← Books · The Christian Church in the Apostolic Age
الباب الثانى: الصراع مع اليهودية
The struggle with Judaism, and the fall of Jerusalem
الباب الثانى
الصراع مع اليهودية
- كنيسة أورشليم.
- مؤامرات اليهود واضطهاداتهم.
- بركات الاضطهاد وثماره.
- الكنيسة خارج أورشليم. دمشق — أنطاكية.
- حركة التهود.
- خراب أورشليم وهيكلها وأثره على الكنيسة المسيحية.
‹ص ٦٦›
كنيسة أورشليم
ولدت الكنيسة يوم الخمسين بأورشليم، ولذا عُدّت كنيسة أورشليم هى الكنيسة الأم لليهود المتنصرين، بل للعالم المسيحى كله فيما بعد ...
ونستطيع أن نتصور الحياة التى كانت تحياها تلك الجماعة المسيحية الناشئة ... كانوا قلة فى عددهم، خصوصاً بعد أن عاد شهود يوم الخمسين الذين آمنوا إلى أوطانهم ... كانت الحياة، وكل شىء، داخل هذه الجماعة الجديدة، يجرى فى بساطة، حتى أن القديس لوقا حينما يصور تلك الفترة المبكرة يقول عن المؤمنين أنهم كانوا «يكسرون الخبز فى البيوت، ويتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب» (أع٢: ٤٦).
لكن، ومع ذلك، كانت هذه الكنيسة الناشئة تنمو داخلياً وخارجياً على أيدى الرسل ... وهنا نذكر القديس بطرس، الذى كان له — بحكم سنه وخبرته وحماسه الفطرى — دور قيادى فى تلك الفترة المبكرة من حياة الكنيسة. ساعد الرسل عدد من الكهنة القسوس وسبعة شمامسة للعناية بالفقراء والمرضى ... وكان روح الله يعمل — لا فى الرسل وحدهم بل فى جميع التلاميذ أى المؤمنين، فقفز عدد المؤمنين من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف (أع٤: ٤) ... أما عوامل النمو فكانت الكرازة بالإنجيل وعمل المعجزات باسم الرب يسوع، وحياة المؤمنين العجيبة فى إيمانها وحبها وكل فضيلة١.
كان المؤمنون — بقيادة الرسل — يصعدون إلى الهيكل للعبادة، كما كان يفعل معلمهم ... أما اجتماعات العبادة الخاصة، فعقدوها فى البيوت (أع٢: ٤٦؛ ‹ص ٦٧› ٥: ٤٢). كما واظبوا على تناول عشاء الرب ... وفى كل ذلك كان يجمعهم إحساس بأنهم جماعة واحدة، وأعضاء جسد واحد رأسه المسيح ... وقد لازموا الهيكل وعبادته، وتمموا الناموس القديم، بقدر ما سمحت لهم حياتهم الجديدة، وإيمانهم الجديد ...
وعظات القديس بطرس للشعب إمتازت بالبساطة والاقناع، أما خطبه أمام السنهدرين٢، فلم تكن دفاعية بقدر ما كانت تبشيرية، ومفعمة حماساً وغيرة وقوة وإقناعاً وحكمة ... ولا شك أن ذلك كله كان من عمل روح الله الذى جعل من التلميذ الرعديد، شاهداً صنديداً يشهد أمام مجلس اليهود الأعلى ويقول: «إن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فاحكموا، لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا ... ينبغى أن يُطاع الله أكثر من الناس» (أع٤: ١٩، ٢٠؛ ٥: ٢٩).
هكذا كانت يد الله القوية واضحة فى الخدمة، فكان «مؤمنون ينضمون للرب أكثر. جماهير من رجال ونساء» (أع٥: ١٤) ... وكانت «كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جداً فى أورشليم، وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان» (أع٦: ٧) ... كان الرب هو العامل فيهم وبهم، وهكذا ... «كان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون» (أع٢: ٤٧). أما نتيجة هذا التوفيق والنجاح فى الخدمة، فكانت سلسلة طويلة ومريرة من المؤامرات والاضطهادات، مرت بها الكنيسة والمؤمنون ...
مؤامرات اليهود واضطهاداتهم
مؤامرات اليهود:
تظهر أسفار العهد الجديد، مسلك اليهود الدنىء فى الوشاية والمؤامرات ‹ص ٦٨› وإثارة الجماهير ضد الكنيسة المسيحية الناشئة، حينما كانت تعوزهم الفرصة للفتك بالمسيحيين والتنكيل بهم ... هذه هى خبرة المسيحيين بهم.
فلما رأوا العالم كله قد ذهب وراء المسيح، حرض رؤساؤهم الجموع أمام بيلاطس الوالى الرومانى ليصلب المسيح ويطلق باراباس اللص (مت٢٧: ٢٠). ولما حنقوا على إستفانوس وعلى الله، وهيجوا الشعب، وأقاموا شهوداً كذبة ضده (أع٦: ٩-١٤) ... وإذ إمتلأوا غيظاً من القديس بولس، سعوا لدى والى الحارث الملك فى دمشق، فأحكم مراقبة أبواب المدينة نهاراً وليلاً بقصد القبض عليه وقتله٣ ...
وفى أنطاكية بيسيدية — بعد أن آمن كثيرون بسبب كرازة بولس وبرنابا — حرك اليهود النساء المتعبدات الشريفات ووجوه المدينة ضد الرسولين وأخرجوهما من تخومهم (أع١٣: ٥٠) ... وفى تسالونيكى تقدم اليهود إلى الوالى بوشاية ضد المسيحيين قائلين أنهم يعملون ضد أحكام قيصر لأنهم يؤمنون بملك آخر يسوع (أع١٧: ٦-٨) ... وفى أيقونية هيجوا المدينة كلها ضد بولس وبرنابا، وكادوا يفتكون بهما لولا أنهما هربا (أع١٤: ١-٦) ... وفى مدينة لسترة نجحوا فى إثارة الناس ضد بولس فرجموه رجماً عنيفاً حتى ظن أنه مات، بعد أن كانوا معجبين به جداً وقالوا إنه إله (أع١٤: ٨-١٩) ...
والقديس بولس الذى ذاق منهم الأمرين أجاد فى وصفهم حينما قال: «اليهود الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم، واضطهدونا نحن. وهم غير مرضين لله، واضداد لجميع الناس ... قد أدركهم الغضب إلى النهاية» (١تس٢: ١٥، ١٦).
الإضطهادات الأولى:
كان لا مفر من الصدام بين المسيحية واليهودية ... ولم يكن أمام الكنيسة ‹ص ٦٩› الناشئة إلاَّ الباب الضيق أن تلجه، والطريق الكرب أن تسلكه ... طريق الضيق والاضطهاد ... كان البادىء بالاضطهاد هم جماعة الصدوقيين (أع٤: ١؛ ٥: ١٧) ... ولعل ما أثارهم هو كرازة الرسل بقيامة الرب يسوع من بين الأموات (أع٤: ٢)، بينما هم ينكرون القيامة من الأموات ... كان ذلك عقب المعجزة التى تمجد بها الرب بشفاء المقعد من بطن أمه، الذى كان له أكثر من أربعين سنة مقعداً، وكان يجلس عند باب الهيكل يسأل صدقة ... لقد قبضوا على بطرس ويوحنا وأودعوهما السجن إلى الغد ... وما لبثوا أن هالتهم كثرة الآيات والعجائب التى كانت تجرى على أيدى الرسل فأمسكوا بالرسل جميعاً والقوهم فى الحبس. لكن ملاك الرب فتح أبواب السجن ليلاً وأطلقهم. وفى الصباح شوهدوا فى الهيكل يعلمون (أع٥: ١٢-٢٠). وفى هذه المرة فكروا جدياً فى التخلص منهم، لولا تدخل المعلم الفريسى غمالائيل، الذى كان متزناً، فاكتفوا بجلدهم واطلاقهم بعد أن أوصوهم أن لا يبشروا باسم الرب يسوع ... أما الرسل «فذهبوا فرحين لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه» (أع٥: ٣٣-٤١).
أول شهيد:
كان المنتظر أن يصبح اليهود اليونانيون، عنصراً تقدمياً متحرراً، إزاء نظرة الازدراء التى كان ينظر بها إليهم يهود فلسطين. لكن حادث مقتل إستفانوس أول شهيد مسيحى يعكس لنا صورة أخرى عنهم.
كان إستفانوس أحد الشمامسة السبعة رجلاً مملوءاً إيماناً وقوة، وكان يصنع عجائب وآيات عظيمة فى الشعب (أع٦: ٨). وقد أثارت شخصيته ومعجزاته حسد ومقاومة مواطنيه من اليونانيين ... لقد أسقط فى يدهم، إذ «لم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذى كان يتكلم به» (أع٦: ١٠) ... فما كان منهم إلاَّ أن لجأوا إلى أسلوب الدس والإثارة كما هى عادتهم «فخطفوه وأتوا به إلى المجمع» (أع٦: ١١، ١٢).
قدم إستفانوس فى احتجاجه صورة تاريخية عريضة، حينما استعرض ‹ص ٧٠› تاريخ هذا الشعب، مظهراً به صلاح الله وجحود اليهود ... وهكذا حول إستفانوس دفاعه إلى إتهام جرىء ... ثم لخص إستفانوس الفترة الأخيرة من تاريخ أمته اليهودية وأشار إلى بناء الهيكل ... ولم يتفوه بشىء ضده، بل اعتبره نعمة من الله لبيت داود ... لكنه هاجم المادية الشنيعة التى ظهرت فى هذا الهيكل.
كانت كلمات إستفانوس نارية مقنعة تحمل معها الدليل والبرهان، لكنها وقفت عند آذان سامعيه، ولم تجد سبيلاً إلى قلوبهم القاسية ... وحسناً ختم اسطفانوس دفاعه بهذه الكلمات القوية «يا قساة الرقاب، وغير المختونين بالقلوب والآذان. أنتم دائماً تقاومون الروح القدس، كا كان آباؤكم كذلك أنتم. أى الأنبياء لم يضطهده آباؤكم. وقد قتلوا الذين سبقوا فأنبأوا بمجىء البار، الذى أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه. الذين أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه» (أع٧: ٥١-٥٣).
وما أن وصل إستفانوس إلى هذه الفقرة من خطابه، حتى هاج سامعوه وثاروا بعنف شديد، وأخرجوه خارج المدينة ورجموه ... وقيل إن إستشهاده الرائع حدث سنة ٣٦ أو سنة ٣٧ ... كان وجهه يتلألأ بنور سماوى، ورأى رؤيا سماوية ... رأى مجد الله، والرب يسوع قائماً عن يمين العظمة ... لقد أسلم روحه الطاهرة وهو يصلى من أجل قاتليه، أن لا يقيم الرب عليهم خطية قتله، متشبهاً بسيده الذى طلب الغفران لصالبيه. كان حادث مقتل إستفانوس سبباً فى تحالف الفريسيين مع الصدوقيين، من أجل هدف خبيث مشترك، هو القضاء على الجماعة المسيحية الناشئة، على نحو ما صار هيرودس وبيلاطس صديقين بسبب صلب الرب يسوع ..!!
وثمة ملاحظة نسوقها ... يورد سفر أعمال الرسل خطاب استفانوس الذى يعتبر أطول خطاب سجله هذا السفر. ومن المرجح أن المعلومات الواردة فيه، استمدها كاتب السفر من بولس الرسول، الذى لم ينس كلمات إستفانوس القوية، ولا وجهه الذى أضاء كوجه ملاك، بينما كان هو راضياً بقتله، ويحرس ثياب الراجمين!!
‹ص ٧١›
شهيد آخر:
تعطف الامبراطور الرومانى كاليجولا Galigula (٣٧-٤١ م) على نديمه هيرودس أغريباس (وهو حفيد هيرودس الكبير) فى سنة ٣٧، وأقامه ملكاً، وولاه على كورة تراخونيتس فى أقصى شمال فلسطين. ثم ولاه على مقاطعة الجليل وبلا Pella وتوابعها فى شرقى الأردن ... وفى سنة ٤١ وسع الامبراطور كلوديوس (٤١-٥٤ م) اختصاصات هيرودس، فولاه السامرة واليهودية بالإضافة إلى ما تقدم ... وكان هيرودس أغريباس قد إشتهر بتهتكه أثناء إقامته بروما. فلما صار ملكاً على كل بلاد فلسطين، أراد أن يتودد إلى رجال الدين من اليهود ويسترضيهم٤، فأثار إضطهاداً على المسيحيين، وقبض على قوم منهم، من بينهم الرسول يعقوب بن زبدى وقتله بحد السيف سنة ٤٤ (أع١٢: ١، ٢).
كان القديس يعقوب هو أول مَنْ إستشهد من الرسل ... ويروى يوسابيوس المؤرخ — إستناداً إلى كليمنضس الاسكندرى — قصة إستشهاده فيقول إن الشخص الذى قاد الرسول يعقوب إلى المحاكمة تأثر عندما رأى شجاعته وثباته، وأعلن إيمانه بالمسيح، واقتيد كلاهما إلى الخارج. وفى الطريق توسل ذلك الشخص إلى الرسول أن يسامحه ... أما يعقوب، فبعد تفكير قصير، قال: [سلام معك] وقبله. وما لبثت أن قطعت رأساهما بحد السيف فى آن واحد٥.
سجن بطرس:
لم تقنع نفس هيرودس أغريباس المفعمة رياء بقتل أحد رسل المسيح، بل إذ رأى أن ذلك يرضى اليهود عاد فقبض على بطرس أيضاً، وطرحه فى السجن ووضع عليه حراسة قوية، وكان ينوى أن يقتله بعد الفصح، كتقدمة ‹ص ٧٢› مرضية لليهود ... كان ذلك فى ربيع سنة ٤٤ ... لكن الله أرسل ملاكه وفتح أبواب السجن وأطلق بطرس ...
لقد أفرد القديس لوقا اصحاحاً بأكمله لهذا الموضوع (أع١٢) ... وليس لغير سبب، أرشد روح الله لوقا ليسجل لنا هذه القصة بالتفصيل .. فهذا الفصل يسجل عمل الله مع الكنيسة، كما أنه يسجل بحروف من نور روح الكنيسة الأولى وحياتها، ومفاهيمها الروحية، وعظم إيمانها ... ففى الوقت الذى كان بطرس مسجوناً، كانت الكنيسة تصلى بلجاجة وبلا إنقطاع إلى الله لأجله ... لقد حل ملاك الله بطرس من القيود الحديدية التى كان مقيداً بها، وفتح أبواب السجن الضخمة أمامه ... ولما بلغ إلى حيث كان المؤمنون مجتمعين — وكان ذلك ليلاً — وجدهم يصلون. وكان وصول بطرس إليهم سالماً، هو إجابة الله العاجلة لصلواتهم.
قصاص الله العادل:
بعد قتل يعقوب بن زبدى، وسجن بطرس، ما لبث أن مات هيرودس أغريباس ميتة شنيعة ... ذهب إلى قيصرية ليفصل فى بعض الخلافات التى فشبت بين سكان صور وصيدا، ويستعرض بعض الألعاب إحتفاء بشفاء الامبراطور كلوديوس ... وفى قيصرية إستقبل بحماس بالغ ... ظهر فى اليوم التالى أثناء الاحتفال يرتدى حلة فضية، كانت تنكسر عليه أشعة الشمس معطية إنعكاسات ضوئية، أثارت أعجاب العامة ... وما لبث المتملقون أن تمادوا فى إعجابهم وملقهم فدعوه إلهاً ... وفى نفس اللحظة يظهر الله إقتداره، إذ «ضربه ملاك الرب، وصار الدود يأكله ومات، لأنه لم يعط المجد لله» (أع١٢: ٢٠-٢٣) ... وقد ذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودى المعاصر، أنه وهو يموت كان يردد فى تعجب «أنا الإله على وشك الموت. لقد قبض الموت على من دعاه الناس خالداً!»٦.
‹ص ٧٣› ولا شك أن هذا الحادث طبع تأثيراً قوياً فى الكنيسة التى رأت فى الله حاميها ... فالقديس لوقا بعد أن سجل النقمة الإلهية بهلاك هيرودس والخلاص من شره، يذكر فى عبارة قصيرة معانى كثيرة، ما أحرانا أن نقف أمامها للتأمل والتعزية والاستفادة ... قال: «وأما كلمة الله فكانت تنمو وتزيد» (أع١٢: ٢٤).
رسول آخر يستشهد:
إن حوادث القتل والتعذيب والسجن لم تشف غليل اليهود من إخوتهم الذين آمنوا بالمسيح، بل أنهم استمرأوا ذلك، ومضوا فيه ... ففى سنة ٦٢ قام حنان رئيس كهنة اليهود — وكان صدوقياً متعصباً — وقدم الرسول يعقوب الصغير أسقف أورشليم — المعروف باسم أخى الرب — إلى المحاكمة أمام السنهدرين، وحكم عليه بالموت بحجة إرتكابه تعديات ضد الناموس ... ونفذ فيه حكم الموت رجماً بالحجارة ... هذا، على الرغم من الشهادة الحسنة التى نالها القديس يعقوب من جميع اليهود بسبب قداسته وتقواه، حتى أن يوسيفوس المؤرخ اليهودى يسجل أن خراب أورشليم كان إنتقاماً إلهياً لمقتل ذلك البار٧.
بركات الاضطهاد وثماره
ظلت طاقات الرسل والتلاميذ متجمعة فى أورشليم، ولم يفجرها سوى الاضطهاد ... كان مقتل إستفانوس نذير اضطهاد كبير شامل، تخطى حدود أورشليم ذاتها «فتشتت الجميع فى كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل» (أع٨: ١؛ ٢٦: ١٠، ١١) ... لقد أطلق مقتل شهيد المسيحية الأول، كل العداوة الكامنة المتراكمة ضد المسيحيين ... ويبدو أن شاول الطرسوسى (القديس بولس) قاد عامة اليهود فى نفس اليوم من بيت إلى بيت، يجر المؤمنين الخائفين — رجالاً ونساء — إلى السجون، ويسطو على الكنيسة (أع٨: ٣) ...
‹ص ٧٤› كان اليونانيون هم البادئون بالاضطهاد ... لقد وجهوا اضطهادهم أساساً — وعلى رأسهم شاول — إلى المؤمنين الذين يعرفونهم قبلاً — أى المسيحيين اليونانيين، الذين كانوا يتعبدون فى مجامعهم ... ولم يجد هؤلاء سبيلاً للنجاة إلاَّ الهرب من أورشليم إلى أوطانهم الأولى، أو الاختباء عند أصدقائهم فى المدينة، وعلى مقربة منها حتى تهدأ الحال٨ ... ولابد وأن تكون تلك الفترة المبكرة قد حفلت بشهداء آخرين غير إستفانوس٩.
ترسم لنا كلمات القديس لوقا القليلة عن أحداث تلك الفترة المبكرة (أع٨: ١-٣)، صورة قاتمة مزعجة لقطيع المسيح الصغير ... لكن ما يلبث بعدها حتى يقدم عبارة قصيرة تحوى جماع فلسفة المسيحية وتكشف عن مبادئها «الذين تشتتوا جالوا مبشرين بالكلمة» (أع٨: ٤) ... إن هذه الكلمات القليلة هى تعبير عملى دائم عن حقيقة المسيحية وطبيعة رسالتها .. أنها تكشف أن المسيحية هى دائماً ديانة الصليب، تظهر أصالتها وسط الضيقات، وتزدهر بالضغطات ... هى ليست ديانة السيف، بل ديانة الروح والوداعة والحق ... لقد أثبتت الأحداث أن الاضطهاد كان دائماً بركة لكنيسة المسيح ... فقد إستأصل العناصر الكاذبة، وأقصى ذوى القلوب الضعيفة، ووضع خاتمة للحياة اللينة، ونشر الإيمان المسيحى طولاً وعرضاً ... والآن نعرض لعينات من بركات الاضطهاد وثماره ...
١ - التبشير فى السامرة[^10]:
لقد أدى الاضطهاد إلى تشتت المسيحيين، وهذا وسع حقل نشاطهم ‹ص ٧٥› الكرازى، فبدأوا يلتقون — وللمرة الأولى — بالوثنية المتصوفة لذلك العصر، التى جمعت فى عقائدها الغامضة الشرق والغرب .. لقد انتظرهم هذا الخصم الجديد فى إحدى مدن السامرة التى إتجه إليها بعضهم ...
لم تكن السامرة — فى واقع الحال — بلداً وثنياً خالصاً .. كان سكانها سلالة ذلك الخليط من بقية الأسباط العشر وبعض المستعمرين الأجانب، الذين إنتقلوا إليها بأمر شلمناسر ملك آشور١١ (٢مل١٧: ٢٤). بعد أن عاد اليهود من بابل، حاول السامريون أن يشتركوا معهم فى إعادة بناء الهيكل، لكنهم طردوا باحتقار (عزرا ٤: ١-٣)، فصمموا أن يشيدوا هيكلاً ليهوه على جبل جرزيم فى السامرة١٢ ... وقد حل بالسامريين ما حل باليهود من جراء الاضطرابات التى حدثت فى آسيا الصغرى، فهدم هيكلهم على يد يوحنا هيركانوس Hyrcanus١٣ ... لكن على الرغم من ذلك، فقد إستمر جبل جرزيم موضعاً مقدساً لهم١٤ ... ثم وقعت السامرة فى قبضة الرومان، وصارت مستعمرة رومانية، شأنها فى ذلك شأن جيرانها من اليهود.
ظل السامريون أوفياء للعبادة التوحيدية. وكان إنفصالهم عن اليهود فى بداية العصر النبوى الكبير، سبباً فى عزلتهم عن التطور الكبير فى العهد القديم ... لقد اعترفوا بقانونية أسفار موسى الخمسة فقط، مع سفر يشوع خليفة موسى. وباستثناء أقلية ضئيلة، فقد أنكروا قيامة الموتى١٥. وقد شارك السامريون اليهود إلى حد ما فى إنتظارهم للمسيا (يو٤: ٢٥). لكن رجاءهم فى المسيا كان مطبوعاً بطابع مادى أكثر من اليهود ... اعتقد السامريون أن المسيا يملك على كل الأمم ليعيد الناموس المقدس، ويعيد بناء هيكل جرزيم، ويضمن سيادة موسى على ‹ص ٧٦› العالم. وليس أدل على طبيعة آمالهم الأرضية من السهولة التى استطاع بها سيمون الساحر أن يخلب عقولهم.
أما عن كراهية اليهود للسامريين والقطيعة بينهم، فهى كراهية تقليدية. وقد غذت بعض الأحداث الكراهية بين الشعبين المتجاورين ... ويقدم لنا الإنجيل أدلة كثيرة على ذلك ... فأشر النعوت التى صاغها اليهود وقالوها عن المسيح، أنه سامرى (يو٨: ٤٨)، حتى أن المرأة السامرية إعترتها الدهشة لكلام المسيح معها. ويحذر التلمود اليهودى أى إسرائيلى من مؤاكلة السامرى، ويعتبره كمَنْ يأكل لحم خنزير!!
وهكذا نرى أن ذهاب الرسل والتلاميذ إلى السامرة للكرازة فيها لابد وأنه أثار كوامن عداء شعبهم اليهودى. لكنها كانت ولا شك خطوة كبيرة نحو الإتساع الحقيقى للمسيحية ... هكذا وضعت الكنيسة الأولى قدمها على الطريق الذى افتتحه إستفانوس بموته، وأتى استشهاده بثماره الأولى ...
كان أول مَنْ كرز فى السامرة هو فيلبس المبشر أحد السبعة شمامسة ... وقد أيد الرب كرازته بآيات كثيرة، حتى أن كثيرين — رجالاً ونساء — اعتمدوا على يديه، بل أن سيمون الساحر نفسه آمن واعتمد، لكن لم يكن قلبه مستقيماً أمام الله ... كانت نتيجة كرازة فيلبس «فرح عظيم فى تلك المدينة» (أع٨: ٥-٨) ... ترامت هذه الأخبار السارة إلى الكنيسة الأم فى أورشليم، فأرسلت إلى السامرة الرسولين بطرس ويوحنا ليهبا — بصلواتهما ووضع أيديهما — الروح القدس لأولئك الذين عمدهم فيلبس١٦ ... فلما وصل بطرس ويوحنا صليا لأجل مَنْ اعتمدوا، ووضعا عليهم الأيادى فقبلوا الروح القدس (أع٨: ١٥-١٧).
ولم تقف الكرازة فى السامرة عند حد هذه المدينة فقط، بل أن الرسولين بطرس ويوحنا، وهما فى طريق العودة إلى أورشليم «بشرا قرى كثيرة
‹ص ٧٨› مكان عن النفس التى تبحث عنه١٨.
لكن مَنْ يكون هذا الوزير الخصى؟ يبدو أنه كان أحد الأمميين المتعبدين (خائفى الله) وقطعاً لم يكن يهودياً، لأنه من حيث كونه خصياً، كان لا يسمح له بالدخول ضمن جماعة الرب حتى لو كان قد إختتن (تث٢٣: ١). لكنه كان يسمح له بالعبادة فى الهيكل فى دار الأمم ... ومن أجل هذا الغرض، قطع رحلة طويلة إلى أورشليم ليسجد فيها ... ويروى التقليد الكنسى القديم أن هذا الخصى هو أول مَنْ حمل المسيحية إلى بلاده١٩.
٣ - تبشير المدن الساحلية:
كانت بلاد فلسطين تضم مدناً يونانية، معظم سكانها من الوثنيين. وكانت تقع أساساً على طول ساحل البحر المتوسط ... ويروى لنا سفر الأعمال أن فيلبس — بعد أن عمد الوزير الحبشى على مقربة من غزة — خطفه روح الرب إلى أشدود ... بعدها بشر فيلبس جميع المدن الساحلية، وهو فى طريقه شمالاً حتى وصل إلى قيصرية عاصمة فلسطين وقتذاك (أع٨: ٤٠).
٤ - الكرازة فى كل بلاد فلسطين:
إن قصة الكرازة بالإنجيل لم تدون بالتفصيل فى سفر أعمال الرسل، لكن القديس لوقا — كاتب السفر — أورد إشارات بسيطة عن ذلك ... «أما الكنائس فى جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام، وكانت تبنى وتسير فى خوف الله، وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر» (أع٩: ٣١) ... ونلاحظ ‹ص ٧٩› هنا أنه يذكر «كنائس الجليل». هذه مجرد إشارة دون أن يذكر لنا القديس لوقا أية تفصيلات عن ذلك ...
فيما يختص بالكرازة فى الجليل — وهو القسم الشمالى من بلاد فلسطين — لا توجد لدينا وثائق تاريخية عن ذلك ... لكن النقوش التى اكتشفت أخيراً فى الناصرة — وهى إحدى مدن الجليل — تثبت أن البشارة بالإنجيل وصلت إلى الجليل فى زمان مبكر جداً ... والصلات العائلية والقرابة الجسدية لكثير من الرسل باقليم الجليل، تؤكد إحتمال قبولها المسيحية فى تاريخ مبكر٢٠.
وبعد الإشارة السابقة التى أوردها القديس لوقا عن الجليل، يورد إشارة أخرى فيقول: «وحدث أن بطرس وهو يجتاز بالجميع، نزل أيضاً إلى القديسين الساكنين فى لدة» (أع٩: ٣٢) ... وإيراد هذه العبارة بعد العبارة الأولى الخاصة بنمو كنائس «اليهودية والجليل والسامرة»، يحملنا على الاعتقاد بأن القديس بطرس كان يتحرك ويتجول جولات كرازية، يبشر ويثبت المؤمنين ... وهنا يورد خبر معجزتين صنعهما الرب على يدى بطرس: شفاء إينياس فى مدينة اللد — وكان مفلوجاً لمدة ثمانى سنين، وإقامة طابيثا بعد موتها فى مدينة يافا ... أما نتيجة خدمة بطرس فى اللد ويافا، كانت إيمان كثيرين بالرب (أع٩: ٣٢-٤٢).
٥ - إيمان شاول الطرسوسى:
ولعل أعظم البركات التى نتجت عن إضطهاد الكنيسة الأولى، هى إيمان شاول الطرسوسى حوالى سنة ٣٧ م ... ذلك الرجل الذى كانت الغيرة تعتمل فى داخله بدوافع ومفاهيم فريسية خاطئة. ومن ثم جند ذاته لاستئصال شأفة المسيحية، فكان يضطهد كنيسة الله بإفراط ويتلفها (غل١: ١٣). كان يحبس كثيرين من القديسين فى السجون بأمر رؤساء الكهنة، وكان ‹ص ٨٠› يعاقبهم ويضطرهم إلى التجديف. وإذ أفرط حنقه، كان يطاردهم إلى المدن خارج أورشليم (أع٢٦: ١٠، ١١) ... وفى إحدى حملاته الإنتقامية التى جردها ضد المؤمنين فى دمشق، إلتقى بقائد هؤلاء المسيحيين ورئيس خلاصهم عند مشارف دمشق ... وكانت معركة، لكنها غير دموية وغير متكافئة، سقط فيها شاول مستسلماً، وغدا أسيراً ... أسره الرب يسوع بلطفه وحنوه وحبه، حين أبرق حوله نور سماوى، وسمع صوتاً يقول له: «شاول شاول لماذا تضطهدنى» ... وحين أعلن له الرب ذاته، قال فى استسلام عجيب: «يارب ماذا تريد أن أفعل» ... وهنا قال له الرب يسوع عما يريده أن يفعل (أع٩: ١-٦).
لم ينس بولس هذه المعركة ... لم ينس أن الرب يسوع أسره يوماً ... ذلك الضعف الذى طالما تغنى به على أنه القوة عينها ... ذلك الأسر العجيب الذى عتقه وحرره، الذى كان يحلو له فيما بعد أن يعلنه «بولس ... أسير يسوع المسيح»٢١.
بعد هذا اللقاء الخلاصى العجيب، ظل شاول فاقد البصر ثلاثة أيام، طواها صائماً فى دمشق، وبواسطة رؤيا أعلنت لتلميذ يقال له حنانيا، وأخرى أعلنت لشاول نفسه، قصد بعدها حنانيا إلى حيث كان شاول نازلاً، ووضع يديه عليه، فللوقت سقط من عينه شىء كأنه قشور، فأبصر فى الحال، وقام واعتمد وامتلأ من الروح القدس (أع٩: ١٠-١٨) ... وأمضى فى دمشق أياماً مع المؤمنين ...
أما «حنانيا» الذى عمد بولس، فنحن لا نعرف الكثير عنه ... يذكره القديس لوقا على أنه «تلميذ» أى مؤمن مسيحى (أع٩: ١٠)، ويصفه القديس بولس بأنه رجل تقى حسب الناموس ومشهود له من جميع اليهود (أع٢٢: ١٢) ... ويذكره التقليد الكنسى على أنه أحد السبعين رسولاً، وأسقف دمشق٢٢ ...
‹ص ٨١›
٦ - الكرازة فى فينيقية وأنطاكية وقبرص:
والكرازة فى هذه المناطق أيضاً جاءت كنتيجة للاضطهاد ... «أما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذى حصل بسبب استفانوس فاجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكية، وهم لا يكلمون أحد بالكلمة إلاَّ اليهود فقط. ولكن كان منهم قوم، وهم رجال قبرسيون وقيروانيون، الذين لما دخلوا أنطاكية كانوا يخاطبون اليونانيين مبشرين بالرب يسوع. وكانت يد الرب معهم فآمن عدد كثير ورجعوا إلى الرب» (أع١١: ١٩-٢١) ...
على أن عبارة «لا يكلمون أحداً بالكلمة إلاَّ اليهود فقط» الواردة فى الآيات السابقة، لا يقصد بها عدم تبشير اليونانيين كلية كمبدأ، لكنها تعنى أن الأمر سار فى بادىء الأمر فى طريق البعثات التبشيرية السابقة. لكن مالبث بعض اليونانيين أن تخطوا هذه الحدود، فكانت بداية تبشير الأمم ... على أن هذا الأمر حدث كامتداد طبيعى للعمل ... هكذا تأسست فى أنطاكية أول كنيسة مختلطة (يهود وأمم متنصرين)، كنتيجة للتشتت الذى حدث بسبب الاضطهاد الذى أعقب مقتل إستفانوس٢٣.
‹ص ٨٢›
الكنيسة خارج أورشليم
بعد تأسيس الكنيسة المسيحية فى يوم الخمسين، إتجهت جهود الرسل الكرازية — كما ذكرنا — إلى تبشير اليهود أولاً، وعلى الأخص فى أورشليم ... فقد كان لزاماً عليهم أن يشهدوا للرب أولاً أمام إخوتهم، وفى معقل اليهودية ذاتها، ويعملوا فيها علانية ... وبعد تأسيس كنيسة أوشليم، تأسست كنائس فى اليهودية والجليل والسامرة وعلى شاطىء البحر المتوسط.
قد يظن البعض أن الرسل، عقب تأسيس الكنيسة مباشرة، وما بين عشية وضحاها، انطلقوا إلى أقاصى المسكونة ليبشروها ... لكن الواقع غير ذلك. فقد ظلت جهود الرسل والتلاميذ محصورة فى نطاق بلاد اليهودية لمدة اثنتى عشرة سنة تقريباً٢٤. وكان ذلك إتماماً لوصية الرب لهم قبيل صعوده «تكونون لى شهوداً فى أورشليم، وفى كل اليهودية والسامرة، وإلى أقصى الأرض» (أع١: ٨) ... وحكمة الرب واضحة فى ذلك ... فهو يريدهم أن يسيروا وفق سنن الطبيعة، فيبدأون بالخدمة فى الحقول الصغيرة كمقدمة لحقل العالم الواسع، ويتدرجون من الأسهل إلى الأصعب والأعقد.
وهكذا، فإنه بفضل هذه الخطة الإلهية الحكيمة إستطاعت المسيحية أن تنتشر إنتشاراً ملحوظاً فى خلال الخمسة عشر عاماً الأولى ... لكن ينبغى ألاَ نكون مبالغين فى تقديرنا لاتساع دائرة الإيمان، سواء من ناحية الأماكن التى وصلت إليها الكرازة، أو من ناحية أتباع الديانة الجديدة ... والواقع أن المسيحية شقت طريقها بصعوبة إلى العالم اليهودى خارج أورشليم. ولا شك أن ‹ص ٨٣› يوسابيوس المؤرخ كان مبالغاً جداً حينما قال، إنه خلال حكم الامبراطور طيباريوس — أى قبل سنة ٣٧ م [أنار تعليم المخلص كل العالم بسرعة كأشعة الشمس. وللحال خرج صوت الإنجيليين والرسل الملهمين إلى كل الأرض، وإلى أقصى المسكونة كلماتهم. وسرعان ما تأسست الكنائس فى كل مدينة وقرية، وامتلأت بجماهير الشعب كبيدر ملىء بالحنطة]٢٥.
والآن نستعرض مركزين هامين من مراكز المسيحية خارج أورشليم: دمشق وأنطاكية ...
دمشق:
هى أول مركز نلتقى به خارج أورشليم. ويمدنا سفر الأعمال بمعلومات عنها فى موضوعين. أولهما ما يتعلق بقصة إهتداء بولس حوالى سنة ٣٧ على مقربة منها، عقب الرؤيا التى رآها (أع٩: ١-٩). أما الموضع الثانى فهو (أع١١: ١٩) حين يربط كاتب سفر الأعمال بين «الذين تشتتوا من جراء الضيق الذى حصل بسبب (مقتل) إستفانوس» وبين التبشير فى فينيقية — التى كانت دمشق تعتبر جزءاً منها.
وإذا كان حادث إيمان شاول الطرسوسى قد وقع حوالى سنة ٣٧ م، فمعنى ذلك أنه كانت قد تأسست فى دمشق جماعة مسيحية قبل ذلك التاريخ. لأن الرؤيا التى ظهرت لشاول قرب دمشق، كانت وهو فى طريقه للإنتقام من هذه الجماعة المسيحية ... وهؤلاء المسيحيون لابد وأنهم كانوا يهوداً قبل إيمانهم، وإلاَّ لما وقعوا فى دائرة إختصاص رئيس كهنة اليهود فى أورشليم، الذى زود شاول برسائل من أجلهم ... وأيضاً لأن بشرى الخلاص — حتى ذلك الوقت — كانت لا تعرض إلاَّ لليهود فقط (أع١١: ١٩) ... كان المسيحيون وقتئذ يدعون «رجال الطريق» ‹ص ٨٤› (أع٩: ٢). وهو إصطلاح يهودى خالص، للتعبير عن شيعة جديدة٢٦ ... كما أن حننيا الذى أعلن له الرب عن إهتداء شاول، وهو الذى عمده كان أسقفاً على دمشق، ويذكره سفر الأعمال بأنه رجل تقى حسب الناموس ومشهود له من جميع اليهود السكان فيها (أع٢٢: ١٢).
وماذا أيضاً عن جماعة دمشق المتنصرة؟
كانت الجماعة المسيحية فى دمشق من اليهود اليونانيين أصلاً ... وإن لم تكن كل الجماعة من هؤلا اليونانيين، فلا أقل من أن جزءاً منها كان من اليونانيين. وثمة نقطة أخرى تساعد على إلقاء ضوء على هذه الجماعة. فقد كشفت الحفائر الحديثة عن قانون جماعة يهودية تأسست فى دمشق، من طراز الاسينيين الذين اكتشفت خرائبهم فى قمران عند البحر الميت ... وبالمقارنة يظهر أن الجماعة المسيحية التى تأسست فى دمشق كانت أصلاً من الصدوقيين المتنصرين. وكانت هذه الجماعة لا تقيم بمدينة دمشق ذاتها، بل فى المنطقة الصحراوية المجاورة لها ... ويعتقد المؤرخ هرناك Harnack أن مركز هذه الجماعة كان فى قرية كوكبا Kokba. ويربط هرناك بين مركز هذه الجماعة، وبين تقليد قديم يقول إن الرؤيا التى ظهرت لشاول الطرسوسى كانت فى نفس هذه البقعة. كانت قرية كوكبا تقع على بعد عشرة أميال جنوب غربى دمشق. وهذا الموقع يتمشى مع رواية سفر الأعمال عن قصة إيمان شاول، أنها حدثت قرب دمشق (أع٩: ٣؛ ٢٢: ٦).
وثمة علاقة أخرى يراها البعض بين القديس بولس وقرية كوكبا ... أنهم يرون أن كلمة «العربية» التى إنطلق إليها القديس بولس من دمشق بعد إهتدائه (غل١: ١٧) هى قرية كوكبا الواقعة فى الصحراء ... ويدللون على هذا الرأى، بأن كلمة العربية فى ذلك الوقت كانت تعنى مملكة النبوطيين٢٧، التى كانت ‹ص ٨٥› تمتد من دمشق شمالاً إلى بترا Petra العاصمة جنوباً٢٨.
أنطاكية:
كانت مدينة أنطاكية الواقعة على شاطىء نهر الأورنتس Orontes فى سهل خصيب، هى المقر القديم لملوك سوريا. وغدت عبر التاريخ أحد معاقل الحضارة الوثنية، ومركزاً هاماً للثقافة الاغريقية. بل كانت إحدى المراكز الكبيرة التى إلتقى فيها الشرق بالغرب، وإختلطت فيها ثقافتهما ... كانت مدينة دولية، سكانها الأساسيون من السريان، لكن كان فيها كثرة من اليونانيين واليهود ... وهكذا أصبحت أنطاكية — بمبانيها الجميلة، وعدد سكانها الكبير، وتجارتها الواسعة، وتفوقها الفنى، وثرائها العريض — تعتبر ثالث مدن الامبراطورية بعد روما والاسكندرية.
كان تأسيس كنيسة مسيحية فى أنطاكية حدثاً هاماً ذا نتائج ضخمة بالنسبة للكنيسة الأولى، وكان تدبيراً إلهياً هاماً، بفضل وضع المدينة ومركزها الجغرافى الممتاز ... وهكذا أصبحت الكنيسة الانطاكية مركز الانطلاق لنشر الإيمان الجديد ... فقد أصبح ممكناً أن ينتقل هذا الإيمان — بعد فصله مما علق به من العادات اليهودية المعقدة — إلى أنحاء الامبراطورية الأخرى ... يضاف إلى ذلك، أن قصر المسافة بينها وبين أورشليم، جعلها قادرة على الإتصال الدائم بالكنيسة الأم فيها٢٩.
يرجع تبشير أنطاكية إلى الذين تشتتوا من أورشليم من جراء الضيق الذى حصل بسبب مقتل استفانوس، كان بين هؤلاء تلاميذ من قبرص ومن القيروان بشروا اليونانيين، أى الوثنيين، فآمن عدد كبير منهم (أع١١: ١٩-٢١). وهكذا تبدو أنطاكية كالمركز الأول الهام لجماعة وثنية متنصرة ... كان لليهود فى أنطاكية ‹ص ٨٦› جالية لا بأس بها، لكن الإرساليات المسيحية لم تحصر ذاتها داخل حدود المجمع اليهودى ... كان هؤلاء التلاميذ القبرصيون والقيروانيون يمثلون أكثر أعضاء كنيسة أورشليم تحرراً فى المفاهيم الإيمانية بالنسبة لليهودية، ويرجح أنهم كانوا على صلة باستفانوس٣٠. ومن ثم فقد قصدوا تبشير الوثنيين ... لقد قبل كثيرون منهم الإيمان الجديد. وهكذا تأسست أول كنيسة مسيحية خارج اليهودية والسامرة. وهكذا فتحت أبواب العالم للإرساليات المسيحية — تلك الأبواب التى احتفظت بها اليهودية مغلقة. ومنذ ذلك الوقت، أخذ الدين الجديد وضعه السليم ... كان يدعو اليونانيين كما يدعو اليهود، وفى كل مكان فى العالم. وارتفعت الكنيسة — ولأول مرة — لفهم كلمات رب المجد «الحقل هو العالم» (مت١٣: ٣٨).
وفى بداية تكوين الجماعة المسيحية فى أنطاكية أرسل الرسل من أورشليم برنابا إليها. وكانت خدمة برنابا فى أنطاكية مثمرة جداً «فانضم إلى الرب جمع غفير» (أع١١: ٢٢). وإذ وجد برنابا أن الحصاد كثير، سافر إلى طرسوس وأحضر معه شاول (بولس) إلى أنطاكية، وظلا يخدمان بها سنة كاملة (أع١١: ٢٦) وصارا القائدين الفعليين للخدمة هناك.
إمتازت كنيسة أنطاكية فى هذه الفترة المبكرة بكثرة مواهبها الفائقة. فوجد فيها أنبياء كثيرون (أع١٣: ١-٣) ... كما إمتازت بتحلل المسيحية فيها من قيوذها اليهودية، وانطلاقها فى كامل حريتها وجمالها. ففيها عرفت المسيحية — ولأول مرة — باسمها الحقيقى «ودعى التلاميذ (المؤمنون) مسيحيين فى أنطاكية أولاً» (أع١١: ٢٦) ... لقد خلعت المسيحية على أتباعها اسمها اليونانى الخاص. وكان مسيحيو فلسطين يسمون «ناصريين»٣١ (أع٢٤: ٥). وهذه ‹ص ٨٧› التسمية، إما أن الشعب هو الذى أطلقها بعد أن أبصروا تطور المسيحية وتقدمها، وإما أنه اسم دمغهم به خصومهم من الأمم ... ومهما يكن من أمر، فإن هذه التسمية «مسيحيين» فى حد ذاتها برهان على أن الجماعة الجديدة فى أنطاكية، وقفت فى شجاعة متميزة عن اليهودية، وأن الكنيسة لم تعد مجرد شيعة يهودية٣٢ ... يضاف إلى هذا أن فى أنطاكية — وربما للمرة الأولى — عاش الأمم واليهود المتنصرون جنباً إلى جنب متجاورين، فى الوقت الذى ظل اليهود أوفياء لعاداتهم اليهودية وناموسهم، الذى كان يمنعهم من الأكل مع غير اليهود، كما مع الوثنيين المتنصرين ... كانت هذه هى المشكلة التى واجهت بطرس الرسول فى أنطاكية، وبسببها قاومه بولس الرسول واتهمه بالرياء (غل٢: ١١-١٤).
‹ص ٨٨›
حركة التهود
حركة التهود من الحركات الكبيرة والقوية، التى صاحبت نشأة الكنيسة المسيحية فى عصرها الرسولى، والتى انبثقت من داخلها ... قام بها بعض مَنْ آمن من اليهود المتزمتين، بهدف أن يلتزم كافة المسيحيين — سواء كانوا من أصل يهودى أو وثنى — بالناموس اليهودى القديم ... وقد كان لهذه الحركة دوافع ونتائج ... ويزيد من أهميتها أن بعض نتائجها — بصورة غير مباشرة — مازالت حية حتى الآن فى الكنيسة المسيحية كما سنرى ... لذا إهتممنا بأن بأن نعرض لهذا الموضوع من كافة جوانبه ...
نظرة اليهود المتنصرين للناموس اليهودى:
تعلق اليهود بناموسهم اليهودى تعلقاً كبيراً ... كانوا فخورين به على أساس أنهم شعب الله المختار دون سائر الشعوب، وإن الله هو الذى أعطاهم هذا الناموس. بل إن بعضه — وهو الوصايا العشر التى سلمت لموسى على جبل سيناء فى لوحين من حجر — كتب بأصبع الله (خر٣٢: ١٦؛ ٣٤: ١) ... ومن هنا كان اعتزازهم بناموسهم.
ويقصد بالناموس٣٣ الشرائع الدينية الأدبية والطقسية والقضائية التى حواها كتاب العهد القديم. كان اليهودى يعتبر نفسه ملزماً بهذا الناموس المكتوب، بالإضافة إلى ناموس آخر غير مكتوب، ويقصد به التقاليد الشفوية التى سلمها إليهم معلموهم، الذين ادعوا أن موسى على جبل سيناء، تسلم من الله شريعة مكتوبة وأخرى شفوية ... وكان اعتقاد اليهود أن كسر أية وصية هو تعد على ‹ص ٨٩› الناموس بأكمله.
انبثقت المسيحية من اليهودية، بعد أن أكمل السيد المسيح فى شخصه الناموس القديم. فقد ولد فى ظل هذا الناموس (غل٤: ٤)، بل لقد قال: «لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل» (مت٥: ١٧). والسيد المسيح بتجسده جاء أولاً إلى خاصته من اليهود (يو١: ١١). وحينما أرسل رسله فى إرساليات تدريبية، أرسلهم إلى خراف بيت إسرائيل الضالة (مت١٠: ٦) ... وقبيل صعوده أوصاهم أن يشهدوا له فى أورشليم وكل اليهودية، قبل أن يشهدوا له فى السامرة وأقصى الأرض (أع١: ٨). ومعنى هذا أن بشرى الخلاص قدمت لليهود أولاً ... هؤلاء اليهود الذين تمسكوا بالناموس وحرفيته، وظنوا أن لا شىء ينسخه أو يعدله أو يحل محله ...
حاول اليهود المتنصرون أن يبنوا على هذا الأساس: إحتفاظهم بالناموس القديم مع إيمانهم بيسوع المخلص الذى تنبأت عنه كتب العهد القديم ... وهكذا أرادوا أن يجعلوا رقعة جديدة على ثوب عتيق، وأن يجعلوا خمراً جديدة فى زقاق عتيقة (مت٩: ١٦، ١٧) ..
وقد استمر هؤلاء اليهود المتنصرون متأثرين تأثراً عميقاً بيهوديتهم، وكانوا يشاركون شعبهم اليهودى حياته ... ويذكر سفر أعمال الرسل أن الذين آمنوا منهم كانوا جميعاً «غيورين للناموس» (أع٢١: ٢٠). ومعنى هذا أن الأطفال كانوا يختتنون، وطقوس التطهير تراعى (أع٢١: ٢٦؛ ٢٤: ١٨). وقد شارك مسيحيو أورشليم فى الصلوات التى كانت تتلى يومياً فى الهيكل٣٤. وامتنعوا عن أكل الأطعمة التى اعتبرت نجسة٣٥ فى العهد القديم (أع١٠: ١٤). وهكذا ‹ص ٩٠› ظهر المسيحيون الأوائل على أنهم يهود غيورون رافقتهم بركة الرب (أع٥: ١٣). وكأنهم قد شكلوا جماعة خاصة داخل كيان إسرائيل٣٦. ومهما يكن من أمر، فطالما بقيت المسيحية فى مهدها اليهودى، فقد اعتقد جميع المؤمنين أنهم ملتزمون بالناموس.
لكن ما لبثت بشرى الخلاص أن وصلت إلى الأمم الوثنية بصورة فردية. وعلى الرغم من أن الأمر تم بناء عن إعلان إلهى، فقد قوبل بالدهشة والمقاومة، على نحو ما حدث فى حالة إيمان وعماد كرنيليوس قائد المائة الأممى وأهل بيته٣٧، وتبشير اليونانيون الوثنيين فى أنطاكية (أع١١: ٢٠، ٢١).
نظرات مختلفة للناموس:
كان نتيجة إيمان الأمم وإقبالهم على الإيمان بالمسيح، أن ظهرت فى الكنيسة الأولى ثلاث وجهات نظر بين اليهود المتنصرين، فيما يختص بالتزامات الناموس[^38]:
١ - فريق رأى أن الناموس ملزم لجميع المسيحيين بلا إستثناء، ونوال الخلاص مرتبط بحفظه. وفى رأى هذا الفريق — ومعظمهم من الفريسيين السابقين — أن يسوع المسيح هو المسيا اليهودى الموعود به، ولا مكان فى ملكوته إلاَّ لليهود، سواء بالمولد أو التبنى، الذين يطيعون الناموس والفرائض التى وضعها الله على شعبه منذ القديم ... وقد أيدوا وجهة نظرهم هذه، بالقول إن الرب يسوع نفسه حفظ الناموس.
‹ص ٩١› ٢ - فريق ثان نادى بأن الخلاص هو بدم المسيح وحده، وليس بحفظ الناموس القديم. وقد كان الناموس اليهودى، لليهود فقط، لإعداد الطريق للمسيح «قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح، لكى نتبرر بالإيمان» (غل٣: ٢٤) ... ولا قيمة لهذا الناموس اليهودى الآن بعد أن أتى المسيح٣٩ ... وكان يقود هذا الإتجاه ويدافع عنه بشدة القديس بولس الرسول.
٣ - فريق ثالث رأى أن الناموس ملزم لليهود المتنصرين فقط، أى للمسيحيين الذين كانوا قبلاً يهوداً وكانوا تبعاً لذلك ملتزمين بالناموس .. وقالوا إن قبولهم للرب يسوع كالمسيا المنتظر لا يحررهم منه. لكن الأمم غير ملزمين به بعد أن يؤمنوا.
بلبلة فى أنطاكية:
بينما كان القديسان بولس وبرنابا عاكفين على خدمتهما الكرازية فى أنطاكية إذ ببعض اليهود المتنصرون المشتعلين غيرة للناموس، قد قدموا من اليهودية، وأخذوا يعلمون المسيحيين — من اليهود والأمم على السواء — بأن لا خلاص لمَنْ لا يختتن حسب الناموس ... ويبدو أنهم أخذوا يطعنون القديس بولس بالذات ويشككون المؤمنين فى قانونية رسوليته، وفى حقه — كرسول — فى أن يعلم بعدم الإلتزام بالناموس ... وإذ لم تفلح جهود برنابا وبولس فى إقناع هؤلاء القادمين، وبسبب البلبلة الكبيرة التى حدثت، قررت الكنيسة فى أنطاكية أن ترفع الأمر إلى الكنيسة الأم فى أورشليم حتى تحسم الأمر، وأنابت عنها القديسين برنابا وبولس فى السفر إلى أورشليم٤٠ (أع١٥: ١، ٢).
‹ص ٩٢›
مجمع أورشليم[^41]:
عقد هذا المجمع سنة ٥٠ أو ٥١٤٢ ... كان أول مجمع كنسى يعقد، ويعتبر نواة للمجامع الكنسية التى عقدت بعده، وإن إختلف عنها كثيراً ... كانت مهمة المجمع مزدوجة: أولاً ــ تقرير العلاقة الشخصية بين رسل الختان والأمم، وتقسيم حقول الكرازة بينهم، وثانياً ــ حسم موضوع الختان، وتقرير العلاقة بين المتنصرين من اليهود والأمم ... وقد أحرز المجمع بالنسبة للنقطة الأولى، تقدماً كاملاً ونهائياً. أما بالنسبة للنقطة الثانية فقد أحرز إستقراراً جزئياً ووقتياً ...
وإن كان سفر أعمال الرسل لم يسجل لنا كل ما دار من مناقشات فيما يختص بهذا المجمع، لكننا نعتقد أن مناقشات فردية بين الرسل سبقت وصاحبت إنعقاد المجمع الرسمى، الذى إشتركت فيه فئات مختلفة من أعضاء الكنيسة ... فى هذه المناقشات الفردية، حل موضوع قانونية رسولية بولس «وعرضت عليهم الإنجيل الذى أكرز به بين الأمم ولكن بالإنفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً» (غل٢: ٢): لم يشيروا عليه بأية تعديلات فى منهج خدمته، ولا أعطوه أية توجيهات أو توصيات، بل إذ رأوا التوفيق العجيب الذى أحرزه بولس وبرنابا فى حقل الكرازة بين الأمم، أعطوهما يمين الشركة ليكونا للأمم، وأما هم فللختان (غل٢: ٨، ٩) ... كل ما هنالك، أنهم طلبوا من بولس أن يظهر حبه الأخوى، ويقوى العلاقات، بأن يعاون فقراء اليهودية عامة، وأورشليم بوجه خاص، الذين كثيراً ما كانت تحل بهم الاضطهادات والمجاعات. وكان بولس قد عنى قبل ذلك بخدمة المحبة هذه، وقام بها فعلاً بفرح وعن إيمان، بالجمع من كنائس الأمم، وكان يحمل العطاء بنفسه إلى أورشليم (غل٢: ٧-١٠)٤٣ ... هكذا ظهرت روح الآباء الرسل طيبة نحو بولس وبرنابا، كما ظهر تقديرهم لهما فى قرار المجمع النهائى ... «حبيبينا برنابا وبولس، رجلين قد بذلا ‹ص ٩٣› أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح» (أع١٥: ٢٥، ٢٦).
أما عن الموضوع الرئيسى، الذى إنعقد المجمع لأجله، وهو موضوع «تهود الأمم»، أو الزام الأمم الداخلين إلى الإيمان بحفظ ناموس موسى، فبعد مباحثات كثيرة، تكلم بطرس وبعده برنابا وبولس، وأخيراً يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم ورئيس المجمع ... وانتهى المجمع إلى القرار الآتى: «لا يوضع على المؤمنين ثقل أكثر غير هذه الأشياء الواجبة، الامتناع عما ذبح للأصنام، وعن الدم والمخنوق والزنا» (أع١٥: ٢٨، ٢٩).
ملاحظات على المجمع وقراراته:
١ - رأس هذا المجمع القديس يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم، وليس القديس بطرس كما يدعى البعض. ولم يكن بطرس هو أول المتكلمين فى المجمع، أو بعبارة أخرى لم يكن هو الذى إفتتح المجمع. فكلمة بطرس جاءت «بعدما حصلت مباحثة كثيرة» (أع١٥: ٧) ... وكان كلامه عن خبرته السابقة فى موضوع إيمان كرنيليوس الأممى ... أما يعقوب فكان آخر المتكلمين وأكثرهم أهمية، وكان لكلامه وزن كبير أنهى مناقشات المجمع٤٤.
٢ - كانت المناقشات والمباحثات كثيرة (أع ١٥: ٧) ... لكن الروح القدس كان أيضاً حاضراً معهم، وقاد هذه المناقشات، ومن ثم صدر قرار المجمع أخيراً باسمه متحداً مع الكنيسة «لأنه قد رأى الروح القدس ونحن ...» (أع١٥: ٢٨) ــ وليس باسم بطرس ... إنها صورة مشرقة لروحانية الكنيسة الأولى، ولما يجب أن تكون عليه المجامع الكنسية.
٣ - أحضر القديس بولس معه تيطس اليونانى الأممى ... ويبدو أنه أحضره ليقدم لكنيسة أورشليم عينة حية لما يمكن أن يفعله روح الله فى الإنسان بدون ‹ص ٩٤› الختان (غل٢: ١) ... ويبدو أن فريق الفريسيين السابقين طالبوا بختانه. لكن بولس صمد وقاوم بشدة٤٥ «الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة ليبقى عندكم حق الإنجيل» (غل٢: ٥).
٤ - بخصوص قرار المجمع فإنه لم يلزم الأمم بالتهود، لكنه أوصى أن يمتنع «عما ذبح للأصنام، وعن الدم، والمخنوق، والزنا» (أع١٥: ٢٩) ... وهذه النواهى هى ضمن ما كان يطالب به الأممى الذى يطلب التصريح له بحضور المجمع اليهودى، وما قرره موسى بالنسبة للأمميين إذا أرادوا أن يجعلوا مقامهم فى أرض اليهود ... فالطعام المقدم للأصنام، سواء ما يؤكل فى الهيكل الوثنى أو خارجه، كان يعتبر شركة مع الشياطين (تث٣٢: ١٧؛ ١كو١٠: ٢٠) ... والدم هو عنصر الحياة، ولذا فهو مقدس لله (تث١٢: ٢٣)، والأشياء المخنوقة مازالت تحتفظ بدمها، فلا يجب أن تؤكل تبعاً لذلك ... ومن هنا، فإن هذه النواهى الثلاثة، تتمشى مع تلك التى وضعت على الغريب الذى يقيم بين بنى إسرائيل (لا١٧: ١٠؛ ١٨: ١٨).
هذه النواهى الثلاثة السابقة تبدو معقولة، أما النهى عن الزنا فيبدو غريباً. فالزنا أمر غير مشروع لدى المسيحيين والأممين على السواء. من أجل هذا رأى كثيرون أن الزنا المشار إليه فى قرار مجمع أورشليم، إنما يُقصد به الزيجات المحرمة٤٦، كالحالة التى أشار إليها بولس فى (١كو٥: ١) ... ورأى البعض ‹ص ٩٥› الآخر أن المقصود هو الزنا المعروف، لأن خطايا النجاسة كان ينظر إليها باستخفاف فى العالم الوثنى. وكانت توجد معابد كثيرة مستخدمة كأماكن دينية للدعارة!! وكان بولس دائماً يحذر المتنصرين على يديه من الدنس الجنسى.
هل أنهى مجمع أورشليم مشكلة التهود؟
لم ينه مجمع أورشليم بقراره، المناقشات والآراء التى إحتدمت بخصوص تهود الأمم، والأزمات التى نتجت عن هذا الموضوع ... بل إن نشاط بولس الرسول الجبار، وكرازته الفعالة المتسعة، زادتا من حدة التوتر ... ولم يكن ما دار بمجمع أورشليم، وما أصدره من قرارات مقنعاً للمتزمتين، بل كان لهم بمثابة الهزيمة. ومن ثم هبوا ثانية ــ وبمرارة أكثر من ذى قبل ــ ونظموا إرساليات مضادة، للحد من نشاط القديس بولس، والترويج لمبادئهم. أو بعبارة أخرى، هدم بولس ونقض تعاليمه ...
أخذ هؤلاء «الإخوة الكذبة» حسبما يدعوهم بولس، يتعقبونه فى كل حقل كرز فيه تقريباً، خاصة فى غلاطية وكورنثوس ... ويبدو أنه كان موقفاً منطقياً من جانب هؤلاء المتزمتين، بعد أن اعتبرت حركة التبشير بالإنجيل هى نفسها إعلان الله للبشر قديماً على يد اليهود، لكن فى صورته الكاملة .. لم يكن هؤلاء المتزمتون يتخيلون، أنهم سينفصلون يوماً ما عما إنحدر إليهم كل ما كان يمكن أن تفعله المسيحية ــ حسب تصورهم ــ هو يهودية موسعة متحورة، يتألف جوهرها من الاعتراف بالإيمان بالمسيا اليهودى ... كان هؤلاء الإخوة الكذبة، بالنسبة لبولس شوكة ــ وإن لم تكن فى جسده ... يستعرضهم أمامه، ويشير إليهم وإلى تعليمهم الخاطىء، ويهاجمه ويهاجمهم فى معظم رسائله٤٧ ...
وكدليل على إستمرار واستفحال مشكلة التهود بعد مجمع أورشليم، نسوق الأمثلة الآتية:
‹ص ٩٦›
١ - فى أنطاكية:
حدثت بلبلة شديدة فى أنطاكية عقب مجمع أورشليم مباشرة، بعد وصول تلاميذ من عند يعقوب أخى الرب إليها. كان بطرس الرسول موجوداً فى ذلك الوقت فى أنطاكية إلى جانب بولس وبرنابا. وقد كان مجىء هؤلاء التلاميذ، ليروا إلى أى مدى يلتزم المتنصرون بالناموس «ليتجسسوا حريتنا التى لنا فى المسيح كى يستعبدونا» (غل٢: ٤) ... وقد أثمرت مساعى هؤلاء، فبدأ بطرس ــ وكان موجوداً وقتذاك فى أنطاكية ــ وبرنابا وبعض اليهود المتنصرين يمتنعون عن مخالطة الأمم (غل٢: ١٢، ١٣)، بعد أن كانوا يأكلون مع المتنصرين من الأمم فى ولائم الأغابى التى تتم فى إجتماعات العبادة، كتعبير عن الإخوة المسيحية.
كان هذا التصرف من جانب القديس بطرس غريباً، واعتبره القديس بولس رياء. وعندما ذكر هذا الحادث لكنيسة غلاطية قال: «لكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة لأنه كان ملوماً لأنه قبلما أتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم. ولكن لما أتوا كان يؤخر ويفرز نفسه خائفاً من الذين هم من الختان. وراءى معه باقى اليهود أيضاً، حتى برنابا أيضاً إنقاد إلى ريائهم» (غل٢: ١١-١٣) ... ولا ندرى سبباً لإنقلاب بطرس فى تصرفه. هل عاودته طبيعته القديمة، وأنكر فى هذه المرة حق التلاميذ الأمميين بعد أن دافع عنهم فى مجمع أورشليم٤٨؟! يبدو أن ضغط هؤلاء التلاميذ الوافدين من عند يعقوب كان شديداً، حتى أن برنابا الذى وقف إلى جانب بولس فى الدفاع عن حقوق الأمميين، إنحاز إلى بطرس وباقى اليهود٤٩.
لكن مَنْ يكون هؤلاء التلاميذ الوافدون من عند يعقوب؟ هل قصد بهذه العبارة أنهم مرسلون من قبله، أم أنهم من رعيته فقط؟
‹ص ٩٧› يميل كثير من العلماء ــ والنص الكتابى واضح ــ أنهم كانوا موفدين من قبله ... ولو كانوا لا يعبرون عن رأى يعقوب لما عمل لهم بطرس أى حساب فالقديس يعقوب أخو الرب كان شخصية قوية لها مكانتها ووزنها ــ ليس بين المسيحيين وحدهم، بل حتى بين اليهود أنفسهم٥٠ ... والقديس بولس حينما يذكره، يقدمه على بطرس «فإذ علم بالنعمة المعطاة لى يعقوب وصفا (بطرس) ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة ...» (غل٢: ٩). وقد رأس مجمع أورشليم، وكان رأيه الذى أعلنه أمام المجمع، هو نفس قرار المجمع .. بل يبدو أنه هو نفسه الذى كتب هذا القرار، فأسلوب إفتتاحية هذا القرار يتفق مع أسلوب إفتتاحية رسالته٥١.
لكن كيف نستطيع أن نفسر هذا التناقض الظاهرى فى موقف القديس يعقوب بخصوص قرار مجمع أورشليم، ويمين الشركة التى أعطاها لبولس وبرنابا من ناحية، والمندوبين الذين أرسلهم إلى أنطاكية من ناحية أخرى؟!
الواقع ــ كما يبدو لنا من الدراسة ــ أنه ليس ثمة تناقض فى موقف يعقوب ... لقد كان الموقف حساساً للغاية بين أهل الختان ... كان حماسهم شديداً للناموس القديم، وثقل عليهم أن يتخلوا نهائياً وللحال عن طقوسهم القديمة التى تشبعوا بها وقتاً طويلاً ... كانت الآمال معقودة على القديس يعقوب لما له من مكانة ممتازة بين المسيحيين من الفريقين. وكان هو يرأس الكنيسة الأم فى أورشليم ... ولعله أراد أن يقود سفينة الكنيسة بحكمة وسط عواصف التهود التى ثارت، ويقود المتحمسين لموسى برفق إلى المسيح. ويؤيد هذا التعليل ما دار من حديث بين القديس يعقوب ومعه خدام كنيسة أورشليم، والقديس بولس فى زيارته الخامسة والأخيرة إلى أورشليم حوالى سنة ٥٨ م٥٢.
‹ص ٩٨›
٢ - فى غلاطية:
وفى غلاطية حدثت بلبلة كبيرة، أحدثها اليهود المتنصرون، وبلغ من قوتها وعنفها ونتائجها، أن اليهود المتنصرين لم يعودوا وحدهم إلى ممارسة عوائدهم اليهودية، بل إن الأمر إمتد إلى الوثنيين المهتدين (غل٥: ٢). والرسالة إلى غلاطية رائعة ووافية فى إلقاء ضوء كاف على حركة التهود، ورأى القديس بولس بشأنها، وموقفه إزائها. تلك الرسالة التى كتبت بعد مجمع أورشليم بنحو خمس سنوات٥٣ ... فى هذه الرسالة يعالج الرسول بولس الموضوعين الأساسين اللذين كان يروج لهما هؤلاء الإخوة الكذبة، وهما قانونية رسوليته٥٤، وموضوع التهود ...
يبدأ بولس بالدفاع عن قانونية رسوليته فيفتتح الرسالة بقوله: «بولس رسول، لا من الناس، ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح والله الآب ... أعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذى بشرت به أنه ليس بحسب إنسان. لأنى لم أقبله من عند إنسان ولا علمته. بل بإعلان يسوع المسيح» (غل١: ١١، ١٢).
ثم ينتقل الرسول للكلام عن ضلالة التهود التى يريد أن ينقذهم منها فيقول لهم: «إنى أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذى دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل٥٥ آخر. ليس هو آخر. غير أنه يوجد قوم يزعجونكم، ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح. ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن محروماً ... لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما» ... ثم تأخذه الغيرة على خلاص أنفسهم فيقول لهم: «أهكذا أنتم أغبياء. أبعد ما ‹ص ٩٩› إبتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد ... لأنه فى المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة، بل الخليقة الجديدة» (غل١: ٦-٨؛ ٢: ١٦؛ ٣: ٣؛ ٦: ١٦).
٣ - فى أفسس وبعض مقاطعات آسيا:
لقى القديس بولس فى هذه المناطق مقاومة عنيفة من اليهود المتنصرين. ففى رسالتيه إلى الكورنثيين اللتين كتبهما حوالى سنة ٥٧، يقول: «ولكننى أمكث فى أفسس إلى يوم الخمسين، لأنه قد انفتح لى باب عظيم فعال، ويوجد معاندون كثيرون ... لا نريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة ضيقتنا التى أصابتنا فى آسيا أننا تثقفلنا جداً فوق الطاقة حتى أيسنا من الحياة أيضاً» (١كو١٦: ٨، ٩؛ ٢كو١: ٨-١٠) ... ويذكر أنه واجه الوحوش فى أفسس (١كو١٥: ٣٢)، كناية عن شدة المقاومة التى لقيها، فإن ذلك كله تم نتيجة العداوة التى أظهرها له اليهود المتنصرون٥٦ .. وفى رسالتيه إلى تيموثاوس، اللتين يرجح أنه كتبهما فى الفترة من سنة ٦٤ إلى سنة ٦٧ يتضح أنه عاد واصطدم مرة ثانية بجماعة اليهود المتنصرين فى أفسس (١تى١: ٣) ... وأخيراً يقول لتيموثاوس معبراً عما فى نفسه من مرارة وأسى: «أنت تعلم هذا، أن جميع الذين فى آسيا إرتدوا عنى» (٢تى١: ١٥).
فهم خاطىء لمهاجمة القديس بولس للتهود:
وثمة ملاحظة فى غاية الأهمية، تختص بموقف القديس بولس إزاء حركة التهود، يجب الإشارة إليها، بعد أن خدعت به، واستغلته بعض الشيع المسيحية البروتستانتية ... فلقد اعتبرت تلك الشيع مهاجمة القديس بولس لأعمال الناموس فى رسائله وتصريحاته بأنها غير لازمة للخلاص، إنها مهاجمة لمبدأ وجوب الأعمال الصالحة بصفة عامة فى حياة الإنسان المؤمن كشرط لخلاصه ... وبهذا أساءت هذه ‹ص ١٠٠› الشيع فهم روح هذا الرسول العظيم وجوهر كلماته الحية ... فبينما هو يهاجم فكرة التهود ذاتها، ويوضح أن الخلاص بدم المسيح وليس بأعمال الناموس القديم، إذا بهم يأخذونها على أنها مهاجمة لمبدأ الأعمال الصالحة ولزومها لخلاص الإنسان .. وصدق القديس بطرس الذى أشار إلى أمثال هذه الأمور بقوله: «التى فيها (رسائل بولس) أشياء عسرة الفهم، يحرفها غير العلماء، وغير الثابتين، كباقى الكتب أيضاً، لهلاك أنفسهم. فأنتم أيها الأحباء إذ قد سبقتم فعرفتم، إحترسوا من أن تنقادوا بضلال الأردياء، فتسقطوا من ثباتكم» (٢بط٣: ١٦، ١٧).
هل كانت الدعوة للتهود مظهراً لحركة سياسية؟
ثمة إشارات فى رسائل بولس الرسول التى عالج فيها موضوع التهود، تدل على إنتظار هؤلاء اليهود المتنصرين مجىء الرب، الأمر الذى يرتبط بنفس آمال اليهود فى مُلك المسيا ومجيئه وتأسيس مملكة أرضية ... فهل كانت هناك أيدى يهودية تلعب دورها من أجل أغراض سياسية؟ إننا نعرض هذه الإشارات، ونضع أمامها علامات إستفهام.
(أ) كتب القديس بولس إلى أهل تسالونيكى حوالى سنة ٥٢ أو ٥٣ يقول: «ثم نسألكم أيها الإخوة من جهة مجىء ربنا يسوع المسيح واجتماعه إلينا، أن لا تتزعزعوا سريعاً عن ذهنكم، ولا ترتاعوا لا بروح ولا بكلمة ولا برسالة كأنها منا، أى أن يوم المسيح قد حضر. لا يخدعنكم أحد على طريقة ما، لأنه لا يأتى إن لم يأت الإرتداد أولاً ... أما تذكرون إنى وأنا بعد عندكم كنت أقول لكم هذا» (٢تس٢: ١-٥) ... فمَنْ هم هؤلاء الذين يخدعونهم على طريقة ما؟ إننا نرجح أن الأمر كانت فيه يد يهودية تظهر بالمظهر الدينى، يحركها دافع سياسى. وهذا ليس بعيداً عن اليهود وأساليبهم فى الخداع ... بل لعله يتفق مع ما يرويه لنا يوسيفوس المؤرخ اليهودى عن إضطرابات يهودية فى تلك الفترة٥٧.
‹ص ١٠١› (ب) فى الرسالة إلى أهل غلاطية، يقول الرسول لهم: «أتحفظون أياماً وشهوراً وأوقاتاً وسنين. أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثاً» (غل٤: ١٠) ... وإن كان حفظ الأوقات يتعلّق أساساً ببعض الأعياد والطقوس اليهودية، لكن الاهتمام بحساب الزمن أصلاً لم يكن إلاَّ تعبير عن إنتظار المسيا٥٨.
(جـ) ويرى البعض أن فيما دوّنه بولس الرسول إلى أهل رومية، ما يؤيّد هذا الرأى. كتب بولس رسالته هذه حوالى سنة ٥٨ م، ولم تتبقَ سوى سنوات قليلة على ثورة اليهود العارمة ضد الدولة الرومانية، وحصار أورشليم وخرابها٥٩. وقبيل ذلك كان القوميون من اليهود يعدّون عدتهم سراً. وكان تيار القومية اليهودية يسرى خفية فى أنحاء العالم اليهودى. وإزاء هذه الحركة التى أجسَّها الرسول بولس، كان يختلج نفسه حزن عميق من أجل إسرائيل المسكين، الذى كان يدفع نفسه إلى الهاوية ... لذا قال فيهم: «إن لى حزناً عظمياً ووجعاً فى قلبى لا ينقطع ... لأجل إخوتى أنسبائى حسب الجسد الذين هم إسرائيليون» (رو٩: ١-٤). ووجه الخطر فى الأمر أن المسيحية حتى ذلك الوقت، كانت فى نظر الحكام معتبرة شيعة يهودية، يحل بأتباعها ما يحل باليهود. ولعله السبب الذى كتب الرسول لأجله فى هذه الرسالة، موصياً أن تخضع كل نفس للسلاطين الفائقة. ومَنْ يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله٦٠ (رو١٣: ١، ٢).
(د) وتظهر التأثيرات اليهودية واضحة غاية الوضوح فى موضوع «مُلك المسيح الألفى» Millennium، المذكور بطريقة رمزية، وبمعنى روحى فى سفر الرؤيا (رؤ٢٠: ٢، ٤، ٦). فلقد إعتقد بعض المسيحيين ــ نتيجة الجهود والتأثيرات اليهودية ــ أن السيد المسيح سيملك على الأرض فى أورشليم ألف سنة مليئة بالخير والسلام، ويملك معه القديسون ... وواضح تماماً أن هذه عينها هى آمال ‹ص ١٠٢› اليهود الخاطئة فى المسيا المنتظر٦١.
مخلفات حركة التهود:
سبق أن أوضحنا أن مجمع أورشليم لم ينه بصورة قاطعة مشكلة التهود، بل أن هذه المشكلة التى أثيرت فى عصر الرسل، كانت لها نتائج ومخلفات وذيول ...
١ - أنهى إضطهاد نيرون المروع، وكارثة خراب أورشليم وهيكلها، مناقشات التهود فى الكنيسة المسيحية. لكن هذه الآراء تبلورت وإزدادت تطرفاً، وظهرت فى أوائل القرن الثانى الميلادى فى هرطقة دينية، عُرفت باسم «الابيونية»٦٢.
٢ - أخذت حركة التهود مظهراً آخر غير مقاومة التعليم الصحيح .. معلوم أن خصم هؤلاء المتهودين الأكبر كان هو بولس الرسول، ومن ثم جعلوه هدفاً لمقاومتهم بصورة أخرى غير التعليم٦٣ ... وجاء ذلك فى كتابات الأبوكريفا (المزورة) التى ترجع إلى ذلك العصر، أو ما بعده بقليل، حيث نجد تأثيرهم واضحاً فيها ... حاولوا الإقلال من قيمة جهود بولس الكرازية، ونسبوا بعضها إلى بعض رسل الختان، وفى مقدمتهم بطرس الرسول، رسول الختان الأول ... ومن خير الأمثلة على ذلك الكتابان الأبوكريفا (أعمال الرسل) و(أعمال بطرس وبولس)٦٣.
٣ - وقد ترتب على النقطة السابقة قضية خطيرة مازالت كنيسة المسيح الجامعة، تئن منها حتى الآن ... فما لبنت مادة كتب الأبوكريفا المذكورة ــ التى أضفت على بطرس الرسول صفات مميزة وممتازة فى الجهود الكرازية ــ أن ‹ص ١٠٣› نمت على أيدى بعض الجهلاء والمغرضين، وحملت معها جذور فكرة رئاسة أسقف روما على العالم المسيحى .. تلك الفكرة التى نمت وترعرعت فى غضون العصور الوسطى المظلمة، وقسمت العالم المسيحى إلى أكثر من معسكر٦٤.
‹ص ١٠٤›
خراب أورشليم وهيكلها
أورشليم وهيكلها[^65]:
وقبل أن نتناول موضوع خراب أورشليم وهيكلها، نرى من المفيد أن نقف قليلاً ونلقى نظرة سريعة عليهما ...
على الرغم من الثراء العريض الذى حققه كثير من اليهود خارج اليهودية فى الأقطار الأخرى، فقد كانوا يتطلعون دائماً بشوق إلى أورشليم، وما يحيط بها ... كانوا يعتبرون أورشليم ــ وكل سكانها من اليهود ــ أنها المكان الوحيد فى العالم، حيث يشعرون ــ إلى حد ما ــ أنهم سادة فى بيتهم، وأن منها ستظهر ــ حسب فهمهم المادى الخاطىء ــ المملكة اليهودية الكبيرة الموعود بها، وفيها سيظهر أيضاً المسيا المنتظر ... وهكذا كانت أورشليم مركز اليهودية فى العالم كله، وقلبها النابض.
وفى عهد الرسل كانت أورشليم على جانب كبير من الثراء المادى، وبلغ عدد سكانها نحو مائتى ألف نسمة. لكنها لم تعد ــ كما كانت فى زمان داود وسليمان ــ تستمد عظمتها وثروتها من قوتها العسكرية، أو تجارتها مع شعوب فلسطين، بل من هيكل يهوه وحده ... كان على كل ذكر يهودى تجاوز عمره السنتين، أينما يعيش، غنياً كان أم فقيراً، أن يسهم فى الحفاظ على الهيكل، بأن يدفع درهمين (نصف شاقل) سنوياً ضريبة للهيكل ترسل إلى أورشليم. وقد أوفى الرب يسوع هذه الضريبة (مت١٧: ٢٤).
‹ص ١٠٥› وإلى جانب ذلك، كانت تصل إلى أورشليم تقدمات كثيرة لا تحصى .. كما كان لزاماً على كل يهودى غيور أن يحج إلى أورشليم ــ مرة واحدة على الأقل فى حياته ــ حيث مسكن إله يهوه ... ففيه وحده يقبل الله التقدمات. هكذا ترنم داود وقال عن هذا المسكن أن الله يسكن فيه إلى الأبد (مز٦٨: ١٦) ... أما المجامع اليهودية المنتشرة فى المدن المختلفة خارج أورشليم، فكانت أماكن إجتماعات وعبادة ومدارس ... لكنها لم تكن بحال ما هياكل تقدم فيها الذبائح.
لابد إذن وأن تكون ضرائب الهيكل، والحج، قد أمدتها بأموال طائلة، وانعشت الحالة الإقتصادية، وأتاحت فرصاً للعمل والكسب لكثير من اليهود ... وهكذا فإن عبادة يهوه فى أورشليم ــ بصورة مباشرة وغير مباشرة ــ قد أفادت، ليس فقط كهنة الهيكل والكتبة وحدهم، بل أيضاً أصحاب المتاجر والحرف والصيارف والفلاحين والرعاة وصيادى اليهودية والجليل، الذين وجدوا فى أورشليم سوقاً رائجة لمنتجاتهم ... وإذا كان السيد المسيح قد وجد فى الهيكل باعة ومشترين وصيارف، فقد كان هذا يتمشى ووضع الهيكل بالنسبة لحياة أورشليم وشعبها.
كانت حياة اليهود وآمالهم متعلقة بأورشليم «إن نسيتكِ يا أورشليم تُنسى يمينى، ليلتصق لسانى بحنكى إن لم أذكركِ. إن لم أفضل أورشليم على أعظم فرحى» (مز١٣٧: ٥، ٦) ... من أجل هذا قامت بعض محاولات لبناء أماكن يحج إليها اليهود خارج أورشليم، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل ... من أمثلة ذلك، المحاولة التى قام بها شخص يدعى انياس Onias ــ وهو ابن لرئيس كهنة يهودى ــ هذا بنى هيكلاً ليهوه فى مصر فى عهد بطلميوس فيلوباتر (١٧٣ ــ ١٤٦ ق.م)، بمعاونة هذا الملك، الذى كان يأمل أن يصبح رعاياه من اليهود أكثر ولاء له، حينما يكون لهم هيكل فى بلده ... لكن هذا الهيكل فشل فى فكرته وغرضه ...
وهكذا ظلت أورشليم وهيكلها قبلة أنظار اليهود فى كل أنحاء العالم، يولون وجوههم شطرها فى الصلاة، وإليها يرسلون تقدماتهم، ويحجون إليها ‹ص ١٠٦› للتبرك وتقديم الذبائح ... ويحفظون لها كل ولائهم٦٦ ...
بشائر مشئومة:
سبق خراب أورشليم وهيكلها بشائر مشئومة فى أورشليم ذاتها وفى خارجها ... نستعرض أهمها فيما يلى:
١ - يذكر المؤرخون أن الست سنوات الواقعة بين إضطهاد نيرون وخراب أورشليم (٦٤ ــ ٧٠ م) كانت أكثر فترات التاريخ القديم إمتلاء بالرذيلة والفساد والكوارث ... لقد بدأ الوصف النبوى الذى قدمه ربنا يسوع عن خراب أورشليم وهيكلها يتحقق. وبدا للمسيحيين، وكأن يوم الدينونة على الأبواب ... ولم يكن هذا الإحساس قاصراً على المسيحيين وحدهم، بل شاركهم فيه كثير من الوثنيين أيضاً، حتى أن المؤرخ الوثنى تاكيتوس Tacitus حينما أخذ يسجل تاريخ روما بعد موت نيرون، بدأه بقوله: [إننى مقبل على عمل غنى بالكوارث، ملىء بالمعارك الفظيعة والمنازعات والثورات ... حتى فى زمان السلم. لقد قتل أربعة أمراء بالسيف. وفى وقت واحد نشبت ثلاثة حروب أهلية، وعديد من الحروب الخارجية العنيفة ... إيطاليا مثقلة بكوارث جديدة أو قديمة متكررة. مدناً تبتلع أو تدفن تحت الحطام. لقد اتلفت الحرائق روما. احترقت معابدها القديمة. حتى الكابيتول أضرم المواطنون النيران فيه. أنتهكت المقدسات، وتفشى الزنا أيضاً حتى فى الأماكن السامية. إمتلأت البحار بأماكن النفى، وتخضبت الجزر الصخرية بدماء القتلى. ومازال الهياج المرعب يسود المدينة ...]٦٧.
‹ص ١٠٧› ٢ - أما فلسطين فكانت أكثر بلاد العالم شقاء فى تلك الفترة ... إن مأساة خراب أورشليم إنما تمثل مقدماً وبصورة مصغرة الدينونة الأخيرة، كما أنبأ عنها السيد المسيح فى حديثه عن نهاية العالم٦٨ ... أخيراً وصل إحتمال الله لشعب اليهود إلى الذروة، بعد أن فاقوا فى عنادهم كل تصور، فصلبوا مخلصهم!! وما لبثوا أن رجموا يعقوب البار الذى كان أنسب إنسان يصالح اليهود مع المسيحية.
لقد ظهرت وحدثت ظواهر وأحداث عجيبة قبيل خراب أورشليم فى السماء وعلى الأرض سجلها لنا يوسيفوس المؤرخ اليهودى المعاصر٦٩ ... ظهر فوق أورشليم ولمدة سنة كاملة، نجم مذنب يشبه السيف. وحدث أن بقرة وضعت حملاً وسط الهيكل بينما كان رئيس الكهنة سيقربها ذبيحة. والباب الشرقى الداخلى الضخم المصنوع من النحاس، الذى كان يحكم أغلاقه، ويقوم على غلقه عشرون رجلاً بصعوبة، شوهد ينفتح من تلقاء ذاته أثناء الليل. كما شوهدت مركبات وفرق من الجند مدججين بالسلاح بين السحب فوق المدينة المقدسة ... ويذكر لنا يوسيفوس حادثاً عجيباً آخر ... ففى سنة ٦٣ ــ قبل خراب المدينة بسبع سنوات ــ ظهر فلاح اسمه يوشيا فى مدينة أورشليم فى عيد المظال، وأخذ يصيح بلهجة نبوية نهاراً وليلاً فى الشوارع وبين الناس قائلاً: [صوت من الشرق، صوت من الغرب، صوت من الرياح الأربعة، صوت ضد أورشليم والبيت المقدس، صوت ضد العرائس والعرسان، صوت ضد هذا الشعب جميعه. ويل ويل لأورشليم] ... وإذ أزعج هذا المتنبىء الحكام بويلاته، قبضوا عليه وجلدوه لأنه تنبأ بالشر عليهم وعلى مدينتهم ... أما هو فلم يبد أية مقاومة، بل استمر يردد ويلاته. ولما قدم لألبينوس Albinus الوالى، أمر بجلده حتى ظهرت عظامه. ومع كل ذلك ما كان ينطق بكلمة دفاعاً عن نفسه، ولا لعن أعداءه. وكل ما فعله أنه كان يصدر صوتاً حزيناً مع كل جلدة [ويل ويل لأورشليم] ... لم يجب بشىء على أسئلة الحاكم، مَنْ هو، ومن أين ... أخيراً أطلقوا سراحه كرجل مجنون ... لكنه إستمر على هذه الحال حتى نشبت الحرب، لا سيما فى الأعياد الثلاثة ‹ص ١٠٨› الكبرى، معلناً إقتراب سقوط أورشليم ... وحدث أثناء حصار المدينة أنه كان يردد مرثاته فوق سور المدينة. وفجأة أضاف إلى العبارات الأولى التى كان يرددها قوله: [ويل ويل لى أنا أيضاً]. وما أن إنتهى من قوله هذا حتى إستقر حجر على رأسه ألقاه الرومان فمات.
ثورة اليهود:
فى مدة حكم الولاة الرومان فيلكس وفستوس والبينوس وفولوروس Florus إزداد الفساد الأخلاقى والإنحلال الإجتماعى بين يهود فلسطين، مع إزدياد ثقل نير الحكم الرومانى على الشعب سنة بعد أخرى. وكان من مظاهر هذا الإنحلال ظهور جماعة من السفاحين فى عهد ولاية فيلكس عرفوا باسم «حملة الخناجر» Sicarians، من كلمة Sica أى خنجر. كانوا مسلحين بالخناجر، وعلى إستعداد لإرتكاب أية جريمة مقابل أى شىء ... إنتشر هؤلاء فى ربوع فلسطين وهددوا الأمن فى المدن والريف.
وإلى جانب ذلك، وصلت روح التحزب بين اليهود أنفسهم وكراهيتهم لمستعمريهم الوثنيين، وتعصبهم السياسى والدينى حداً بالغاً. وقد شجع على هذه الروح وزادها إشتعالاً، ظهور الأنبياء والمسحاء الكذبة. وقد إستطاع أحدهم ــ بحسب رواية يوسيفوس ــ أن يجذب وراءه ثلاثين ألف رجل ... وهكذا بدأت تتم كلمات ربنا يسوع النبوية عن ظهور مسحاء كذبة وأنبياء كذبة يضلون كثيرين٧٠.
وفى شهر مايو سنة ٦٦ م ــ تحت حكم الوالى الرومانى فلوروس، وكان طاغية شريراً قاسياً ــ إندلعت ثورة يهودية منظمة ضد الرومان. وفى نفس الوقت قامت حرب أهلية بين جماعات الثوار المختلفة، لا سيما بين جماعة الغيورين Zealots المتطرفين، وفريق المعتدلين، أو بين المتطرفين والمحافظين من اليهود ... ‹ص ١٠٩› كان أعضاء جماعة الغيورين مملوئين شراسة وتعصباً للدين والوطن والقومية اليهودية. وكان لهم النفوذ والسيطرة فى المجال الحربى. ومن ثم فقد سيطروا بعنفهم على المدينة المقدسة أورشليم وهيكلها. وأشاعوا الذعر بين الأهلين، وعبأوا أفكار الناس ومشاعرهم إنتظاراً لظهور المسيا. كما رحبوا بكل خطوة نحو الدمار والخراب، كخطوة نحو التحرر!! وفسروا ظهور المذنبات والشهب والإنذارات المخيفة والأعاجيب التى صاحبت تلك الفترة، على أنها علامات لمجىء المسيا وملكه على الأمم٧١ ... لقد كان تحدى اليهود للدولة الرومانية فى ذلك الوقت، يعنى تحديهم لأكبر قوة مسلحة فى العالم وقتذاك. ومع ذلك فقد أعماهم تعصبهم الدينى، الذى استوحوه من ذكريات بطولات ثورات المكابيين، عن الفشل المحقق.
الغزو الرومانى:
عندما بلغ نيرون خبر ثورة اليهود، أرسل قائده الذائع الصيت فسبسيان Vespasian على رأس قوة كبيرة إلى فلسطين ... بدأت الحملة سنة ٦٧ من ميناء بتولمايس (عكا)، وواجهت مقاومة مستميتة فى الجليل قوامها ستون ألف مقاتل ... لكن ما لبثت الأحداث فى روما أن حالت بين فسبسيان واستكمال النصر، واضطرته إلى العودة إليها، بعد أن إنتحر نيرون، وتعاقب على العرش الإمبراطورى ثلاثة أباطرة فى فترة وجيزة. وانتهى الأمر باعلن فسبسيان إمبراطوراً سنة ٦٩، فعمل على إعادة الأمن والنظام فى ربوع الإمبراطورية.
خلف فسبسيان فى قيادة الحرب ضد اليهود ابنه تيطس Titus الذى صار هو الآخر إمبراطوراً بعد هذه الأحداث بعشر سنوات ... كان جيش تيطس قوامه نحو ثمانين ألف مقاتل مدرب، وأقام معسكره على جبل سكوبس Scopus وجبل الزيتون المتاخم، فى مواقع تمكنه من رؤية المدينة أورشليم والهيكل رؤية واضحة. ‹ص ١١٠› وكان وادى قدرون يفصل بين الرومان واليهود المحاصرين.
بدأ الحصار فى أبريل سنة ٧٠م عقب عيد الفصح مباشرة. وكانت أورشليم غاصة بالغرباء الذين وفدوا إليها لحضور ذلك العيد العظيم. حاول تيطس فى بادىء الأمر التفاهم مع اليهود بالحسنى، لكن جماعة الغيورين رفضوا بكل تحد مقترحات تيطس ومحاولاته المتكررة، وتوسلات يوسيفوس (المؤرخ) الذى صحبه كمترجم ووسيط ... وكانوا فى ثورتهم الجنونية يقتلون كل مَنْ يتحدث عن الإستسلام.
قام اليهود ببعض الهجمات أسفل وادى قدرون وفوق الجبل، كبدوا فيها الرومان خسائر كبيرة ... كان هذا النجاح المبدئى سبباً فى إزدياد حماس الغيورين، على الرغم مما حل بهم من مصائب ومتاعب ... كان تيطس يصلب يومياً من اليهود العصاة نحو خمسمائة يهودى ... وما لبثت أن ظهرت المجاعة فى أورشليم، نتيجة احكام الحصار عليها. كانت المجاعة تحصد فى كل يوم آلاف اليهود، الأمر الذى أضطر إمرأة يهودية أن تشوى طفلها لتأكله٧٢!! وعلى الرغم من كل ذلك، فإن هذا البؤس كله لم يزحزح جماعة الغيورين المسيطرين على الموقف عن تعصبهم الجنونى ... والواقع أن التاريخ لم يسجل لنا صوراً للبؤس أبشع مما شهدته أورشليم مدة حصارها على يد تيطس. كما أنه لا يسجل لنا مقاومة عنيدة، وشجاعة يائسة، وإستخفافاً بالموت، على نحو ما أظهره اليهود فى تلك الحرب٧٣.
دمار المدينة والهيكل:
أخيراً ــ فى يولية سنة ٧٠ م ــ باغت الرومان حصن أنطونيا Antonia ليلاً واستولوا عليه. وبسقوط هذا الحصن، أصبح الطريق ممهداً لوضع أيديهم على الهيكل، فتوقفت الذبائح اليومية فى اليوم السابع عشر من يولية، لأن اليهود ‹ص ١١١› كانوا فى حاجة إلى كل الأيدى للدفاع فى الحرب ... ولعل آخر ذبيحة وأغزرها دماء قدمت على مذبح المحرقة كانت آلاف اليهود الذين ذبحهم الرومان وقد تجمهروا حول هيكلهم للدفاع عنه!!
كان تيطس ــ بحسب رواية يوسيفوس ــ ينوى فى بادىء الأمر أن يبقى على الهيكل، كعمل معمارى رائع يحفظ ذكرى إنتصاره. وعندما هددت ألسنة النيران قدس الأقداس، شق طريقه بصعوبة بين اللهب والدخان، فوق جثث القتلى، وتلك التى كانت بين الحياة والموت، حتى ما يحصر النيران لكن جنوده كانوا فى حالة هياج هستيرى نتيجة المقاومة العنيدة التى أبداها اليهود، والطمع فى كنوز الهيكل الذهبية، لم يكن فى الإمكان إيقافهم عن أعمال التخريب٧٤.
كانت الأروقة المحيطة بالهيكل هى أول ما احترق منه. ثم ما لبثت أن طرحت كتلة نارية عبر البوابة الذهبية. وعندما تصاعدت ألسنة اللهب، أطلق اليهود صرخات هستيرية مفزعة، وحاولوا إخماد النار، بينما وجد آخرون عزاءهم ــ وهم يتعلقون بأخر أمل لهم فى خلاص المسيا ــ فى أن يعلنوا نبوءة نبى كاذب، مؤداها أن الله وسط حريق الهيكل، وسيعطى علامة الخلاص لشعبه!! .. تنافس الجنود الرومان فى تغذية ألسنة النيران، وسرعان ما تحول كل البناء الضخم إلى شعلة نارية أضاءت السماء ... هكذا أحرق الهيكل فى العاشر من أغسطس سنة ٧٠ م. وهو حسب التقليد، نفس اليوم الذى خرب فيه الهيكل قديماً على يد نبوخذنصر ملك بابل٧٥!!
يقول يوسيفوس ــ وهو شاهد عيان ــ فى وصفه لخراب الهيكل: [لا يمكن أن يتصور أحد أصوات أعلى وأكثر فزعاً مما حدث من كل ناحية أثناء إحتراق الهيكل. صيحات الإنتصار والفرح الصادرة من الجنود الرومان تختلط بصيحات عويل الشعب المحاصر بالنار والسيف فوق الجبل وداخل المدينة.
بقايا من حجارة هيكل أورشليم بعد هدمه ‹ص ١١٣› وكان الصدى الواصل من كل الجبال المحيطة يزيد هذا الزئير الذى يصم الآذان. ومع ذلك فالبؤس نفسه كان أفظع من هذا الاضطراب. كان التل المقام عليه الهيكل يغلى من السخونة، وبدأت وكأنه ملفوف حتى سفحه بطبقة واحدة من اللهب. كانت الدماء فى كميتها أكثر من النار، والمذبوحون أكثر عدداً ممَنْ ذبحوهم. ولم تعد الأرض ترى فى أى موضع، إذ كانت مغطاة بأكوام من جثث القتلى، سار فوقها الجند وهم يتعقبون الهاربين]٧٦.
وما لبث الرومان أن ثبتوا شعاراتهم (النسور الرومانية) فوق الأنقاض فى الجهة المقابلة لبوابة أورشليم الشرقية، وقدموا لها القرابين، وهتفوا لقائدهم المظفر تيطس بأعظم تهاليل الفرح ... هكذا تمت النبوءة الخاصة «برجسة الخراب القائمة فى الموضع المقدس»٧٧.
قصاص الله العادل:
لقد هدمت أورشليم تماماً، ولم يترك بها سوى ثلاثة أبراج من قصر هيرودس مع جزء من الحائط الغربى. وقد أبقى عليها كآثار لقوة المدينة المقهورة، التى كانت يوماً معقلاً لدولة اليهود الدينية، ومهد الكنيسة المسيحية ... ولقد أحس الجميع واعترفوا بأن كارثة اليهود إنما هى قصاص إلهى ... فقد نسب إلى تيطس قوله ان الله بمعونة خاصة ساعد الرومان ومنع اليهود من الافلات من قبضة يدهم القوية ...
أما يوسيفوس٧٨ الذى تابع الحرب بنفسه من أولها إلى آخرها، فقد ‹ص ١١٤› إستطاع أن يتبين فى تلك المأساة عدل الله، وأعترف بذلك وقال: [إننى لا أتردد فى أن أبوح بما يؤلمنى إنى أؤمن أنه لو أجل الرومان عقابهم لهؤلاء الأشرار لابتلعت الأرض المدينة (أورشليم)، أو أغرقها طوفان، أو أحرقت بنار من السماء كما حدث لسدوم، لأن جيلهم كان أكثر شراً من أولئك الذين حلت عليهم النقمات فى سالف الأزمان. فبسبب جنونهم بادت الأمة كلها]٧٩ ..
هكذا كان لابد لواحد من أفضل الأباطرة الرومان أن ينفذ قضاء الله، ولآخر من أكثر اليهود ثقافة فى زمانه أن يصفه ... وهكذا أيضاً ــ دون أن يعرفا أو يريدا ــ شهداً لصدق النبوة وألوهة يسوع المسيح ربنا، الذى إذ رفضه هؤلاء اليهود الجاحدون، عانوا البؤس والشقاء فى ملء بشاعتهما٨٠.
مصير اليهود بعد هزيمتهم:
بعد حصار دام خمسة أشهر وقعت المدينة كلها فى أيدى الرومان الظافرين. وقد بلغ عدد من لقى حتفه من اليهود مدة الحصار ــ بحسب رواية يوسيفوس ــ مليوناً ومائة ألف. منهم أحد عشر ألفاً هلكوا جوعاً. وأسر منهم سبعة وتسعون ألفاً. بعضهم بيعوا عبيداً، والبعض أرسلوا للعمل فى المناجم، بينما قرب البعض كضحايا فى حلبات المصارعة فى قيصرية وبيروت وأنطاكية وبلاد أخرى. واحتفظ بأكثرهم قوة بدنية ووجاهة ليسيروا فى مواكب النصر فى روما، وبينهم أكبر قادة الثورة اليهودية وزعماؤها: سمعان بارجيورا Simon Bar-Giora ‹ص ١١٥› ويوحنا الذى من جيشالا Gischala٨١.
إحتفل فسبسيان وتيطس بالنصر معاً إحتفالاً عظيماً فى روما سنة ٧١ م. فركب كل منهما مركبة خاصة متوجاً بأكاليل الغار، ولابسا ثياباً أرجوانية، بينما إمتطى دومتيان صهوة جواد ممتاز. سار الموكب فى تؤدة إلى معبد جوبيتر كابيتولينوس Jupiter Capitolinus وسط هتافات الجماهير. وكان يتقدم الموكب جنود فى ثياب إحتفالية، وسبعمائة أسير يهودى ...
وقد حملت فى هذا الموكب بعض صور الآلهة التى يعبدها الرومان، وبعض قطع من أثاث الهيكل اليهودى٨٢، وأودعت معبد السلام٨٣ الذى كان قد بنى منذ وقت قصير ... أما كتب الناموس والستائر الأرجوانية الخاصة بالهيكل، فقد إحتفظ بها فسبسيان لقصره ... كان يوسيفوس أحد شهود هذا الاحتفال الخاص بإذلال أمته، ووصفه لنا دون أن يبدى أى مشاعر لتأثره٨٤.
لقد نتج عن فتح فلسطين على يد الرومان، دمار مصالح اليهود وتدهور إقتصادهم ... إحتفظ الامبراطور فسبسيان بالأرض كملك خاص له يوزعها على أخصائه. ولقد وصل الشعب اليهودى بعد حروب دامت خمس سنوات إلى حالة من الفقر المدقع ... صاروا بلا حاكم منهم، بلا وطن٨٥. وبلا ‹ص ١١٦› هيكل٨٦.
قوس النصر الذى أقامه القائد تيطس بعد قهره اليهود وتخريب أورشليم
بعض رسوم على قوس تيطس توضح إحتفالات النصر بروما وترى بعض الأشياء المأخوذة من هيكل أورشليم ومنها المنارة الذهبية ذات السبعة سرج.
‹ص ١١٨›
أثر خراب أورشليم على الكنيسة المسيحية
ما أن تذكر مسيحيو أورشليم تحذيرات الرب (مت ٢٤: ١٥)، حتى تركوا المدينة التى ستحل بها النكبة ... تركوها فى وقت مناسب وهربوا إلى مدينة بلا Pella فى العشر مدن وراء الأردن شمالى بيرية ... هناك فتح لهم الملك هيرودس أغريباس الثانى ملجأ أميناً ... ويقول تقليد قديم ــ كما يروى يوسابيوس المؤرخ وابيفانيوس ــ أن ملاكاً أو صوتاً إلهياً أعلن لقادة المسيحيين وجوب الهرب. وقد حدث ذلك قبل خراب أورشليم بأربعة أعوام٨٧ ... وهناك وسط سكان معظمهم من الأمميين تأسست كنيسة الختان مرة أخرى ... وللأسف لا يمدنا التاريخ بأية معلومات عن الكنيسة المسيحية فى بلا ...
لقد أحدثت النكبة المروعة التى حلت بأورشليم وهيكلها اليهودى، آثاراً ونتائج عميقة فى المسيحيين، يمكن تلخيصها فيما يلى[^88]:
١ - كان المسيحيون حتى قبيل خراب أورشليم وهيكلها، يعيشون فى توقع يومى لإنقضاء العالم، وعودة الرب يسوع السريعة. لقد إختلط عليهم الأمر فى فهم الصورة النبوية التى رسمها الرب عما سيحدث فيما بعد، فلم يستطيعوا أن يفرقوا بين النبوات المختصة بخراب أورشليم والهيكل، وتلك التى تشير إلى إنقضاء الدهر والدينونة العامة. لم يفهموا أن خراب أورشليم وهيكلها كان رمزاً للدينونة العامة المحفوظة للعالم أجمع ... هذا الخلط الطبيعى فى زمان ما قبل خراب الهيكل، لم يعد ممكناً بعد أن فقدت اليهودية مركزها الدينى. ‹ص ١١٩› ولدينا دليل على هذا الفهم الجديد فيما رواه هيجيسبوس Hegesippus ونقله إلينا يوسابيوس المؤرخ. فلقد دعا الإمبراطور دومتيان (٨١ ــ ٩٦) بعض أقارب الرب يسوع بالجسد، وسألهم عن مملكة المسيح وعودته. فكان جوابهم: [إن هذه المملكة ليست زمنية أو أرضية، بل سماوية ملائكية، سوف تظهر فى نهاية العالم، عندما يأتى فى المجد ليدين الأحياء والأموات، ويعطى كل واحد حسب أعماله]٨٩ ...
٢ - هذا الفهم ــ بمثل هذا الوضوح والإيجابية ــ عن طول مدة النضال والألم (اللذين ينتظران الكنيسة) وارتباطه بزوال نظام العبادة القديمة ــ الذى كان مايزال يتمسك به كثير من اليهود المتنصرّين، ساعد على إستقرار تنظيم الكنيسة ... والواقع أنه إبتداء من سنة ٧٠ م، نلحظ تقدماً ملموساً نحو وضع محدد لتنظيم الكنيسة وعبادتها. لقد بدأت الكنيسة منذ ذلك الوقت تتحقق من مكانتها كإسرائيل الحقيقى.
٣ - وثمة نتيجة هامة لسقوط أورشليم وخراب هيكلها ... لقد كان هذا الخراب ضربة قوية للمتنصرين من اليهود المتمسكين بالناموس اليهودى. هذا الحدث الهام كان فيه إتمام لكلام السيد المسيح، وإشعار لهم بأنه لا يريدهم أن يستمروا فى ممارسة العوائد اليهودية التى كان الهيكل مركزها. ومنذ ذلك الوقت بدأ هؤلاء اليهود المتنصرون يقتربون من الأمم المتنصرين ... وبعبارة أخرى بدأ التقارب بين اليهودية المتنصرة والوثنية المؤمنة.
٤ - ومن نتائج خراب أورشليم وهيكلها، أن بدأت نهضة يهودية قادت حرباً تعليمية سافرة ضد المسيحية. فبعد خراب الهيكل بزمن قصير بدأ اليهود ينظمون صفوفهم، وتشكل سنهدرين جديد فى جبنه٩٠ Jabna بدأ يجمع حوله ‹ص ١٢٠› فلول الشعب اليهودى ... وقد أظهر هذا المجلس كل عداء نحو المسيحيين. ومما قاله أحد معلميهم وهو الربان تارفو Tarpho: [الأناجيل تستحق الحرق. إن الوثنية أقل خطراً من الشيع المسيحية. فالأولى لا تقبل الحق اليهودى بسبب الجهل، بينما المسيحيون يعرفونه ومع ذلك يرفضونه. يمكن أن نجد الخلاص فى المعابد الوثنية أسرع من وجوده وسط الجماعات المسيحية] ... ووضعت قيود مُنِعَ بها اليهود من مشاركة المسيحيين الطعام ... وقد وضع الربان غمالائيل صورة لحرم مَنْ يتجاسر على مخالفة ذلك فى الصلوات اليومية، مؤداها أنه لا رجاء للمرتدين (اليهود المتنصرين) ... وهكذا نرى أنه لا توجد هوة أعمق من ذلك، فصلت بين كنيسة الختان والمجمع اليهودى.
٥ - كان من أثر ذلك أننا نجد فى القرن الثانى الميلادى كنيسة مزدهرة ــ بدون أية إتجاهات يهودية ــ فى آليا كابيتولينا٩١ Aelia Capitolina ... ومن المؤكد أن عدداً كبيراً من سكانها كانوا من المسيحيين الذين ينتمون إلى أصل يهودى. وكان هؤلاء يختلطون بالأمم المتنصرين دون أدنى تمييز أو فوارق. وهذا دليل كبير على إضمحلال المسيحية المتهوّدة.
- ‹ص ٦٦› (١) سيأتى الكلام عن ذلك بالتفصيل.
- ‹ص ٦٧› (٢) أع٣: ١٢ —؛ ٥: ٢٩ —؛ ١٠: ٣٤ —
- ‹ص ٦٨› (٣) أع٩: ٢٣-٢٥؛ ٢كو١١: ٣٢، ٣٣.
- ‹ص ٧١› (٤) Lietzmann; A History of the Early Church, p. 177.
- ‹ص ٧١› (٥) Eusebius, H.E., 2.9.
- ‹ص ٧٢› (٦) Josephus: Antiquities, 19.8.2.
- ‹ص ٧٣› (٧) Ibid, 20.9.1.
- ‹ص ٧٤› (٨) لم يكن كل اليهود يضمرون العداوة للمسيحيين، بل كان بينهم عينات طيبة معتدلة متفاهمة، كالرجال اليهود الأتقياء الذين حملوا جسد استفانوس إلى القبر وعملوا عليه مناحة عظيمة (أع٨: ٢).
- ‹ص ٧٤› (٩) Hill, p. 53 — انظر (أع٢٦: ١٠)
- ‹ص ٧٤› (١٠) De Pressensé, Vol. 1, pp. 64 - ; Hill, pp. 59-
- ‹ص ٧٥› (١١) Josephus; Antiquities, 11.8.6.
- ‹ص ٧٥› (١٢) Ibid, 12.1.1.
- ‹ص ٧٥› (١٣) Ibid, 13.9.
- ‹ص ٧٥› (١٤) Ibid, 13. 14.1.
- ‹ص ٧٥› (١٥) أوريجينوس فى تفسيره لسفر العدد، مقال ٢٥; ١.
- ‹ص ٧٦› (١٦) كان فيلبس شماساً فقط، ولم يكن له من درجات الكهنوت ما يخوله ممارسة سر التثبيت، الذى كان يتم بوضع أيدى مَنْ هم فى درجة الأسقفية فى الكنيسة الأولى.
- ‹ص ٧٨› (١٨) صدق القديس جيروم فى وصفه لذلك الوزير [لقد وجد فى ينبوع الكنيسة فى الصحراء، أكثر مما وجد فى الهيكل المذهب بأورشليم].
- ‹ص ٧٨› (١٩) Eusebius, H.E. 2.1.13; Harnack, The Mission .. p. 52; Hill, pp. 62-; De pressensé, Vol. 1, pp. 74, 75.
- ‹ص ٧٩› (٢٠) Daniélou; The Christian Centuries, Vol. 1, p. 18.
- ‹ص ٨٠› (٢١) انظر: أف٣: ١؛ ٤: ١؛ ٢تى١: ٨؛ فل ٩.
- ‹ص ٨٠› (٢٢) سنكسار الكنيسة القبطية تحت يوم ٢٧ بؤونة، وسنكسار الروم الكاثوليك فى أول تشرين الأول — انظر: Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 1, p. 127.
- ‹ص ٨١› (٢٣) Weiss, Earliest Christianity, Vol. 1, pp. 171-179; Harnack, Mission .. pp. 52, 53.
- ‹ص ٨٢› (٢٤) تقليد قديم ذكره كليمنضس الاسكندرى، وأورده يوسابيوس المؤرخ — انظر: Eusebius, H.E., 5.18.13.
- ‹ص ٨٣› (٢٥) H.E., 2.3.
- ‹ص ٨٤› (٢٦) انظر (أع١٩: ٩) حيث يُذكر أن بعض اليهود المتعصبين فى أفسس كانوا «يتقسون ولا يقنعون شاتمين الطريق»، ويقصد بالطريق هنا جماعة المسيحيين — انظر: Daniélou, Vol. 1, p.22.
- ‹ص ٨٤› (٢٧) شعب عربى، وكانت مملكتهم تشغل أدوم وجنوب شرقى الأردن، وجنوب شرقى سوريا انظر (مكابيين الأول ٥: ٢٥)، Hastings Dictionary of the Bible, p. 46; Oxford Bible Atlas.
- ‹ص ٨٥› (٢٨) Daniélou, Vol. 1, pp. 22-24.
- ‹ص ٨٥› (٢٩) Ibid, p. 24.
- ‹ص ٨٦› (٣٠) De Pressensé, Vol. 1, pp. 75, 76.
- ‹ص ٨٦› (٣١) لم تطلق هذه التسمية على الرب يسوع وعلى المسيحيين من الخارجين عن الكنيسة، بل فى داخل الكنيسة. والرب يسوع نفسه دعا نفسه بها حينما ظهر لشاول الطرسوسى — انظر: (أع٢: ٢٢؛ ٣: ٦؛ ٤: ١٠؛ ٦: ١٤؛ ٢٢: ٨؛ ٢٦: ٩؛ لو٢٤: ١٩). انظر أيضاً: Lietzmann, pp. 131.
- ‹ص ٨٧› (٣٢) Harnack, Missions .. p. 53; De pressensé, Vol. 1, p. 77; Daniélou, Vol. 1, p. 24.
- ‹ص ٨٨› (٣٣) كلمة يونانية Nomos وتعنى قانون.
- ‹ص ٨٩› (٣٤) انظر: أع٢: ٤٦؛ ٣: ١؛ ٥: ٢١.
- ‹ص ٨٩› (٣٥) التمييز بين ما هو طاهر ونجس من الحيوانات فى العهد القديم، كان إشارة ورمزاً إلى التمييز بين البشر: ختان وغرلة أو يهود وأمم. وفى الرؤيا التى أعلنت لبطرس الرسول بخصوص كرنيليوس، قال بطرس إنه لم يأكل قط شيئاً دنساً أو نجساً. وهو هنا تكلم كيهودى، أما الرد الذى اقتبله من الله، فإنه يظهر معنى العهد الجديد، وأن الله بدم الفداء طهر كل ما هو نجس وانتهى عهد التمييز بين شعب مقدس وآخر غير مقدس، كالحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة.
- ‹ص ٩٠› (٣٦) Daniélou, Vol. 1, p. 12.
- ‹ص ٩٠› (٣٧) أحدث إيمان كرنيليوس وأهل بيته على يد بطرس الرسول رد فعل شديد فى مؤمنى أورشليم من اليهود المتنصرين. فقد خاصموا بطرس حالما صعد إلى أورشليم لأنه دخل إلى رجال ذوى غلفة وأكل معهم ... ولم يهدأوا إلاَّ بعد أن شرح لهم بطرس كل القصة إبتداء من الرؤيا التى أعلنت له انظر (أع١٠؛ ١١: ١-٨).
- ‹ص ٩٠› (٣٨) Hill, pp. 116 - 118.
- ‹ص ٩١› (٣٩) لايقصد بطبيعة الحال التحلل الكامل من كل شرائع الناموس، إنما المقصود ألاَّ يلتزم المسيحيون بالأشياء التى كانت رمزاً فقط إلى أشياء أخرى فى العهد الجديد، وقد بطلت بمجىء المرموز إليه. مثال ذلك الختان وهو من أهم ما تعلّق به هذا الفريق. كان الختان يرمز إلى معمودية العهد الجديد. فكان بطبيعة الحال لابد وأن يبطل الختان كفريضة دينية ... وبالاضافة إلى الختان، حفظ السبت ... إلخ.
- ‹ص ٩١› (٤٠) Schaff, Vol. 1, pp. 335 - 339.
- ‹ص ٩٢› (٤١) Schaff, Vol. 1, pp. 339-345; De Pressensé, Vol. 1, pp. 125-138; Hill, pp. 119, 120.
- ‹ص ٩٢› (٤٢) بعد إيمان بولس الرسول بأربعة عشر عاماً (غل ٢: ١).
- ‹ص ٩٢› (٤٣) قارن: أع ١١: ٣٠؛ ٢٤: ١٧؛ ١كو١٦: ١-٣؛ ٢كو٨، ٩؛ رو١٥: ٢٥-٢٧.
- ‹ص ٩٣› (٤٤) Schaff, Vol. 1, pp. 344, 363; De Pressensé, Vol. p. 133. خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية ص ٥.
- ‹ص ٩٤› (٤٥) كيف يتفق موقف بولس الرسول هنا مع موقفه فيما يتعلق بتيموثاوس الذى ختنه بعد أرفضاض المجمع مباشرة (أع١٦: ٣)؟! يبدو أن بولس ختن تيموثاوس كيهودى وليس كأممى. وقد فعل ذلك كنوع من الملاءمة الارادية، حتى ما يجعله أكثر نفعاً للخدمة بين بنى جنسه من اليهود، الذين كانوا يعرفون أنه ابن امرأة يهودية مؤمنة. فما كان ممكناً أن يسمحوا له بالتعليم فى المجمع بدون علامة العضوية وهى الختان ... أما فى حالة تيطس ــ وهو يونانى أممى خالص ــ فكان مطالباً بالختان كأساس للتبرير والخلاص ... كان بولس شديد الصلابة فى وقوفه أمام الإخوة الكذبة ــ لكنه كان مستعداً دائماً أن يوائم نفسه مع الضعفاء، وأن يصير لليهود كيهودى، وللأمم كأممى لكى ما يخلّص كليهما (قارن رو١٤، ١٥؛ ١كو٩: ١٩-٢٣؛ أع٢١: ٢٣-٢٦). ثم أن بولس كان لا يهمه موضوع الختان أو عدمه كطقس ظاهرى فقط بالمقارنة مع حفظ وصايا الله والخليقة الجديدة فى المسيح. (انظر غل٥: ٦؛ ٦: ١٥؛ ١كو٧: ١٩) ــ انظر أيضاً: Schaff, Vol. 1, pp. 342, 343.
- ‹ص ٩٤› (٤٦) Hill, pp. 124 - 129; Daniélou, Vol. 1, p. 30.
- ‹ص ٩٥› (٤٧) Schaff, Vol. 1, pp. 358, 359; Carrington, Vol. 1, p. 87.
- ‹ص ٩٦› (٤٨) قال القديس بطرس فى مجمع أورشليم دفاعاً عن الأممين: «والله العارف القلوب شهد لهم معطياً لهم الروح القدس كما لنا أيضاً. ولم يميز بيننا وبينهم بشىء إذ طهر بالإيمان قلوبهم» (أع١٥: ٨، ٩).
- ‹ص ٩٦› (٤٩) Schaff, Vol. 1, pp. 352 - 354.
- ‹ص ٩٧› (٥٠) اعتبر يوسيفوس المؤرخ اليهودى خراب أورشليم سنة ٧٠ م إنتقاماً إلهياً عادلاً من اليهود لقتلهم للقديس يعقوب هذا.
- ‹ص ٩٧› (٥١) قارن (أع ١٥: ٢٣) مع (يع ١: ١).
- ‹ص ٩٧› (٥٢) انظر بإمعان: أع ٢١: ١٧-٢٦. لكن هل يمكن تفسير موقف بطرس فى أنطاكية حينما امتنع عن مخالطة الأممين، على أنه هو الآخر كان فى موقف حساس لكونه رسول الختان وكان لا يريد أن يضع عثرات فى سبيل خدمته الكرازية؟! تساؤل لا يمكننا إعطاء إجابة قاطعة ومقنعة عنه ...
- ‹ص ٩٨› (٥٣) Schaff, Vol. 1, p. 763; Carrington, Vol. 1, p. 88; The book of the Acts of God, p. 321; Wuest, Galatians in the Greek N.T., pp. 11-23.
- ‹ص ٩٨› (٥٤) أى أنه رسول من قبل الرب يسوع نفسه، وأنه لا ينقص شيئاً عن فائقى الرسل (٢كو١١: ٥).
- ‹ص ٩٨› (٥٥) كلمة إنجيل هنا وفى كل أسفار العهد الجديد كانت لا تعنى حتى ذلك الوقت الكتاب المكتوب، بل تعنى البشارة التى يحملها الرسل خاصة للأمم.
- ‹ص ٩٩› (٥٦) Daniélou, Vol. 1, p. 34.
- ‹ص ١٠٠› (٥٧) Daniélou, Vol. 1, p. 34.
- ‹ص ١٠١› (٥٨) Daniélou, Vol. 1, 35.
- ‹ص ١٠١› (٥٩) بدأت الثورة سنة ٦٦ م، وتم سقوط المدينة وخرابها بهيكلها سنة ٧٠ م.
- ‹ص ١٠١› (٦٠) Daniélou, Vol. 1, pp. 35, 84.
- ‹ص ١٠٢› (٦١) Ency. of Religion and Ethics, Vol. 5, pp. 376 - 389; Harnack, History of Dogma, Vol. 1, pp. 168-170; Daniélou, Vol. 1, pp. 79, 84; Austin Farrer, The Revelation, pp. 12, 13, 203, 204. انظر القس تادرس يعقوب، تفسير سفر الرؤيا عن آباء الكنيسة ص ٢١٣
- ‹ص ١٠٢› (٦٢) Schaff, Vol. 1, pp. 369, 370.
- ‹ص ١٠٢› (٦٣) Ibid, p. 257.
- ‹ص ١٠٣› (٦٤) Smith, Dictionary of Christian Biography, Vol. 1, pp. 17-32.
- ‹ص ١٠٤› (٦٥) Karl Kautsky, Foundations of Christianity, pp. 226 - 228.
- ‹ص ١٠٦› (٦٦) كانت هناك حكمة إلهية من وراء ذلك ... كان الله يريد أن يجعل المكان الذى سيظهر فيه المسيح بالجسد قبلة أنظار العالم ... وقد أتت هذه الخطة الإلهية بثمارها، فيما حدث يوم الخمسين، يوم تأسست الكنيسة المسيحية، وآمن بالمسيح ثلاثة آلاف نفس من مختلف الأوطان واللغات، وجميعهم من اليهود.
- ‹ص ١٠٦› (٦٧) Schaff, Vol. 1, pp. 391, 392.
- ‹ص ١٠٧› (٦٨) انظر: مت ٢٤: ١، ٢؛ مر١٣: ١؛ لو١٩: ٤٣، ٤٤؛ ٢١: ٦.
- ‹ص ١٠٧› (٦٩) Josephus, Wars of the Jews, 6.5.
- ‹ص ١٠٨› (٧٠) انظر: مت ٢٤؛ مر١٣؛ لو٢١.
- ‹ص ١٠٩› (٧١) Schaff, Vol. 1, pp. 393, 394. معنى ملك المسيا على الأمم فى نظر اليهود، سيادتهم هم.
- ‹ص ١١٠› (٧٢) يذكر يوسيفوس هذه القصة المرعبة فى كتابه: Wars of the Jews, 6.3.4.
- ‹ص ١١٠› (٧٣) Schaff, Vol. 1, pp. 395-397.
- ‹ص ١١١› (٧٤) يتضارب المؤرخون فى مدى مسئولية تيطس فى حرق الهيكل، بين مَنْ يحمله هذه المسئولية، ومَنْ يعفيه منها. انظر: Schaff, Vol. 1, p. 397
- ‹ص ١١١› (٧٥) Schaff, Vol. 1, pp. 397, 398.
- ‹ص ١١٣› (٧٦) Josephus, Wars of the Jews, 6.5.1.
- ‹ص ١١٣› (٧٧) انظر: دانيال ٩: ٢٧؛ مت ٢٤: ١٥ بالمقارنة مع لوقا ٢١: ٢٠ ــ انظر أيضاً: Josephus: Wars of the Jews, 6.6.1.
- ‹ص ١١٣› (٧٨) كان يوسيفوس المؤرخ اليهودى، حاكماً على الجليل، وقائداً لجيش اليهود، ثم أسر فى يد فسبسيان. بعد ذلك رافق تيطس وعمل كمترجم ووسيط بين الرومان واليهود.
- ‹ص ١١٤› (٧٩) Josephus, Wars of the Jews, 5.13.6; 6.9.1.
- ‹ص ١١٤› (٨٠) لقد حركت كارثة خراب أورشليم ودمار الهيكل مشاعر الفنانين فى كل العصور. وأحدهم وهو الألمانى كولباخ Kaulbach من فنانى العصر الحديث، جعلها مادة للوحة من أعظم لوحاته المعروضة فى متحف برلين. واللوحة تصور الهيكل المحترق: فى صدرها رئيس الكهنة اليهودى يغمد سيفه فى صدره، ومن حوله تصوير لآلام تمزق القلوب وفى أعلا اللوحة الأنبياء القدامى يتأملون إتمام أقوالهم النبوية. وتحتهم تيطس مع جيشه الرومانى كمنفذ للغضب الإلهى دون أن يدرى. وأسفل اللوحة من جهة اليسار أهسيروس Ahasuerus السائح اليهودى صاحب الأسطورة التى ذاعت فى العصور الوسطى تسوقه النقمة إلى المستقبل البعيد. وإلى اليمين جماعة المسيحيين خارجين فى سلام من مشهد الخراب، وأطفال اليهود يلتمسون حمايتهم ...!!
- ‹ص ١١٥› (٨١) Josephus, Wars of the Jews, 6.9.2-4.
- ‹ص ١١٥› (٨٢) مائدة خبز الوجوه، والمنارة الذهبية ذات السبعة سرج، والأبواق التى كانت تعلن بدء سنة اليوبيل والمجامر وبعض أدراج الناموس.
- ‹ص ١١٥› (٨٣) أحرق هذا المعبد فيما بعد فى عهد الامبراطور كومودس Commodus ولا يعلم ماذا إنتهت إليه قطع الأثاث المذكورة.
- ‹ص ١١٥› (٨٤) Josephus, Wars of the Jews, 7.5.5-7.
- ‹ص ١١٥› (٨٥) أعلن اليهود عصياناً آخر، وقاموا بثورة ثانية فى عهد الإمبراطور هدريان فى الفترة من ١٣٢ إلى ١٣٥ م بزعامة مسيح كذاب يدعى باركوكبا Bar-Cocheba ولكنها لم تؤد إلاَّ إلى دمار أكمل لأورشليم، وتخريب كلى لفلسطين.
- ‹ص ١١٦› (٨٦) يوليانوس الجاحد الإمبراطور البيزنطى (٣٦١ - ٣٦٣ م) الذى كان مسيحياً وارتد إلى الوثنية، حاول مقاومة المسيحية عن طريق تكذيب نبوة السيد المسيح بهدم الهيكل وخرابه. فعاون اليهود وعضدهم لإعادة بناء هيكلهم. وفعلاً بدأوا بحفر الأساسات غير أنهم فشلوا إذ حدثت زلزلة ملأت حفر الأساسات تراباً. كما خرجت كرات نارية من الأساسات منعت عمال البناء من العمل، وأذابت آلات البناء. وهكذا فشل المشروع. وروى هذه الرواية المؤرخ الوثنى أميانوس Ammianus الذى كان مرافقاً ليوليانوس حتى وقت قتله وهذا المؤرخ هو أوثق مصدر لتاريخ يوليانوس. أنظر: Smith, Dictionary of Christian Biography, Vol. 3, pp. 511-
- ‹ص ١١٨› (٨٧) Eusebius, H.E., 3.5.3.
- ‹ص ١١٨› (٨٨) Schaff, Vol. 1, pp. 402-404; De Pressensé, Vol. 1, pp. 406-
- ‹ص ١١٩› (٨٩) Eusebius, H.E., 3.20.6.
- ‹ص ١١٩› (٩٠) تذكر أيضاً باسم جمنيا Jamnia، وهى على مقربة من ساحل البحر المتوسط فى منتصف المسافة تقريباً بين يافا شمالاً وأشدود جنوباً ــ انظر: The Westminster Historical Atlas to the Bible, p. 58.
- ‹ص ١٢٠› (٩١) هى المستعمرة الرومانية التى أقيمت على أنقاض مدينة أورشليم عقب عصيان باركوكبا (١٣٢ ــ ١٣٥ م)، ولم يسمح لليهود بدخولها بموجب مرسوم امبراطورى.
From The Christian Church in the Apostolic Age by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya (first published in 1971 under his monastic name, Fr Shenouda al-Suriani), third edition, May 1987, printed at the Anba Ruways offset press, Abbasiyya, Cairo.
يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.
Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.