← Books · The Christian Church in the Apostolic Age

الباب السابع: مشاهير الشخصيات

The great figures: the apostles, their helpers, the apostolic fathers and women who served

الباب السابع

مشاهير الشخصيات

‹ص ٤١٠›

الرسل الاثنى عشر

موضوع حياة الرسل وكرازتهم وأعمالهم، أمر يكتنفه كثير من الغموض ... وما أكثر القصص التى كُتِبَ عنهم وعن جهودهم الكرازية وأعمالهم المعجزية ... فى بعض هذه القصص نلمس بوضوح شطحات بعض الكتّاب والنساخ فى الخيال، الأمر الذى يصطدم بالحقيقة والواقع ... ومن هنا كانت مهمة المؤرخ شاقة، إذ عليه أن يستخلص الحقائق خالصة بعد تنقيتها مما علق بها من الشوائب الدخيلة التى إستحدثتها يد الزمان وبعض المعجبين برواد المسيحية الأوائل ... وفيما نعرض له الآن، نقدم فى إيجاز ودقة ما نطمئن إلى صحته وأصالته بعد الدراسات المقارنة. ولكن إن وجدت المادة فى النهاية ضئيلة، فمرجع ذلك إلى ندرة المصادر الأمينة التى نطمئن إليها، التى حفظت لنا. تراجم رسل المسيح.

وثمة أمر آخر ينبغى أن نشير إليه، وهو ضآلة تاريخ الرسل جميعاً، إذا ما قورن بتاريخ بولس الرسول ... لكن ليس معنى ذلك أن الرسل لم يتعبوا ولم يجاهدوا.. حقيقة أنه تعب أكثر منهم جميعاً١، لكن جميعهم تعبوا، وجميعهم - باستثناء يوحنا - قضوا شهداء، وقدموا حياتهم ثمناً لحبهم لمسيحهم، وبرهاناً على إيمانهم برسالتهم ... أما السبب فى ذلك فيرجع إلى ضآلة ما حفظه لنا التاريخ عنهم، على عكس بولس الذى لدينا سجل - يكاد يكون وافياً عنه - فيما كتبه عنه رفيقه فى الأسفار القديس لوقا فى سفر الأعمال، وما كتبه هو نفسه فى رسائل لكنائس وأشخاص ...

‹ص ٤١١›

القديس بطرس

هو سمعان بن يونا، ولد فى قرية بيت صيدا الواقعة على بحر طبرية، قبل ميلاد السيد المسيح بعدة سنوات، قد تصل إلى العشرة أو تزيد قليلاً، وكان يشتغل بصيد السمك شأنه فى ذلك شأن الكثيرين من سكان قريته ... يحتمل أنه كان - مع أخيه إندراوس - تلميذاً ليوحنا المعمدان٢ ... كان لقاؤه الأول بالرب يسوع، بعد أن أخبره إندراوس أخوه - بناء على توجيه يوحنا - «قد وجدنا المسيا»، واصطحبه إلى حيث المسيح ... وفى ذلك اللقاء قال له الرب: «أنت سمعان بن يونا، أنت تدعى صفا» (يو١: ٣٥ - ٤٢) ... أما دعوته للتلمذة فكانت عقب معجزة صيد السمك الكثير، حينما طمأنه الرب بقوله: «لا تخف. مَنْ الآن تكون تصطاد الناس». وحالما وصل بالسفينة إلى البر ترك كل شىء وتبعه، هو وأخوه وابنا زبدى (لو٥: ١ - ١١) ... وما لبث أن شرفه الرب بدرجة الرسولية ودعاه «بطرس».

كان بطرس أحد التلميذين اللذين ذهبا ليعدا الفصح الأخير، وأحد الثلاثة الذين عاينوا إقامة ابنة يايروس بعد موتها، وتجلى المسيح على جبل طابور، وصلاته فى جثسيمانى، وأحد الأربعة الذين سمعوا نبوته عن خراب أورشليم والهيكل.

كان بطرس ذا حب جم لسيده وغيرة ملتهبة، لكنه كان متسرعاً ومندفعاً تحدوه إلى ذلك دوافع جسدية ... فهو الأول الذى اعترف بلاهوت المسيح، والأول الذى بشر بالمسيح فى اليوم الخمسين. لكنه فى إندفاعه حاول أن يمنع المسيح أن يموت (مر٨: ٣١ - ٣٣). ولما قال له المسيح أنه سينكره ثلاثة مرات قبل أن يصيح الديك مرتين، أجاب فى تحدٍ «ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك» ... وفى لحظة القبض على المسيح استل سيفه ليدافع عن ذاك الذى مملكته ليست من هذا العالم!!

‹ص ٤١٢› كان بطرس والحال هذه بحاجة إلى تجربة مرة تهزه وتعرّفه ضعفه ... فكان أن أنكر سيده ومعلمه بتجديف ولعن وقسم أمام جارية!! لكنه سرعان ما رجع إلى نفسه وثاب إلى رشده وندم ندماً شديداً وبكى بكاءاً مراً، وقصد قبر معلمه باكراً جداً فجر يوم قيامته ... وقد قبل الرب توبته، وأظهر له ذاته على بحر طبرية بعد قيامته، وعاتبه فى رفق مخاطباً إياه باسمه القديم قائلاً له «يا سمعان بن يونا أتحبنى» ... وقد وجه إليه هذه الكلمات ثلاث مرات مقابل إنكاره المثلث، ورده إلى رتبته الرسولية ثانية بقوله «إرع غنمى» ...

وعقب تأسيس الكنيسة يوم الخمسين بدأ خدمته بين اليهود من بنى جنسه فى اليهودية والجليل والسامرة ... وكان الرب يتمجد على يديه ببعض الآيات كشفاء المقعد عند باب الهيكل الجميل (أع٣)، وشفاء إينياس فى مدينة اللد وإقامة طابيثا بعد موتها فى يافا (أع٩) ...

وقد فتح الرب باب الإيمان للأمم على يديه فى شخص كيرنيليوس قائد المائة عقب رؤيا أعلنت له بخصوصه (أع١٠) ... فلما خاصمه يهود أورشليم المتنصرين من أجل قبول الأمم، شرح لهم الأمر وقال: «بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه، بل فى كل أمة الذى يتقيه ويصنع البر مقبول عنده» (أع١٠: ٣٤، ٣٥). ومع ذلك فقد ظل ميدان العمل الأساسى لهذا الرسول هو تبشير اليهود (غل٢: ٧ - ٩).

ليس مَنْ ينكر الدور الرئيسى الذى قام به بطرس فى الطور الأول لتأسيس الكنيسة، فالرسول بولس يذكره مع الرسولين يعقوب ويوحنا على أنهم معتبرون أعمدة فى كنيسة الله ... جال كارزاً بإنجيل الخلاص فى جهات متفرقة من العالم القديم ... كرز فى أنطاكية - لكنه ليس مؤسس كنيستها - وطاف بلاد بنطس وغلاطية وكبادوكية وبيثينية، وبعض مقاطعات آسيا الصغرى، وهى الأقاليم التى وجه إليها رسالته الأولى ... أما الروايات التى تنسب لبطرس الكرازة فى بلاد اليونان ومصر وروما وكل جزء هام فى العالم، فليست إلاَّ من صنع المسيحيين المتهودين ليجعلوا من بطرس رسول الختان، كارزاً للعالم ‹ص ٤١٣› أجمع، ومبشراً كل الخليقة!

ويكاد يكون ثابتاً أن القديس بطرس ختم حياته فى روما، حين حكم عليه بالموت صلباً فى عهد نيرون الطاغية، وإن كنا لا نستطيع أن نحدد على وجه الدقة تاريخ إستشهاده لكنه على أية الحالات بعد يوليو سنة ٦٤ ...

على أن ذهاب القديس بطرس إلى روما لم يكن إلاَّ قبيل إستشهاده مباشرة. وهذا يؤكده أقوال آباء الكنيسة ومعلميها الأوائل، وجداول الازمنة، والأسفار التى قطعها فى رحلاته التبشيرية ... ولا صحة مطلقاً لما يدعيه الكاثوليك من أنه أسس كنيسة روما وأنه أسقفها الأول، وأنه أمضى بها خمساً وعشرين سنة!! وقد يكون ذهابه إليها بقصد الاستشهاد بعد أن قبض عليه فى مكان ما فى حدود الامبراطورية، وسيق إلى روما ليلقى حتفه على نحو ما سيق إليها القديس أغناطيوس الأنطاكى سنة ١٠٧ ليلقى للوحوش. فقد كانت هذه هى عادة الحكام الرومان أن يرسلوا إلى روما بعض البارزين لعرضهم على الشعب هناك، كنوع من التحقير. إن كل الأدلة تجمع على أنه لم يذهب إلى روما إلاَّ أواخر حياته. وقد يكون ذهابه إليها بقصد اللحاق بسيمون الساحر الذى كان قد إلتقى به فى السامرة والتصدى له على نحو ما تروى بعض الروايات خاصة كتب الأبوكريفا.

تعليق على اسم بطرس:

وقبل أن ننتقل من سيرة هذا الرسول إلى غيره من الرسل، نسجل تعليقاً بسيطاً على اسم بطرس، الذى جعل الكاثوليك منه مؤيداً لنظريتهم فى رئاسة بطرس على سائر التلاميذ والرسل، وبالتالى رئاسة خليفته فى نظرهم (بابا روما) على العالم المسيحى، دون أن نناقش هذه النظرية ...

فيما كان السيد المسيح يسأل تلاميذه عن عقيدة الناس فيه، إعترف بطرس بلاهوته «أنت هو المسيح ابن الله الحى»، فطوبه السيد، وقال له «أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنستى» (مت١٦: ١٣ - ١٨) ... لكن الكاثوكليك ‹ص ٤١٤› يترجمون هذه الآية هكذا «أنت الصفاة، وعلى هذه الصفاة سأبنى كنيستى» ... وهم يقصدون بذلك أن المسيح بنى الكنيسة على بطرس كأساس لها ... هل هذا الخلط حدث من تجاور كلمتى «بطرس» و«صخرة»؟!! إن بطرس هو اللفظ اليونانى، يقابله فى الآرامية «كيفا» وفى العربية «صفا» ... فهذه الأسماء الثلاثة واحدة ولكن بلغات مختلفة ... وبطرس باليونانية لا يعنى «صخرة»، فصخرة اسم مؤنث وهو «بترا»، أما بطرس فاسم مذكر معناه حجر مقطوع من صخرة ... وهذه التفرقة بين بطرس واضحة فى كل اللغات القديمة اليونانية واللاتينية والسريانية والقبطية٣..

هذا، والمسيح لم يؤسس كنيسته على بطرس٤ ... ولكنه أسسها على هذا الإيمان «المسيح ابن الله الحى». وكل مَنْ يريد أن يصير مسيحياً يجب أن يعترف أولاً ويبنى إيمانه على الصخرة التى هى «أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله الحى» ... أما وضع بطرس فى الكنيسة فهو كحجارة فى أساسها، شأنه فى ذلك شأن باقى الرسل ... هكذا صرح يوحنا فى رؤياه «وسور المدينة كان له اثنا عشر أساساً، وعلى أسماء رسل الخروف الاثنى عشر» (رؤ٢١: ١٤) ... ويقول القديس بولس «مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية» (أف٢: ٢٠) ... يجب ألاَّ ننسى دائماً أن المسيح هو حجر الزاوية، وهو نفسه الصخرة (١كو١٠: ٤) وهو أساس الكنيسة ... هكذا يقول معلمنا بولس: «فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساساً آخر غير الذى وضع، الذى هو يسوع المسيح» (١كو٣: ١١) ... هذا هو إيما كل آباء الكنيسة، وكمثال نذكر القديس أوغسطينوس فى العظة العاشرة على تفسير رسالة يوحنا الأولى٥.

‹ص ٤١٥›

القديس اندراوس

هو شقيق بطرس الرسول (يو١: ٤٠) كان فى بادىء أمره تلميذاً ليوحنا المعمدان. ومنه سمع عن الرب يسوع، فقصده ومكث معه يوماً كاملاً ليعاين أعماله وأقواله، فأيقن أنه المسيا المنتظر ... بعدها بشر أخاه بطرس بأنه وجد المسيا ... وبعد معجزة صيد السمك الكثير دعاه الرب مع أخيه بطرس ليكون صياداً للناس، فترك السفينة والشباك وتبع المسيح ولم يفارقه منذ ذلك الحين ...

يذكره الإنجيل فى ثلاثة مواضع: فى معجزة إشباع الآلاف من خمس خبزات (يو٦: ٨، ٩)، وعند مجىء اليونانيين الذين أتوا لكى يروا يسوع، تقدم إليه وسأله فى ذلك (يو١٢: ٢٢) ... وعندما تقدم ليسأل الرب مع ثلاثة من التلاميذ عن خراب أورشليم ودمار الهيكل وانقضاء الدهر (مر١٣: ٣).

بدأ عمله الكرازى بعد يوم الخمسين ... وإن كنا لا نستطيع أن نحدد على وجه الدقة خط سيره الكرازى، لكن يبدو أنه ركز نشاطه التبشيرى فى مناطق شبه جزيرة البلقان، وبعض مقاطعات آسيا الصغرى ... وبناء عن رواية أوريجينوس التى سجلها يوسابيوس٦ فإنه بشر فى سكيثيا وهى المنطقة الواقعة شمالى بحر قزوين والبحر الأسود ... إنتهى به المطاف فى مقاطعة أخائية فى بلاد اليونان، يشهد بذلك جيروم وثيودوريت ... ونال إكليل الشهادة مصلوباً فى مدينة بتراس إحدى مدن هذه المقاطعة ... وصلب هذا الرسول فى بتراس يؤيده إجماع عام من جميع التقاليد القديمة٧. وقد قيل أن الصليب الذى صُلِبَ عليه كان على شكل (×) وهو المعروف باسم Crux decussata، وفى رواية أخرى أنه لم يثبت فى الصليب بالمسامير، بل ربط إليه حتى تستطيل مدة تعذيبه. وإندراوس الرسول هو شفيع كل من الكنيستين الروسية واليونانية. الأولى لأنه كاروزها، والثانية لأنه صُلب فى إحدى المدن التابعة لها ... ويذكر أن ذخائره نقلت إلى القسطنطينية سنة ٣٥٧. وفى زمن الحملات الصليبية نقلت إلى مدينة Amalpae بإيطاليا حيث مازالت ‹ص ٤١٦› كاتدرائيتها تحتفظ بها حتى الآن.

القديس يعقوب الكبير

هو ابن زبدى وشقيق يوحنا الحبيب ... ويدعى أيضاً يعقوب الكبير تمييزاً له عن يعقوب الصغير (ابن حلفى). كان من بيت صيدا من مدينة بطرس واندراوس. دعاه السيد المسيح للتلمذة مع أخيه يوحنا فى نفس المرة التى دعا فيها بطرس وأندراوس، فتركا السفينة وأباهما وتبعاه (مت٤: ٢١، ٢٢) ... ويبدو أن يعقوب كان حاضراً معجزة الرب يسوع الأولى فى قانا الجليل حيث حوّل الماء خمراً (يو٢: ٢).

إختاره الرب يسوع مع بطرس ويوحنا ليكونا شاهداً لبعض الأحداث الهامة. فكان معه حينما أقام ابنة يايروس من الموت، وفى حادث التجلى، وفى بستان جثسيمانى ليلة آلامه ... وقد أحبه المخلّص مع أخيه يوحنا محبة خاصة، فميزهما بلقب خاص، إذ دعاهما بوانرجس أى إبنى الرعد (مر٣: ١٧)، تعبيراً عن حماستهما وغيرتهما.

أما عن جهوده الكرازية، فمعلوماتنا عنها ضئيلة، لكن التقاليد تجمع على أن ميدانه فى التبشير كان اليهودية والسامرة. أما القول بأنه كرز بالإنجيل فى أسبانيا فقول ليس له أسانيد تاريخية ... وقد كانت غيرته الرسولية سبباً فى إثارة عداوة اليهود، فثاروا ضده، وأحدثوا شغباً فى أورشليم، فقبض الجند الرومان عليه وأحضروه أمام الملك هيرودس أغريباس٨، فأمر بقطع رأسه بحد السيف (أع١٢: ١)، وكان ذلك سنة ٤٤ ... ويعتبر هذا الرسول أول من إستشهد من الرسل، وهو الوحيد بين الرسل الذى سجل لنا كتاب العهد الجديد موته وكيفيته ...

‹ص ٤١٧› ويذكر لنا يوسابيوس المؤرخ نقلاً عن إكليمنضس الاسكندرى إن الجندى الذى قاد هذا الرسول إلى المحاكمة تأثر عندما رأى شجاعته وصلابته، وحركت النعمة قلبه، فاعترف هو الآخر بالإيمان المسيحى، فكان جزاؤه قطع رأسه مع الرسول فى وقت واحد٩. ويبدو أن الذى حرك الجندى إلى إعتناق الإيمان، معجزة أجراها الرب على يدى الرسول وهو مسوقاً بواسطة ذلك الجندى، فقد أبرأ مخلعاً كسيحاً ... وقد حفظ لنا التقليد - وشهد بذلك أبيفانيوس - أن هذا الرسول حافظ على البتولية طوال حياته١٠. وقيل أن جسده نقل إلى بلدة تدعى كومبوستيلا Compostella فى أسبانيا.

القديس يوحنا الحبيب

هو ابن زبدى، وشقيق الرسول يعقوب الكبير ... هو التلميذ الذى كان يسوع يحبه (يو١٩: ٢٦)، وهو الذى أتكأ على صدره فى العشاء الأخير. هو الرسول الذى جمع فى شخصه بين حب البتولية، والعظمة الحقيقية، والبساطة القلبية، مع المحبة الفائقة العجيبة هو الذى إنفرد من بين التلاميذ فى سيره بدون خوف وراء المخلص، فى الوقت العصيب الذى تركه الجميع وانفضوا من حوله ... كان هو واسطة إدخال بطرس حيث حوكم الرب يسوع نظراً لأنه كان معروفاً عند رئيس الكهنة (يو١٨: ١٥، ١٦). وهو الوحيد الذى رافق الرب إلى الصليب فسلمه أمه العذراء مريم. ومن تلك الساعة عاشت معه (يو١٩: ٢٥ - ٢٧) ... كان أبوه زبدى يحترف مهنة الصيد، ويبدو أنه كان فى سعة من العيش، ويغلب علىَّ الظن أن أسرة يوحنا كانت تقيم فى بيت صيدا.

يبدو أنه تتلمذ بعض الوقت ليوحنا المعمدان، وكان يتردد عليه (يو١: ٣٥ - ٤٢) ... دعاه السيد المسيح للتلمذة مع أخيه يعقوب فتبعه - وقيل - بناء على رواية القديس جيروم - أن يوحنا فى ذلك الوقت كان فى الخامسة والعشرين. ‹ص ٤١٨› كانت أمه واحدة من النسوة القديسات اللواتى تبعن يسوع وكن يخدمنه (مت٢٧: ٥٥؛ مر١٠: ٤٠، ٤١).

كان يوحنا واحداً من التلاميذ المقربين إلى الرب يسوع مع يعقوب أخيه وبطرس. كان هو (مع إندراوس) أول مَنْ تبعه فى بشارته (يو١: ٤٠)، وآخر مَنْ تركه عشية آلامه من بعد موته ... هو الذى سجل لنا خطاب الرب يسوع الرائع عن الإفخارستيا (يو٦). وهو الذى إنفرد بين الإنجليين بذكر لقاء الرب مع السامرية (يو٤) وموقفه من المرأة الزانية التى أمسكت فى ذات الفعل (يو٨)، وشفاء المولود أعمى (يو٩)، وإقامة لعازر من الموت (يو١١)، وصلاته الوداعية (يو١٧) ... ويوحنا هو واحد من التلاميذ الثلاثة الذى صحبه فى إقامة ابنة يايروس من الموت، وفى حادث التجلى وفى جثسيمانى ليلة آلامه. وبكر مع بطرس وذهب إلى قبر المخلّص فجر أحد القيامة. وكان حماسه وحبه ظاهرين. حتى أنه سبق بطرس ووصل أولاً إلى القبر ... وهو الوحيد بين التلاميذ الذى إستطاع أن يتعرف على الرب يسوع حينما أظهر ذاته على بحر طبرية عقب قيامته، وقال لبطرس «هو الرب» (يو٢١: ٧).

والقديس يوحنا لم يكن - كما يتصوره البعض شاباً رقيقاً خجولاً - بل كان له وضع بارز فى الكنيسة الأولى. نقرأ عنه فى الاصحاحات الأولى من سفر الأعمال ونراه جنباً إلى جنب مع بطرس أكبر الرسل سناً. نراهما متلازمين فى معجزة شفاء المقعد عند باب الهيكل (أع٣)، وأمام محكمة اليهود العليا (السنهدرين) يشهدان للمسيح (أع٤). وفى السامرة يضعان أياديهما على أهلها ليقبلوا الروح القدس (أع٨).

يبدو أن خدمته الكرازية فى الفترة الأولى من تأسيس الكنيسة كانت فى أورشليم والمناطق القريبة منها. فالتقاليد القديمة كلها تجمع على بقائه فى أورشليم حتى نياحة العذراء مريم التى تسلمها من الرب كأم له ليرعاها١١

‹ص ٤١٩› ومهما يكن من أمر فإن يوحنا الرسول - بعد نياحة العذراء مريم - إنطلق إلى آسيا الصغرى ومدنها الشهيرة، وجعل إقامته فى مدينة أفسس العظيمة متابعاً ومكملاً عمل بولس وأبولس الكرازى فى آسيا الصغرى (أع١٨: ٢٤ - ٢٨؛ ١٩: ١ - ١٢) ... وأخذ يشرف من تلك العاصمة الشهيرة على بلاد آسيا الصغرى ومدنها المعروفة وقتذاك من أمثال ساردس وفيلادلفيا واللاذقية وأزمير وبرغامس وثياتيرا وغيرها، وهى البلاد التى وردت إشارات عنها فى سفر الرؤيا.

وبسبب نشاطه الكرازى قبض عليه فى حكم الامبراطور دومتيان (٨١ - ٩٦)، وأرسل مقيداً إلى روما، وهناك ألقى فى خلقين (مرجل) زيت مغلى. فلم يؤثر عليه بل خرج منه أكثر نضرة، مما أثار ثائرة الإمبراطور، فأمر بنفيه إلى جزيرة بطمس١٢، ومكث بها حوالى سنة ونصف كتب أثناءها رؤياه حوالى سنة ٩٥. ثم أفرج عنه بعد موت دومتيان وعاد إلى أفسس ليمارس نشاطه التبشيرى ... وكل التقاليد القديمة تؤيد بالإجماع نفى يوحنا إلى جزيرة بطمس فى ذلك التاريخ وكتابته رؤياه هناك ... ومن الآباء الذين شهدوا بذلك إيريناوس وإكليمنضس الاسكندرى وأوريجينوس وترتليانوس. ويوسابيوس وجيروم وغيرهم١٣.

‹ص ٤٢٠› ومن الألقاب اللاصقة بيوحنا. لقب «الحبيب»، فقد ذكر هو عن نفسه أنه كان التلميذ الذى يحبه يسوع١٤ ... وقد ظل يوحنا رسول المحبة فى كرازته ووعظه ورسائله وإنجيله ... وكتاباته كلها مفعمة بهذه الروح ... روى عنه أنه لما شاخ ولم يعد قادراً على الوعظ، كان يحمل إلى الكنيسة ويقف بين المؤمنين مردداً العبارة: «يا أولادى حبوا بعضكم بعضاً». فلما سأموا تكرار نفس هذه العبارة، تساءلوا لماذا يعيد هذه الكلمات ويكررها. فكان جوابه لأنها هى وصية الرب وهى وحدها كافية لخلاصنا لو أتممناها ...

ومن القصص التى تروى عن حبه الشديد لخلاص الخطاة، تلك القصة التى تروى أنه قاد إلى الإيمان أحد الشبان وسلمه إلى أسقف المكان كوديعة وأوصاه به كثيراً. لكن ذلك الشاب ما لبث أن عاد إلى سيرته الأولى وصار رئيساً لعصابة قطاع طرق ... عاد يوحنا بعد مدة إلى الأسقف وسأله، عن الوديعة، واستخبره عن ذلك الشاب ... تنهد الأسقف وقال [لقد مات] ... ولما إستفسر منه عن كيفية موته، روى له خبر إرتداده ... حزن يوحنا واستحضر ذابة ركبها على الرغم من كبر سنه، وأخذ يجوب الجبل الذى قيل أن هذا الشاب كان يكمن فيه ... أمسكه اللصوص وقادوه إلى زعيمهم، الذى لم يكن سوى ذلك الشاب ... تعرف عليه الشاب، وللحال فر من وجهه، وأسرع يوحنا خلفه وهو يناشده أن يقف ويسمع له رحمة بشيخوخته ... فوقف الشاب وجاء وسجد بين يديه، فأقامه ووعظه فتاب عن إثمه ورجع إلى الله ... لكن على الرغم من محبته الشديدة للخطاة، فقد كان يمقت الهراطقة جداً. ويظهر هذا الأمر واضحاً فى كتاباته المليئة بالتحذير من الهراطقة ...

يذكر معلمنا بولس هذا الرسول على أنه أحد أعمدة الكنيسة الأولى، وأنه من رسل الختان (غل٢: ٩) ... ويذكر بوليكراتس Polycrates أسقف أفسس أواخر القرن الثانى أن يوحنا كان يضع على جبهته صفيحة من الذهب كالتى كان يحملها رئيس أحبار اليهود١٥، ليدل بذلك على أن الكهنوت قد إنتقل من ‹ص ٤٢١› الهيكل القديم إلى الكنيسة ... لكن مع ذلك، نستدل من مواقفه وكتاباته أنه كان معتدلاً غير متطرف ...

وبعد أن دوّن لنا هذا الرسول إنجيلاً ورؤيا وثلاث رسائل تحمل اسمه، رقد فى الرب فى شيخوخة وقورة حوالى سنة ١٠٠ م.

يوحنا الحبيب

القديس يعقوب البار

هو يعقوب بن حلفى أحد الاثنى عشر رسولاً، وهو أحد الأعمدة الثلاثة لكنيسة الختان حسبما دعاه معلمنا بولس (غل٢: ٧ - ٩). عُرِفَ باسم يعقوب أخى الرب لأنه ابن خالته بالجسد من مريم زوجة كلوبا. فكلمة حلفى آرامية ويقابلها «كلوبا»١٦ فى اليونانية. وعُرف باسم يعقوب الصغير (مر١٥: ٤٠) تمييزاً له عن يعقوب الكبير ابن زبدى. وعُرف أيضاً باسم يعقوب البار نظراً لقداسة سيرته وشدة نسكه. كما عُرف باسم يعقوب أسقف أورشليم لأنه أول أسقف لها.

‹ص ٤٢٢› وقد أثير جدل حول شخصيته، وحول اللقب الذى عُرف به «أخ الرب».

وهناك ثلاثة آراء بخصوص اخوة الرب:

١ - رأى يقول إنه ابن ليوسف ومريم بعد ميلاد رب المجد يسوع ... قال بهذا الرأى ترتليانوس١٧. وتبنى هذا الرأى بعده شخص يدعى هلفيديوس Helvidius الهرطوقى من روما سنة ٣٨٠ م، مما دعا القديس ايرونيموس أن يرد عليه برسالة قوية سنة ٣٨٣ فند فيها كل هذه الادعاءات الباطلة١٨، ودعا كلا من ترتليانوس وهلفيديوس منشقان على الكنيسة الجامعة ... وهذا الرأى هو رأى البروتستانت. وهو يتناقض مع روح الكتاب المقدس ونصوصه وعقيدة الكنيسة الجامعة منذ عصرها الرسولى. ونحن نرفض هذا الرأى ونشجبه لأن العذراء مريم ظلت عذراء أيضاً بعد ولادة المسيح، فهى «العذراء كل حين» وهى لم تعرف يوسف خطيبها معرفة الزواج قبل وبعد ميلاد المخلص.

٢ - رأى ثان يقول إن المذكورين فى الإنجيل إخوة الرب، هم فى الحقيقية أبناء ليوسف النجار من زوجة سابقة توفيت قبل خطبته لمريم العذراء ... وقد ظهرت هذه النظرية إلى عالم الوجود فى كتابات، الأبوكريفا المنسوبة للقديس يعقوب أخى الرب ومنها إنجيل يعقوب المعروف باسم Protevangelium (ف٩). وقد أخذ بهذا الرأى بعض الآباء الشرقيين - وهذا هو رأى الكنيستين اليونانية والسريانية١٩. وهذا الرأى - على ما فيه من أخطاء وثغرات لا محل للرد عليها ‹ص ٤٢٣› هنا — فإنه لو كان هؤلاء المدعوين إخوة الرب أولاداً ليوسف من زوجة سابقة، لكانوا أكبر من الرب يسوع سناً وفى هذه الحالة لا يعتبر يسوع وارثاً لعرش داود٢٠، وفى هذا هدم لنصوص الكتاب ونبوات العهد القديم.

٣ - الرأى الثالث — وهو رأى كنيستنا القبطية الأرثوذكسية والكنيسة٢١ اللاتينية أيضاً. بأن يعقوب هذا هو عينه ابن حلفى (كلوبا) وابن خاله السيد المسيح بالجسد من مريم أخرى شقيقة العذراء مريم، وذلك إستناداً لما جاء فى الإنجيل٢٢ المقدس — وقد دافع عن هذا الرأى بحماس كبير كل من جيروم وأغسطينوس. والغريب أن هذا الرأى الثالث يدافع عنه حالياً كثير من العلماء البروتستانت٢٣ ... وفضلاً عن ذلك، فليس أدل على صحة هذا الرأى من أن التقليد الكنسى القديم فى العالم كله، يجعل منهما — يعقوب بن حلفى ويعقوب أخا الرب — شخصاً واحداً٢٤.

هذا وقد أثير جدل أيضاً حول وضع هذا الرسول فى الكنيسة الأولى من جهة رسوليته — هل كان رسولاً من الاثنى عشر أم لا ... فريق يؤكد رسوليته على إعتبار أنه ابن حلفى المذكور فى قوائم الرسل، وفريق يدعى أنه شخص آخر، وبالتالى ليس من الاثنى عشر ... بل ذهبوا إلى أبعد من هذا، فقالوا بل إنه لم يؤمن بالسيد المسيح إلاَّ بعد قيامته، وظهوره له ظهوراً خصوصياً على نحو ما حدث لشاول الطرسوسى (بولس الرسول) قرب دمشق ويستند أصحاب هذا الرأى الأخير إلى ما جاء فى (يو٧: ٥) «لأن أخوته أيضاً لم يكونوا يؤمنون به»، بالمقارنة مع ما قاله معلمنا بولس فى (١ كو١٥: ٧) عن ظهور الرب يسوع ليعقوب بعد قيامته المجيدة ...

‹ص ٤٢٤› لكن ليس فى هذا ما يثبت هذا الزعم. فقول يوحنا أن إخوة الرب يسوع لم يكونوا يؤمنون به، لا يعنى عدم الإيمان كلية. لكن العبارة تحمل معنى عدم الإيمان الكامل بلاهوته ... ولهذا الأمر نظير فيما يختص بالرسل أنفسهم، الذى قيلت عنهم أقوال مشابهة٢٥ ... أما عن الآية التى أوردها القديس بولس الخاصة بظهور الرب له (١ كو١٥: ٣-٧) ... فنقول أن ظهور الرب ليعقوب بعد قيامته ليس فيه أى دليل على أنه لم يكن مؤمناً، ثم آمن بواسطة هذا الظهور كما فى حالة بولس الرسول. لأنه يوجد كثيرون أظهر الرب لهم ذاته بعد قيامته، فلماذا يكون يعقوب هو الوحيد بين هؤلاء جميعاً الذى كان غير مؤمن ثم آمن بسبب هذا الظهور؟!! أما عن هذا الظهور الذى خص به يعقوب، فهناك رأى قديم بخصوصه أورده كاتب إنجيل العبرانيين الأبوكريفا — وهو من أقدم الأناجيل الأبوكريفا وأقلها مجانبة للصواب — ويتلخص فى أن يعقوب لما علم بموت المخلّص على الصليب تعاهد ألاَّ يذوق طعاماً إلى أن يقوم الرب من بين الأموات. وحدث فى صبيحة يوم القيامة أن الرب يسوع تراءى له وقدم له خبزاً وقال له: [قم يا أخى، تناول خبزك لأن ابن البشر قام من بين الراقدين]٢٦ ... وجدير بالذكر أن كاتب إنجيل العبرانيين يجعل من يعقوب ابن حلفى ويعقوب أخ الرب شخصاً واحداً٢٧.

ويؤكد رسولية هذا القديس وأنه من الاثنى عشر، نص صريح ذكره القديس بولس الرسول فى رسالته إلى أهل غلاطية. يذكر بولس زيارته الأولى لأورشليم بعد إيمانه فيقول: «ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس، فمكثت عنده خمسة عشر يوماً. ولكننى لم أرى غيره من الرسل إلاَّ يعقوب أخا الرب» (غل١: ١٨، ١٩) ... وواضح من هذه الآية أن يعقوب أخا ‹ص ٤٢٥› الرب رسول نظير بطرس والآخرين ...

رأس كنيسة أورشليم، وصار أسقفاً عليها، واستمر بها إلى وقت إستشهاده. ولا يعرف بالضبط متى صار أسقفاً على أورشليم. لكن هناك رأى يقول إن ذلك كان سنة ٣٤م. وهذا التاريخ يتفق تقريباً مع شهادة جيروم التى ذكر فيها أنه ظل راعياً لكنيسة أورشليم نحو ثلاثين سنة٢٨. وعمله كأسقف على أورشليم يوضح لنا حكمة الكنيسة الأولى وسياستها فى وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب ... فقد كان هذا الرسول يتمتع بشخصية قوية بحكم صلة القرابة الجسدية بالرب، فضلاً عن تقواه الشديدة ونسكياته الصارمة. ومن هنا فقد تمتع بسلطان كبير بين اليهود المتنصرين، بل تمتع بمكانة كبيرة بين اليهود أنفسهم، ولذا وضع فى أورشليم معقل اليهودية فى العالم كله، وإليها يفد الآلاف منهم، ليكون كارزاً لهم ... وبناء على تقليد قديم دوّنه لنا أبيفانيوس، كان يعقوب يحمل على جبهته صفيحة من الذهب منقوش عليها عبارة «قدس للرب» على مثال رئيس أحبار اليهود٢٩.

تمتع هذا الرسول بمكانة كبيرة فى كنيسة الرسل ... فقد رأس أول مجمع كنسى سنة ٥٠ وهو مجمع أورشليم، الذى عرض لموضوع تهود الأمم الراغبين فى الدخول إلى الإيمان (أع١٥)، وكان رأيه فيه فصل الخطاب بالنسبة لموضوع، كان يعتبر موضوع الساعة وقتذاك. بل يبدو أنه هو الذى كتب بنفسه قرار المجمع، فقد لاحظ العلماء، تشابهاً بين أسلوب ذلك القرار وأسلوب الرسالة التى تحمل اسمه (رسالة يعقوب)، مما يدل على أن كاتبهما شخص واحد.

والرسول بولس يذكره كأحد أعمدة كنيسة الختان الثلاثة، الذين أعطوه مع برنابا يمين الشركة ليكرز الأمم، بل ويورد اسم يعقوب سابقاً لاسمى بطرس ويوحنا مما يدل على مكانته (غل٢: ٩) ... ويؤيد هذه المكانة أيضاً، الخوف ‹ص ٤٢٦› والارتباك اللذان لحقا ببطرس الرسول فى أنطاكية، الأمر الذى جعله يسلك مسلكاً ريائياً وبخه عليه بولس علانية لمجرد وصول إخوة من عند يعقوب!! (انظر غل٤: ١١-١٤).

أما عن نسكه فقد أفاض هيجيسبوس٣٠ Hegesippus فى وصفه، وقال إنه كان مقدساً من بطن أمه لم يعل رأسه موسى، لم يشرب خمراً ولا مسكراً وعاش نباتياً لم يأكل لحماً ... وكان لباسه دائماً من الكتان. وكان كثير السجود حتى تكاثف جلد ركبته وصارتا كركبتى الجمل.

وبسبب حياته ونسكه ومعرفته الواسعة بالكتب المقدسة وأقوال الأنبياء نال تقديراً كبيراً من اليهود، وآمن على يديه كثيرون منهم فى مدة أسقفيته .. بل أن يوسيفوس المؤرخ اليهودى الذى عاصر خراب أورشليم، لم يتردد عن الاعتراف بأن ما حل باليهود من نكبات ودمار أثناء حصار أورشليم، لم يكن سوى إنتقام إلهى لدماء يعقوب البار...

لكن إنعطاف اليهود نحو القديس يعقوب أثار حنق رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين عليه فقرروا التخلص منه.

وذكر هيجيسبوس — وأيده فى ذلك إكليمنضس الاسكندرى — أن اليهود أوقفوه فوق جناح الهيكل ليشهد أمام الشعب ضد المسيح ... فلما خيب ظنهم وشهد عن يسوع أنه المسيا وهتف الشعب أوصنا لابن داود. صعدوا وطرحوه إلى أسفل، أما هو فجثا على ركبتيه يصلى عنهم، بينما أخذوا يرجمونه، وكان يطلب لهم المغفرة. وفيما يصلى تقدم قصار ملابس وضربه بعصا على رأسه فأجهز عليه، ومات لوقته٣١.

‹ص ٤٢٧› وكان ذلك فى سنة ٦٢ أو سنة ٦٣ بحسب رواية يوسيفوس وجيروم وفى سنة ٦٩ بحسب روايه هيجيسبوس. والرأى الأول هو المرجح.

وقد خلف لنا هذا الرسول، الرسالة الجامعة التى تحمل اسمه والتى أبرز فيها أهيمة أعمال الإنسان الصالحة ولزومها لخلاصه إلى جانب الإيمان. أما عن تاريخ كتابتها، فهناك رأى يقول إنه كتبها فى الأربعينات قبل مجمع أورشليم، ورأى آخر يقول إنه كتبها قبيل إستشهاده بوقت قصير ... كما خلف لنا يعقوب الرسول الليتورجيا (صلاة القداس) التى تحمل اسمه، والتى انتشرت فى سائر الكنائس٣٢. أما عن صحة نسبتها إليه، فالتقليد الكنسى لجميع الكنائس الشرقية يجمع على ذلك٣٣.

القديس فيلبس

ولد فى بيت صيدا (يو ١: ٤٤) ... ويبدو أنه عكف منذ صباه على دراسة الكتب المقدسة، فنحن نجده سريعاً لتلبية دعوة الرب حالما قال له اتبعنى، ونجد فى حديثه إلى «نثنائيل» «قد وجدنا الذى كتب عنه موسى فى الناموس والأنبياء، يسوع ...» (يو١: ٤٥)، ما يدل على الإنتظار والتوقع ...

لم يرد ذكره كثيراً فى الأناجيل ... ذكر اسمه فى معجزة إشباع الآلاف من خمس خبزات وسمكتين، حينما سأله الرب سؤال إمتحان «من أين نبتاع خبزاً ليأكل هؤلاء». فكان جواب فيلبس «لا يكفيهم خبز بمئتى دينار ليأخذ كل واحد منهم شيئاً يسيراً» (يو٦: ٥-٧) ... وجاء ذكره فى يوم الاثنين التالى لأحد الشعانين. حينم تقدم إليه بعض اليونانيين الدخلاء، وسألوه أن يروا يسوع (يو١٢: ٢٠-٢٢) ... وجاء ذكره أيضاً فى العشاء الأخير، وفى الحديث الذى سجله لنا القديس يوحنا، حينما قال للرب يسوع: «أرنا الآب وكفانا» فكان ‹ص ٤٢٨› جواب الرب عليه «أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفنى يا فيبلس. الذى رآنى فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب. ألست تؤمن أنى أنا فى الآب والآب فىَّ» (يو١٤: ٨-١٠).

حمل بشرى الخلاص إلى بلاد فارس وآسيا الصغرى خاصة إقليم فريجيا، وانتهى به المطاف فى مدينة هيرابولس* حيث إستشهد مصلوباً، بعد أن ثار عليه الوثنيون. ونلاحظ الخلط بينه وبين فيلبس المبشر أحد السبعة شمامسة، فى بعض الروايات.

القديس برثولماوس

يكاد يكون هناك إجماع بين العلماء أن برثولماوس هو عينه نثنائيل الذى ذكره يوحنا فى إنجيله، أن فيبلس أحضره للمسيح (يو١: ٤٥) ... والدليل على ذلك أن يوحنا يذكره فى أول بشارته وآخرها٣٤، بينما البشائر الثلاث الأخر تذكر فيبلس وبرثولماوس بين أسماء الرسل٣٥ استنتجوا من ذلك أن برثولماوس هو نثنائيل ويرجح أن نثنائيل هو اسم الرسول، وبرثولماوس (معناها ابن تلماى Talmai)٣٦ تفيد اللقب ... ومهما يكن من أمر هذا الرسول، فقد لازم الرب يسوع حياته على الأرض، وكان له شرف التمتع برؤيته بعد القيامة على بحر طبرية مع بعض التلاميذ (يو٢١: ٢) ...

بشر فى بلاد اليمن وترك لهم نسخة من إنجيل متى باللغة العبرية، وجدها العلامة بنتينوس عميد المدرسة اللاهوتية بالاسكندرية، عندما ذهب إلى هناك حوالى ‹ص ٤٢٩› سنة ١٨٠. وقد روى يوسابيوس٣٧ المؤرخ هذه الرواية لكن ذكر الهند بدلاً من بلاد اليمن ... والأرجح أنها اليمن وليست الهند. ففى اليمن كانت توجد جالية يهودية كبيرة، وبطبيعة الحال، لا نفع للهنود من كتاب مكتوب بالعبرية٣٨!! ومن المقطوع به أنه بشر أيضاً فى أرمينيا. والكنيسة الأرمنية هناك مازالت تعتبره شفيعها، بعد أن استشهد بها.

وقد إخلتفت الروايات عن طريقة إستشهاده، فمنها ما ذكر أنه صلب، ومنها ما قال إنه سلخ جلده وقطعت رأسه.

القديس توما

كان من الجليل، ومعنى اسمه التوأم كما ذكر يوحنا الإنجيلى (١١: ١٦؛ ٢١: ٢) ... دعاه الرب يسوع إلى شرف التلمذة، فلبى الدعوة وتبعه، ورافقه مع بقية التلاميذ، ورأى آياته، واستمع إلى تعاليمه الإلهية ... والمرات التى ذكر فيها اسمه فى الأناجيل، تظهر لنا حبه وغيرته لسيده ...

لما عزم الرب يسوع على الذهاب إلى بيت عنيا ليقيم لعازر، اعترضه الرسل بقولهم «يا معلم الآن كان اليهود يطلبون أن يرجموك وتذهب أيضاً إلى هناك. أما توما فالتفت إليهم وقال بلهجة المحب الوفى لنذهب نحن أيضاً لكى نموت معه» (يو١١: ٨، ١٦) ...

ومرة ثانية، فيما كان الرب يسوع يتكلم فى ليلة العشاء الأخير عن إرتحاله عنهم، قال له توما «يا سيد، لسنا نعلم أين تذهب، فكيف نقدر أن نعرف الطريق. أجابه الرب أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلاَّ بى» (يو١٤: ١-٦).

‹ص ٤٣٠› واشتهر توما بمواقفه من قيامة الرب من بين الأموات. فلما أظهر الرب يسوع ذاته لتلاميذه مساء أحد القيامة، لم يكن توما معهم. ولما أخبره بقية التلاميذ بهذا الظهور، قال لهم «إن لم أبصر فى يديه أثر المسامير، وأضع يدى فى جنبه لا أؤمن» ... وفى الأحد التالى أظهر الرب ذاته لتلاميذه فى العلية ومعهم توما. وعاتبه الرب عتاباً لطيفاً، وألزمه أن يضع أصبعه فى أثر المسامير، ويضع يده فى جنبه. فذاب توما خجلاً. ومن فرط اليقين صرخ «ربى وإلهى»، فقال له يسوع «لأنك رأيتنى يا توما آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا» (يو٢٠: ٢٦-٢٩). وحينما أظهر الرب ذاته لبعض تلاميذه على شاطىء بحر طبرية بعد قيامته، كان توما معهم (يو٢١: ٢) ..

بشر أولاً فى اليهودية ... وقيل أنه جال مبشراً فى بلاد ما بين النهرين (العراق)، وقيل إنه عرج على بلاد العرب واجتاز البحر إلى بلاد الحبشة، وكرز فى بلاد الهند والصين ... وقد قضى الشطر الأكبر من حياته الكرازية فى الهند ... ومازال توما الرسول حتى الآن هو شفيع المسيحيين الهنود.

أنهى توما حياته بسفك دمه لأجل الرب يسوع. فقد هجم عليه بعض كهنة الأوثان فى ملابار Malabar وسلخوا جلده وهو حى، ثم أخذوا يطعنونه بالرماح حتى مات.

القديس متى

كان من الجليل، ويدعى لاوى ... كان عشاراً، وكان العشارون جباة رسميين يعملون لحساب الرومان المستعمرين. لذلك كانوا ممقوتين لدى الشعب، ومعتبرين خطاة فى نظر عامة الناس ... دعاه الرب أن يتبعه — وكان جالساً عند مكان الجباية — فترك كل شىء وقام وتبعه (مت٩: ٩-٢٤) ... ولا شك أن هذا يدل على قلب عملت فيه نعمة الرب فليس للإنسان أن يعمل أكثر من ذلك: أن يترك كل شىء، وليس فى إستطاعته أن يفعل أفضل من اتباع يسوع ...

‹ص ٤٣١› لازم الرب يسوع وسمع تعاليمه وشاهد عجائبه، وعاين قيامته المجيدة، وامتلأ من الروح القدس يوم الخمسين. قيل إنه كرز بالإنجيل فى بلاد اليهودية وأثيوبيا وقيل إنه بشر فى بلاد الفرس والبارثيين٣٩.

متى الرسول

القديس يهوذا

ويدعى أيضاً تداوس ولباوس ويهوذا أخا يعقوب تمييزاً له عن يهوذا الاسخريوطى الذى أسلم الرب٤٠ ... والتقليد القديم يؤكد أنه أخو يعقوب كما ذكر القديس لوقا فى إنجيله وفى سفر الأعمال — وليس ابن يعقوب كما فى الترجمة السريانية٤١ ... وهو أحد الأربعة المذكورين فى كتاب العهد الجديد إخوة الرب ... لا يذكر الإنجيل متى دعى هذا الرسول للرسولية، لكن الأناجيل وسفر الأعمال تذكره ضمن جداول الرسل الإثنى عشر ... لا يذكره الإنجيل إلاَّ فى ‹ص ٤٣٢› موضع واحد. فحينما كان الرب يتكلم عقب العشاء الأخير وقال «الذى عنده وصاياى ويحفظها فهو الذى يحبنى. والذى يحبنى يحبه أبى وأنا أحبه وأظهر له ذاتى» قال يهوذا للرب «يا سيد ماذا حدث حتى أنك مزمع أن تظهر ذاتك لنا وليس للعالم» (يو١٤: ٢١، ٢٢).

أما عن كرازته، فتذكر التقاليد أنه بشر فى بلاد ما بين النهرين وبلاد العرب وبلاد فارس. ويبدو أنه أنهى حياته شهيداً فى إحدى مدن بلاد فارس.

وإلى هذا الرسول تنسب الرسالة التى تحمل اسمه بين الرسائل الجامعة، وهى رسالة قصيرة. ويذكر فى مقدمتها أنه «عبد يسوع المسيح وأخو يعقوب». ولم يتفق العلماء على تاريخ هذه الرسالة، ولا مكان كتابتها، ولا مَنْ أرسلت إليهم ... وجل غرضها التحذير من المعلمين والمضلين والإخوة الكذبة.

القديس سمعان القانوى

ذكره كل من متى ومرقس باسم القانوى (مت ١٠: ٤؛ مر ٣: ١٨)، وذكره لوقا فى إنجيله وسفر الأعمال باسم الغيور (لو٦: ١٥؛ أع١: ١٣) ويقال إن هذه التسمية «الغيور» هى المرادف اليونانى، للكلمة العبرية «القانوى»٤٢ ... وهذه التسمية تدل على أنه من ضمن جماعة الغيورين الثائرين الذين عرفوا بتمسكهم الشديد بالطقوس الموسوية.

يخلط البعض بينه وبين سمعان أحد المدعوين إخوة الرب، وأخى يعقوب البار ويهوذا الرسول، الذى صار أسقفاً لأورشليم حتى سنة ١٠٦ خلفاً ليعقوب البار، لكن هذا خطأ ... فسمعان الذى نحن بصدده هو أحد الرسل الاثنى عشر.

ونكاد لا نعرف شيئاً محققاً عن جهود هذا الرسول الكرازية والأماكن التى ‹ص ٤٣٣› بشر فيها. قيل إن بشر فى سوريا وبلاد ما بين النهرين وبلاد فارس. وختم حياته شهيداً.

القديس متياس

كان ضمن السبعين رسولاً الذين عينهم الرب، ولازمه منذ البداية وسمع تعاليمه وشاهد آياته. فلما سقط يهوذا الإسخريوطى من رتبته بعد خيانة سيده وانتحاره، كان لابد أن يقام آخر عوضاً عنه إتماماً لنبوة المزمور عن يهوذا «لتصر داره خراباً ... وليأخذ وظيفته آخر»، فاجتمع التلاميذ ليختاروا آخر بدلاً عنه. فتكلم بطرس وناشدهم أن يختاروا واحداً ممَنْ إجتمعوا معهم كل الزمان الذى فيه دخل إليهم الرب يسوع وخرج منذ معمودية يوحنا إلى وقت صعوده، ليشهد معهم بقيامته ... فأقام التلاميذ اثنين من السبعين يوسف المدعو برسابا الملقب يسطس ومتياس، وصلوا إلى الرب طالبين إظهار إرادته فى أى الاثنين يختاره. ثم ألقوا قرعة فوقعت القرعة على متياس، فحسب مع الأحد عشر رسولاً (أع١: ١٥-٢٦).

إمتلأ من الروح القدس يوم الخمسين نظير سائر الرسل. ولا نعرف على وجه التحقيق حقول كرازته. قيل إنه بشر فى اليهودية والسامرة وبعض مقاطعات آسيا الصغرى. وختم حياته شهيداً.

‹ص ٤٣٤›

بولس وبرنابا الرسولان ومرقس ولوقا الإنجيليان

القديس بولس٤٣

بولس الرسول

إننا نعرف عن هذا الرسول وعن نشاطه الكرازى، أكثر مما نعرف عن أى رسول آخر، وذلك بفضل ما دوّنه عنه القديس لوقا فى سفر الأعمال، وبفضل رسائله التى كتبها ... ولد فى طرسوس٤٤ عاصمة ولاية كيليكية Cilicia جنوبى آسيا الصغرى، ومن أبوين يهوديين من سبط بنيامين كانت ولادته عقب مولد المسيح بسنوات قليلة، فقد ولد حوالى سنة ٥ أو سنة ٦ ... سمى بالاسم العبرانى شاول على اسم أول ملوك إسرائيل الذى كان أيضاً من سبط بنيامين. كما دعى أيضاً بولس وهو اسم رومانى، فقد كانت أسرته تتمتع بحقوق المواطنة الرومانية — وإن كنا لا نعرف ‹ص ٤٣٥› كيف ولماذا ... ذكرت عدة أسباب لتسميته بولس، لكننا نستبعد أن هذا الاسم اطلق عليه بعد إيمان الوالى سرجيوس بولس فى قبرص ...

كانت هناك عادة منتشرة أن يحمل الشخص اسمين، أحدهما عبرانى والآخر يونانى أو رومانى، والأمثلة على ذلك كثيرة فى العهد الجديد ... كان أبوه فريسياً، فنشأ هو أيضاً فريسياً متحمساً لشريعة آبائه ... تلقى تعليمه الدينى فى أورشليم فى مدرسة غمالائيل (الأول) وهو أعظم معلمى اليهود فى زمانه. ويبدو أن بولس أتى إلى أورشليم حدثاً. وهكذا نستنتج من قوله «ربيت مؤدباً عند رجلى غمالائيل» (أع٢٢: ٣) ... كان لبولس إلمام كبير بالثقافة اليونانية واللغة اليونانية، بفضل البيئة الهيلينية التى نشأ وترعرع فيها فى طرسوس*. وكان يجيد اليونانية إجادة تامة، ويظهر ذلك من أسلوبه فى حديثه ورسائله، ووقوفه على بعض آداب الديانة الوثنية وأقوال فلاسفتها وشعرائها وإستشهاده بها. كما كان يجيد العبرية الفصحى بالإضافة إلى الآرامية٤٥ وهى العبرية الدارجة، حتى أنه أثار دهشة سامعيه فى الهيكل (أع٢٢: ٢) وهكذا جمع بولس فى شخصه اليهودية والهيلينية والرومانية، بما أهله أن يصبح رسولاً للعالم أجمع ... وإلى جانب هذه الثقافة تعلم صناعة الخيام — حسب تقليد معلمى اليهود — حتى ما تكون عوناً له فى مواجهة الحياة ومصاعبها، إذا تطلب الأمر.

نلتقى ببولس. أول ما نلتقى فى كتاب العهد الجديد — فى حادث رجم إستفانوس، إذ كان يحرس ثياب الراجمين، وبعد هذا الحادث، يبرز بولس كأكثر مضطهدى الكنيسة حركة ونشاطاً. فما أن إنتهى من أعماله التخريبية الانتقامية فى أورشليم، حتى قصد دمشق مزوداً بسلطان من رؤساء الكهنة، لكى ينزل الاضطهاد بالمؤمنين هناك.

‹ص ٤٣٧›

إهتداؤه للمسيحية:

أما إهتداؤه للمسيحية فكان عند مشارف دمشق، حينما أعلن له الرب يسوع ذاته وأرشده إلى ما ينبغى أن يفعله. بعد هذه الرؤيا، كان وهو مفتوح العينين لا يبصر. فاقتادوه إلى داخل دمشق، وظل صائماً ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب ... وفى نفس الوقت أعلن الرب إلى حنانيا أسقف دمشق فى رؤيا خبر شاول، وأمره أن يذهب إليه وعين له مكانه ... ذهب حنانيا ووضع عليه يديه فامتلأ من الروح القدس ووقع من عينيه شىء كأنه قشور، فأبصر فى الحال وقام واعتمد٤٦ ... كان هذا على أرجح الآراء سنة ٣٦ أو سنة ٣٧م ... ما أن اعتمد وامتلأ من الروح القدس حتى تحول من مضطهد إلى مجاهد، ومن يهودى متعصب لبنى جنسه إلى رسول عملاق، يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون «وللوقت جعل يكرز فى المجامع بالمسيح، أن هذا هو ابن الله» (أع٩: ٢٠).

بعد ذلك أمضى بولس ثلاث سنوات فى العربية٤٧، وهى الصحراء المقابلة لدمشق شرقاً (غل١: ١٧، ١٨) انطلق إلى العربية — ليس فى مهمة تبشيرية كما يعتقد يوحنا ذهبى الفم — بل كان غرضه الأساسى من هذه الخلوة هو التأمل والصلاة ودراسة أسفار العهد القديم بروح جديدة، على ضوء بركات العهد الجديد. ولا شك أن هذه السنوات الثلاثة هى مقابل السنوات الثلاث التى أمضاها التلاميذ فى الإعداد والتلمذة للرب يسوع ... هناك فى هذه الخلوة أمكنه أن يدرس التناقض العجيب بين الحرف الذى يقتل والروح الذى يحيى ... بين خدمة الموت وخدمة الروح (٢ كو٣: ٦-٩) وقد قبل الكثير من هذه الحقائق بواسطة الإعلانات الإلهية ... «وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذى ‹ص ٤٣٨› بشرت به ليس بحسب إنسان، لأنى لم أقبله من عند إنسان، ولا علمته، بل بإعلان يسوع المسيح» (غل١: ١١، ١٢).

بعد ثلاث سنوات من إيمانه — أى من سنة ٤٠ تقريباً إلى وقت إستشهاده فى سنة ٦٧ أو ٦٨ — قام بولس بثلاث رحلات تبشيرية كبيرة، إلى جانب بعض رحلات صغيرة أخرى، وزار أورشليم خلالها خمس مرات، وأمضى أكثر من أربع سنوات أسيراً فى قيصرية وروما ... ونلاحظ أن القديس بولس اتخذ أنطاكية عاصمة سوريا آنذاك قاعدة لرحلاته التبشرية، وأصبحت كنيستها الكنيسة الأم لكنائس الأمم، ينطلق منها للتبشير ويعود إليها. وفى نفس الوقت إحتفظ بصلاته بكنيسة أورشليم التى كانت بمثابة الكنيسة الأم لكنائس الختان ...

ويمكن دراسة هذه الفترة على النحو التالى:

١ - الفترة من سنة ٤٠ إلى سنة ٤٤م:

بعد أن عاد بولس من خلوته فى العربية، بدأ خدمته العامة ... بدأها بغيرة زائدة فى دمشق، مبشراً بالرب يسوع، فى نفس المكان الذى اقتبل فيه الإيمان ودعى للعمل ... أثار نشاطه وخدمته حفيظة اليهود، حتى أنهم استعدوا عليه والى دمشق العربى الحارث الذى شدد فى حراسة أبواب المدينة بقصد القبض عليه. لكن الإخوة المؤمنين دبروا أمر هربه بأن دلوه من طاقة فى سل بواسطة الحبال (أع٩: ٢٣-٢٥؛ ٢ كو١١: ٣٢، ٣٣).

بعد ثلاث سنوات صعد إلى أورشليم ليتعرف ببطرس٤٨ ومكث معه

رحلات بولس الرسول ‹ص ٤٤٠› خمسة عشر يوماً. وقد التقى فى هذه المرة بيعقوب أخى الرب (غل١: ١٩) ... وقدمه برنابا إلى التلاميذ الذين كانوا فى بادىء الأمر خائفين منه. لكن لما سمعوا بالطريقة التى آمن بها، كانوا يمجدون الله، لأن الذى كان يضطهدهم قبلاً صار يبشر بالإيمان الذى كان قبلاً يتلفه (أع٩: ٢٦، ٢٧؛ غل١: ١٨-٢٤) ... وفى هذه الزيارة الأولى إلى أورشليم أعلنت له رؤيا من الرب يسوع فى الهيكل، وقال له: «إسرع واخرج عاجلاً من أورشليم لأنهم لا يقبلون شهادتك عنى ... إذهب فإنى سأرسلك إلى الأمم بعيداً» (أع٢٢: ١٧) ... وقد دبر اليهود مؤامرة لقتله ... لكن الإخوة أرسلوه إلى قيصرية ومنها إلى طرسوس. وظل فيها حتى جاءه برنابا وطلب منه الإشتراك معه فى الخدمة فى أنطاكية، فذهب معه وظل يخدم فيها لمدة سنة كاملة (أع١١: ٢٥، ٢٦).

لكنه بسبب المجاعة التى كانت وشيكة الوقوع — والتى تنبأ عنها النبى أغابوس — ذهب سنة ٤٤ — خلال السنة التى أمضاها بأنطاكية — إلى أورشليم ومعه برنابا، حاملاً تقدمة المسيحيين فى أنطاكية لمساعدة إخوتهم فى اليهودية ... وقد تمت هذه الزيارة فى الظروف التى قتل فيها يعقوب الكبير ابن زبدى، وسجن بطرس ... ونلاحظ أن جزءاً كبيراً من السنوات الأربع الخاصة بهذه الفترة صرفت فى أعمال تبشيرية فى طرسوس وأنطاكية.

٢ - الرحلة التبشيرية الأولى (سنة ٤٥ — سنة ٥٠):

بدأ بولس رحلته التبشيرية الكبرى الأولى مصحوباً ببرنابا ومرقس بإعلان الروح القدس بلسان الأنبياء فى كنيسة أنطاكية (أع١٣: ١، ٢) ... إنحدر بولس وبرنابا ومرقس إلى سلوكية ميناء أنطاكية على البحر المتوسط، وأقلعوا منها بحراً إلى قبرص ... إجتازوا جزيرة قبرص، وانتقلوا منها إلى آسيا الصغرى. لكن مرقس فارقهما فى برجة بمفيلية ورجع إلى أورشليم لأسباب لا نعلمها ...

ولعل أهم الأحداث فى هذه الرحلة الأولى هى إيمان والى قبرص الرومانى سرجيوس بولس، وتوبيخ ومعاقبة عليم الساحر اليهودى، والنجاح الذى صادفه

الآريوس باغوس فى أثينا ببلاد اليونان

فى هذا المكان التقى القديس بولس بجماعة من الفلاسفة الابيقوريين والرواقيين وبشرهم بالرب يسوع. ‹ص ٤٤٢› التبشير بالإنجيل فى أنطاكية بيسيدية، ومقاومة اليهود، وشفاء الرجل المقعد من بطن أمه فى لسترة، ومحاولة الناس عبادتهم والذبح لهما هناك.

ثم التحول المفاجىء لهذه المشاعر إلى كراهية لهما كأعداء للآلهة بسبب تحريض اليهود، وما ترتب على ذلك من رجم بولس فى لسترة وهربه هو وبرنابا من الموت، وعودتهما المظفرة إلى أنطاكية (أع١٣، ١٤) ... وتنتهى هذه الفترة بالمجمع الرسولى الأول الذى عقد فى أورشليم سنة ٥٠.

٣ - الرحلة التبشيرية الثانية (سنة ٥١ — سنة ٥٤):

بعد الإنتهاء من مجمع أورشليم بدأ بولس رحلة ثانية كبيرة سنة ٥١، كانت تهدف إلى تبشير اليونانيين، وأخذ معه سيلا ... وبعد أن زار بولس الكنائس التى أسسها قبلاً، إنطلق يرافقه سيلا وتيموثاوس الشاب الذى كان قد آمن جديثاً. إجتازوا أقاليم فريجية وغلاطية، ومنعهم الروح القدس من أن يتكلموا بالكلمة فى آسيا. إنحدروا إلى ترواس، وهناك ظهرت لبولس رؤيا فى الليل — رجل مكدونى قائم يطلب إليه ويقول: «اعبر إلى مكدونية وأعنا» فكان هذا إعلان من الله بالإنطلاق إلى بلاد اليونان لتبشيرها (أع١٦: ٩، ١٠).

كرز بالإنجيل أولاً بنجاح كبير فى فيلبى حيث آمنت ليديا بائعة الأرجوان وحافظ السجن ... وفيها سجن بولس وسيلا. وبمعجزة انفتحت أبواب السجن وخرجا منه (أع١٦) ... بعد ذلك قصدا إلى تسالونيكى، وهناك قاومه اليهود واضطهدوه، لكنه خلف وراءه كنيسة مزدهرة ... وفى بيرية أظهر اليهود غيرة عظيمة، إذ قبلوا الكلمة بكل نشاط (أع١٧) ...

ثم ذهب بولس وسيلا إلى أثينا مركز الأدب القديم والفلسفة. وهناك التقى بولس ببعض الفلاسفة الأبيقوريين والرواقيين. هناك — فى الأريوس باغوس الواقع على تل مارس — كشف لهم بكل حكمة عن الإله المجهول، الذى كانوا يتقونه وهم يجهلونه وأقاموا له مذبحاً (أع١٧) .. وإن كان بولس لم ينجح نجاحاً ملموساً

رحلات بولس الرسول ‹ص ٤٤٤› فى أثينا مهد الفلسفة لأنهم إستهزأوا به، لكن دعوته للإيمان أثمرت فى نفر قليل منهم ديوناسيوس الأريوباغى — الذى صار أسقفاً على أثينا فيما بعد — وامرأة تدعى دامرس (أع١٧: ٣٤) ... لكن سرعان ما إزدهرت المسيحية فى تلك البلاد فيما بعد بفضل البذار التى بذرها هذا الكارز العظيم ...

مضى بولس بعد ذلك إلى كورنثوس، وكانت بمثابة القنطرة التجارية بين الشرق والغرب، ومركزاً هاماً للثروة والثقافة، وبؤرة للفساد والرذيلة٤٩.

أمضى بولس فى كورنثوس سنة ونصف، إستطاع خلالها — فى ظروف قاسية جداً من الإنحلال الخلقى — أن يؤسس فيها كنيسة بقوة كلمة الله، وأنفذ إليها بعد ذلك رسالتين من أكثر رسائله أهمية.

وفى ربيع سنة ٥٤ عاد بولس إلى أنطاكية ماراً بأفسس وقيصرية وأورشليم .. وفى خلال هذه الفترة كتب رسالتيه إلى التسالونيكيين.

٤ - الرحلة التبشيرية الثالثة (سنة ٥٤ — سنة ٥٨):

فى أواخر سنة ٥٤، قصد بولس أفسس، وكانت آنذاك المدينة الأولى فى آسيا حيث معبد الآلهة ديانا (أرطاميس) ومكث بها ثلاث سنوات، جاعلاً منها قاعدة عمله الكرازى (أع٢٠: ٣١) ... بعد ذلك زار للمرة الثانية الكنائس التى أسسها فى مكدونية وأخائية، وأمضى ثلاثة أشهر فى كورنثوس ومجاوراتها ... وقد كتب فى هذه الفترة رسائله العقيدية إلى كنائس غلاطية وكورنثوس ورومية.

‹ص ٤٤٥›

٥ - فترة أسره فى قيصرية، وأسره الأول فى روما (سنة ٥٨ — ٦٣)

وتشمل هذه الفترة مدة أسر بولس مرتين بما فيها فترة الشتاء التى تخللت الاثنين، والتى سافر فيها من قيصرية إلى روما ...

فى ربيع سنة ٥٨ سافر بولس للمرة الخامسة والأخيرة إلى أورشليم ماراً بفيلبى وترواس وميليتس (حيث إلتقى فيها بكهنة أفسس أع٢٠)، وصور وقيصرية، حاملاً معه إلى فقراء اليهودية — معونة مؤمنى بلاد اليونان ... ولكن بعض اليهود المتعصبين الذين يمقتونه دبروا ثورة ضده فى مناسبة عيد الخمسين، واتهموه بتدنيس الهيكل بإدخال يونانيين إليه، وجروه خارج الهيكل حتى لا يدنسوه بدمه ... وكانوا سيقتلونه لا محالة، لولا تدخل الضابط الرومانى ليسياس، الذى كان على مقربة من المكان ... وشفعت له فى هذا الموقف حقوق المواطنة الرومانية التى كان يتمتع بها، فأنقذه هذا الضابط من ثورة الدهماء، وأوقفه فى اليوم التالى أمام السنهدرين. وبعد جلسة غير مجدية، وبعد إكتشاف مؤامرة للفتك به، أرسله ليسياس تحت حراسة قوية إلى فيلكس الوالى الرومانى فى قيصرية، ومعه شهادة تثبت براءته (أع٢١-٢٦).

بقى بولس أسيراً فى قيصرية لمدة سنتين كاملتين (٥٨ — ٦٠) — فى إنتظار محاكمته ... وأمام فستوس الوالى الرومانى الذى خلف فيلكس سنة ٦٠، طلب بولس كمواطن رومانى أن ترفع دعواه إلى قيصر، فوافق الوالى على ذلك. وهكذا عمل بولس على إتمام إرادة الله المعلنة له بأن يبشر روما عاصمة العالم القديم بمخلص العالم كله (أع٢٣: ١١) ... وبعد أن دلل على براءته أكثر من مرة، وشهد للمسيح أمام فستوس والملك هيرودس أغريباس الثانى وكل وجوه قيصرية، أرسل فى خريف سنة ٦٠ مخفوراً إلى روما.

كانت رحلة قاسية، تحطمت فيها السفينة التى كان يستقلها بفعل العواصف، وأمضى الشتاء فى جزيرة مالطة. وفى مارس سنة ٦١ وصل بولس إلى روما ... وصلها أسيراً ... أسير يسوع المسيح. لكنه كان فى حرية وقوة أكثر من الإمبراطور ‹ص ٤٤٦› الجالس على عرشه ... كانت السنة السابعة لتملك نيرون الطاغية ...

فى روما أمضى بولس على الأقل سنتين حتى ربيع سنة ٦٣ فى حياة سهلة، منتظراً الفصل فى قضيته. لقد أقام تلك الفترة فى مسكن خاص إستأجره. ولعل ذلك راجع إلى أن تقرير الوالى الرومانى فستوس كان فى صالحه. وبناء عليه فقد مُنح الأسير بولس حرية أكثر من بقية الأسرى ... فحددت أقامته، لكن كانت له الحرية أن يستقبل مَنْ يشاء، غير أنه كان له حارس يلازمه وهو موثق بسلاسل ...

وفى خلال تلك الفترة بشر بولس جميع الذين كانوا يدخلون إليه بكل مجاهرة بلا مانع (أع٢٨: ٣٠، ٣١) ... إبتدأ باليهود، لكن تعصبهم أعماهم فلم يقبلوا بشارته. إتصل به المسيحيون الذين كانوا فى روما وضواحيها. وقد كان لكلامه تأثير حتى فى الجنود الذين يتناوبون حراسته (فى١: ١٢، ١٣) ... وعلى الرغم من قيوده، فقد وصل نشاطه إلى موظفى البلاط الإمبراطورى، فكسب بعضهم وأدخلهم إلى حظيرة الإيمان، وحمل تحياتهم إلى الإخوة الذين فى فيلبى (فى٤: ٢٢) ... هكذا تمم بولس — على الرغم من قيوده — عمله الرسولى نحو الرب والكنيسة، مثبتاً عملياً أن كلمة الله لا تقيد أبداً ... وفى هذه الفترة كتب رسائله إلى كولوسى وفليمون وأفسس وفيلبى.

٦ - الأسر الثانى فى روما:

يتوقف القديس لوقا كاتب سفر الأعمال فى سرده لجهود بولس الرسول التبشيرية عند ربيع سنة ٦٣ ولا يمدنا بمعلومات أخرى عن حياته بعد ذلك التاريخ ... لكن ليس معنى هذا أن رسالة بولس إنتهت عند هذا الحد الذى ختمه لوقا بقوله: «كارزاً بملكوت الله ومعلماً بأمر الرب يسوع المسيح بكل مجاهرة بلا مانع» (أع٢٨: ٣١) ... ولم يذكر لوقا شيئاً عن إستشهاد بولس أو نهاية حياته ...

هناك تساؤلات كثيرة، أثير حولها جدل كبير، لم يصل المؤرخون وكبار ‹ص ٤٤٧› مفسرى الكتاب المقدس إلى رأى موحد إزاءها، وهى تختص بحياة بولس وجهوده فى الفترة من ربيع سنة ٦٣ إلى وقت إستشهاده فى سنة ٦٧ أو ٦٨.

المرجح أن بولس أطلق سراحه لفترة قصيرة أعيد بعدها إلى السجن فى روما ... وفى هذه المرة ظل مسجوناً تحت حراسة مشددة وبصورة أعنف من الأولى (٢ تى٤: ١٦، ١٧) ... ورسالة القديس بولس إلى تلميذه تيطس هى إحدى الأدلة على إطلاق سراح بولس بعد أسره الأول. يقول له: «من أجل هذا تركتك فى كريت لكى تكمل ترتيب الأمور الناقصة ...» (تى١: ٥) لم يذهب بولس فى رحلاته التبشيرية الثلاث إلى كريت. لكن السفينة رست عليها وهو فى طريقه إلى روما أسيراً (أع٢٧: ٧، ٨). وفى تلك المرة لم يكن معه تيطس .. فلابد وأنه بعد إطلاقه ذهب لتبشيرها وكان معه تيطس. لقد كانت كل ظروف بولس فى أسره الأول فى صالحه، مما يؤيد فكرة إطلاق سراحه. كما أن الرسائل التى كتبها فى مدة الأسر الأول تعكس نفسيته وتظهرها بمظهر الرجاء والفرح.

فى الفترة القصيرة التى أطلق فيها سراحه بعد الأسر الأول كتب الرسالة إلى العبرانيين من مكان ما بإيطاليا، كان يستعد منه للسفر للشرق ... ويعود بولس للظهور أسيراً للمرة الثانية فى روما فى أواخر سنة ٦٦ ... فى الفترة ما بين الأسرين ذهب إلى كريت، وعهد إلى تلميذه تيطس العناية بشئون كنيستها، وذهب إلى أفسس وغادرها إلى مكدونية حيث كتب رسالته الأولى إلى تلميذه تيموثاوس من إحدى مدنها ... وربما عرج على كورنثوس وميليتس وأمضى شتاء سنة ٦٥، سنة ٦٦ فى مدينة نيكوبوليس بإقليم إبيروس، حيث كتب رسالته إلى تيطس يستدعيه (تى٣: ١٢). ويبدو أنه عرج على ترواس حيث أودع قسماً من أمتعته (٢ تى٤: ١٣) ... وفى رأى آخر أنه قبض عليه فى ترواس ورحل منها أسيراً إلى روما ليؤسر أسره الثانى. ويستدلون على ذلك من أنه لم يتمكن من أخذ متاعه ورقوقه التى لا يستغنى عنها. وهناك إحتمال أنه ذهب إلى أسبانيا ...

فى هذا الأسر الثانى والأخير كتب بولس آخر رسائله وهى الثانية إلى تيموثاوس، وفيها يقول له: «فإنى أنا الآن أُسكب سكيباً، ووقت إنحلالى قد ‹ص ٤٤٩› حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن ... وأخيراً وضع لى إكليل البر» (٢ تى٤: ٦-٨) ... ومهما يكن من أمر، فإن هذه الفترة الأخيرة من حياة ذلك الرسول المجاهد يكتنفها الغموض ويجمع المؤرخون القدامى على أن بولس قضى شهيداً بقطع رقبته بحد السيف فى عهد نيرون الطاغية فى مدينة روما، فى سنة ٦٧ أو ٦٨م.

هذا العرض التاريخى المقتضب أقل من أن يصور لنا أن هذا الرسول العملاق على حقيقته ... إن مَنْ يريد أن يقف على سيرة كاملة له، عليه أن يدرس حياة هذا الرجل القديس المجاهد من واقع كتاباته، التى تبرز قوة شخصيته وجمال فضيلته وعمق إيمانه وفرط إتضاعه وأصالة نسكه ووفور غيرته وكنوز محبته ... كم من الأكاليل وضعت لذاك الذى تعب أكثر من جميع الرسل، ودعا الناس أن يمتلئوا إلى كل ملء الله، وكان كل همه أن يحضر كل إنسان كاملاً فى المسيح يسوع، وأخيراً قدم حياته ثمناً لحبه لإلهه ومخلصه ...؟!

القديس برنابا

كان يهودياً من سبط لاوى. ويبدو أن أسرته إستقرت فى قبرص، لكن كان له أقرباء فى أورشليم منهم أسرة مار مرقس الذى دعاه بولس ابن أخت برنابا (كو٤: ١٠) ... وتعتقد كنيستنا بناء عن تقليد قديم أن برنابا أحد السبعين رسولاً٥٠ ... وقد دعى فى سفر الأعمال رسولاً. ودعاه بولس رسولاً بين الرسل نظيره، ووضعه كوضع بولس تماماً، فقد أعطتهما الكنيسة الأولى يمين ‹ص ٤٥٠› الشركة٥١ ... كان اسمه يوسف ودعاه الرسل برنابا٥٢ (أع٤: ٣٦).

يقدمه لنا القديس لوقا فى صورة مشرقة فى سفر الأعمال كواحد ممَنْ باعوا ممتلكاتهم من أجل صالح الجماعة (أع٤: ٣٦، ٣٧) ومرة ثانية يقول عنه إنه «كان رجلاً صالحاً ممتلئاً من الروح القدس والإيمان» (أع١١: ٢٤) ...

وبحكم كونه تلميذاً من التلاميذ القدامى وأحد السبعين رسولاً، كانت له مكانة خاصة فى كنيسة أورشليم فهو الذى أوفدته كنيسة الرسل بأورشليم إلى أنطاكية حالما ترامى إلى سمعها أن الأمميين فيها قبلوا كلمة الله (أع١١: ٢٢) ... وهو الذى قدم بولس إلى الرسل والكنيسة فى أورشليم وأدخل الطمأنينة إلى نفوسهم بعد أن كانوا متوجسين مخاوفاً منه.

خدم برنابا فى أنطاكية، ولما وجد الحقل متسعاً ويحتاج إلى آخرين معه، ذهب إلى طرسوس وأحضر شاول، حيث خدما معاً لمدة سنة كاملة فى أنطاكية (أع١١: ٢٢-٢٦) ... وفى أثناء هذه السنة صعدا معاً إلى أورشليم حاملين معهما تقدمات مؤمنى أنطاكية إلى إخوتهم فقراء اليهودية ... وفى عودتهما إلى أنطاكية أخذا معهما مرقس (أع١٢: ٢٥).

وبناء عن إرشاد الروح القدس رافق بولس فى رحلته التبشيرية الأولى إلى قبرص موطن أسرته ... ولا شك أن إختيار قبرص كمكان للكرازة، وإختيار مرقس ليصحبهما يرجع السبب فيه إلى برنابا ... ثم عادا ثانية إلى أنطاكية وبعد ذلك حضرا مجمع أورشليم موفدين من قبل الكنيسة فى أنطاكية للنظر فى موضوع تهود الأمم ... وبعد انتهاء المجمع حملا قراراته.

‹ص ٤٥١› لكن برنابا افترق عن بولس فى رحلته التبشيرية الثانية، لأنه أصر أن يأخذ معه مرقس، الأمر الذى لم يستحسنه بولس، فحل سيلا محل برنابا كرفيق لبولس (أع١٥: ٣٦-٤٠) ... ثم أبحر إلى قبرص ومعه مرقس وبعد ذلك لا يعود سفر الأعمال يذكر شيئاً عن برنابا. كل ما نعلمه أنه حتى سنة ٥٧ — وهو تاريخ كتابة الرسالة الأولى إلى كورنثوس — كان مايزال فى ميدان الكرازة والخدمة ... ومما لا شك فيه أن برنابا كان شخصية هامة ومعروفة فى صدر المسيحية، فقد أشار إليه القديس بولس فى رسائله إلى أهل كورنثوس وإلى أهل كولوسى، كشخصية معروفة لديهم، أو بعبارة أخرى معروفة فى بلاد اليونان وآسيا٥٣.

لا نعلم شيئاً عن جهود برنابا الكرازية بعد إفتراقه عن بولس، وتكاد التقاليد تجمع أنه إستشهد فى سلامينا بقبرص. وليس ما يمنع من قبول هذا الرأى حيث أن برنابا كان متعلقاً بالخدمة فيها. قيل إن اليهود قاموا عليه ورجموه ثم أحرقوه، لكن جسده لم يحترق، فدفنوه فى قبر سنة ٦١، وقيل إنه كشف فيما بعد عن جسده بموجب رؤيا أعلنت لأسقف المكان فى القرن الخامس.

وهناك رسالة مشهورة تحمل اسم برنابا، يقرر العلماء أنها كتبت فى أواخر القرن الأول، ولقيت شهرة كبيرة فى أجيال المسيحية الأولى، وشهد لها بعض آباء وعلماء الكنيسة، لكن البعض الآخر أنكر صحة نسبتها إلى هذا الرسول٥٤.

القديس مار مرقس

هو يوحنا الملقب مرقس الذى تردد اسمه كثيراً فى سفر الأعمال والرسائل٥٥ .. كان يهودياً من سبط لاوى .. مستوطناً فى مدينة كيرين Cyrene إحدى الخمس ‹ص ٤٥٢› مدن الغربية. لكن عائلته نزحت إلى فلسطين وطنها الأصلى، وسكنت بأورشليم.

نشأ فى أسرة متدينة، كانت من أقدم الأسرات إيماناً بالمسيحية وخدمة لها ... فأمه مريم كانت إحدى المريمات اللائى تبعن المسيح، كما كان لكثير من أفراد الأسرة صلة بالسيد المسيح. كان مرقس يمت بصلة القرابة للرسل بطرس وبرنابا وتوما ... أما هو فقد رأى السيد المسيح وجالسه وعاش معه، بل إنه كان من ضمن السبعين رسولاً، ولذا لقبته الكنيسة «ناظر الإله»٥٦.

كان بيت مرقس من البيوت الشهيرة فى تاريخ المسيحية المبكر ... فيه صنع رب المجد الفصح الأخير وغسل أرجل تلاميذه. وكان هو العلية التى يجتمع فيها التلاميذ بعد القيامة، والتى شهدت حلول الروح القدس ... وعلى هذا، فقد كان بيت مرقس هو أول كنيسة مسيحية فى العالم، إجتمع فيها المسيحيون فى زمان الرسل (أع١٢: ١٢) ويذكر التقليد أن مرقس هو الشاب الذى قيل عنه إنه تبع المخلص وكان لابساً أزاراً على عريه فأمسكه الشبان، فترك الأزار وهرب منهم عرياناً (مر١٤: ٥١، ٥٢) — هذه القصة التى لم ترد فى إنجيل آخر سوى إنجيل مرقس، مما يدل على أنها وقعت معه ...

أما عن جهوده الكرازية، فيسجل لنا سفر أعمال الرسل، أنه صحب بولس وبرنابا فى رحلتهما التبشيري الأولى، وتنقل من أنطاكية إلى قبرص ثم إلى آسيا الصغرى ... لكنه فارقهما عند برجة بمفيلية (أع١٣: ١٣). وعاد إلى أورشليم، ولم يكمل معهما الرحلة ... لكنه عاد بعدها وتعاون مع بولس فى تأسيس بعض كنائس أوربا، وفى مقدمتها كنيسة روما ... ويبدو أنه كرز فى بعض جهات آسيا٥٧ ... وكرز فى أفريقيا وهى حقل كرازته الأساسية، حيث بشر فى الخمس مدن الغربية بليبيا الحالية، وفى الاسكندرية والأقاليم المصرية ...

‹ص ٤٥٣› دخل القديس مار مرقس مدينة الاسكندرية — على الأرجح حوالى سنة ٦٠ — من الجهة الغربية قادماً من الخمس مدن، وكان حذاؤه قد تمزق من كثرة السير، فقصد إسكافى يدعى إينيانوس ليصلحه له، وبينما كان إينيانوس يقوم بهذه المهمة — إذ بالمخراز يجرح يده، فيصر ويقول: [أيها الإله الواحد]. تفل مار مرقس على الأرض وصنع طيناً ووضعه على الجرح، فشفيت يده فى الحال. ثم دار حديث بينهما حول هذا الإله الواحد الذى إستغاث به إينيانوس ومن هذا المدخل، أخذ مار مرقس يشرح له سر التجسد، فآمن واعتمد ... وانتهى أمر إينيانوس برسامته أسقفاً ومعه ثلاثة قسوس وسبعة شمامسة.

ترك مار مرقس مصر إلى الخمس مدن الغربية، وسافر منها إلى روما، حيث كانت له جهود تذكر فى أعمال الكرازة عاون بها الرسول بولس٥٨ ... لكنه ما لبث أن عاد إلى مصر ليتابع العمل العظيم الذى بدأه ...

وحدث بينما كان الرسول يحتفل برفع القرابين المقدسة يوم عيد الفصح — واتفق ذلك اليوم مع عيد الإله الوثنى سيرابيس — أن هجم الدهماء على الكنيسة التى كان المؤمنون قد أنشأوها عند البحر، فى المكان المعروف باسم بوكاليا — أى دار البقر. ألقوا القبض على مار مرقس، وبدأوا يسحلونه فى طرقات المدينة وهم يصيحون [جروا التنين فى دار البقر]. ومازالوا على هذا النحو حتى تناثر لحمه وسالت دماؤه ... وفى المساء وضعوه فى سجن مظلم. وفى منتصف تلك الليلة ظهر له السيد المسيح، وقواه ووعده بإكليل الجهاد ...

وفى اليوم التالى أعاد الوثنيون الكرة، حتى فاضت روحه، وأسلمها بيد الرب فى آخر شهر برمودة سنة ٦٨م.

وإمعاناً فى التنكيل بجسد القديس، أضرم الوثنيون ناراً عظيمة ووضعوه عليها بقصد حرقه. لكن أمطاراً غزيرة هطلت فأطفأت النار ... أخذ المؤمنون الجسد بإكرام جزيل وكفنوه ... وقد سرق بعض التجار البنادقة هذا الجسد سنة ٨٢٧م ‹ص ٤٥٤› وبنوا عليه كنيسة فى مدينتهم. أما الرأس فماتزال بالإسكندرية وبنيت عليها الكنيسة المرقسية.

والقديس مرقس هو كاتب الإنجيل الذى يحمل اسمه ... وهو واضع القداس المعروف حالياً باسم القداس الكيرلسى نسبة للقديس كيرلس عمود الدين البطريرك الاسكندرى الرابع والعشرين، لأنه كان هو أول مَنْ دوّن كتابه، وأضاف إليه بعض صلوات ...

وللقديس مرقس الرسول الفضل فى إنشاء المدرسة اللاهوتية بالاسكندرية تلك المدرسة التى ذاع صيتها فى العالم المسيحى كله شرقاً وغرباً وأسدت للمسيحية خدمات جليلة بفضل علمائها وفلاسفتها الذين خرجتهم. وحسب كاروزنا مار مرقس شهادة القديس بولس له ... ففى الرسالة إلى فليمون يذكره فى مقدمة العاملين معه (فل ٢٤). وفى الرسالة إلى كولوسى يذكره بين القلائل العاملين معه بملكوت الله — بينما كان هو أسيراً مدة أسره الأول فى روما ... وفى أسره الثانى — بينما كان يستعد لخلع مسكنه — كتب إلى تيموثاوس يطلب إليه إرسال مرقس لأنه نافع له للخدمة (٢ تى٤: ١١).

القديس لوقا

هو ثالث الإنجيليين، وكاتب سفر أعمال الرسل، ورفيق القديس بولس فى أسفاره وكرازته وأتعابه ... إن التاريخ لا يمدنا بمعلومات عن حياته السابقة قبيل تعرفه على بولس الرسول ... ويبدو أن التقليد القديم الذى يقول إنه كان من السبعين٥٩ رسولاً، وأنه أحد تلميذى عمواس اللذين إلتقى بهما الرب عشية قيامته، أمر مشكوك فيه، والأرجح أنه كان أنطاكياً أممياً٦٠ وليس ‹ص ٤٥٥› يهودياً. فهو باعترافه لم يعاين الرب يسوع بالجسد، وأنه إعتمد فى كتابة إنجيله على ما تسلمه ممَنْ سبقوه، وعلى ما كان مكتوباً وشائعاً (لو١: ١، ٢). أما كونه أممياً — فبالإضافة إلى التقليد الكنسى القديم — نرى أن بولس فى رسالته إلى الكولوسيين يقول «يسلم عليكم أرسترخس المأسور معى ومرقس ابن أخت برنابا ... ويسوع المدعو يسطس الذين هم من الختان ... يسلم عليكم ابفراس ... يسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب وديماس» (كو٤: ١٠-١٤) ... وهنا نلاحظ أنه يذكر بعض أسماء فى الأول ويقول عنهم إنهم من الختان أى اليهود، أما الباقون — ومنهم لوقا — فمن الأمم. وهناك رأى آخر يجعل من لوقا أممياً إهتدى إلى اليهودية ... ولعل مصدر هذا الرأى هو الخلط بين اسم لوقا واسم لوكيوس الوارد فى (أع١٣: ١)، وكلاهما يرجع إلى أصل لغوى واحد ... والأرجح أن لوقا كان أممياً واهتدى إلى الإيمان المسيحى على يد أحد التلاميذ الذين نزحوا من أورشليم وقصدوا أنطاكية فى وقت مبكر حوالى سنة ٣٦ عقب التشتت الذى حدث بعد مقتل استفانوس ... وإن كان البعض يرجحون أنه آمن بالمسيح على يد بولس، وهذا هو رأى ترتليانوس من القرن الثانى٦١.

ومهما يكن من أمر، فالثابت من رواية سفر الأعمال، أنه إلتقى بالقديس بولس أثناء رحلته التبشيرية الثانية فى مدينة ترواس عقب الرؤيا التى رأى فيها بولس رجلاً مكدونياً يقول «أعبر إلى مكدونيا وأعنا» (أع١٦: ٩) ويبدو أنه رافق بولس إلى فيلبى لأنه فى سفر الأعمال يتكلم بعد ذلك مباشرة بصيغة المتكلم الجمع بعد أن كان يتكلم بصيغة الغائب الجمع٦٢ ... وفى أواخر رحلة بولس التبشيرية الثالثة يلتقيان ثانية معاً فى فيلبى ... ويبدو أن لوقا — بعد لقائه الأول مع بولس فى فيلبى سنة ٥١ — بقى فيها ليرعى الكنيسة الناشئة هناك. والدليل على ذلك أنه يستخدم ضمير المثنى الغائب بدلاً من ضمير المتكلم ‹ص ٤٥٦› الجمع (انظر أع١٧: ١). وبعد سبع سنين أخرى (سنة ٥٨) إلتقى بالرسول بولس مرة أخرى حين مر بفيلبى فى طريقه إلى أورشليم أثناء رحلته الأخيرة إليها، بعد أن أمضى أسبوعاً فى ترواس (أع٢٠: ٥، ٦)، لاننا نلاحظ أن لوقا يعود إلى إستخدام ضمير المتكلم الجمع ... ويبدو أن لوقا كان مرافقاً لبولس فى أورشليم، أو فى القليل قريباً منه، وكذا لمدة سنتى الأسر فى قيصرية. كما رافقه فى رحلته الأخيرة إلى روما حينما ذهب إليها محفوراً، وبقى بالقرب منه هناك مدة الأسر الأول والثانى ... وظل الخادم الأمين والصديق الوفى إلى النهاية ...

أما عن بقية حياة لوقا فلا نعلم عنها شيئاً على وجه التحقيق. ولعل هذا دليلاً كبيراً على ما إتصف به هذا الرسول من إتضاع. لأنه على الرغم من أنه كتب الإنجيل الثالث، ووضع كتاب «أعمال الرسل»، وذكر ببعض الإسهاب ما حدث للرسول بولس فى حياته الرسولية، فإنه أغضى عن ذكر نفسه وسكت عن أعماله، حتى لقد ترك شيئاً من الشك يحوم حول شخصه والرسالة التى إضطلع بها ... إن أخر إشارة إلى لوقا، وصلتنا فى كلمات بولس٦٣، وفى أخر رسالة له كتبها من سجنه الأخير فى روما، قبيل إستشهاده «لوقا وحده معى» (٢ تى٤: ١١) ... وتذكر بعض التقاليد القديمة أنه عمر حتى سن الرابعة والثمانين، وأنه مات مصلوباً على شجرة زيتون فى إيليا Elaea فى بلاد اليونان٦٤. ويذكر جيروم٦٥ أن ذخائره — مع ذخائر إندراوس الرسول — نقلت من بترا Patrae فى أخائية إلى كنيسة الرسل فى القسطنطينية.

خلف لنا لوقا الإنجيل الذى يحمل اسمه، الذى إعتمد فى كتابته على وثائق ثابتة مكتوبة وعلى ما إستقاه من التقليد الشفوى الثابت ... ويأتى فى مقدمتها ما سمعه من البتول القديسة مريم، ويؤيد هذا تقليد كنسى قديم ... ولا يعرف على وجه الدقة الوقت الذى كتب فيه لوقا إنجيله، لكنه على أية ‹ص ٤٥٧› الحالات كُتِبَ قبل سنة ٧٠م، كما إختلف أيضاً فى مكان كتابته ... وقد بعث لوقا بإنجيله وسفر الأعمال إلى شخص شريف يدعى «ثاوفيلس» — وهناك إجماع بين العلماء أن هذا الشريف كان بالإسكندرية. أما عن سفر الأعمال، فقد دوّن لوقا فيه أول تاريخ للكنيسة، إبتداء من صعود الرب إلى نهاية السنة الثانية من أسر بولس الأول بروما ... وقد دون الحوادث بكل دقة، حتى أن العالم المؤرخ شاف يدعوه [الأب الحقيقى لتاريخ الكنيسة المسيحية]٦٦.

كان لوقا — قبل إيمانه بالمسيح — يمتهن مهنة الطب — هكذا يذكره القديس بولس إلى الكولوسيين «لوقا الطبيب» (كو ٤: ١٤)، لذا لا نعجب إن رأيناه فى الإنجيل الذى كتبه يظهر الرب يسوع كطبيب للبشرية ومخلص للعالم ... كما جاء فى التقليد الكنسية القديمة، إنه كان فناناً٦٧ وإليه ينسب رسم أول صورة للسيدة العذراء مريم.

وثمة أمر نود الإشارة إليه، وهو أن لوقا كتب إنجيله بإرشاد الروح القدس شأن باقى الإنجيليين، ولم يمل القديس بولس عليه شيئاً: ولا صحة مطلقاً للرأى الذى ارتآه العلامة أوريجينوس والمؤرخ يوسابيوس والقديس جيروم، من أن بولس حينما ذكر فى رسائله كلمة «إنجيلى»٦٨، كان يعنى إنجيل لوقا، على إعتبار أنه أملاه على لوقا ... فكلمة إنجيل فى العهد الجديد، لا تستخدم بمعنى سفر مكتوب، بل يقصد بها مبادىء المسيحية التى كرز بها الكارزون ...

‹ص ٤٥٨›

معاونو الرسل

وهؤلاء هم الذين عاونوا الرسل فى خدمة الكرازة وسيم البعض منهم أساقفة بأيديهم. وهناك أسماء كثيرة لأشخاص عاونوا الآباء الرسل فى كرازتهم وخدمتهم. لكننا نكتفى هنا بذكر أشهرهم.

القديس تيموثاوس

هو تلميذ القديس بولس الرسول، ورفيقه فى أسفاره، وشريكه فى أتعاب الكرازة ... يذكر لأول مرة فى سفر الأعمال فى بداية رحلة بولس البتشيرية الثانية (أع١٦: ١).

كان تيموثاوس من مدينة لسترة بإقليم غلاطية بآسيا الصغرى ... كان أبوه يونانياً، لكن أمه وجدته كانتا يهوديتين تقيتين (٢ تى١: ٥). وهكذا نشأ تيموثاوس منذ أيام طفولته المبكرة على التقوى والصلاح ... «وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة، القادرة أن تحكمك للخلاص» (٢ تى٣: ١٥) ... والمرجح أنه آمن على يد بولس، فكثيراً ما يدعوه الرسول ابنه فى الإيمان٦٩ ... لكن يبدو أن هذا الأمر تم فى وقت سابق للقاء المذكور فى (أع١٦: ١)، لأن الرسول بولس حينما دخل لسترة كان هو «تلميذاً» أى مسيحياً ... وكان تيموثاوس مشهوداً له بالتقوى من كل أهل تلك المنطقة.

إختاره القديس بولس ليكون رفيقاً له فى أسفاره، ومعاوناً له فى الخدمة لما رآه فيه من مواهب واستعداد للخدمة ... فأخذه بولس وختنه أولاً حتى لا يثير غضب اليهود عليه من أجل تهيئة الجو للخدمة ... بعد ذلك اصطحبه معه إلى فريجية ‹ص ٤٥٩› وغلاطية وترواس، وطافا معاً بلاد اليونان، وبشرا فى مدن فيلبى وتسالونيكى وبيرية. وقد بقى مع سيلا (سلوانس) فى بيرية، بينما ذهب بولس إلى أثينا وكورنثوس ... بعد ذلك نجده يخدم مع بولس مدة إقامته الطويلة فى أفسس، ومنها أرسله إلى مكدونية وكورنثوس٧٠. ونراه مرة ثانية مع بولس فى مكدونيا وقت كتابة الرسالة الثانية إلى كورنثوس (٢ كو١: ١) — وصحب الرسول إلى كورنثوس (رو١٦: ٢١). ورافقه أيضاً فى طريق عودته إلى آسيا عن طريق مكدونيا (أع٢٠: ٣، ٤) ... ويحتمل أن يكون قد صحبه أيضاً إلى أورشليم فى زيارته الخامسة والأخيرة لتلك المدينة (١ كو١٦: ٣).

ويرد ذكر تيموثاوس فى رسائل الأسر، مما يظهر له أنه كان مع بولس فى روما٧١ ... بعد ذلك نقرأ عنه فى الرسالتين الرعويتين اللتين بعث بهما بولس إليه بعد أن سامه أسقفاً على أفسس (١ تى٤: ١٤؛ ٢ تى١: ٦) ... وإن كنا لا نعلم متى تمت الرسامة الكهنوتية التى كانت بوضع اليد، لكننا نقرأ أن إقامته أسقفاً كانت بإعلان نبوى (١ تى١: ١٨) ... ويرجح أن يكون تيموثاوس قد أسر مع بولس فى روما ثم أطلق٧٢.

من هذه الأسفار الكثيرة واتعابه فى الخدمة والصفات التى خلعها الرسول بولس عليه تظهر لنا صورة ذلك الرجل الذى نجهل الكثير من أتعابه فى الخدمة وفضائله الروحية. إننا نلمس غيرته فى تركه لوطنه وبيته، ونلمس إنكاره لذاته وحكمته وغيرته على عمل الرب، حينما قبل أن يختتن (٢ تى١: ٤)، على الرغم من إعتلال صحته الجسدية (١ تى٥: ٢٣).

ذكره بولس على أنه «عامل معه» (رو ١٦: ٢١)، ودعاه «أخانا وخادم الله والعامل معنا فى إنجيل المسيح» (١ تس٣: ٢)، «الابن الصريح فى الإيمان» (١ تى١: ٢)، «والابن الحبيب» (٢ تى١: ٢)، «ابنى الحبيب والأمين فى الرب» (١ كو٤: ١٧).

‹ص ٤٦٠› ويذكر التقليد الكنسى أن تيموثاوس عمّر طويلاً بعد استشهاد معلمه وأبيه الروحى القديس بولس ... فقد قيل إنه استشهد سنة ٩٧ ... قتله الوثنيون فى أفسس ضرباً بالعصى ورجماً بالحجارة فى يوم من أيام أعيادهم.

القديس تيطس٧٣

هو أحد تلاميذ القديس بولس الرسول الأوفياء ... لا يرد إسمه فى سفر الأعمال، وكل معلوماتنا عنه نستمدها من الرسالة الثانية إلى كورنثوس، ومن رسالتى غلاطية وتيطس ...

لا نعرف شيئاً عن حياته الأولى السابقة للخدمة الكرازية ... كل ما نعرفه عنه أنه كان يونانياً أممياً (غل٢: ١، ٣) يجمع العلماء على أنه إهتدى إلى الإيمان على يدى بولس، فهو يدعوه ابنة فى الإيمان (تى١: ٤) ... لكن يبدو أن إيمانه هذا، كان فى وقت مبكر، فقد حضر معه مجمع أورشليم سنة ٥٠ (غل٢: ١). وقبلها كان على صلة وثيقة ببولس وبرنابا فى أنطاكية، ورافقهما إلى أورشليم حين صعدا إليها لحضور ذلك المجمع ... ومن هنا، فيحتمل أن يكون تيطس أنطاكياً.

أرسله الرسول بولس مرتين إلى كورنثوس بينما كان هو نفسه يخدم فى أفسس ... المرة الأولى لما سمع بالشقاق الذى كان حادثاً فيها، ويبدو أنه هو الذى حمل رسالة الرسول إلى تلك الكنيسة (٢ كو٢: ١٣) — والمرة الثانية أرسله ليجمع تقدمات لفقراء اليهودية (٢ كو٨: ١٦، ١٧). ويبدو أيضاً أنه هو الذى حمل رسالته الثانية إلى كورنثوس (٢ كو١٢: ١٨) ... ونستنتج مما ورد فى (٢ تى٤: ١٠) أنه كان مرافقاً لبولس فى بداية أسره الثانى فى روما.

أقامه القديس بولس أسقفاً على كريت ليرعى الكنيسة فى تلك الجزيرة، وليقيم كهنة على كنائسها ... ويذكره للكورنثيين على أنه معاونه وشريكه والعامل معه فى الخدمة (٢ كو٨: ٢٣) ويذكر التقليد أنه عمرّ طويلاً، ورقد ‹ص ٤٦١› فى الرب فى شيخوخة صالحة فى جزيرة كريت، التى مازال أهلها حتى الآن يعتبرونه شفيعهم.

القديس سيلا٧٤

أول ما نلتقى به فى سفر الأعمال، فى الكلام عن مجمع أورشليم الذى إنعقد لبحث مشكلة تهود الأمم. لكن يبدو أنه كان له وضع متميز فى كنيسة أورشليم (أع١٥: ٢٢). ومن هنا فقد أوكلت إليه تلك الكنيسة مع يهوذا الملقب بارسابا، أن يرافقا بولس وبرنابا لتبليغ كنائس أنطاكية وسوريا وكيليكية قرار المجمع ... ويقول عنه سفر الأعمال أنه ذهب ووعظ الإخوة بكلام كثير وقواهم لأنه كان نبياً (أع١٥: ٢٢، ٢٣) ... كان مواطناً رومانياً نظير بولس (أع١٦: ٣٧). ومن هنا جاء اسمه اللاتينى «سلوانس»، أما «سيلا» فهو اسم يونانى مأخوذ عن الأصل الآرامى «شئيلا».

يبدو أنه عاد إلى أورشليم بعد أن أتم المهمة التى كلفته بها كنيستها (أع١٥: ٣٣)، ويبدو أيضاً أنه ذهب بعدها ثانية إلى أنطاكية، فقد إختاره القديس بولس رفيقاً له فى الخدمة الكرازية خلفاً لبرنابا (أع١٥: ٤٠) فى رحلته التبشيرية الثانية (أع١٥: ١٨-٢٢) ... رافق القديس بولس حينما إجتاز فى سوريا وكيليكية يشدد الكنائس، وكذا فى فريجية وكورة غلاطية ... وبعد أن ظهرت لبولس رؤيا الرجل المكدونى، رافقه إلى فيلبى فى مقاطعة مكدونيا (أع١٦: ١٢-٣٩). وفى فيلبى إحتمل سيلا مع القديس بولس الضرب بالعصى وزج به فى السجن، حيث حدثت المعجزة وفتحت أبواب السجن وآمن حافظ السجن (أع١٦: ٢٥-٣٤) ... ومن فيلبى رافق القديس بولس إلى تسالونيكى ثم إلى بيرية ... تخلف هو وتيموثاوس فى بيرية عن مصاحبة بولس إلى أثينا، لكنه لحقه فيها بعد ذلك (أع١٧: ١٣-١٥) ورافق بولس فى كورنثوس٧٥ (أع١٨: ٥) — ثم لا نعود نقرأ عنه شيئاً بعد ذلك فى سفر أعمال الرسل ... ويقال إنه أنهى حياته بسفك دمه على اسم المسيح فى مكدونيا.

‹ص ٤٦٢›

الآباء الرسوليين

ويقصد بهم تلاميذ الرسل الذين تتلمذوا على أيديهم ... ونذكر منهم:

القديس أكليمندس الرومانى٧٦

من أشهر الآباء الرسوليين. وهو الأسقف الثالث لكنيسة روما فى أواخر القرن الأول (٩٢ — ١٠١). ويأتى فى ترتيبه الزمنى بعد الأسقف لينوس Linus، والأسقف أناكليتوس Anacletus ... لا نعرف الكثير عنه، وهناك آراء متضاربة بخصوص شخصيته ...

رأى يقول إنه أحد معاونى القديس بولس فى الخدمة، وهو نفسه الذى ذكره الرسول فى الرسالة إلى فيلبى (فى ٤: ٣). ويكاد يكون هذا الرأى هو القاطع، فهو رأى قديم، ذكره أوريجينوس وإيريناوس والمؤرخ يوسابيوس وجيروم فى كتابه «مشاهير الرجال»٧٧ ويحتمل أن يكون يونانى أو رومانى وعمل بعض الوقت فى فيلبى ثم بعد ذلك فى روما. أما الآراء الأخرى فتربطه بقرابة بعيدة للإمبراطور تيبيريوس Tiberius، وهذا الرأى وارد فى بعض الكتب الأبوكريفا. وتوحد بينه وبين القنصل فلافيوس كليمنس Flavius Clemens أحد أقرباء الإمبراطور دومتيان الذى أعدمه بسبب مسيحيته ونفى زوجته دوميتلا Domitilla إلى ‹ص ٤٦٣› إحدى الجزر. وقالوا أنه قريب القنصل المذكور (ابن أخيه أو ابن أخته)، وقيل٧٨ إنه كان عبداً يهودياً، أو ابن عبد يهودى للقنصل المذكور ثم أعتقه وحرره وأنه حمل اسم سيده Clemens.

ولعل شهرة هذا الرجل ترجع إلى رسالته التى كتبها إلى كنيسة كورنثوس ينصحهم فيها بالمحبة، بعد أن شاعت الفرقة بينهم، تلك الرسالة التى أحتلت مكانة عالية فى الأوساط الدينية فى القرون المسيحية الأولى. وكانت تتلى فى إجتماعات يوم الأحد بالكنائس من وقت إلى آخر. وقد شهد بذلك ديونيسيوس الكورنثى من القرن الثانى وكذلك المؤرخ يوسابيوس٧٩ ... وإن كان اسم إكليمنضس لا يرد فى هذه الرسالة على الاطلاق — بل إنها موجهة من كنيسة الله التى فى روما إلى كنيسة الله التى فى كورنثوس — لكن الإجماع العام القديم يشهد بأنه هو كاتبها. وفضلاً عن ذلك فالإنسان يشتم منها كتابة الآباء الرسوليين وروحهم ... وهذه الرسالة تظهره ملماً بالثقافة الكلاسيكية فى عصره والحكمة، فضلاً عن الإلمام التام بكتاب العهد القديم فى ترجمته السبعينية. ومن هنا رجح العلماء أن يكون هيلينياً ثقافة، ويهودياً مولداً.

لا نعرف شيئاً عن حياته على الإطلاق ... أما عن خاتمة حياته فبعض الكتابات تجعل منه شهيداً سفك دمه على اسم المسيح فى بلاد القرم التى نفاه إليها الإمبراطور تراجان ... لكن الكتابات القديمة تذكر أنه مات ميتة طبيعية ... هكذا يذكره جيروم فى كتابه مشاهير الرجال. وأول مَنْ ذكر إستشهاده وقصته هو روفينوس فى القرن الرابع ولا يوجد كاتب واحد قبله ذكر أن إكليمنضس مات شهيداً ... وقصة إستشهاده محشوة بالخيال العجيب الذى لم نقرأ نظيراً له فى كل سير القديسين والشهداء!!

والكنيسة الرومانية تجل هذا القديس وتذكره فى خدمة ليتورجيتها ثالثاً بعد الرسل.

‹ص ٤٦٤›

القديس أغناطيوس الأنطاكى٨٠

هو أسقف أنطاكية الشهيد الشهير بين الآباء الرسوليين. يلقب «بالثاؤفوروس» ومعناها (حامل الإله)٨١ ... وهذا اللقب لم تخلعه الكنيسة على هذا القديس، بل هو الذى أطلقه على ذاته أثناء محاكمته التى سبقت إستشهاده٨٢ وتدعوه الكنيسة السريانية أيضاً «بالنورانى» لأنه رأى الملائكة النورانيين يسبحون الله فى فرقتين، فأدخل هذا النظام فى الكنيسة، وكان أول مَنْ فعل ذلك.

لا نعرف شيئاً عن حياته الأولى، لكن يبدو أنه كان وثنياً، ثم آمن بالمسيح على يد أحد المبشرين الأوائل الذين وفدوا إلى أنطاكية.

أما عن أسقفيته فهناك مَنْ يحاول أن يجعل منه تلميذاً لبطرس وبولس ويوحنا ... قال البعض إنه أول أسقف على أنطاكية خلفاً لبطرس الرسول أسقفها الأول!! وقيل بل هو الخليفة الثانى لمار بطرس بعد أفوديوس. وقيل أن أوفوديوس رسمه بطرس بينما أغناطيوس رسمه بولس ... وقالوا إن أفوديوس وأغناطيوس كانا معاصرين لبعضهما، الأول على اليهود المتنصرين، والثانى على الأمم المتنصرين ... وهكذا من الإدعاءات التى حاولت بها بعض الكنائس أن تخلع على ذاتها أهمية نتيجة نسبتها لبعض كبار الرسل ...

‹ص ٤٦٥› كان أغناطيوس شخصية عظيمة وسط معاصريه، لكن شهرته بالأكثر هى بسبب إستشهاده الرائع وثباته العجيب فى محاكمته، وأشواقه المتأججة لسفك دمه على اسم المسيح ... قبض عليه إبان الاضطهاد الذى أثاره الإمبراطور تراجان. وحوكم أمام والى سوريا سنة ١٠٧ — وليس أمام الإمبرطور ذاته كما تروى بعض القصص — وإذ أظهر ثباتاً عجيباً فى محاكمته٨٢، صدر الحكم بإعدامه بالقائه للوحوش فى روما أمام جماهير الشعب. سُرَّ أغناطيوس بهذا الحكم، فقد كان قلبه يتحرق شوقاً للإستشهاد الأمر الذى يتضح بكل جلاء من رسالته التى كتبها إلى كنيسة روما٨٢، يرجوهم ألاَّ يعوقونه عن الإستشهاد ... فلما قدموا إليه السلاسل التى سيقيد بها، إنحنى عليها وقبلها شاكراً الرب الذى أهله لهذه النعمة.

ودع رعيته وسافر إلى روما يخفره عشرة جنود أفظاظ. وفى سفره بحراً عرج على بعض مدن آسيا الصغرى حيث هرع إليه كثير من أساقفة وكهنة وشعب تلك الكنائس للتبرك منه ولتزود من تعاليمه، ومنهم بوليكاربوس أسقف أزمير ... وفى روما، وفى الكوليسيوم Coliseum اجتمعت جموع الرومان ليشهدوا الإحتفالات بانتصارات الإمبراطور تراجان، وليشاهدوا المصارعات الدموية بين الوحوش وبعض المعتبرين مجرمين ... عرى أغناطيوس من ثيابه، وألقى فى الحلبة، فوثب عليه أسدان مزقا جسده الطاهر والتهماه، ولم يبقيا منه سوى بعض عظام خشنة، جمعها المؤمنون بكل وقار، وعادوا بها إلى أنطاكية ككنز نفيس، ودفنت خارج باب المدينة، المعروف يومئذ بباب «دفنه». ثم نقلت على عهد الملك ثيؤدوسيوس الصغير — فى القرن الخامس — إلى هيكل الشهداء، الذى سمى منذ ذلك الوقت «كنيسة مار أغناطيوس».

وإلى جانب زخائره المقدسة، خلف لنا أغناطيوس رسائله السبع التى أنفذها إلى بعض الكنائس وهو فى طريقه إلى الإستشهاد ومازالت موجودة بين أيدينا ... وفيها يحض الكنائس على الثبات فى الإيمان والتقليد الرسولى والألفة والمحبة، والطاعة للكنيسة والابتعاد عن الهراطقة.

‹ص ٤٦٦›

القديس بوليكاربوس

ولد حوالى سنة ٦٩ أو قبل ذلك بقليل ... لا نعرف شيئاً عن حياته المبكرة. كل ما نعرفه عنه أنه كان تلميذاً ليوحنا الرسول، وصديقاً — أصغر فى السن — لأغناطيوس الأنطاكى الشهيد، ومعلماً لإيريناوس الذى صار أسقفاً لمدينة ليون ... أقامه يوحنا الرسول أسقفاً على مدينة أزمير بآسيا الصغرى ... ويقال إنه هو الذى عناه القديس يوحنا فى رؤياه بقوله: «أكتب إلى ملاك كنيسة سميرنا (أزمير) هذا يقوله الأول والآخر ... أنا أعرف أعمالك وضيقتك وفقرك، مع أنك غنى ... لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألم به ... كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة ...» (رؤ٢: ٨-١١).

يجمع التاريخ على أن بوليكاربوس كان ذا هيبة ووقار، وتمتع بنفوذ واسع على كل كنائس آسيا الصغرى، لما كان يتحلى به من الفضائل، ولما كان عليه من الفصاحة، وخاصة لأنه كان تلميذاً ليوحنا الحبيب، وعنه أخذ تعاليمه ... سافر إلى روما والتقى بأسقفها إنيكتس Anicetos بين سنتى ١٥٠، ١٥٤ للتفاهم على موضوع موعد عيد الفصح بعد أن إحتدم الخلاف بين كنائس آسيا الصغرى وكنيسة روما٨٣ ... وكان موضع تقدير واحترام فى روما. وإن كانت هذه المشكلة لم تحسم بصورة نهائية إلاَّ فى مجمع نيقية المسكونى.

ومن المعروف عنه أنه كان يمقت الهراطقة مقتاً شديداً، ولا غرابة فى ذلك، فهو تلميذ يوحنا الرسول الذى حذر من مجرد السلام عليهم، وأوصى بعدم قبولهم فى البيوت ... ومن بين الرسائل التى كتبها بوليكاربوس لم تصلنا إلاَّ رسالة واحدة أنفذها إلى كنيسة فيلبى.

‹ص ٤٦٧› أنهى حياته شهيداً سنة ١٥٥ — على أرجح الآراء — فى عهد الامبراطور أنطونينوس بيوس Antoninus Pius وهو فى شيخوخة وقورة بارة بعد أن بلغ من العمر ٨٦ عاماً ...

وقصة إستشهاده رائعة ومؤثرة٨٤. فعندما طلب منه الحاكم — أثناء المحاكمة — أن يحلف ويلعن المسيح ليطلقه، أجاب [لقد خدمت المسيح ستة وثمانين عاماً، ولم يصنع بى شراً، فكيف أجدف على ملكى الذى خلصنى؟!] ... وانتهى أمره بالحكم عليه أن يحرق حياً ... كان الوثنيون واليهود يتميزون غيظاً، وأخذوا يجمعون أخشاباً كثيرة ليضرموا ناراً شديدة. ولما حاولوا تسميره على خشبة حتى لا يتحرك أثناء إشتعال النار، قال لهم: [اتركونى هكذا، فالذى وهبنى قوة إحتمال شدة حريق النار، سيمنحنى قوة البقاء هادئاً بلا حركة بدون مسامير].

صلى أمام الجميع قبيل إشعال النار ... أما النار فقد أحاطت به وكأنها هالة من نور حول جسده، دون أن تمسه أو تفنيه ... وقف بوليكاربوس — كما تقول سيرة إستشهاده — وسط النار [لا كجسم يحترق، بل كخبز ينضج، أو فضة تنقى فى فرن ... وفاح عبير طيب كأنه بخور ثمين] ... ولما أصاب المكلفين بإحراق القديس، القلق لبطء إلتهام النار لجسده، أمروا جندياً أن يغمد خنجراً فى جسده ... فتفجر الدم غزيراً وأطفأ النار، ولكنه أشعل الرغبة فى الاستشهاد فى جموع المشاهدين، وفى جهات أخرى كثيرة٨٥ ...

‹ص ٤٦٨›

نماذج من النساء الخادمات

لم يكن رسل المسيح وحدهم هم الذين اضطلعوا بتأسيس ملكوت الله على الأرض، بل لقد أسهم معهم كثيرون فى هذا العمل ... هناك جنود مجهولون كثيرون لا نعرف مجرد أسماءهم، وهناك مَنْ نعرف أسماءهم لكن لا نعرف عن أتعابهم شيئاً ... ومن أمثلة ذلك، الخادمات الثلاث اللائى سنعرض لهن الآن ...

القديسة فيبى

تكاد تكون فيبى أشهر أنثى ورد أسمها فى رسائل الرسل ... لا نعرف عنها شيئاً غير ما دوّنه القديس بولس فى أول الأصحاح الأخير من رسالته إلى كنيسة رومية ... والعجيب أيضاً أن التاريخ الكنسى لا يسجل عنها أى شىء ... يكاد الأصحاح الأخير من الرسالة إلى رومية يقتصر على أسماء بعض الأشخاص الذين يبعث بولس تحياته إليهم ... ويذكر على رأس هذه القائمة الطويلة كلها — قبل الرجال — «فيبى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا» يقول معلمنا بولس «أوصى إليكم بأختنا فيبى التى هى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا، كى تقبلوها فى الرب كما يحق للقديسين، وتقوموا لها فى أى شىء إحتجته منكم، لأنها صارت مساعدة للكثيرين ولى أنا أيضاً» (رو١٦: ١، ٢).

ويبدو أن فيبى كانت متبتلة وكانت تقوم بخدمة فعالة فى الكنيسة فى منطقة كورنثوس فهى بحسب تعبير بولس «صار مساعدة للكثيرين ولى أنا أيضاً» ... ويبدو أنها كانت تخدم كشماسة فى كنيسة كنخريا إحدى موانى كورنثوس فى بلاد اليونان. فالرسول بولس يذكرها على أنها Diakanos هذه الكلمة التى تطلق على مَنْ يقوم بخدمة الشماسية سواء كان ذكراً أم أنثى٨٦ ... وقد أشرنا سابقاً إلى الخدمات التى كانت تضطلع بها الشماسة فى الكنيسة الأولى ... ولابد وأن فيبى ‹ص ٤٦٩› كانت تمارس عمل الشماسية النسوية، وفضلاً عن ذلك، فقد كانت هى كاتبة الرسالة إلى رومية، بناء عن إملاء الرسول بولس ... وليس هذا فحسب، بل لقد حملت هى نفسها هذه الرسالة إلى رومية.

وإذ نفكر فى وضع المرأة الإجتماعى فى ذلك العصر المبكر، وكيف كانت تحيا فى عزلة عن المجتمع، لا يسعنا إلاَّ الاعتقاد أن فيبى لم تكن شخصية نسائية عادية ... فقد جمعت فى شخصها، إلى جانب الثقافة، الشخصية والثراء، اللذين مكناها من السفر عبر البحار إلى روما، من أجل الإيمان بيسوع المسيح.

وليس من السهل أن نسلم بأن مهمة فيبى كانت مجرد توصيل الرسالة التى كتبها القديس بولس إلى كنيسة رومية، بل لابد أن يكون الرسول قد كلفها بمهمة خاصة، وجد أن من الحكمة عدم الإفصاح عنها ... وكل ما فعله أنه أوصى الكنيسة بتسهيل مهمتها ... لا شك أن تلك المهمة كانت شىء يتعلق بخدمة الكرازة ...

القديسة بريسكلا

إن كانت فيبى مثال للمرأة المتبتلة الخادمة فى الكنيسة الأولى، فإن بريسكلا هى المرأة المتزوجة الخادمة الكارزة، حتى أن القديس يوحنا ذهبى الفم يقول: [سيبقى أكيلا وبريسكلا المثل الأعلى للكمال فى الزواج المسيحى] ...

تدعى بريسكلا أو بريسكا وهو اسم لاتينى، وكان زوجها أكيلا يهودياً ... ولا نعرف عنهما شيئاً سوى الإشارات العابرة التى يشير بها القديس بولس إليهما فى بعض رسائله، فضلاً عن ذكر اسمهما فى سفر أعمال الرسل ... كانت تقيم مع زوجها أولاً فى روما، لكنهما تركاها مع كل اليهود الذين طردهم كلوديوس ‹ص ٤٧٠› قيصر٨٧، وأتيا إلى مدينة كورنثوس، حيث إلتقى بهما معلمنا بولس فى رحلته التبشيرية الثانية حينما وفد إلى هذه المدينة (أع١٨: ٢) ... أمضى بولس فى هذه المدينة سنة ونصف كان خلالها ضيفاً على هذين الزوجين ... وقد وطد من أواصر الصلة أنهما كانا — نظير بولس — يعملان فى صناعة الخيام ... ولا نستطيع أن نؤكد ما إذا كانت هذه وسيلة كسب عيشهما فى روما أيضاً، أم أنهما إضطرا إليها — نظير بولس أيضاً — إزاء الظروف التى ألمت بهما بعد طردهما من روما ... وقد إشتركا مع القديس بولس فى خدمة كلمة الله ...

ولما غادر بولس كورنثوس عائداً إلى أنطاكية ماراً بأفسس وأورشليم، رافقاه حتى مدينة أفسس ... أقاما فى مدينة أفسس، وأخذا يبشران بكلمة الله، وكان بيتهما هو مكان إجتماع المؤمنين ... والرسول بولس فى رحلته التبشيرية الثالثة حينما أتى إلى مدينة أفسس ومكث بها ثلاث سنوات، ومنها كتب رسالته الأولى إلى كورنثوس، كانا مايزالان بها، فنجد القديس بولس يكتب للكورنثيين «تسلم عليكم كنائس آسيا، يسلم عليكم فى الرب كثيراً أكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التى فى بيتهما» (١ كو١٦: ١٩).

وبعد أن تغيرت الأوضاع وسمح لليهود بالعودة إلى روما، عادت بريسكلا مع زوجها إليها. وهناك أخذا يمارسان نشاطهما الكرازى ... فحينما أنفذ بولس رسالته إلى كنيسة رومية، بعث بتحياته إليهما فى تقدير كبير ... «سلموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معى فى المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتى. اللذين لست أنا وحدى أشكرهما بل أيضاً جميع كنائس الأمم، وعلى الكنيسة التى فى بيتهما» (رو١٦: ٣-٥) ... ولا يوجد كلام تقدير أكثر من هذه الكلمات: فهما عملا معه، ووضعا عنقيهما من أجل حياته، ولهما جهود فى خدمة الأمم. ويبدو من هذا الكلام أنهما خاطرا بحياتهما فى سبيل إنقاذ بولس من المؤامرات التى كثيراً ما تعرض لها من اليهود والأمم على السواء ...

‹ص ٤٧١› ومرة أخرى يترك الزوجان روما ويعودا إلى آسيا، وإلى أفسس بالذات كبرى مدنها، ليتابعا عملهما فيها لأجل الرب ... فالرسول بولس فى آخر رسالة له من سجنه فى روما — قبيل إستشهاده مباشرة بينما كان يُسكب سكيباً، لا ينسى تعب محبتهما فيكتب إلى تيموثاوس تلميذه وأسقف مدينة أفسس يقول: «سلم على بريسكا وأكيلا» (٢ تى٤: ١٩) ...

ويلاحظ العلماء — ومنهم يوحنا الذهبى فمه — أن اسمها فى العهد الجديد يلازم اسم زوجها، بل أن اسمها فى أكثر الحالات يذكر متقدماً على اسم رجلها، مما يدل على شخصتها الفذة واقتدارها فى عمل الرب ... ويبدو أنها كانت أيضاً مقتدرة فى الكتب المقدسة «حتى أنها صارت شريكة لرجلها فى شرح الإيمان الحقيقى السليم لأبولس الاسكندرى الذى كان خبيراً فى طريق الرب، عارفاً معمودية يوحنا فقط» (أع١٨: ٢٤-٢٦).

هذا كل ما نعلمه عن هذه السيدة البارة المضحية، مثال الزوجة المسيحية الخادمة ... وللأسف لا يمدنا تاريخ الكنيسة بأية معلومات أخرى عنها أو عن زوجها.

القديسة تكلا الشهيدة Thecla[^88]:

هى تلميذة بولس الرسول، ومثال البتولية والطهارة بين العذارى، ونموذج الجهاد، وإحتمال الشدائد ... وعلى الرغم من أنها لم تسفك دمها لأجل المسيح فقد خلعت الكنيسة عليها لقب «أولى الشهيدات» تقديراً لأتعابها، والميتات التى قابلتها وأنقذها منها الرب.

كانت تكلا من أيقونية٨٩، ومن أشراف تلك المدينة، بارعة الجمال، كريمة ‹ص ٤٧٢› الخلق ... كانت مخطوبة لأحد أشراف المدينة، عندما وصل القديس بولس إلى مدينة أيقونية (أع١٣: ٥١) فى رحلته التبشيرية الأولى ... استمعت إلى كرازة بولس وآمنت على يديه ... وما لبثت أن أعتمدت ونذرت بتوليتها الرب ... وكان ذلك سبباً فى هجرها لخطيبها. وحالما كشفت تكلا نواياها لأمها، طار عقلها، وحاولت — ما وسعتها الحيلة — أن تثنيها عن عزمها فلم تتمكن، فشكتها إلى حاكم المدينة أنها مسيحية ...

منذ ذلك الوقت إجتازت تكلا سلسلة من المحاكمات والعذابات والإماتات. أضرم حاكم أيقونيه ناراً وألقاها فيها، لكن الله أرسل أمطاراً غزيرة أطفأت النار وشتتت المجتمعين حولها ... أما هى فتركت مدينتها هاربة إلى حيث القديس بولس، الذى صحبها إلى أنطاكية، وهناك تركها لتخدم بين النساء الوثنيات ...

وفى أنطاكية فتن بجمالها أحد وجهائها الطائشين ... وإذ رآها معرضة عنه، أراد أن يوقع بها فوشى بها إلى الوالى، الذى حكم بإلقائها للوحوش ... فألقيت عارية للوحوش ثلاث مرات على ثلاثة أيام متوالية. لكن الوحوش لم تقربها ... ألقاها فى جب ملىء بالأفاعى فلم تمسسها ... وإذ حار الوالى فى أمرها أطلق سراحها.

اتصلت بالقديس بولس. وبعد أن شجعها وتعزت بإيمانه، ذهبت إلى أيقونية مسقط رأسها تبشر مواطنيها بالإيمان الحى. ومن أيقونية انطلقت عائدة إلى سوريا وأخذت تبشر فى بعض جهاتها ... وفى أواخر حياتها عكفت على حياة الخلوة والنسك والتأمل، ووهبها الرب موهبة الشفاء، فكان الكثيرون يتقاطرون إليها طالبين البرء من أمراضهم ... وكم من مرة حاول بعض الأشرار الإساءة إلى طهارتها، فأنقذها الرب من أيديهم بمعجزة ... وأخيراً رقدت فى الرب وهى فى سن التسعين، ودفنت فى سلوقية.

وقد أفاض آباء الكنيسة الأوائل فى مديح هذه القديسة، ومنهم باسيليوس الكبير، وغريغوريوس الثاؤلوغوس، ويوحنا الذهبى فمه، وامبروسيوس، وأيرونيموس، وإيسيذوروس الفرمى، وساويرس الأنطاكى.

  1. ‹ص ٤١٠› (١) انظر: ١كو١٥: ١٠؛ ٢كو١١: ٢٣ - ٢٨.
  2. ‹ص ٤١١› (٢) Dictionary of the Bible, Vol. 2, p. 798; De Pressensé, Vol. I. p. 33.
  3. ‹ص ٤١٤› (٣) انظر الترجمات اليونانية واللاتينية والقبطية للعهد الجديد - وبخصوص الترجمة السريانية، انظر: تاريخ الكنيسة السريانية الانطاكية جـ ١ ص ٥٣ لمار سويريوس يعقوب توما - وانظر أيضاً: Young's; Analytical Concordance to the Bible; Liddell and Scott's Greek — English Lexicon.
  4. ‹ص ٤١٤› (٤) عن هذا الموضوع انظر: دكتور أسد رستم، نحن ورومه والفاتيكان.
  5. ‹ص ٤١٤› (٥) N.P.N.F., 1st. series, Vol. 7, p. 520.
  6. ‹ص ٤١٥› (٦) H.E., 3. 1.
  7. ‹ص ٤١٥› (٧) Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 1, p. 129.
  8. ‹ص ٤١٦› (٨) حفيد هيرودس الكبير قاتل أطفال بيت لحم، وابن أخى هيرودس الثانى الذى قطع رأس يوحنا المعمدان.
  9. ‹ص ٤١٧› (٩) Eusebius, H.E., 2. 9.
  10. ‹ص ٤١٧› (١٠) Smith; Dictionary of the Bible, Vol. 1, Part. 2, p. 1511.
  11. ‹ص ٤١٨› (١١) تضاربت الآراء بخصوص تاريخ نياحة السيدة العذراء مريم ... منها ما يذكر أنها عاشت خمس سنوات فقط بعد صعود المخلص، ومنها ما يجعل مدة هذه السنوات عشرة. ورأى يجعل نياحتها سنة ٦٢، وآخر يذكر أنها تنيحت فى شيخوخة فى سن الثانية والسبعين. وهناك تقليد قديم يقرر أن نياحتها كانت حوالى سنة ٤٨ ... على أننا من مراجعتنا للأصحاح الثانى من الرسالة إلى غلاطية التى يشير فيها بولس إلى مجمع أورشليم نفهم أن يوحنا كان حاضراً هذا المجمع الذى إنعقد حوالى سنة ٥٠. فالرسول بولس يقرر أن يوحنا مع يعقوب وبطرس أعطوه وبرنابا يمين الشركة ليكونا للأمم ... لكن يبدو أن يوحنا لم يكن موجوداً بأورشليم سنة ٥٨ وهى السنة التى زار فيها بولس أورشليم زيارة أخيرة. ففى هذه المرة لم يقابل من الرسل سوى يعقوب (أع٢١: ١٨)، مما يستنتج معه أن يوحنا لم يكن موجوداً بها وقتذاك، وربما كان فى مكان ما بفلسطين يكرز ويبشر [انظر: تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية جـ ١ ص ٣٩، ٤٠؛ الخريدة النفيسة جـ ١ ص ٤٦، مروج الأخيار ص ٣٦٢، ٣٦٣؛ Schaff, Vol. I, p. 424, الطرفة النقية جـ ١ ص ١٣].
  12. ‹ص ٤١٩› (١٢) تعرف الآن باسم Patome أو بالموسا Palmosa من جزر بحر إيجة جنوب غربى أفسس. ومازالت فى الجزيرة حتى الآن معالم أثرية عن استقرار يوحنا فيها.
  13. ‹ص ٤١٩› (١٣) Schaff, Vol. I, p. 426.
  14. ‹ص ٤٢٠› (١٤) انظر: يو١٣: ٢٣؛ ١٩: ٢٦؛ ٢٠: ٢؛ ٢١: ٧، ٢٠.
  15. ‹ص ٤٢٠› (١٥) انظر خروج ٢٨: ٣٦، ٣٧؛ ٣٩: ٣٠، ٣١.
  16. ‹ص ٤٢١› (١٦) Carrington, Vol. 1, pp. 31, 40.
  17. ‹ص ٤٢٢› (١٧) عالم وقس من قرطاجنة بشمال أفريقيا. ولد حوالى منتصف القرن الثانى وتوفى بين سنتى ٢٢٠، ٢٤٠. انضم آخر القرن الثانى أو أوائل الثالث إلى هرطقة المونتانيين Montanists. له عدة إنحرافات إيمانية عقيدية.
  18. ‹ص ٤٢٢› (١٨) N.P.N.F., Series 2, Vol. 6, pp. 334 - 346. ترجم جزء من الرسالة دير السريان، ونشرها كميمر للميلاد فى يناير سنة ١٩٦٢ باسم «ميمر الابن الوحيد».
  19. ‹ص ٤٢٢› (١٩) انظر: تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية جـ ١ ص ٨٩.
  20. ‹ص ٤٢٣› (٢٠) انظر مت ١: ١٧؛ لو ١: ٢٧؛ رو ١: ٣؛ ٢ تى ٢: ٨؛ رؤ ٢٢: ١٦ — وأيضاً: Schaff, Vol. 1, p. 274.
  21. ‹ص ٤٢٣› (٢١) انظر: ترجمة هذا الرسول فى سنكسار الروم الكاثوليك تحت يوم ٩ تشرين الأول.
  22. ‹ص ٤٢٣› (٢٢) انظر: يو ١٩: ٢٥ بالمقارنة مع لو ٢٤: ١٠؛ مر ١٥: ٤٠.
  23. ‹ص ٤٢٣› (٢٣) انظر التعليق على يوسابيوس ك ١ ف ١٢: فى مجموعة: (N.P.N.F., scries 2, Vol. 1, p. 99)
  24. ‹ص ٤٢٣› (٢٤) Dictionary of Christian Biography, Vol. 1, p. 22.
  25. ‹ص ٤٢٤› (٢٥) انظر: مت ١٧: ١٧؛ مر ٤: ٤٠؛ ٩: ١٩؛ ١٦: ١٤؛ لو ٨: ٢٥؛ ٩: ٤١؛ ١٧: ٥؛ ٢٤: ٢٥؛ يو٦: ٦٤ وانظر تلميذى عمواس ورأيهما المدون فى لوقا ٢٤: ١٣-٢٧.
  26. ‹ص ٤٢٤› (٢٦) ترجم هذا الاقتباس القديس جيروم من العبرية إلى اللاتينية واليونانية وأورده فى الفصل الثانى من كتابه مشاهير الرجال انظر: N.P.N.F. series 2 Vol. 3, p. 362.
  27. ‹ص ٤٢٤› (٢٧) Schaff, Vol. 1, p. 266 (footnote).
  28. ‹ص ٤٢٥› (٢٨) خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية ص ٥.
  29. ‹ص ٤٢٥› (٢٩) خر ٢٨: ١٦.
  30. ‹ص ٤٢٦› (٣٠) هو أحد علماء القرن الثانى المسيحيين، كان يهودياً وآمن، ويرجح أنه كان من فلسطين متأثراً بالعوائد اليهودية. كان كثير الأسفار فى سوريا واليونان وإيطاليا. كتب تاريخاً للكنيسة لكنه فقد، وقد حفظ لنا يوسابيوس بعض فقرات منه H.E., 2 - 23.
  31. ‹ص ٤٢٦› (٣١) Eusebius, H.E., 2 - 23.
  32. ‹ص ٤٢٧› (٣٢) خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية ص ٥، ٦.
  33. ‹ص ٤٢٧› (٣٣) عن ليتورجية القديس يعقوب انظر: A.N.F., Vol. 7, pp. 529-550
  34. ‹ص ٤٢٨› (*) مدينة هيرابولس Hierapolis مجاورة لكولوسى واللاذقية بآسيا الصغرى — اندثرت وتدعى الآن بامبوك كليسى Pambuk Kalesi.
  35. ‹ص ٤٢٨› (٣٤) يو ١: ٤٥-٥١؛ ٢١: ٢.
  36. ‹ص ٤٢٨› (٣٥) مت ١٠: ٣؛ مر ٣: ١٨؛ لو ٦: ١٤.
  37. ‹ص ٤٢٨› (٣٦) Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 1, Part 1, p. 358; Vol. 2, p. 467.
  38. ‹ص ٤٢٩› (٣٧) H.E., 5. 10.
  39. ‹ص ٤٢٩› (٣٨) Smith, Dictionary of the Bible. Vol. 1, Part 1, p. 358.
  40. ‹ص ٤٣١› (٣٩) Smith, Dictionary of the Bible. Vol. 2, p. 274.
  41. ‹ص ٤٣١› (٤٠) انظر: مت ١٠: ٣؛ مر ٣: ١٨ بالمقابلة مع لو٦: ١٦؛ أع ١: ١٣.
  42. ‹ص ٤٣١› (٤١) انظر: تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية جـ ١ ص ٦٨.
  43. ‹ص ٤٣٢› (٤٢) Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 3, p. 1320.
  44. ‹ص ٤٣٤› (٤٣) Schaff, Vol. 1, pp. 286-333; De Pressensé Vol, 1, pp. 95-124; 143-204; Weiss, Earliest Christianity Vol. 1, pp. 180-185; Lietzmann, A History of the Early Church, pp. 104; Harnack, The Mission and Expansion of Christianity p.p. 73 -- ; Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 2, pp. 731-763.
  45. ‹ص ٤٣٤› (٤٤) بناء عن رواية جيروم التى يحتمل أن يكون أخذها عن أوريجينوس أن والدى شاول نزحا من جيشالا Gischala وهى مقاطعة يهودية شمالى الجليل إلى طرسوس. ولعل فى ارسال شاول ليتعلم فى أورشليم، ووجود أخت له متزوجة فيها (أع٢٣: ١٦-٢٢) ما يؤيد هذا الرأى.
  46. ‹ص ٤٣٥› (*) يشهد الجغرافى سترابو Strabo بأن مدارس مقاطعة كيليكية كانت تنافس مدارس أثينا والاسكندرية.
  47. ‹ص ٤٣٥› (٤٥) يتضح هذا من إستخدامه بعض الكلمات الآرامية فى رسائله مثل «ماران أثا» (١ كو١٦: ٢٢)، وأبا (غل٤: ٦؛ رو٨: ١٥).
  48. ‹ص ٤٣٧› (٤٦) أع ٩: ١-١٨؛ ٢٢: ٦-١٦؛ ٢٦: ١٢-١٨.
  49. ‹ص ٤٣٧› (٤٧) المقصود بها مملكة النبوطيين التى كانت تمتد من دمشق شمالاً إلى بترا Petra العاصمة جنوباً — وقد ورد ذكر النبوطيين فى سفر المكابيين الأول (٥: ٢٥) — وكان يُطلق على سكانها اسم العرب انظر: Hastings, Dictionary of the Bible, p. 46.
  50. ‹ص ٤٣٨› (٤٨) لم يصعد بولس إلى بطرس ليتلقى منه تعليمات، أو ليستمد منه سلطاناً أو تعليماً. فالرسول بولس يقول إلى أهل غلاطية: «وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذى بشرت به أنه ليس بحسب إنسان. لأنى لم أتسلمه أو أتعلمه من إنسان بل باعلان يسوع المسيح» ويقول بعدها — مشيراً إلى حادث إيمانه — «ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلى» (غل١: ١١، ١٢، ١٧). لكن ليس معنى هذا أن بولس إستقى كل معلوماته عن المسيحية من الله رأساً، لكنه بالتأكيد إستلم بعضها من الكنيسة، بالإضافة إلى بعض الأسرار العميقة التى أعلنت له من الله والتى ميزت شخصيته وتعليمه بين الأمم انظر: De Pressensé Vol. 1, p. 115.
  51. ‹ص ٤٤٤› (٤٩) الرذائل التى أشار إليها بولس فى (رو ١: ١٨-٣٢) — تلك الرسالة التى كتبها من كورنثوس إلى كنيسة رومية — إنما جاءت وصفاً لأنواع الفجور فى تلك المدينة التى إستشرى الفساد فيها، حتى أن معبد الالهة فينوس فوق الأكربول كان يضم أكثر من ألف زانية مخصصة لإرتكاب ألوان الفحشاء إرضاء للالهة .. انظر: Schaff, Vol. 1, pp. 325, 326.
  52. ‹ص ٤٤٩› (٥٠) سنكسار الكنيسة القبطية تحت يوم ٢١ كيهك، الدرر النفيسة فى مختصر تاريخ الكنيسة جـ ١ ص ٧٧. Eusebius, H.E., 1. 12: 1; Harnack, the Mission, pp. 52, 53.
  53. ‹ص ٤٥٠› (٥١) أع ١٤: ٤، ١٤؛ ١ كو٩: ٥، ٦؛ غل ٢: ٩ — Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 1, Part 1, p. 358.
  54. ‹ص ٤٥٠› (٥٢) برنابا تفسيره فى بعض الترجمات ابن الوعظ، وفى ترجمات أخرى ابن العزاء كما فى السريانية واللاتينية القديمة. والمعنى الحرفى لبرنابا ابن النبوة، وربما دعى ابن الوعظ لأن الوعظ كان من أعمال أنبياء العهد الجديد (أع١٥: ٣٢) انظر: Smith, Dict. of the Bible. Vol. 1, Part 1. p. 357.
  55. ‹ص ٤٥١› (٥٣) انظر: ١ كو٩: ٦؛ كو٤: ١٠.
  56. ‹ص ٤٥١› (٥٤) انظر ماكتبناه عن هذه الرسالة فى الباب السادس.
  57. ‹ص ٤٥١› (٥٥) انظر: أع ١٢: ١٢، ٢٥؛ ١٣: ٥، ١٣؛ ١٥: ٣٧-٣٩؛ كو٤: ١٠؛ ٢ تى ٤: ١١؛ فل ٢٤؛ ١ بط ٥: ١٣.
  58. ‹ص ٤٥٢› (٥٦) أنبا شنوده، مرقس الرسول ص ١٤-١٦.
  59. ‹ص ٤٥٢› (٥٧) يبلغ القديس بولس الكولوسيين فى آسيا الصغرى سلام مرقس (كو٤: ١٠) مما يدل على أنه كان معروفاً لديهم.
  60. ‹ص ٤٥٣› (٥٨) انظر كو٤: ١٠؛ ٢ تى ٤: ١١؛ فل ٢٤.
  61. ‹ص ٤٥٤› (٥٩) هذا هو رأى أبيفانيوس فى القرن الرابع — انظر: Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 2, p. 151.
  62. ‹ص ٤٥٤› (٦٠) هكذا شهد يوسابيوس فى تاريخه (H.E. 3.4.7)، وهكذا كل التقاليد القديمة ... ويؤكد ذلك ملاحظتنا لما يأتى: يعطينا لوقا معلومات أكثر من غيره عن كنيسة أنطاكية (أع١١: ١٩-٣٠؛ ١٣: ١-٣؛ ١٥: ١-٣؛ ٢٢-٣٥) ويرجع أساس تسمية «مسيحى» إلى أنطاكية (أع١١: ١٩)، وحينما ذكر السبعة شمامسة ذكر نيقولاوس أنه أنطاكى (أع٦: ٥) دون أن يذكر جنسية أى شماس آخر.
  63. ‹ص ٤٥٥› (٦١) Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 2, p. 151.
  64. ‹ص ٤٥٥› (٦٢) قارن بين أع ١٦: ٦-٨؛ أع ١٦: ١٠ وما بعدها.
  65. ‹ص ٤٥٦› (٦٣) ذكر بولس الرسول القديس لوقا فى رسائله ثلاث مرات بكل تقدير (كو٤: ١٤؛ ٢ تى٤: ١١؛ فل ٢٤).
  66. ‹ص ٤٥٦› (٦٤) Schaff, Vol. 1, p. 652.
  67. ‹ص ٤٥٦› (٦٥) Lives of Illustrious Men, 7.
  68. ‹ص ٤٥٧› (٦٦) Schaff, Vol. 1, p. 654.
  69. ‹ص ٤٥٧› (٦٧) Smith, Dictionary of The Bible, Vol. 2, p. 151.
  70. ‹ص ٤٥٧› (٦٨) انظر: رو٢: ١٦؛ ١٦: ٢٥؛ ٢ تى ٢: ٨.
  71. ‹ص ٤٥٨› (٦٩) ١ كو٤: ١٧؛ ١ تى ١: ٢؛ ٢ تى ١: ٢.
  72. ‹ص ٤٥٩› (٧٠) أع ١٩: ٢١، ٢٢ — انظر أيضاً ١ كو ٤: ١٧؛ ١٦: ١٠ — والرسالة إلى كورنثوس كتبها بولس من أفسس.
  73. ‹ص ٤٥٩› (٧١) فى ١: ١؛ كو١: ١؛ فل ١.
  74. ‹ص ٤٥٩› (٧٢) انظر: عب ١٣: ٢٣.
  75. ‹ص ٤٦٠› (٧٣) Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 3. pp. 1518-1520.
  76. ‹ص ٤٦١› (٧٤) Smith, Dictionary of the Bible. Vol. 3, p. 1310.
  77. ‹ص ٤٦١› (٧٥) انظر ٢ كو١: ١٩.
  78. ‹ص ٤٦٢› (٧٦) Smith, Dictionary of Christian Biography, Vol. 1, pp. 554-559; Wace, Piersy, Dictionary of Christian Biography. pp. 171-176; Schaff Vol. 2, pp. 637-647.
  79. ‹ص ٤٦٢› (٧٧) انظر الحاشية فى: Jerome. Lives of Illustrious Men (N.P.N.F. Vol. 4. p. 366)
  80. ‹ص ٤٦٣› (٧٨) كان بعض العبيد على جانب كبير من الثقافة والذكاء، ومن أمثلتهم هرماس صاحب كتاب الراعى، وكلستوس Callistus أسقف روما، وكان كلاهما من العبيد المحررين.
  81. ‹ص ٤٦٣› (٧٩) H.E. 3. 16.
  82. ‹ص ٤٦٤› (٨٠) تاريخ الكنيسة السريانية جـ ١، أسد رستم، آباء الكنيسة فى القرون الثلاثة الأولى، Schaff Vol. 2, pp. 633-660.
  83. ‹ص ٤٦٤› (٨١) الكلمة اليونانية ثاؤفوروس Theophorus بالنبرة على المقطع الثانى معناها (حامل الإله) أما إذا وضعت النبرة على المقطع الأول من الكلمة المذكورة فيصبح معناها (مَنْ حمله الله) ... لجأ إلى هذا المعنى الثانى بعض المتأخرين للتدليل على أن أغناطيوس هو الطفل الذى أقامه المسيح وسط التلاميذ ليلقنهم درساً فى الإتضاع (مت١٨: ٢، ٣). نادى بهذا الرأى بعض مؤرخى الكنيسة فى العصور الوسطى من أمثال ميتافرستس Metaphrastes وأناستاسيوس الكتبى. لكن القديس يوحنا ذهبى الفم — الأنطاكى المولد — أكد أن أغناطيوس لم ير المسيح.
  84. ‹ص ٤٦٤› (٨٢) عن محاكمته، ومقتطفات من رسالته إلى كنيسة رومية، انظر: الاستشهاد فى المسيحية ص ٩٦، ٩٧، ١٤١، ١٤٢.
  85. ‹ص ٤٦٦› (٨٣) كانت كنائس آسيا الصغرى تتبع التقويم اليهودى إعتماداً على ما تسلموه من الرسولين يوحنا وفيلبس ... وكانت تحتفل بتذكار صلب المسيح وقيامته فى ١٤، ١٦ نيسان فى أى يومين من أيام الأسبوع دون التقيد بيومى الجمعة والأحد. أما كنيستى الاسكندرية وروما وبعض كنائس أخرى، فقد إلتزمت بضرورة مراعاة هذين اليومين.
  86. ‹ص ٤٦٧› (٨٤) انظر هذه السيرة التى كتبتها كنيسة أزمير إلى كنيسة فيلوميليوم Philomelium وهى مدينة فى مقاطعة فريجيا بآسيا الصغرى. (A.N.F., Vol. 1, pp. 39-44)
  87. ‹ص ٤٦٧› (٨٥) عن إستشهاد بوليكاربوس: انظر الاستشهاد فى المسيحية ص ١٤٢ — ١٤٤.
  88. ‹ص ٤٦٨› (٨٦) Wuest, Romans in the Greek N.T., p. 257.
  89. ‹ص ٤٧٠› (٨٧) لم يكن الزوجان يهوديين وقت طرد اليهود من روما، لكن المسيحيين طردوا مع اليهود، لأن الرومان كانوا ينظرون إلى المسيحية حتى ذلك الوقت على أنها شيعة يهودية.
  90. ‹ص ٤٧١› (٨٨) Smith, Dictionary of Christian Biography, Vol. 4, pp. 882-895; Wace, Piercy, Dictionary of Christian Biography, pp. 953-956.
  91. ‹ص ٤٧١› (٨٩) مدينة بإقليم غلاطية بآسيا الصغرى (انظر أع ١٤: ١).

From The Christian Church in the Apostolic Age by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya (first published in 1971 under his monastic name, Fr Shenouda al-Suriani), third edition, May 1987, printed at the Anba Ruways offset press, Abbasiyya, Cairo.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.