← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon
المماليك والأتراك [١٢٥٠ - ١٧٩٨ م]
The Mamluks and the Ottomans (1250-1798)
كواكب زاهرة وسط عصور مظلمة
المماليك والأتراك
نتابع كلامنا عن الأقباط والكنيسة القبطية فى ظل حكم المماليك والأتراك أى من ١٢٥٠ حتى دخول الحملة الفرنسية إلى مصر عام ١٧٩٨ أى أن هذه الفتره التى نعرض لها تشغل مدة نحو خمسة قرون ونصف.
أصل المماليك
جمع مملوك ويعنى ممتلك owned واستخدمت على وجه الخصوص للعبيد البيض الذين يؤسرون فى الحروب أو يشتروا بالمال فى أسواق النخاسة.. بدأ ولاة مصر الإسلامية فى إستخدام المماليك منذ زمن الطولونين والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين... أكثر الأيوبيين من شراء المماليك الأتراك وبنيت لهم ثكنات بجزيرة الروضة ولذا أطلق عليهم إسم المماليك البحرية.. وأنشأ السلطان قلاوون فرقة جديدة من المماليك كوّنها من الأرمن والجركس وأسكنهم فى أبراج قلعة جبل المقطم ولذا عرفوا بإسم المماليك البرجية... كان إغلب المماليك الذى إستحضروا إلى مصر من شبه جزيرة القرم وبلاد القوقاز وآسيا الصغرى وفارس وتركستان وبلاد ما وراء النهر... وهكذا فقد كانوا لا ينتمون إلى جنس واحد لكن نسبة كبيرة منهم كانت تركية... كانوا أرقاء اشتروا بالمال، ثم أعتنقوا الإسلام، لم يكن إيمانهم بالإسلام إلا إيماناً سطحياً. ولم يشاركوا شعب مصر آماله أو حتى لغته!! ثم كثر عددهم وحكموا قطراً غنياً كمصر، بل وضعوا أيديهم على بلاد أخرى خارج مصر. وأحتفظوا أثناء حكمهم لمصر - الذى أمتد لعدة قرون - بشخصيتهم، ولم يختلطوا بأى عنصر من عناصر السكان المصريين.
كان المماليك فيما بينهم ينقسمون إلى أحزاب متطاحنة، وكانت سلاسل الإغتيالات تسيطر على نزاعاتهم وخلافاتهم، لكن هذا الإنقسام الداخلى فيما بينهم لم يؤثر على وحدتهم كطائفة أو مجموعة إزاء العالم الخارجى. فقد كانوا سرعان ما يتحدون أمام الخطر الخارجى. وهذا يفسرّ سرّ قوتهم وإنتصاراتهم الحربية إزاء عددهم المشترك فى أى معركة حربية.
أولئك المماليك الذين حكموا مصر نحو خمسة قرون ونصف، كانوا أرقاء عبيد اشتروا بالمال، كانوا أخلاطاً من بلاد وجنسيات مختلفة... ومع ذلك فقد حكموا البلاد، وتعاطف معهم المصريون المسلمون ضد أقباط مصر، لا لشئ سوى رابط الدين وحده، فقد كانوا مسلمين..!!
ونستطيع أن نتصور مدى الفوضى التى وصلت إليها البلاد فى ظل حكم هو أقرب إلى الإقطاع ومراكز القوى الذين يمثلهم هؤلاء المماليك، وذلك منذ نحو سبعة قرون حيث لا قانون ولا ديموقراطية ولا شئ من ذلك... وبلا أدنى مبالغة نستطيع القول أن عصر المماليك كان كارثة بالنسبة لأقباط مصر... وسنحاول أن نقدم بعض أمثلة لمعاناة الأقباط، التى كانت نتيجة لمشاعر الحقد الذى أمتلأت به نفوس فريق من المواطنين ضد أقباط مصر، فسعوا بالوشاية إلى الحكام وإلى هؤلاء المماليك، وحركوا شعب مصر الطيب من المسلمين، ضد الأقباط الذين اثبت التاريخ كفاءاتهم فى شتى المجالات، الأمر الذى جعل الإستغناء عنهم فى الدواوين والمصالح الحكومية ضرباً من المستحيل... فقد كان الحكام يستغنرن عنهم حيناً، لكن سرعان ما كانوا يردونهم إلى أعمالهم ووظائفهم...
يقول الدكتور على إبراهيم حسن فى كتابه "مصر فى العصور الوسطى"
"فى عصر المماليك، قاس القبط كثيراً تحت حكمهم، وإن لم يتعرض المماليك لأرائهم الدينية. ولم تكن سياسة سلاطين المماليك فى معاملتهم واحدة. والحق أن القبط كانوا ذوى نشاط ظاهر فى دواوين الحكومة المملوكية، وكانوا لازمين لحسن سير الأمور المالية فى البلاد. ومع ذلك فأن الحكومة كانت تقصيهم عن الوظائف بين حين وآخر، تحبباً إلى الشعب وإرضاءً لروح التعصب. غير أن هذا الإقصاء كان قصير الأمد، لأن وجودهم فى تلك الوظائف كان ضرورياً. فقد كان حكام مصر من المماليك يشعرون بخلل الإدارة الحكومية بعد ترك الأقباط لها. وكان شعور المماليك يثور على رعاياهم الأقباط. بسبب إستمرار ذلك العداء الذى قام بين المماليك والصليبيين...... فى سنة ٧٠٠هـ صدر مرسوم يحرم إستخدام أحد من النصارى أو اليهود بديوان السلطان أو بدواوين الأمراء إلا من أسلم منهم، ونودى فى القاهرة بأن كل من خالف أحد هذه القيود كان جزاؤه القتل... وأعلن بعض فقهاء المسلمين تزمرهم من المبالغة فى التراخى مع المسيحيين. وحاولت العامة القيام على النصارى، مما أثار شعور المسيحيين وجعلهم يعمدون إلى أشعال النيران فى القاهرة..."
ونحاول أن نعرض لبعض الكوارث التى حلت، بالأقباط:
✠ لعل أول كارثة حلت بالأقباط فى عهد أول سلاطين المماليك البحرية، كانت على يد الوزير شرف الدين أبو القاسم هبة الله بن صاعد الذى كان قبطياً وأسلم، فلقد أثقل هذا الرجل جداً على الأقباط، وأخذ يتفنن فى كيف يثقل عليهم بالضرائب، لكن سرعان ما حلت به النقمة الإلهية، فصودرت جميع أمواله وأملاكه ثم قُتل...
✠ فى عهد الظاهر بيبرس البندقدارى (١٢٦٠ - ١٢٧٧) - حدثت سنة ١٢٦٥م كارثة كبيرة المت بالأقباط... وهنا روايتان لنفس الكارثة.
☒ رواية المؤرخ القبطى المفضل بن أبى الفضائل فى كتابه "تاريخ السلاطين المماليك" وخلاصتهما أن السلطان الظاهر بيبرس حال عودة من بلاد الشام أمر بالقبض على أهل الذمة، فقبض عليهم عن بكره أبيهم وأوقدت لهم نار بالحطب فى جورة كانت بالقلعة وأراد إحراقهم، فتقدم راهب حبيس كان أصلاً يعمل كاتباً، ثم ترهب بجبل حلوان. وقيل أنه عثر على كنز فى أحدى مغارات الجبل، وكان يساعد به الفقراء من جميع الأديان. فبلغ خبره السلطان الظاهر فأحضره، وطلب منه المال، فشرح له أنه بهذا المال يساعد به الآخرين على فك ضيقاتهم، وفى النهاية يصل هذا المال إليه وتقدم هذا الراهب ليدفع عن المقبوض عليهم الغرامة التى فرضت لفدائهم وهى خمسمائة ألف دينار، يدفع منها كل سنة خمسين ألف دينار... وإذا صحت هذه الرواية فأنها توحى أن السلطان بيبرس إفتعل هذه الكارثة ليحصل على أموال الراهب الحبيس.
☒ لكن المؤرخ المسلم المقريزى يروى رواية أخرى عن كارثة حرق النصارى... يقول:
"كان قد كثر الحريق بالقاهرة ومصر فى مدة سفر السلطان، وأشيع أن ذلك من النصارى... فأمر السلطان بجمع النصارى واليهود وأنكر عليهم هذه الأمور التى تفسخ عهدهم، وأمر بإحراقهم. فجمع منهم عالم عظيم فى القلعة، وأحضرت الأحطاب والحلفاء، وأمر بألقائهم فى النار، فلاذوا بعفو بعض، وسألوا المن عليهم. وتقدم الأمير فارس الدين أقطاى أتابك (رئيس) العساكر، فشفع فيهم، على أن يلتزموا بالأموال التى أحترقت، وأن يحملوا لبيت المال خمسين الف دينار.....".
✠ وفى سنة ١٢٨٠م (٦٧٨هـ) فى عهد المنصور سيف الدين قلاون، أُقيل جمَيع النصارى الذين كانوا يعملون فى ديوان الحرب (الجيش) وحل محلهم المسلمين. وفى نفس اليوم الذى قامت السلطات بتنفيذ هذا القرار، هدم دير الخندق (دير الأنبا رويس)، ولم يترك فيه حجر على حجر. وقد اشترك جمع غفير فى أعمال التخريب.
وتمرد المماليك فى سنة ١٢٨٤ (٦٨٢هـ) على نفس هذا السلطان (المنصور سيف الدين قلاون)، فغضب جداً غضباً أعمى بصيرته وأفقده صوابه فلم يميز بين المذنب والبرئ والقوى والضعيف فأعمل منهم السيف ثلاثة أيام متوالية حتى غطت الشوارع والطرقات بجثث القتلى رجلاً ونساءً وأطفالاً. فجاء إليه العلماء متوسلين أن يرحم الناس ويرفع عنهم هذا البلاء، فانتبه من غفلته، وأراد أن يكفّر عن ذلك فبنى تكايا للفقراء ومستشفيات لمعالجة زوى الاسقام، وأضاف على هذه الحسنات ما ظنه من مقتضيات التكفير، بأن ضيق على النصارى وأشتد عليهم، فأمر بأن لا يركبوا خيلاً ولا بغلاً، والزمهم بأن يركبوا الحمير ويشدوا الزنانير على أوساطهم وأمر ألا يحدّث نصرانى مسلماً وهو راكب ولا يلبسوا ثياباً مصقولة وغير ذلك من أنواع الزل والهوان، والمقصود بها مظاهر التحقير الأدبى...
✠ وحدث حادث أخر ترتب عليه أضطهاد شديد للأقباط فى عهد السلطان المنصور سيف الدين قلاون، يبدوا أن السلطان المنصور سيف الدين قلاون أعاد الأقباط إلى وظائفهم بعد أن عزلهم... ويقول المقريزى أن هؤلاء النصارى صاروا يعاملون المسلمون بآنفه... ويروى قصة أحد النصارى وأسمه "عين الغزال" كان كاتباً عند أحد الأمراء، صادف يوماً وهو ذاهب إلى دار مخدومة سمساراً كان مطلوب منه مبلغاً من المال ثمن غلّة اشتراها من شونة الأمير، فطالبه الكاتب بما عليه فاعتذر وطلب إليه أن يمهله أياماً فلم يقبل، وأصّر على أن يدفع له ما هو مطلوب منه أو يذهب معه إلى دار الأمير. وأمر غلمانه أن يقبضوا عليه ويأخذوه رغماً عنه. فاجتمع الناس وتوسطوا لدى الكاتب حتى يخلى سبيله فلم يرض، فتكاثروا عليه والقوه عن حماره، وأطلقوا السمسار، وصاروا يصفعونه ويضربونه. وإذ كان قريباً من دار أميره، أرسلّ يستنجد بالأمير، فأرسل طائفة من غلمانه ورجاله فأنقذوا الكاتب من أيدى الغوغاء، وهموّا بالقبض عليهم، لكنهم هربوا واتجهوا إلى السلطان ليستغيثوا به... وكان ينضم إليهم وهم فى طريقهم جماعات من الناس، حتى كثر عددهم، فذهبوا إلى القلعة الذى لما سمع صياحهم أرسل يسأل عن الخبّر، فأخذوا يبالغون فى تعظم النصارى وقسوتهم واشتكوا من حماية الأمراء لهم... فخشى السلطان سوء العاقبة، ولم يرَ لإطفاء هذه الفتنة سوى إهلاك النصارى، فأمر بجمع كبار كتاب الأمراء وأحضارهم بين يديه ليقتلهم، فتشفع فيهم الأمير بدر الدين بيدرا النائب وأمير آخر إسمه سنجر الشجاعى، وأخذا يستعطفاه حتى عفا عنهم بشرط إلا يستخدم أحد من الأمراء نصرانياً ولا يهودياً... وأن يعرضوا عليهم الإسلام، فمن إمتنع فهو الجانى على نفسه، ومن إسلم إستبقوه... ونودى بذلك فى القاهرة ومصر القديمة... فأنتهز رعاع المسلمين والحاقدون هذه القصة وتتبعوا النصارى أينما كانوا... هجموا على بيوتهم ونهبوها، وقتلوا جماعة منهم، وأخرجوا النساء وسبوهن، ونهبوا كنيسة المعلقة وقتلوا بها جماعة... وأشتد غضب السلطان على كتاب ديوانه من النصارى، فأمر بإحراقهم قائلاً أنى لا أريد أن يكون فى دولتى ديواناً نصرانياً. وللمرة الثانية تشفع فيهم نائبه الأمير بيدرا، ومازال بالسطان حتى سمح بأن من يعتنق منهم الإسلام يستقر فى خدمته، ومن إمتنع يقتل. فخرج إليهم الأمير وأعلمهم بذلك، وللأسف آثروا الإسلام على القتل، وكتبت عليهم إقرارات بذلك، وأخذها بيدرا ودخل بها إلى السلطان، فأمر بالخلع عليهم وإبقائهم فى خدماتهم. وبعد ظهر نفس اليوم أخذوهم إلى مجلس النائب حيث كان القضاة مجتمعين، فجددوا سلامهم بحضرتهم!!... كل هذا بينما كان العامة مستمرين فى سطوهم على البيوت ونهبها... ولم يستطع المسئولون إيقاف ثورة العامة ضد الأقباط إلا باستخدام القسوة معهم.
✠ وثمة مأساة غريبة حدثت فى سنة ١٣٠١ (٧٠٠ هـ) فى عهد الناصر محمد بن قلاوون... فى هذا التاريخ وصل إلى القاهرة وزير مغربى فى طريقه إلى الحج. هذا اجتمع بالملك الناصر محمد بن قلاوون وحدثهم فى أمر اليهود والنصارى، وأنهم فى المغرب فى غاية الذلة والهوان. وأنكر حال نصارى الديار المصرية ويهودها بسبب لبسهم أفخم الثياب، وركوبهم الخيل والبغال وإستخدامهم فى أجل المناصب، وتحكمهم فى رقاب المسلمين، وذكر أن عهد ذمتهم إنقضى من سنة ٦٠٠هـ. فأثر كلامه عند المسئولين، فأمر بالايستخدم أحد ذمياً. لا فى الجهات السلطانية ولا عند الأمراء. وتغيرّ عمامتهم، فيلبس النصارى العمائم الزرق وتشد فى أوساطهم الزنانير. ويلبس اليهود العمائم الصفر، والتزام العهد العُمَرى... (المقريزى).
+ عيد الشهيد - كان الأقباط يقيمون إحتفالاً سنوياً يوم٨ بشنس فى جهة شبرا يسمونه عيد الشهيد... ونرجح أن يكون هذا الشهيد هو يوحنا (يؤانس) السهنوتى (الذى يذكر الصادق الآمين أن جسده أو ذخير منه بشبرا الخيمة، وكان هذا الاحتفال يستمر ثلاثة أيام... وكان الأقباط يحتفلون به إحتفالاً عظيماً جداً، ويتوافدون من بلاد مختلفة لمكان الإحتفال، وكانوا ينصبون الخيام على شاطئ النيل، فأصدر السلطان الناصر محمد بن قلاوون أمراً بإبطال هذا الإحتفال سنة ١٣٠٣. وظل ممنوعاً لمدة ٣٦ سنة وبسبب ما أعيد التصريح بالإحتفال بهذا العيد. وحدث فى سنة ١٣٥٦م (٧٥٥هـ) تحرك المسلمون على الأقباط، وعمل حصر للأوقاف المحبوسة على كنائس الأقباط وأديرتهم فاتضح أنها ٢٥,٠٠٠ فداناً، فتقرر توزيعها على أمراء المماليك زيادة على أقطاعاتهم، وهدمت عدة كنائس. وفى هذه السنة خرج الحاجب والأمير علاء الدين على بن الكورانى والى القاهرة، وهدما كنيسة شبرا الخيمة التى فيها ذخيرة الشهيد ومحفوظة فى صندوق وأحضراه إلى الملك الصالح، فأحُرق بين يديه فى الميدان، وذُرى رماده فى البحر حتى لا يأخذه الأقباط. (المقريزى)
هدم الكنائس بالقاهرة وبكل أنحاء القطر المصرى
كان عهد المماليك عهد شئوم وفوضى، كثرت فيه المظالم والقسوة فى التعامل مع الناس وإذلالهم، فساد الفقر... كان عام ١٣٢٠م (٧٢٠هـ) شئوماً وخراباً على الأقباط لم يعرف ما الذى حدث بالضبط، لكن بمجرد إشارة إعتدى الشعب على الأقباط فى جميع أنحاء البلاد، وقتلوهم وهدموا كنائسهم... والمرجح تبعاً لذلك أنها حركة دبرت منذ فترة سابقة... ولا نعلم هل كان محمد بن قلاوون على علم بهذه الحركة المبيتة والتى دبرت فى الخفاء... على أية الحالات سواء كان على علم أو لا يعلم، فقد أيدها وشجعها بل زادها عنفاً... ويدون لنا المؤرخ المسلم المقريزى هذه الإضطهادات بتفاصيلها... نقتطف بعضاً مما ذكر يقول بعد أن ذكر كيفية حفر الترعة الناصرية، وأن الحفر إنتهى إلى جانب كنيسة الزهرى.
"فلما إنتهى الحفر إلى جانب كنيسة الزهرى، وكان بها كثير من النصارى لا يزالون فيها، وبجانبهما أيضاً عدة كنائس... أخذ الفعلة فى الحفر حول كنيسة الزهرى حتى بقيت قائمة فى وسط الموضع الذى عينه السلطان ليحفر وهو اليوم بركة الناصرية. وزاد الحفر حتى تعلقت الكنيسة، وكان القصد من ذلك أن تسقط من غير قصد لخرابها. وصارت العامة من غلمان الأمراء العمالين فى الحفر وغيرهم فى كل وقت يصرخون على الأمراء فى طلب هدمها وهم يتغافلون عنهم، إلى أن كان يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأخر من هذه السنة وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة، والعمل من الحفر بطال، فتجمع عدة من غوغاء العامة بغير مرسوم السلطان، وقالوا بصوت عالٍ مرتفع "الله أكبر" ووضعوا أيديهم بالمساحى ونحوها فى كنيسة الزهرى وهدموها حتى بقية كوماً، وقتلوا من كان فيها من النصارى، وأخذوا جميع ما كان فيها. وهدموا كنيسة بومينا التى كانت بالحمراء، وكانت معظمة عند النصارى من قديم الزمان، وبها عدة من النصارى قد انقطعوا منها، ويحمل إليهم نصارى مصر سائر ما يحتاج إليه الشعب، ويبعث إليها بالنذور الجليلة والصدقات الكثيرة، فوجد فيها مال كثير ما بين نقد ومصاغ وغيره......... ثم مضوا من كنيسة الحمراء بعدما هدموها إلى كنيستين بجوار السبع سقايات، تعرف إحداهما بكنيسة البنات كان يسكنها بنات النصارى، وعدة من الرهبان فكسروا أبواب الكنيستين وسبوا البنات وكن زيادة على ستين بنتاً، وأخذ ما عيهن من الثياب، ونهبوا سائر ما ظفروا به، وحرقوا وهدموا تلك الكنائس كلها، هذا والناس فى صلاة الجمعة فعندما خرج الناس من الجوامع شاهدوا هولا كبيراً من كثرة الغبار ودخان الحريق، ومرج الناس وشدة حركاتهم، ومعهم ما نهبوه فما شبه الناس الحال لهوله الا بيوم القيامة"......
بعد كل هذا ترامت هذه الأخبار الى السلطان محمد بن قلاون فى القلعة وحاول أن يسيطر على الموقف أوهكذا قالوا، وإذ بخبر قد ورد من مدينة القاهرة أن العامة قامت ثارت فى القاهرة، وخربت كنيسة حارة الروم وكنيسة حارة زويلة، وجاء الخبر من مدينة مصر أيضاً بأن العامة قامت بمصر فى جمع كثير جداً وزحفت إلى كنيسة المعلقة بقصر الشمع، فأغلقها النصارى وهم محصورون بها...... ويقال أن السلطان بدأ هو وأمراءه يتحركون فى إتجاهات مختلفة لمحاصرة هذه الفوضى وقيل أن السلطان أمر بقتل من يقدرون عليه من العامة.
ثم يقول المقريزى فيما يختص بالكنيسة المعلقة أن الوالى قصد إلى المعلقة ولكن الهمج رجموه بالحجاره، ففر منهم، فجرد أتباع الوالى ومن معه السيوف يريدون الفتك بالعامة، فوجدوا عالماً لا يقع عليه حصر، وخاف سوء العاُيه فأمسك عن القتل، وأمر أصحابه بإرجاف العامة من غير اهراق دم!!... أما الأمير الماس، فانه وصل إلى كنائس الحمراء وكنائس الزهرى ليتداركوهان فاذا بها قد بقيت كيماناً ليس به جدار قائم...
ويستطرد المقريزى فيقول: "وكان الأمر فى هدم هذه الكنائس عجباً من العجب، وهو أن الناس لما كانوا فى صلاة الجمعة من هذا اليوم بجامع قلعة الجبل، فعندما فرغوا من الصلاة قام رجل موله وهو يصيح من وسط الجامع اهدموا الكنيسة التى فى القلعة اهدموها، وأكثر من الصياح المزعج حتى خرج عن الحد،...... وما أن خرجوا من الجامع بعد صلاة الجمعة حتى وجدوا الكنيسة قد هدمت...... وفى الجامع الأزهر أن الناس لما إجتمعوا فى هذا اليوم لصلاة الجمعة، أخذ شخصاً من الفقراء مثل الرعدة ثم قام بعد ما أذن وقبل أن يخرج الخطيب وقال اهدموا كنائس الطغيان والكفرة نعم الله أكبر فتح لله ونصر..... وخرج الناس إلى باب الجامع فرأوا النهابة ومعهم أخشاب الكنائس وثياب النصارى، وغير ذلك من النهوب فسألوا عن الخبر، فقيل قد نادى السلطان بخراب الكنائس. فظن الناس الأمر كما قيل حتى تبين بعد قليل أن هذا الأمر إنما كان من غير أمر السلطان وكان الذى هدم فى هذا اليوم من الكنائس بالقاهرة كنيسة حارة الروم، وكنيسة بالبندقانيين، وكنيستين بحارة زويلة".
أما خارج مصر والقاهرة فحسب رواية المقريزى أنه هدمت أربع كنائس بالإسكندرية، وكنيستين فى دمنهور - كل ذلك أثناء صلاة الجمعة.!! وفى الوجه القبلى هدمت ست كنائس بقوص وما حولها فى ساعة واحدة... وتناثر الخبر من الوجه القبلى والوجه البحرى بكثرة ما هدم فى هذا اليوم وقت صلاة الجمعة، وما بعدها من الكنائس والأديرة فى جميع أقليم مصر كله ما بين قوص والإسكندرية ودمياط...
وبعد كل هذا نقرأ العجب فيما قاله المقريزى: "فأشتد حنق السلطان على العامة خوفاً من فساد الحال، وأخذ الأمراء فى تسكين غضبه وقالوا: هذا الامر ليس من قدرة البشر فعله، ولو أراد السلطان وقوع ذلك على هذه الصورة لما قدر عليه. وما هذا إلا بأمر الله سبحانه وبقدره، لما علم من كثرة فساد النصارى وزيادة طغيانهم، ليكون ما وقع نقمة وعذاباً لهم".... إلى هذا الحد وصل الحال، وكأنه إنتقام إلهى... لكن لننظر تبرير أمراء المماليك للجرائم ضد الأقباط أن هؤلاء بيدهم الأمر فى ذلك الزوان!!!.
حرائق القاهرة ومصر
يقول المقريزى: "لم يمض سوى شهر من يوم هدم الكنائس حتى وقع الحريق بالقاهرة ومصر فى عدة مواضع وحصل فيه من الشناعة أضعاف ما كان من هدم الكنائس.. ويصف لنا هذا المؤرخ كيف أن النار أخذت تنتقل من موضع إلى موضع حتى ظن الناس أن القاهرة كلها إحترقت، وساعد على كثرة الحرائق شدة الريح فى ذلك اليوم."... والعجيب أنهم حاولوا نسب هذه الحرائق للنصارى، وقالوا أنهم قبضوا على راهبين وعلمانى من النصارى...
"..... إستدعى السلطان البطريرك وأحضر أمامه الراهبين والنصرانى وإعترفوا أمامه بفعلهم، فبكى البطريرك عندما سمع كلامهم وقال هؤلاء سفهاء النصارى قصدوا مقابلة سفهاء المسلمين على تخريبهم الكنائس"...
ولما ذاعت هذه الاخبار وأن النصارى هم الذين دبروا الحرائق زادت ثورتهم ضدهم... وقيل" أن الراهبين إعترافا بأن أربعة عشر راهباً بدير البغل قد تحالفوا على إحراق ديار المسلمين... فهجموا على الدير المذكور بجبل طره وأحرقوا من رهبانه أربعة فى يوم الجمعة... وكان نتيجة ذلك أن هاج جمهور الناس على النصارى، وفتكوا بهم وصاروا يسلبون ما عليهم من ثياب حتى فحش الامر وتجاوزا فيه المقدار فغضب السلطان من ذلك...... وفيما يتفقد السلطان الحالة بعض أجزاء القاهرة، اخذ الناس يتجمهرون بأعداد ضخمة وهم يصيحون نصر الله الاسلام ونصر دين محمد بن عبد الله....."
ومن الأمور التى يرويها المقريزى، أنه فى صبيحة يوم الحريق"... ركب السلطان إلى الميدان على عادته وجد نحو عشرين ألف نفس من العامة قد صنعوا خرقاً بلون أزرق وعملوا فيها صلباناً بيضاء وعندما رأوا السلطان صاحوا بصوت عام واحد لا دين إلا دين الإسلام نصر الله دين محمد بن عبد الله يا ملك الناصر يا سلطان الإسلام، أنصرنا على أهل الكفر ولا تنصر النصارى. فارتجت الدنيا من هول أصواتهم، وأوقع الله الرعب فى قلب السلطان وقلوب الامراء، وسار وهو فى فكر زائد حتى نزل بالميدان، وصراخ العامة لا يبطل، فرأى أن الرأى فى استعمال المداراة وأمر الحاجب أن يخرج وينادى بين يديه من وجد نصرانياً فله ماله ودمه. فخرج ونادى بذلك فصاحت العامة وصرخت نصرك الله، وضجوا بالدعاء. وكان النصارى يلبسون العمائم البيض، فنودى فى القاهرة ومصر من وجد نصرانياً بعمامة بيضاء حل له دمه وماله، ومن وجد نصرانياً راكباً حل له دمه وماله. وخرج مرسوم بلبس النصارى العمامة الزرقاء، وأن لا يركب أحد منهم فرساً ولا بغلاً، ومن ركب حماراً فليركبه مقلوباً...... ولا يتزين أحد منهم بزى المسلمين، ومنع الأمراء من استخدام النصارى، وأُخرجوا من ديوان السلطان، وكتب لسائر الأعمال بصرف جميع المباشرين من النصارى، وكثر ايقاع المسلمين بالنصارى حتى تركوا السعى فى الطرقات وأسلم منهم جماعة كبيرة. وكان اليهود قد سُكت عنهم فى هذه المدة، فكان النصرانى إذا أراد أن يخرج من منزله يستعير عمامة صفراء من أحد اليهود، ويلبسها حتى يسلم من العامة".
ويحصى المؤرخ المقريزى بعد ذلك الخسائر التى تسببت عن هذه الكارثة فيقول أن عدد الكنائس التى خربت بمصر تسع وخمسون كنيسة، ١٢ بالقاهرة، ٤ بالإسكندرية، ٢ بدمنهور، ٤ بالغربية، ٣ بالشرقية، ٦ بالبهنسا، ٨ بالمنيا ومنفلوط وأسيوط، ١١ بنواحى قوص وأسوان، ٨ بمصر القديمة، وكنيسة واحدة بأطفيح. هذا فضلاً عن عدة أديرة هدمت عن آخرها.
ويختم المقريزى الحديث عن هذه المأساه بقوله: "وكانت هذه الخطوب الجليلة فى مدة يسيرة قلما يقع مثلها الأزمان المتطاولة هلك فيها من الأنفس، وتلف فيها الأموال، وضرب من الأماكن ما لا يمكن وصفه لكثرته."
وحدث فى ١٣٢٩ أن صرح الناصر محمد بن قلاوون للأقباط، بإعادة ما تهدم من كنيسة الست بربارة بمصر القديمة، بناء عن التماسهم، وبالفعل عمروها، لكن المسلمين لم يَرُقهم ذلك، وإدعوا أن النصارى إستحدثوا بناء إلى جوار الكنيسة لم يكن موجوداً أصلاً، فأمر السلطان بهدم ما إستجد، لكن الغوغاء بادروا وهدموا الكنيسة كلها فى وقت قصير، وأقاموا موضعها محراباً أذنو فيه وصلوا وقرأوا القرأن، فلما إشتكى النصارى أمر السلطان بهدم المحراب.
وأُتهم أحد النصارى أنه حفيد رجل كان قد إعتنق الإسلام، فحكم القاضى على هذا النصرانى أن يدخل إلى دين الإسلام، وأمر بإلقائه فى السجن ليجبره على ذلك. فسعى الأقباط لدى الحاكم، الذى أطلق سراح ذلك الرجل أثناء الليل..... وفى اليوم الثانى توجهت الجماهير إلى منزل القاضى، وكان الحاكم قد إستدعاه ولامه بشده على ما إتخذه من أجراء، غير أن الجماهير أيدت موقف القاضى وإحتجت وأغلقت الحوانيت وأخذت تقذف الحاكم بالحجارة..... ثم توجهت الجماهير نحو الكنيسة المجاورة لهذه المنطقة فخربتها وأحرقت الصلبان والصور التى فيها. ونبشت القبور وأخرجت الجثث والقتها فى النيران... وشرعت فى مهاجمة النصارى القاطنين فى تلك المنطقة.
وفى ١٣٥٤م (=٧٥٥هـ) أُحصيت الأوقاف الموقوفة على الكنائس والأديرة فبلغت ٢٥,٠٠٠ فداناً، فأمر السلطان أن تنزع من النصارى، وتوزع على أمراء المماليك تضاف إلى إقطاعياتهم... كما رسم هذا السلطان (حسن بن محمد) بهدم الكنائس والاديرة...
ولا يتبادر إلى الذهن أن جميع الأقباط إستكانوا للمظالم، ونحن رأينا أن أعداد كبيرة قد دخلوا فى دين الإسلام إماكرهاً أو ضعفاً. لكن أولئك الذين تظاهروا بالإسلام هم الذين آثروا الوظائف فى الدواوين، وفضلوا مجد العالم الثانى...
لكن التاريخ - وبالذات المؤرخ المقريزى - يسجل لنا عينات من الاقباط آثروا حياة الإستشهاد عن أن يفرطوا فى ايمانهم... يذكر فى أحداث ١٣٥٣ (١٥٤هـ) أن قبطياً من مواليد الطور - وكان كاتباً فى أحد الدواوين - قصد القاهرة ووقف يخطب ضد الديانة الإسلامية... فلما قُدم للتحقيق قال للقاضى أن هدفى الحصول على شرف الإستشهاد...
وفى ٣٣٩٠ (٧٩١هـ) قدم القاهرة جماعة من الرجال والسيدات ممن كانوا قد ضعفوا وقت الشدة وأعلنوا إسلامهم، فأعلنوا على الملأ خروجهم عن الإسلام، وعزمهم على العودة إلى حظيرة المسيحية، وقالوا لقد جئنا هنا لكى ننال غفران الخطايا التى إقترفناها، فنقدم حياتنا على مذبح التضحية لننال نعم سيدنا المسيح، فقطعت رؤوسهم جميعاً...
وفى ١٣٩٤ (٧٩٥هـ) قام فى القدس أربعة من الرهبان وتحدوا علانية فقهاء الإسلام. وتكلموا عن الإسلام باسلوب عده هؤلاء الفقهاء أن فيه تحقيراً، فحكم عليهم بالحرق أحياء (أقباط ومسلمون ص١٩٢) وحدث فى ١٤٤٢م (٨٤٦هـ) كما يقول السخاوى فى[كتابه التبر المسبوك فى ذيل السلوك]" حصل على النصارى واليهود من الذل والخزى والإهانة والتغريم ما يفوق الوصف، بسبب الترميمات التى قام بها الملكيون سراً فى كنيستهم، فأمر السلطان الظاهر جقمق (١٤٣٨-١٤٥٣) بعقد مجلس برئاسة حضرة القضاة وبعض مشايخ الإسلام وأركان الدولة من المباشريين وغيريهم، وإستدعى الأنبا يؤانس ١٧ (١٤٢٧- ١٤٦١) وكذا فيلوثاؤس بطريرك الملكانين وعبد اللطيف من طائفة اليهود الربانيين وفرج الله أحد مشايخ اليهود القرائيين، وإبرهيم كبير طائفة اليهود السامرة، وسئلوا عن العهد المكتتب على أسلافهم، فلم يعرفوه، وتقرر فى هذا المجلس تجديد عهد عمر" (أقباط ومسلمون ١٩٤).
ويذكر المؤرخ السخاوى أنه فى سنتى ١٤٤٥، ١٤٤٦ (٨٤٩، ٨٥٠ هـ) هدمت بعض الكنائس وأرسلت أنقاضها إلى السلطات المختصة، ولم يبق فى ١٤٤٨ (٨٥١هـ) كنيسة واحدة لم يحلق بها ضرر.
عهد الأتراك العثمانيين (١٥١٧ - ١٧٩٨)
نستطيع القول أن الأحوال بالنسبة إلى الأقباط لم تتبدل خلال فترة الحكم الإسلامى... فمحاولات الضغط عليهم لأبتزاز أموالهم بصورة أو بأخرى، ومحاولات الإذلال، لكن تختلف كثيراً عما كان يحدث فى العهد المملوكى، وكذلك الإعتداءات على الكنائس والقيود المفروضة على بنيانها وترميمها ظلت كما هى، بل أن القيود المفروضة على بناء الكنائس حتى الوقت الحاضر تعرف بإسم الخط الهمايونى!!!
بدخول سليم الأول السلطان العثمانى مصر سنة ١٥١٧م وقتله طومان باى، أصبحت مصر ولاية عثمانية حتى مجئ الحملة الفرنسية سنة ١٧٩٨م، لكن لم يكن إختفاء السلطة المملوكية عقب الفتح التركى يعنى أن المماليك إنتهو وفنوا كجماعة... ففى إعادة تنظيم الدولة تحت حكم السلطان الجديد، كان هناك موضوعان أساسيان وضعهما الغازى الجديد نصب عينيه: الأول العمل على ضمان بقاء مصر ذات الثروات الغنية فى قبضة السلطان العثمانى، والثانى الحصول منها على أكبر قدر من المال سنوياً... ولتحقيق هذه السياسة قسم السلطان بين ثلاثة رؤساء يتنافسون فيما بينهم، وفى هذا التنافس ما يضمن عدم إنفراد أحدهم بمصر. إن هؤلاء الثلاثة فكانوا: الوالى - نائب السلطان - زد الباشا ومهمته جمع الضرائب والاموال، وكان يبقى لمدة قصيرة خوفاً مما عساه يحدثه طوال بقائه والياً فى مصر - الحامية العسكرية ولها مجلسها المستقبل - وأمراء المماليك وكان يعهد اليهم بحكومات الاقاليم... وكانت هذه السياسة سبباً فى خراب مصر، إذ أنها أصبحت ضحية لثلاثة قوى لجمع الضرائب... وعلى الرغم من أن الدولة كانت لها الصورة الإسلامية، إلا أنها لم تهتم كثيراً بالأمور الدينية، بل كان جل همها فى جمع أكبر قدر من الأموال من المواطنين المصريين... ومن الناحية المالية نستطيع القول أنه لم يكن هناك فارق بين مسلم ومسيحى... الكل خاضعون للأرهاق المالى: فى الوقت الذى فقدت فيه مصر مصدراً كبير من مصادر موارها المالية، وذلك بعد إكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وفقدان مصر ما كانت تحصله من جمارك نتيجة مرور التجارة الدولية بأراضيها...
وهكذا سقطت مصر فى حالة من السبات، ولم يشذ الأقباط بطبيعة الحال عن ذلك، غير أنهم بحكم طبيعتهم وترتيبهم وإستعداهم كانوا يقومون بإدارة أملاك المماليك، والإنشغال بالشئون المالية وشئون الضرائب... وقد تعرضوا لضغوط وإضطهادات، وما تحملوه فى هذه الفترة يعتبر حلقة مكملة لسلسلة الإضطهادات الطويلة التى عانوا فيها طوال تاريخهم.
يجمع المؤرخون على أن حكم الدولة العثمانية للولايات التى خضعت لها كان بالغ الفساد... وكأن أنواع الفساد الموجودة فى جميع نظم الحكم العالمية قد إجتمعت كلها فى نظام الحُكم العثمانى الذى إتسم بالجمود والعزلة وسوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم... كانت الدولة العثمانية دولة حربية، قائمة على القوة وحدها، ولا يعينها إلا الفتح. أما ما عدا ذلك فمحتقر وغير جدير بالعناية...
ولكى تضمن هذه الدولة خضوع الولايات الإسلامية لها، صورت لشعوبها منذ منتصف القرن الثامن عشر العالم الخارجى على أنهم مجموعة من الكفرة الذين لا يستظلون بنعمة الإسلام، وأن الإتصال بهم نوع من الرجس لا يليق بالمسلم الصالح. فكفى بالإسلام نعمة تظللهم، وكفى بخضوعهم لأمير المؤمنين وخلفية المسلمين فخراً... ومن المؤلم والمؤسف أن الشعوب الإسلامية الخاضعة عسكرياً للدولة العثمانية، والتى تفوق الأتراك ثقافة وعلماً - قد صدقتهم... وظلت هذه المفاهيم الخاطئة تحول بين الشعوب وبين نور العلم والمدينة الحديثة... وحالت الدولة العثمانية بين معظم رعاياها وبين الخارج فأغلقت عليهم، ومنعتهم من الخروج إلا بأذن السلطان.
وكان من أثر هذه السياسة على مصر أن تحولت القومية الوطنية الى قومية إسلامية... وبات المصريون لا يفكرون فى مصر بقدر ما يفكرون الرابطة الإسلامية التى وجدوا فيها بديلاً عن قوميتهم... وهكذا نرى أن الحاكم التركى كان نكبة على القومية المصرية الوطنية.
كان كل هم الغازى الإسلامى جمع الأموال من مصر، فثقل الولاة على الناس فى الضرائب، مما إضطر الفلاحين إلى ترك الأرض دون زراعة، فكثرت المجاعات كما حدث فى أعوام ١٦٠٣، ١٦٢١، ١٦٢٤، ١٦٢٥، ١٦٤٢ - كل ذلك فى جيل واحد، وتبع المجاعات إنتشار القحط والغلاء والأوبئة... ويذكر التاريخ أن المجاعة التى حدثت ١٦٤٢ أفنت ٢٣٠ قرية!!
أمثلة للمظالم التى وقعت على الأقباط
ويذكر المؤرخ الجبرتى ما حل للأقباط حينما أرادوا أن يحجوا إلى بيت المقدس... فبعد أن أفتى لهم الشيخ عبد الله الشبراوى بأن أهل الذمة لا يمنعون من ديانتهم وزيارتهم، مقابل هدية والف دينار وكتب لهم جواباً، فشرع النصارى فى قضاء أشغالهم وتشهيل أغراضهم وخرجوا فى هيئة وأبهة وأحمال وتختروانات فيها نساؤهم وأولادهم، ومعهم طبول وزمور...
لكن حدث أن أحدهم أنكر على الشيخ الشبراوى هذه الفتوى، وقال له: "أى شئ هذا الحال يا شيخ الإسلام، كيف ترضى وتفتى النصارى وتأذن لهم بهذه الأفعال ألكونهم أرشوك وهادوك بالف دينار وهدية... وعلى هذا تصير لهم سنة، ويخرجون فى العام المقبل بأزيد من ذلك، ويصنعون لهم محملاً، ويُقال حج النصارى وحج المسلمين، وتصير سنة عليك وزرها إلى يوم القيامة. فقام الشيخ (عبد اله الشبراوى) وخرج من عنده مغتاظاً، وأذن للعامة فى الخروج عليهم، ونهب ما معهم، وخرج كذلك معهم طائفة من مجاورى الأزهر، فاجتمعوا عليهم ورجموهم وضربوهم بالعصى والمساوق، ونهبوا أيضاً الكنيسة القريبة من دامرداش وإنتكس النصارى فى هذه الحادثة نكسة بليغة وراحت عليهم، وذهب ما صرفوه وأنفقوا فى الهباء (عن زاهر رياض المسيحيون والقومية المصريه ص١٣، ١٤)
ومما يذكران حسن باشا القبطان الذى وفد لمصر سنة ١٧٨٥ م ليعيدها الى التبعية العثمانية، وبعد أن أعلن على بك الكبير سنة ١٧٦٩ م إستقلال مصر عن تركيا - أرتكب مظالم كثيرة ضد الأقباط... منها المظالم المالية. ومنها أنواع التحقير الأدبى... وبلغ الإذلال أنه كما يذكر الجبرتى: "نودى على النصارى واليهود أن يغيروا أسمائهم التى على أسماء الأنبياء كابراهيم وموسى وعيسى ويوسف وإسحق. وأن يحضروا جميع ما عندهم من الجوارى والعبيد. وإن لم يفعلوا، وقع التفتيش على ذلك فى دورهم وأماكنهم فصالحوا على ذلك بمال فحصل العفو، وأذنوا لهم فى أن يبيعوا ما عندهم من الجوارى والعبيد ويقبضوا أثمانهم لأنفسهم، ولا يستخدموا المسلمين، فأخرجوا ما عندهم وباعو بعضه وأودعوه عند معارفهم من المسلمين...
وقبض قبطان باشا أيضاً على راهب من رهبان النصارى وإستخلص منه صندوقاً من ودائع النصارى، وقبض القبطان على المعلم واصف وحبسه وضربه وطالبه بالأموال. وواصف هذ أحد الكتاب المباشرين المشهورين... وقبض على بعض نساء المعلم إبراهيم الجوهرى... فأقرت على خبايا أخرجوا منها أمتعة وأوانى ذهب وفضة وسروجاً وغيرها...
وبلغ الأمر بحسن باشا القبطان أنه صادر خزينة البطريركية، وأخذ أموالها، الأمر الذى إضطر البطريرك أن يتوارى ويختفى...
وبعد سفر القبطان باشا إقتسم السلطة عبدى بك وإسماعيل بك وإضطهدا الأقباط، وأمرا بهدم منازلهم بحارة النصارى بالقاهرة، وتمت المصالحة على أن يدفع النصارى خمسة وثلاثين الف ريال.
وبالرغم من هذه الإضطهادات كلها، يقرر الأب "برنا" اليسوعى فى خطاب له سنة ١٧١١ م أن مصر هى البلد الوحد فى الإمبراطورية الإسلامية الذى تقام فه شعائر الدين المسيحى بحرية أكثر من أى بلد آخر، ولهذا السبب فان عدداً كبيراً من نصارى البلاد الأخرى يلجأون اليها... (عن أقباط ومسلمون ص٢٠١، ٢٠٢)
ويحدونا الإنصاف أن نقول انه فى العصر المملوكى والعصر التركى لم تكن المظالم التى حلت بالاقباط فى حقيقتها سوى تكأة لنهب أموالهم. لأنه غالباً ما كانت هذه المظالم توقف يوم صدور الإعلان بها، أو فى اليوم التالى بعد الإتفاق على دفع مبلغ معين من المال... لكن من ناحية أخرى كانت فرصة ثمينة للغوغاء أن تعتدى على بيوت النصارى وتنهبها بمجرد الإعلان!!
كل هذه المظاهر التعسفية مجتمعة هى التى دعت الراهب الكاثوليكى فانسليب الذى زار مصر سنة ١٦٧٢، ١٦٣٣م فى القول "نقرر أنه لا توجد طائفة بمصر معرضة للإضطهاد كالأمة القبطية. وذلك لأنه لم يعد من بينهم من يستطيع أن يكون موضع خوف الأتراك لسطواته. كان الأتراك يعتبرونهم حسالة العالم، وأقل منزلة من اليهود، وقد كانوا يسيئون معاملتهم عندما يحلو لهم ذلك. ويغلقون لهم كنائسهم وأبواب منازلهم حين يروق لهم ذلك، ولأتفة الأسباب وأبعدهاعن العدل، لكى يغتصبوا منهم بعض المال (عن أقباط ومسلمون ص٢٠٣، ٢٠٤)
وطنية الأقباط والتصاقهم بوطنهم مصر
على أن الأقباط رغم الضغوط الشديدة التى تعرضوا لها، لم يفكروا فى ترك وطنهم والهجرة إلى وطن آخر، وربما حدث ذلك رغما عنهم وبأمر الحاكم بامر الله الفاطمى والناصر محمد قلاوون المملوكى... لقد كانت محبتهم لوطنهم تجرى فى عروقهم، وإحتملوا فى سبيل ذلك كل شئ، حتى أن أحد القناصل الفرنسيين ويدعى "دى مايبه" يقول: فى شهر سبتمبر ١٦٩٩ تلقيت أمراً من ملك فرنسا بإختيار ثلاثة من أولاد الأقباط لأرسالهم إلى فرنسا، وتربيتهم هناك على النحو الذى كان يربى عليه أولاد بعض الأمم الشرقية، وحاول القساوسة عبثاً إقناع الموسرين لإرسال أولادهم، كما أنهم لم يكونوا أكثر توفيقاً مع الأسر الفقيرة مهما كان عدد أولادها، وعمد بعض الآباء والأمهات إلى سحب أولادهم من مدارس الإرساليات، والتضحية بالمساعدات المالية التى كانت تعطى لهم على الرغم من شدة حاجتهم إليها، وذلك خوفاً من أن ينتزع أولادهم رغم إرادتهم، مما يدل على إجلالهم لوطنهم وشدة تعلقهم به... ويضيف القنصل الفرنسى إلى ذلك قوله "يعتقد الأقباط أن بلادهم لا مثيل لها، وهم فى ذلك على حق. ومن يستطيع أن يعيب عليهم حبهم لبلد وصفها الأجانب بأنها الفردوس الأرضى(عن أقباط ومسلمون ص٢٠٤، ٢٠٥)
الأقباط ووظائف الدولة
على أنه رغم هذه الظروف كلها والمآسى التى عاشها الأقباط، ظلو يحتفظون بالوظائف الإدارية فى الدولة لحاجة المماليك إلى إسنادها للأقباط نظراً لكفائتهم ونزاهتهم علمهم... وهكذا ظهر عدد من الأقباط منهم المعلم رزق الذى كان رئيساً لدار سك النقود، ومستشار على بك الكبير فى الشئون المالية. والأخوان إبراهيم وجرجس الجوهرى... وبعد موت إبراهيم الجوهرى صار أخوه المعلم جرجس رئيساً اللدواوين فى عهد إبراهيم بك ومراد بك... كما عاصر المعلم جرجس الجوهرى محمد على باشا، وصار سكرتيره للشئون المالية. ولعله كان الشخصية الوحيده فى مصر التى حازت ثقة المماليك والأتراك على السواء. لكن إعتداله فى تحصيل الضرائب من الشعب كان سبباً فى غضب محمد على عليه، فأقصاه عن منصبه لمدة أربعة أعوام، لكن سرعان ما أعاده بعدها لحاجة إلى عمله وكفاءته. وتوفى سنة ١٨١٠م.
أبرز الشخصيات القبطية فى العصر المملوكى والتركى
ومن الشخصيات القبطية فى هذه الفترة نقدم شخصية بطريرك قديس، وناسك بلغ أعلى الدرجات الروحية، ولم ينل رتبة كهنوتية، وشخصية قبطية عامة علمانية لكنها شخصية مباركة ومشرفة.
١ - البابا متاؤوس البطريرك ٨٧
٢ - الأنبا فريج (رويس)
٣ - المعلم إبراهيم الجوهرى: وليس أدل على عظم شخصيته مما كتبه عن الجبرتى بعد وفاته ١٧٩٧ قال: "مات الذمى المعلم إبراهيم الجوهرى رئيس كُتاب الأقباط فى مصر، وأدرك فى هذه الدولة بمصر من العظمة، ونفاذ الكلمة وعظم الصيت والشهرة، مع طول المدة بمصر ما لم يسبق لمثله من أبناء جنسه فيما نعلم. وأول ظهوره فى أيام المعلم رزق كاتب على بك الكبير. ولما مات على بك وترأس إبراهيم بك، قلده جميع الأمور، فكان هو المشار إليه فى الكليات والجزئيات، حتى دفاتر الروزنامة والميرى وجميع الإيراد والمنصرف وجميع الكتبة والصيارف من تحت يده وإشارته. وكان من دهاقين العالم ودهاته، لا يغرب عن ذهنه شئ من دقائق الأمور، ويدارى كل إنسان بما يليق من المدارة، ويحابى ويهادى ويواسى، ويفعل ما يوجب إنجذاب القلوب والمحبة، ويهادى ويبعث الهدايا العظيمة والشموع إلى بيت الأمراء، وعند دخول رمضان، يرسل إلى غالب أرباب المظاهر ومن دونهم، الشموع والهدايا والأرز والسكر والكساوى، وعمرت فى أيامه الكنائس وديور النصارى، وأوقف عليها الأوقاف الجليلة والأطيان، ورتب لها المرتبات العظيمة والأرزاق. وحزن إبراهيم بك لموته وخروج فى ذلك اليوم الى قصر العينى حتى شاهد جنازته وهم ذاهبون به الى قبره (عن أقباط ومسلمون ٢٠٥/٢٠٦)
أماكن تركز الأقباط أيام العصر التركى
عاش الأقباط فى القاهرة فى ثلاث مناطق
أ - الطرف الشمالى من القاهرة فى ذلك الوقت، وهى المنطقة التى تمتد حالياً من الخاذندار حتى باب الحديد (ميدان رمسيس) وتحدها بركة الأزبكية من الجنوب وتطل على منطقة زراعية واسعة هى منطقة الفجالة حالياً - وتحدها من الغرب ترعة تخرج من النيل شمال المتحف المصرى الحالى وتسمى الترعة البولاقية لأنها كانت تفصلها عن بولاق. وكانت تصلها بالمنطقة قنطرة تسمى قنطرة الليمون (كوبرى الليمون) - ومازال هذا القسم يحمل إسمه حتى الأن وهو حارة النصارى. ويحترف أهل هذا الحى بتجارة العلف والشموع والبخور والعطارة. وقامت على أطرافها قلعة بناها المعلم يعقوب حنا عند حارة الجبرونى، وكان الحراس يحرسونها ليل نهار.
ب - منطقة مصر القديمة حيث توجد الكنائس بها
ج - المنطقة التى تنحصر بين خان الخليلى والخليج المصرى، وهى الصاغة الحالية، وإحترف أهلها صياغة الذهب والفضة، وسكن قليل من الأقباط الغورية وبولاق والحمزاوى واشتغلوا بالتجارة.
أما فى صعيد مصر فقد اشتغل الأقباط بالتجارة لاسيما فى مدن أخميم وقوص ونقادة وأسيوط... واشتغل كثير من تجار أسيوط التجارة مع السودان، خاصة العاج وريش النعام، ويقومون بتوزيعه فى أنحاء القطر. ولعل ذلك راجع إلى أنه عند أسيوط ينتهى درب الأربعين الذى يبدأ من الفاشر فى السودان ويقطع الصحراء الغربية شمالاً حتى أسيوط. فلا غرابة إذا إتخذ سلطان دارفور، المعلم غبريال شنوده أحد تجار أسيوط وكيلاً له فى مصر ليستقبل قوافله الواردة. (زاهر رياض ١٩-٢١)
الأقباط والقومية المصرية
وسط هذا الخضم من القومية الإسلامية، لم يبق دليل واحد على بقاء القومية المصرية الحية إلا الأقباط الذين إحتفظوا بأسمائهم القبطية دليلاً على مصريتهم، وحرصوا على إعطاء أولادهم أسماء مميزة ليميزوا أنفسهم كمصريين، فى وسط بحر خضم لم يكن يعرف فيه المصرى من غيره، بعد أن إمتلأت البلاد من الأجناس المختلفة التى وفدت من خارج مصر.
كان الأقباط مثلاً حياً للقومية المصرية، وإذا رأوا بادرة أمل فى إحياء هذه القومية، ما كانوا يترددون فى تشجيعها، ومن أمثلة ذلك تشجيعهم لثورة على بك الكبير للإستقلال عن الدولة العثمانية... كان المعلم رزق القبطى يعتبر الساعد الأيمن لعلى بك الكبير، والقوة الدافعة خلفه. وإليه يرجع الفضل فى التنظيم المالى الذى إستند اليه على بك الكبير فى مصر وسوريا... كما كان كل من المعلم يعقوب والمعلم الياس بقطر عوناً لمراد بك فى محاولة الخروج عن السلطان، وكذلك كما كان للمعلم غبريال سيداروس فى نفس الموقف من إبراهيم بك - بل إشترك هؤلاء فى تدريب جنود مصريين (د.زاهر رياض: المسيحيين والقومية المصرية ٢١، ٢٢).
From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.
يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.
Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.