاء الشبان، كما استدعي البطريرك وعنفه قائلا «لا ينبغي أن تخطف أبناء المسلمين لتنصرهم». فأجابه البابا «هؤلاء أولاد نصارى أرسلوا إلي من ملكي النوبة والحبشة».. فأتى القاضي بالشبان أمام البطريرك، ونظراً لعظم تهديد القاضي لهم، اعترفوا بالاسلام أمامه.. وانتهى الأمر بأن صار هؤلاء الشبان عبيداً واقتسمهم أعيان المسلمين.

وقد احتمل هذا الأب البطريرك شدائد كثيرة، وإهانات بالغة ذكرنا بعضها في غير هذا الموضوع.. ولما أكمل سعيه الحسن أراد الله الذي لا ينسى تعب المحبة، أن يريحه من أتعاب هذا العالم الفاني فنقله إليه. وكان انتقاله في يوم أحد وقت تناول الأسرار المقدسة.

أنبا مويسيس أسقف أوسيم:

من أعلام الكنيسة وقديسيها العظام في القرن الثامن الميلادي. نشأ على حب الطهارة والبتولية منذ نعومة أظفاره، وتعلم علوم البيعة، ترهب منذ شبابه في برية شيهيت، وعاش في طاعة أحد الآباء النساك لمدة ثمانية عشر عاماً سالكاً في طريق الفضيلة والنسك الشديد. وبسبب ذيوع فضيلته اختير أسقفاً لأوسيم (مركز أمبابه بمحافظة البحيرة).. وكانت حياته مدة الأسقفية امتداداً لحياته الرهبانية في البرية.. عاش حياة التجرد واتصف بالتقوى والشجاعة. كان يقضي معظم أوقاته في العبادة، حتى قيل أنه كان لا يقابل أحداً من الشعب إلا في يومي السبت والأحد.. وكان غيوراً على الايمان الأرثوذكسي.

أعطى موهبة صنع الآيات والعجائب وشفاء الأمراض، كما أعطى موهبة النبوة.. جاء وقت على الكنيسة، من شدة الضيق عاد الأساقفة إلى أديرتهم ليتفرغوا للصوم والصلاة ليرفع الرب الضيقة. أما الأنبا موسى فقد استمر مع شعبه يثبتهم ويحفظهم من الذئاب الخاطفة.. وأتاه يوماً بعض أراخنة مصر وطلبوا إليه أن يصلي إلى الله ليرفع الضيق عنهم وعن شعبه، لأنهم أحصوا الذين اعتنقوا الاسلام فوجدوا عددهم أربعة وعشرين ألفاً. فقال لهم آمنوا يا أولادي أن الوالي الذي يضطهدكم يهلك في بحر هذا الشهر.. وفعلا تم الأمر كما قال.

عاصر هذا الأسقف البابا خائيل البطريرك ٤٦، وحاول الخلقيدونيون بأسلوب ملتوي وللتشفي أن ينزعوا ما في بيعة مار مينا بمريوط من زينة رخامية وأعمدة.. وعرض بعض أراخنة الشعب على البطريرك أن يدفع رشوة للقاضي، لكن الأنبا مويسيس تصدى لأصحاب هذه المشورة وقال أنه ما يليق بالبطاركة والأساقفة أن يدفعوا رشوة لأحد، والله لن يتخلى عنا.. وحدث أنه في ذات الأسبوع عزل القاضي المرتشي.

وفي أثناء ثورة البشموريين الأقباط سأل أنبا مويسيس تلميذ له عن نهاية الأمر. فكان جوابه أن الله لا يترك بيعته إلى النهاية، بل يخلصها. وهذه المملكة (دولة بني أمية) تبيد وتحل محلها دولة أخرى. وقد تمت هذه النبوة بسقوط دولة بني أمية، وقيام دولة العباسيين.

ولما اضطهد مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، البابا خائيل ٤٦ لازمه الأنبا مويسيس واشتهى أن يستشهد ويسفك دمه على اسم المسيح.. وما أن وصلا (البابا والأنبا مويسيس) إلى خيمة مروان طرح الجند الأنبا مويسيس على ركبتيه ورفعا رجليه إلى أعلا وضربوه بدبابيس نحاس على جنبيه وعلى رقبته. وكان المعذبون يطللبون منه رشوة ليطلقوه، أما هو فلم ينبث ببنت شفه لأنه كان لا يفهم لغة الجند العربية.

وأمر مروان بقطع رقبة البابا خائيل بالسيف. وساقه السياف إلى موضع تنفيذ حكم القتل. فجرى خلفه الأنبا مويسيس. حاول السياف منعه، لكنه لم يمتنع، حتى غضب منه أحد الجند ورفع عليه دبوس نحاس ليضربه به، فمد القديس رأسه، لكن بعض الموظفين منعوا الجلاد من ضربه ثم زج به في السجن مع البابا، ووضعت القيود في أرجلهما مع كثيرين. لكن أنبا مويسيس تنبأ بأنهم سيخرجوا من السجن سالمين، وبالفعل تم قوله بهزيمة مروان أمام العباسيين.

استمر الأنبا مويسيس مرافقاً للبابا خائيل، وفياً له وللكنيسة طوال أيام تجاربه المرة. وأخيراً مرض، وعلم بدنو ساعة رحيله من هذا العالم، فاستدعى رعيته وأوصاهم وباركهم وتنيح بسلام.

النساك القديسون والبراري والأديرة:

يعسر علينا أن نحصي القديسين من النساك الذين حرصوا على أن يخفوا فضائلهم كتدريب مستمر لأمانة الذات، لكننا نذكر منهم:

الأنبا يوحنس قمص شيهيت (هذا غير يوحنس القصير) الذي كان يظهر له المخلص وأمه العذراء في كل مرة يقدس القرابين. وكذلك تلميذه ابيماخس القمص الذي شبهوه بموسى النبي للنعم التي كانت تبدو عليه، والذي أعطى موهبة شفاء الأمراض وعمر أكثر من مائة عام. وكذلك القديسين أنبا ابرام ورفيقه أنبا جوارجي، والقديس أنبا أغاثون العمودي الذي ترهب بدير أبو مقار وتوحد في جهة سخا (بمحافظة كفر الشيخ).. وغيرهم كثيرون جداً.

العلماء وكتاب السير:

١ - يوحنا النقيوسي: نعرف القليل عن حياته الخاصة مما جاء عرضاً في تاريخ البطاركة للأنبا ساويرس بن المقفع. عاش في النصف الثاني من القرن السابع، بعد الفتح العربي لمصر مباشرة سيم أسقفاً على نقيوس واسند إليه تدبير أديرة وادي النطرون. وحدث أنه تطرف واشتد في تأديب أحد الرهبان الذي وقع في خطأ زنا، وضربه ضرباً مبرحاً حتى مات بعدها بقليل. وكان ذلك سبباً في أن مجمع الأساقفة قطعة وأسقطه من رتبته.

وترجع شهرة يوحنا النقيوسي إلى كتابه الذي ألفه في التاريخ العام، ودون فيه تاريخ العالم منذ الخليقة حتى أواخر القرن السابع الميلادي. ويعتبر يوحنا إلى حد ما معاصر للفتح العربي لمصر. وقد أسهب في ذكر حوادث ذلك الفتح، مما جعل لكتابه هذا قيمة خاصة، وأصبح بذلك مصدراً لا غنى عنه للباحث في تاريخ تلك الفترة.. ولقد ضاع هذا الأثر النفيس بلغته الأصلية. ولكن يوجد نص كامل للكتاب باللغة الحبشية القديمة (الجعز).

٢ - مينا أسقف نقيوس: الذي كتب سيرة البابا اسحق البطريرك ٤١.

٣ - الشماس جرجه: الذي عاش النصف الثاني من القرن السابع الميلادي وأوائل الثامن، وكتب سير البطاركة منذ مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ إلى سنة ٧١٧ م.

٤ - الأنبا زخارياس أسقف سخا: الذي ترهب في دير يحنس القصير، وكان على صلة روحية بالقديسين ابرام وجوارجي. ورسم بيد البابا سيمون الأول البطريرك ٤٢ حوالي سنة ٦٩٣ م - وكتب سيراً كثيرة وميامر منها ميمر مجيء السيد المسيح إلى مصر.

From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.