← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon
مشاهير الاعلام في عهدي الطولونين والاخشيديين [٨٦٨ - ٩٦٩ م]
Famous figures under the Tulunids and Ikhshidids (868-969)
مشاهير الاعلام في عهدي الطولونين والاخشيديين
(أ) سعيد بن كاتب الفرغاني:
مهندس قبطي ظهر اسمه في عهد الطولونيين.. وغالباً ما ينسب إلى ناحية فرغان بمركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية، أو إلى مدينة الفراجون التي أندثرت ومحلها اليوم مدينة سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ.. أول ما نسمعه عنه أنه تولى عمارة مقياس النيل في جزيرة الروضة سنة ٨٦٤ م بعد أن أمر بعمارته الخليفة العباسي المتوكل.. ولما تولى أحمد بن طولون حكم مصر عهد إليه ببناء أهم منشآته، فبنى له أولا قناطر بن طولون وبئره عند بركة حبش لتوصيل الماء إلى مدينة القطائع بين عامي ٨٧٢ / ٨٧٣ م.. ويقول المقريزي «والذي تولى لأحمد بن طولون بناء هذه العين رجل نصراني حسن الهندسة، حاذق بها، وأنه دخل إلى أحمد بن طولون في عشية من العشايا فقال له إذا فرغت مما تحتاج إليه فاعلمني لنركب إليها فنراها. فقال يركب الأمير إليها في غد فقد فرغت - فتقدم النصراني فرأى موضعاً بها يحتاج إلى قصرية جير وأربع طوبات، فبادر إلى عمل ذلك. وأقبل أحمد بن طولون يتأمل العين فاستحسن جميع ما شاهده فيها. ثم أقبل إلى موضع الذي فيه قصرية الجير، فوقف بالاتفاق عليها. فلرطوبة الجير غاصت يد الفرس فيه فكبا بأحمد. ولسوء ظنه قدر أن ذلك لمكروه أراده به النصراني. فأمر به فشق عنه ما عليه من الثياب وضربه خمسمائة سوط، وأمر به إلى المطبق (السجن)، وكان المسكين يتوقع من الجائزة مثل ذلك دنانير، فاتفق له اتفاق سوء» (المقريزي ج ٤ الصفحة ٣٣٨).
بعد ذلك فكر ابن طولون في بناء جامع يكون أعظم ما بنى من المساجد في مصر، ويقيمه على ثلثمائة عمود من الرخام.. يقول المقريزي عن أحمد بن طولون «فلما أراد بناء الجامع قدر له ثلثمائة عمود فقيل له ما تجدها، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضياع الخراب فتحمل ذلك. فأنكر ذلك ولم يختره وتعذب قلبه بالفكر في أمره. وبلغ النصراني الذي تولى بناء العين الخبر فكتب إليه يقول أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلا عمودي القبلة. فأحضره وقد طال شعره حتى نزل على وجهه. فقال له ويحك ما تقول في بناء الجامع. فقال أنا أصوره للأمير حتى يراه عياناً بلا عمد إلا عمودي القبلة. فأمر بأن تحضر له الجلود فأحضرت وصوره له فأعجبه واستحسنه وأطلقه وخلع عليه، وأطلق له للنفقة عليه مائة ألف دينار. فقال له أنفق وما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك. فوضع النصراني يده في البناء في الموضع الذي هو فيه وهو جبل شكر. فكان ينشر منه ويعمل الجير ويبني إلى أن فرغ من جميعه وبيضه.. فلما كان أول جمعة صلاها فيه أحمد بن طولون وفرغت الصلاه.. فلما أراد الانصراف.. صعد النصراني الذي بنى الجامع.. وصاح يا أحمد بن طولون يا أمير الأمان عبدك يريد الجائزة ويسأل الأمان أن لا يجري عليه مثل ما جرى في المرة الأولى. فقال له أحمد بن طولون أنزل فقد أمنك الله ولك الجائزة فنزل وخلع علية، وأمر له بعشرة آلاف دينار وأجرى عليه الرزق الواسع إلى أن مات» (المقريزي ج ٤ االصفحات ٣٦، ٣٧).
ويشهد جامع ابن طولون بعبقرية هذا المهندس القبطي.. وقد بدىء بناؤه في ٨٧٦/٨٧٧ م واستغرق بناؤه سنتين. وترى العقود المدببة في الجامع قبل أن يعرف استخدامها في انجلترا بقرنين على الأقل (S. Lane Poole pp. 64, 66).
وفيما يختص بما انتهى إليه أمر هذا المهندس القبطي، فان مصادر أخرى تروي أن ابن طولون عرض عليه اعتناق الاسلام فأبى وتمسك بايمانه المسيحي فقطعت رأسه ومات شهيداً٢.
ويذكر أبو المكارم في كتابه المنسوب خطأ لأبي صالح الأرمني «ذكر في دلال الأعياد» أنه في اليوم السابع من شهر كهيك قطعت رأس أبن كاتب الفرغاني. وكان هو الذي عهد إليه ببناء مقياس النيل سنة ٨٦٤ م. وجسده محفوظ في كنيسة القديس قلته» (أبو صالح الأرمني، ورقة ٣٣ ب، ٣٤ أ).. ويلاحظ حالياً أنه لا يوجد في الدلال أو السنكسار تحت اليوم السابع من كيهك أي ذكر لهذا الشهيد كما كان الحال عندما ألف أبو المكارم كتابه عام ١٢٠٨ م، والذي حدد اليوم وأيضاً جسده في بيعة أبو قلته التي كانت قائمة بمنطقة الحمراء الوسطى واندثرت (بين دير أبو سيفين وكنيسة مار مينا بفم الخليج قرب مصر القديمة).
(ب) أبو المكارم:
هو الشيخ المؤمن أبو المكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود زوج السيدة جليلة ست الدار بنت أخي سيف الدولة. كان من أفاضل القبط ومؤرخيهم. وضع سنة ٩٢٤ ش / ١٢٠٨ م كتاباً في كنائس مصر وأديرتها.. وللأسف الشديد فان معلوماتنا عن هذا المؤرخ القبطي قليلة جداً.. عثر على جزء منه راهب كاثوليكي يدعى فانسليب Vansleb وفد إلى مصر في القرن السابع عشر وهو في المكتبة الأهلية بباريس، واشتراه بثلاثة قروش، وطبع بعد موته.. وينسب هذا الكتاب خطأ إلى أبي صالح الأرمني لأن أسمه وجد مكتوباً عليه بواسطة مقتني الكتاب أو ناسخه. وقد عثر الايغومانس فيلوثاوس ابراهيم الطنطاوي رئيس الكنيسة المرقسية بالقاهرة على بقية هذا الكتاب.. والأنبا يوأنس أسقف الغربية الحالي يقتني بمكتبته صورة فوتوغرافية كاملة من هذا الكتاب، أصلها مصور من نسخة بمكتبة العلامة جرجس فيلوثاوس عوض. وقد عني بنشر الكتاب العالم Evetts الانجليزي سنة ١٨٩٥ م، ووضع حواشي له المؤرخ الفريد بطلر Alfred Butler.
(ج) ساويرس بن المقفع:
هو من أعظم الشخصيات الذين أنجبتهم الكنيسة القبطية في القرن العاشر الميلادي، ولد نحو سنة ٩١٥ م من والد لقب بالمقفع (معناه المنكس الرأس دائماً أو من كانت يده متشنجة) نشأ في مصر القديمة غالباً.. تربى تربية حسنة، وجمع بين العلوم الدينية والدنيوية كما يتضح ذلك من مؤلفاته الكثيرة اللاهوتية والعقيدية.. وقد يكون ساويرس هو أول من نشر كتباً مسيحية باللغة العربية.. أهتم بجمع سير البطاركة السالفين جمعها من المخطوطات القبطية واليونانية بدير أبي مقار بوادي النطرون ودير نهيا قرب الجيزة (اندثر). وقد أتم هذا الكتاب وهو في سن الثمانين.
وكتبه تدل على معرفته للفلسفة اليونانية والاسلامية. فلا يوجد مصنف من مصنفاته إلا وفيه رد فلسفي دقيق كما كانت له دراية بالطب والفلك.
تدرج في وظائف الدولة في عصر الاخشيديين حتى أصبح كاتباً ماهر. وكان يشترط في كاتب الدواوين إلمامه باللغة العربية. وعلى ذلك فقد كان ملماً بالعربية إلى جانب القبطية واليونانية. وكانت وظيفة الكاتب شريفة جداً.. وعرف ساويرس في ذلك الوقت باسم «أبي البشر بن المقفع الكاتب». وهذه الكنية لا تعني أنه أنجب ولداً سماه بشر. وإنما تدل على أنه كان شخصاً معتبراً ومبجلا على نحو ما جرت عليه العادة في ذلك الوقت.
وبعد أن وصل أبو البشر إلى أعلا المناصب ترك مجد العالم وتخلى عن وظيفته وترهب في أحد الأديرة التي نجهلها. ولا شك أنه استفاد من فترة ترهبه ليكمل تكوينه الديني وكان هذا التكوين يعتمد أساساً على قراءة الكتاب المقدس ومؤلفات الآباء. وقد تفوق أبو البشر في كليهما.
ويذكر الباحثون أن معرفة ساويرس للكتاب المقدس مذهلة. وكذلك معرفته لآباء الكنيسة كانت تفوق مستوى معاصريه.. وكتابه «الدر الثمين في إيضاح الاعتقاد في الدين» وهو يختلف عن كتاب آخر له عنوانه: «الدر الثمين في إيضاح الدين» طبع سنة ١٩٢٥، وسنة ١٩٧١) يدل على تبحره في معرفة الكتاب المقدس، بل ربما لا يوجد مؤلف كتب بالعربية يعادل له في معرفته للكتاب المقدس.. كما أن كتاباته اللاهوتية تدل على معرفته بكتابات أباء الكنيسة سواء القبطية أو اليونانية.
أختير أسقفاً على مدينة الأشمون (كانت أسقفية عظيمة مزدهرة بالكنائس والأديرة. ذكرت في جداول الأسقفيات منذ القرن الرابع المسيحي تحت اسم هرموبوليس الكبرى) وهي الآن قرية تابعة لمركز الروضة محافظة أسيوط شمال غربي ملوي.. ولا يعرف من من البطاركة رسمه أسقفاً، لكن يحتمل أن يكون قد رسم بيد أنبا مقارة البطريرك ٥٩ (٩٣٢ - ٩٥٣).
من الأمور التي اشتهر بها مجادلاته مع أئمة المسلمين في عصره.. جرت له مناظرة قبل سنة ٩٥٥ مع أحد علماء الاسلام. فدون ساويرس مناقشته هذه عن الثالوث القدوس في «كتاب المجالس». وللأسف الشديد فقد هذا الكتاب. وقد علمنا بهذا الكتاب حينما أشار هو إليه في كتابه «تفسير الأمانة»، حينما أراد أن يدفع عن المسيحيين تهمة تحريف كتابهم المقدس.
ويعتبر ساويرس بن المقفع - بلا منازع - أكبر عالم دين ولاهوتي مسيحي في القرن العاشر الميلادي كله.. كان صديقاً للبابا ابرآم بن زرعه السرياني، البطريرك ٦٢. كما كان يتردد على بلاط المعز لدين الله الفاطمي، الذي كان يدعوه للمناظرة مع أئمة المسلمين واليهود في حضرته.. وكان ساويرس يتفوق عليهم بقوة حجته وفرط ذكائه.. وبسبب توقد ذكائه وعلمه كان له علاقات طيبة مع كبار علماء المسلمين، وكان يمزج جلساته معهم بالمرح.. ومن أمثلة مرحه وسرعة بديهته أنه كان جالساً عند قاضي القضاة، وحدث أن مر عليهم كلب. وكان يوم الجمعة، وكان هناك بعض الجالسين. فقال له قاضي القضاة «ما تقول يا ساويرس في هذا الكلب هو نصراني أو مسلم. فقال له اسأله فهو يجيبك عن نفسه. فقال له القاضي هل الكلب يتكلم. وإنما نريدك أنت أن تقول لنا. قال نعم يجب أن نجرب هذا الكلب وذلك أن اليوم يوم الجمعة، والنصارى يصومون ولا يأكلون فيه لحم. فاذا فطروا عشية يشربوا النبيذ. والمسلمون ما يصوموه ولا يشربوا فيه النبيذ ويأكلوا فيه اللحم. فحطوا قدامه لحم ونبيذ فان أكل اللحم فهو مسلم، وإن لم يأكله وشرب النبيذ فهو نصراني. فلما سمعوا كلامه تعجبوا من حكمته وقوة جوابه وتركوه» (تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، الجزء الثاني، الصفحتان ٩٢، ٩٣).
وبالاضافة إلى مناظرة المسلمين فقد كانت له مناظرات مع اليهود. منها مناظرته مع موسى اليهودي التي تمت في حضرة المعز لدين الله سنة ٩٧٥ م وقد رواها الشماس ميخائيل ابن بدير الدمنهوري في كتاب «تاريخ البطاركة (المجلد الثاني، الجزء الثاني، الصفحة ٩٣) - وهي مناظرة ظريفة.. كان موسى اليهودي صديقاً ليعقوب بن كلس الوزير الذي كان يهودياً واعتنق الاسلام.. وفي اليوم المحدد حضر موسى اليهودي والوزير بن كلس بحضرة الخليفة المعز في قصره. فجلسوا وقتاً طويلا وهم سكوت «فقال لهم الملك المعز تكلموا فيما اجتمعتم فيه. ثم قال تكلم يا بطرك وقل لنائبك يقول ما عنده. فقال البطرك للأسقف تكلم يا ولدي فان الله يوفقك. فقال الأسقف للمعز الملك ما يجوز خطاب رجل يهودي بحضرة أمير المؤمنين. فقال له اليهودي أنت تعيبني وتقول بحضرة أمير المؤمنين ووزيره أني جاهل. قال له الأسقف أنبا ساويرس إذا ظهر الحق لأمير المؤمنين ما يكون فيه غضب. قال الملك المعز ما يجوز أن يغضب أحد في المجادلة، بل ينبغي للمجادلين أن يقول كل واحد منهم ما عنده ويوضح حجته كيف شاء. قال الأسقف ما أنا شهدت عليك يا يهودي بالجهل بل نبي كبير جليل عند الله شهد عليك بذلك. قال اليهودي: ومن هو النبي. قال له هو أشعياء الذي قال في أول كتابه عن "الله" عرف الثور قانيه والحمار عرف مذود سيده واسرائيل لم يعرفني". فقال المعز لموسى أليس هذا صحيح. قال نعم هذا هو مكتوب. قال الأسقف أليس قد قال الله أن البهائم أفهم منكم، وما يجوز لي أن أخاطب في مجلس أمير المؤمنين دام عزه من تكون البهائم أعقل منه. وقد وصفه الله بالجهل. فأعجب الملك المعز ذلك وأمرهم بالانصراف. واستحكمت العداوة بين الفريقين، وقوى غضب الوزير وصار يطلب عثرة على البطريرك لأجل أنه فضح اليهود بين يدي الملك المعز» (تاريخ البطاركة، المجلد الثاني، الجزء الثاني، الصفحتان ٩٣، ٩٤).
أما عن مؤلفات ساويرس بن المقفع، فحسبما يذكر أبو البركات المعروف با بن كبر قس (كاهن) الكنيسة المعلقة (١٣٢٤ م) تبلغ ستة وعشرين كتاباً في اللاهوت والعقيدة والتاريخ (انظر الأب سمير خليل، ساويرس بن المقفع - كتاب مصباح العقل - القاهرة - ١٩٧٨).
وقد ذاع صيت مؤلفاته في الشرق العربي حتى أن النساطرة في العراق أخذوا يردون على كتاباته العقيدية بعد بضع عشرات من السنين. وقد كتب عن ذلك العالم الألماني جورج جراف في كتابه «تاريخ الأدب العربي المسيحي» باللغة الالمانية ج ٢ طبعة روما سنة ١٩٤٧.
- (٢) مقال لكامل صالح نخلة عن هذا المهندس بمجلة التوفيق في ١٥ فبراير ١٩٣٩ نقلا عن المقريزي والسيوطي والاسحاقي
From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.
يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.
Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.