← Books · History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon

الاحتلال الفارسي لمصر (٦١٧ - ٦٢٧)

Part 2: the Persian occupation of Egypt (617-627)

الاحتلال الفارسي لمصر (٦١٧ - ٦٢٧)

لابد لنا قبل أن نتناول موضوع فتح العرب لمصر، أن نذكر شيئاً عن الاحتلال الفارسي لمصر الذي دام قرابة عشرة أعوام (٦١٧ - ٦٢٧)، خربوا وهدموا الكثير من الكنائس والأديرة.

العداوة بين الفرس والروم قديمة وتقليدية.. كان كل فريق يتحين الفرصة ليقتطع من أملاك الآخر ولقد انتهز الفرس فرصة ضعف الدولة البيزنطية، وبدأوا يغيرون على ممتلكاتها. فبعد أن انتهى الفرس من فتح بلاد الشام، اتجهوا إلى مصر، وكانت مطمع الغزاة منذ القدم.. سلك الجيش الفارسي في مصر طريق الغزاة السابقين من أمثال قمبيز والاسكندر الأكبر، والتي سلكتها جيوش العرب بعد ذلك، سار الجيش من العريش بحذاء ساحل البحر المتوسط حتى الفرما ففتحت بدون عناء لكن الفرس خربوا الكثير من كنائسها وأديرتها وتقدموا إلى ممفيس ثم بحذاء فرع رشيد إلى مدينة نقيوس ومنها إلى الاسكندرية.

كانت الاسكندرية مدينة محصنة جداً. وقد فشل الفرس في غزوة سابقة لمصر حوالي سنة ٥٠٠ م أن يقتحموها على الرغم من استيلائهم على الدلتا لكن المدينة سقطت في هذه المرة بسبب الخيانة، كانت المدينة تموج بأخلاط من جنسيات مختلفة. الروم والسوريون واليهود إلى جانب الأقباط الوطنيين. يضاف إلى هؤلاء جميعاً أعداد من طلاب العلم وبعض اللاجئين وفدوا إليها من بلاد عديدة. ولم تكن هناك رابطة تربط هؤلاء جميعاً.

ذكرت المراجع أن الخائن الذي سهل للفرس اقتحام مدينة الاسكندرية لم يكن من مواطنيها الأقباط، لكنه كان طالب علم وفد من إقليم البحرين (شمال شرق بلاد العرب ويدعى بطرس ولا تعرف ديانته أكان مسيحيا أم يهودياً أو وثنيا. وكما لا يعرف الدافع الذي دفع هذا الخائن إلى خيانته سوى أن بلاده (البحرين) كانت تحت الحكم الفارسي وكان أهلها خليطاً أكثرهم من الفرس واليهود.

ويذكر ساويرس بن المقفع كاتب تاريخ البطاركة أن الفرس مدوا حصارهم للاسكندرية. صبوا جام غضبهم على الأماكن المجاورة، خاصة الأديرة، ونهبوها ومثلوا برهبانها.. وكانت المنطقة المحيطة بالاسكندرية في ذلك الوقت غاصة بالأديرة. فقد قيل أن عددها بلغ ستمائة ديراً. لكن الرهبان الآمنين في أديرتهم لم يأخذوا حذرهم من هؤلاء الأعداء.. لقد اقتحم الفرس بعض هذه الأديرة، وقتلوا رهبانها بحد السيف، ولم يستطع أن يهرب منهم أحد إلا القدر اليسير. ونهبوا ما في الأديرة من نفائس، وهدموا الكنائس وتركوها خرابا. لكن يبدو أن هذا السطو والتخريب أنصب على الأديرة المتاخمة مباشرة للاسكندرية.

وبعد آن دخل الفرس الاسكندرية عنوة، قتلوا الكثيرين من أهلها، كما أخذوا البعض أسرى أرسلوهم إلى بلاد فارس.. ومن الذين نجوا من يد الفرس البابا اندرونيكوس (٦١٦ - ٦٢٣)، بل قيل أنهم أحسنوا معاملته ويذكر الأنبا ساويرس في حياة هذا البابا، أنه إن لم يصبه أذى على أيدي الفرس، لكنّ المصائب التي شهدها تحل بأولاده الأقباط، والخراب الذي حل بهم في كل أرض مصر، ملأ قلبه حزناً وأسى حتى قضى عليه.. وجدير بالذكر أنه بينما كانت الاسكندرية على وشك السقوط في أيدي الفرس، هرب نيتكيتاس حاكم مصر البيزنطي ومعه يوحنا (الرحوم) البطريرك الملكاني في سفينة متجهين إلى القسطنطينية.

بعد فتح الاسكندرية سار الجيش الفارسي نحو الجنوب بحذاء النيل قاصداً صعيد مصر. وكانت معاملة القائد الفارسي للمواطنين الأقباط واحدة في كل مكان «يحل الموت والخراب حيث حل» ويذكر الأنبا ساويرس بن المقفع أنه لما بلغ الجيش مدينة نقيوس (بشاتي)، وشي إليه عدو للأقباط ضد الرهبان الذين كانوا يعيشون في مغاير الجبال مدعياً أن لديهم مالا كثيراً.. وفي مناسبة دينية كان الرهبان مجتمعين كلهم في مكان واحد. فما كان من القائد إلا أن حاصر ذلك المكان أثناء الليل بجنوده. وفي الصباح اقتحموه وقتلوا كل من فيه من الرهبان.

وقد وصل الفرس إلى أقصى الجنوب في صعيد مصر. وكانوا يشيعون الموت والدمار حيث يحلون.. وبالجملة فقد ارتكب الفرس مصائب ومظالم كثيرة جداً.. ولدينا مخطوطة تحوي نبوءة للأنبا شنودة رئيس المتوحدين عن غزو الفرس لمصر، وما أحدثوه من خراب ودمار، وقتل للأقباط وهدم للكنائس والأديرة (تنيح الأنبا شنودة قبل الغزو الفارسي بنحو ١٦٦ سنة).. كما ذكر كثير من فظائعهم في الصعيد الأعلى في مخطوطة تحوي سيرة الأنبا بسنتاؤس أسقف قفط. وكلا المخطوطتين باللغة القبطية.. ولعل فيما أصاب القبط من أهوال على يد الفرس ما يدحض الادعاء بأنهم تعاطفوا معهم.

لم يرسل هرقل جيشا لطرد الفرس من مصر، لكنه قام بهجوم مركز وشديد في سنة ٦٢٧ م على إقليم ما بين النهرين، فاضطر الفرس تلقائيا إلى الانسحاب من مصر خشية قطع طرق الامداد التي تأتيهم من بلادهم، وبذا يعزل جيشهم في مصر نهائيا.

From History of the Coptic Church after the Council of Chalcedon, parts 1 and 2, by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, edited by Amir Nasr, a special edition for the students of the Clerical College.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.