← Books · The Christian Church in the Apostolic Age
الباب الثالث: المسيحية فى العالم أجمع
Christianity in all the world: the apostles’ preaching and the great apostolic Churches
الباب الثالث
المسيحية فى العالم أجمع
- إنتشار المسيحية.
- عمل الرسل الكرازى.
- عوامل نجاح الكرازة.
- علاقة كنيسة الرسل بالدولة.
- أشهر الكنائس الرسولية. أورشليم ــ أنطاكية ــ الاسكندرية ــ روما.
‹ص ١٢٢›
إنتشار المسيحية
«فى الأرض كلها ذاع منطقهم، وفى أقاصى المسكونة كلامهم» (مز١٩: ٤). هكذا رأى داود النبى ــ بروح النبوة ــ بشرى الخلاص تنتشر فى كل العالم ... وكأنى به أيضاً، قد رأى إتمام كلمات رب المجد يسوع فى تشبيهه للملكوت، فى مثل حبة الخردل التى أخذها إنسان وزرعها فى حقله، فنمت حتى صارت شجرة تتآوى طيور السماء فى أغصانها (مت١٣: ٣١، ٣٢) ... وقد رأى يوسابيوس المؤرخ فى إنتشار الكرازة، إتماماً لنبوة هذا المزمور١.
سنحاول بقدر الإمكان أن نرسم صورة لدى إنتشار بشرى الخلاص فى العالم القديم على أيدى رسل المسيح ... لكنها مهمة بالغة الصعوبة والتعقيد فتاريخ الكنيسة فى العصر الرسولى تعوزه المصادر والوثائق التاريخية السليمة والموثوق بها ... ومن هنا كانت الصعوبة والتعقيد ... يستثنى من ذلك القديس بولس الرسول، الذى لدينا عنه مادة لا بأس بها، لإعطاء صورة واضحة، مما سجله القديس لوقا فى سفر الأعمال، وما تمدنا به الأربع عشرة رسالة التى تحمل اسم هذا الرسول فى كتاب العهد الجديد.
وليس مصدر الصعوبة والغموض قلّة الوثائق التاريخية عن تلك الفترة فحسب، بل هناك عاملاً كبيراً أشرنا إليه قبل ذلك، وكان له أثره الفعّال فى حياة الكنيسة فى تلك الفترة، ونعنى بها الحماس الشديد لفكرة التهوّد ... ذلك الحماس ــ من جانب بعض اليهود المتنصرين المتزمتين المتعصبين لناموسهم القديم ــ دفعهم إلى مقاومة رسول الأمم بولس فى حقول كرازته، والكنائس التى أسسها ... وكانوا دائماً يحاولون الإنتقاص من أتعابه وجهوده الكرازية، ناسبين إياها لغيره من رسل
حقول كرازة الرسل فى العالم ‹ص ١٢٤› الختان، فى الوقت الذى يتحمسون لرسل الختان وفى مقدمتهم بطرس الرسول، ويحاولون إضفاء جهادات مزعومة إلى جهاداتهم الحقيقية فى الكرازة، الأمر الذى طغت به عديد من كتب الأبوكريفا (المزوّرة) التى حملت أسماء كثير من الرسل.
والأمر الذى لا شك فيه، أن الرسل جميعاً جاهدوا وتعبوا فى الكرازة، حتى لو أعوزتنا المادة التاريخية عن جهودهم الكرازية ... فقد كان روح الله نفسه هو العامل فيهم وبهم ... لقد كانوا جميعاً فى حبهم وطاعتهم للرب، جد حريصين على تنفيذ وصيته الأخيرة قبيل صعوده «إذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها» (مر١٦: ١٥) ...
حقول كرازة الرسل:
نحن لا نعلم كيف بدأت الكرازة فى العالم الخارجى خارج فلسطين ومجاوراتها. وكيف سار الرسل فى خط سيرهم الكرازى ... هل تم ذلك بناء عن خطة وضعت، وإتفاق تم ... أم أن كل رسول إنطلق كيفما شاء، حسبما أرشده روح الله ... المرجح أنه كان هناك تحديد لحقول الكرازة، كما نستدل على ذلك من التقليد القديم الذى إستند إليه يوسابيوس المؤرخ.
لكن مَنْ الذى حدد حقول الكرازة وأماكنها، والرسل لم يكن لهم رئيس يقودهم ويوجههم ويصدر إليهم التعليمات؟ ... لقد كان هذا هو عمل الرب يسوع ــ رأس الكنيسة غير المنظور. كان بروحه يقود رسله بحسب حكمته السامية. لكن إذا كان قد تم توزيع مناطق الخدمة والكرازة، فكيف قام بروح الله بهذه المهمة؟ ... هناك إشارتان فى سفر أعمال الرسل توضحان لنا هذه الناحية ... «كان فى أنطاكية ... أنبياء ومعلمون .. وبينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس، إفرزوا لى برنابا وشاول للعمل الذى دعوتهما إليه» (أع١٣: ١، ٢) ... وواضح هنا أن روح الله تكلم فى الأنبياء ... «وبعدما إجتازوا فى فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلموا ‹ص ١٢٥› بالكلمة فى آسيا. فلما أتوا إلى ميسيا، حاولوا أن يذهبوا إلى بيثينية فلم يدعهم الروح. فمروا على ميسيا وانحدروا إلى ترواس وظهرت لبولس رؤيا فى الليل، رجل مكدونى قائم يطلب إليه ويقول، اعبر إلى مكدونيا وأعنا فلما رأى الرؤيا، للوقت طلبنا أن نخرج إلى مكدونية، متحققين، أن الرب قد دعانا لنبشرهم» (أع١٦: ٦-١٠).
سبق أن عرضنا ــ حسبما تمدنا الوثائق ــ للكرازة فى ربوع فلسطين. والآن ننتقل للكلام عن الكرازة فى أرجاء العالم القديم:
رواية يوسابيوس المؤرخ:
يقول يوسابيوس٢ ــ بعد أن وصف خراب أورشليم: [هكذا كانت حالة اليهود. وفى نفس الوقت تشتت الرسل القديسون وتلاميذ مخلصنا فى كل أرجاء العالم. كانت بارثيا٣، كما يقول التقليد من نصيب توما كحقل يعمل فيه. وسكيثيا٤ لاندراوس، وآسيا٥ ليوحنا، الذى بعد أن عاش فيها وقتاً ما، مات فى أفسس. ويبدو أن بطرس كرز فى بنطس وغلاطية وبيثينية وكبدوكية وآسيا، لليهود الذين فى الشتات. وإذ أتى أخيراً إلى روما صلب منكس الرأس. ‹ص ١٢٦› لأنه طلب أن يتألم بهذه الطريقة. وماذا نقول عن بولس الذى بشر بإنجيل المسيح من أورشليم إلى الليريكون، واستشهد بعد ذلك فى روما فى عهد نيرون. ولقد روى أوريجينوس هذه الحقائق فى المجلد الثالث من تفسيره لسفر التكوين].
والآن نتكلم أولاً عن رسل الختان، ثم ننتقل بعدها للكلام عن بولس رسول الأمم ... ولسهولة رسم صورة لمناطق كرازة الرسل، كخلاصة لأقدم التقاليد٦ التى وصلت إلينا، نستطيع القول إن الرسل إنقسموا إلى ثلاث مجموعات، من حيث حقول الكرازة:
١ - المجموعة الأولى:
وتشمل الرسل بطرس واندراوس ومتى وبرثولماوس:
يبدو أن بطرس الرسول كرز فى نفس المناطق التى وجه إليها رسالته الأولى «بنطس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبيثينية» (١بط١: ١). فالتقاليد القديمة تذكر هذه المناطق مضافاً إليها المنطقة الواقعة شمالى فلسطين، ثم روما وهى خاتمة المطاف بالنسبة لهذا الرسول ... ويلاحظ أن هذه المناطق كرز فيها أيضاً بولس الرسول. ولكن بولس كرز بها أولاً، وليس العكس، لأن القديس بولس سار على مبدأ كان حريصاً على حفظه «من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح. ولكن كنت محترصاً أن أبشر هكذا. ليس حيث سمى المسيح، لئلا أبنى على أساس لآخر» (رو١٥: ١٩، ٢٠).
أما إندراوس الرسول، فوفقاً لتقليد قديم كان معلوماً لاوريجينوس٧ كرز فى سكيثيا٨، ووفقاً لتقليد قديم آخر، أنه عمل مع الرسول متى بين سكان المملكة ‹ص ١٢٧› البوسبورية٩ Besporan Kingdom، وفى أرض البرابرة١٠، إلى الشرق والجنوب الشرقى للمستعمرات الأغريقية فى البنطس. ومنها مدينة سينوب Sinope الواقعة على الشاطىء الجنوبى للبحر الأسود. وكرازة القديس إندراوس فى سينوب لها ما يؤيدها فى تقليد قديم محلى ... وإلى جانب ذلك، فإن تقاليد أخرى ذكرت أنه كرز فى مدينة سبسطة Sebastopolis فى كولشيس١١ Colchis، ومدن أبساروس Apsaros، وتريبيزوند Trebizond، وأماسيا Amasia، ونيقية ونيقوميدية١٢. بل لقد ادعت كل من هذه المدن أن كرسيه الرسولى كان فيها. ويصور كتاب الأبوكريفا «أعمال بطرس واندراوس»، الأخوين (بطرس واندراوس) يلتقيان فى أرض البرابرة.
بالنسبة للرسول برثولماوس، فإن جهوده الكرازية كانت فى المملكة البوسفورية السابق الإشارة إليها ... ويذكر يوسابيوس المؤرخ١٣ انه كرز فى بلاد الهند. ومازال الهنود المسيحيون يتمسكون بهذا التقليد حتى الآن. ويؤيد هذا الرأى المؤرخ سقراط١٤ ... ولما وصل العلامة بنتينوس مدير مدرسة الاسكندرية اللاهوتية إلى بلاد الهند فى أواخر القرن الثانى، وجد مع المسيحيين هناك إنجيل متى باللغة العبرية. وقيل له أن برثولماوس بشر هناك وترك للمؤمنين هذا الإنجيل ... والعجيب أن نفس هذه القصة تذكر عن بلاد اليمن حيث يُقال إنه بشرها وبلاد ‹ص ١٢٨› العرب١٥ ... هذا بينما التقاليد الأرمنية المحلية تجعل نياحة هذا الرسول فى مدينة أريبان Areban أو ألبان Alban فى أرمينيا الكبرى، بعد أن أمضى فيها عدة سنوات كارزاً.
أما متى الرسول فقد ذكر عنه القديس جيروم أنه بشر بلاد فارس واستشهد بها ... وذكر المؤرخان روفينوس وسقراط أنه بشر وتنيح ببلاد الحبشة. ويبدو أن هذا الرأى الثانى هو الأرجح لأن الأحباش حتى الآن يحفظون هذا التقليد.
المجموعة الثانية:
تشمل الرسل القديسين توما وتداوس وسمعان القانوى.
ويمكن القول بصفة عامة أن هذه المجموعة كرزت فى الأقاليم الواقعة شرقى الأقاليم التى كرزت فيها المجموعة الأولى.
تذكر التقاليد القديمة أن الرسول توما كرز فى أديسا١٦ Edessa ويذكر يوسابيوس١٧ نقلاً عن أوريجينوس، أنه كرز فى بارثيا. ويؤيد ذلك المؤرخان سقراط١٨ وروفينوس١٩ ... ويذكر سقراط أنه دفن فى أديسا٢٠. وفقاً لكتاب «أعمال توما» الأبوكريفا، فإنه كرز فى بلاد الهند واسشتهد فيها. والسريان الهنود يسمون أنفسهم «مسيحيى مار توما»٢١.
‹ص ١٢٩› وبالنسبة لتداوس الرسول، يذكر الأبوكريفا المعروف باسم «أعمال تداوس» أنه كرز لمدة خمس سنوات فى آمد (ديار بكر) فى أرض ما بين النهرين. وفى تقليد آخر يؤكده يوسابيوس، أن الرسول توما أرسل تداوس إلى أديسا ليكرز فيها، وهناك شفى ملكها أبجر٢٢.
وفيما يختص بالرسول سمعان القانوى، فتذكر التقاليد أنه كرز بين البارثيين، وعلى وجه الخصوص فى بابل. وقيل إنه بشر فى سوريا ولا سيما فى حلب ومنبج٢٣.
وجدير بالذكر أن اليهود كانوا يقيمون بأعداد ضخمة فى هذه المناطق، فى أرض ما بين النهرين ــ كما يشهد بذلك يوسيفوس٢٤ المؤرخ اليهودى. ويساعد ذلك فى تفهم الصورة التى رسمها اليهود المتنصرون عن جهود رسل الختان فى هذه المناطق.
٣ - المجموعة الثالثة:
وتتألف من الرسولين يوحنا وفيلبس، وحقلهما الكرازى فى آسيا الصغرى.
لا نعرف الكثير عن الكرازة فى الجزء الشرقى من آسيا الصغرى (ليكأونية وكيليكية)، الذى إحتفظ بذكريات لكرازة القديس بولس. لقد كانت مدينة أفسس هى مركز القديس يوحنا، بينما كانت مدينة هيرابوليس Hierapolis فى مقاطعة فريجية، هى مركز كرازة القديس فيلبس ... وقد إنحدرت إلينا هذه المعلومات من تقليد قديم يرجع إلى القرن الثانى.
فيما يختص بكرازة يوحنا الرسول فى آسيا الصغرى وصلته بمدينة أفسس، ‹ص ١٣٠› يكاد يكون هناك إجماع عام بين المؤرخين على ذلك. ويؤكده بابياس أسقف هيرابوليس وتلميذ يوحنا الرسول نفسه، وإيريناوس وكليمنضس الاسكندرى وأوريجينوس وترتليانوس. كما ورد ذكر هذه الرواية فى كتاب الأبوكريفا «أعمال الرسل» ... ويزيد من تأكيد هذه الحقيقة الرسائل الموجهة إلى الكنائس السبع المذكورة فى سفر الرؤيا٢٥. ويبدو أنه تحت حكم الأباطرة دومتيان ونرفا Nerva وتراجان، كان الجزء الغربى من مقاطعة فريجية والشاطىء الآسيوى، منطقة خدمة وكرازة القديس يوحنا. ويذكر كليمنضس الاسكندرى أن يوحنا أقام أساقفة للجماعات المسيحية فى تلك المناطق ...
أما فيما يختص بالرسول فيلبس، فقد كرز فى فريجية. ويقدم لنا بابياس أسقف هيرابوليس ــ إحدى مدن فريجية ــ شهادة قيمة عنه، وعن جهوده الكرازية هناك. ولنا شهادة أخرى من بوليكراتس Polycrates الأفسسى أواخر القرن الثانى، تؤيد ما قاله بابياس. ومن المؤكد أن فيلبس تنيح أيضاً فى هيرابوليس٢٦.
حقول كرازة بولس الرسول[^27]:
يقول القديس بولس بالروح القدس ــ فى معرض دفاعه عن قانونية رسوليته التى تسلمها من الرب ــ أنه تعب أكثر من جميع الرسل (١كو١٥: ١٠؛ ٢كو١١: ٢٣) ... وهذا حق يؤيده التاريخ ... فبعد أن كرز بولس فى دمشق وأقاليم سوريا وطرسوس وأنطاكية وقبرص وأقاليم آسيا الصغرى فى أنطاكية بيسيدية ودربة ولسترة وأقاليم فريجية وغلاطية وأفسس (التى جعلها قاعدة لعمله الكرازى فى آسيا، وأقام بها ثلاث سنوات) وغيرها ... وبعد أن كرز فى بلاد مقدونية وأخائية ببلاد اليونان، وأسس كنائس فيلبى وتسالونيكى وبيرية وكورنثوس ‹ص ١٣١› وغيرها ... بعد هذا كله ــ وقبيل رحلته الأخيرة إلى أورشليم ــ كتب٢٨ يقول: «من أورشليم وما حولها إلى الليريكون٢٩، قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح. ولكن كنت محترصاً أن أبشر هكذا. ليس حيث سمى المسيح، لئلا أبنى على أساس آخر ... لذلك كنت أعاق المرار الكثيرة عن المجىء إليكم. وأما الآن فإذ ليس لى مكان بعد فى هذه الأقاليم، ولى إشتياق إلى المجىء إليكم منذ سنين كثيرة فعندما أذهب إلى أسبانيا آتى إليكم. لأنى أرجو أن أراكم فى مرورى وتشيعونى إلى هناك» (رو١٥: ١٩-٢٤).
ومعنى هذا الكلام، أن الرسول أكمل حتى ذلك الوقت (حوالى إلى سنة ٥٨ م) الكرازة فى العالم الأغريقى ... ويبدأ بعدها الكرازة فى العالم اللاتينى (الرومانى) ... هكذا يوضح الرسول بولس خدمته الكرازية بالإنجيل لنصف العالم الشرقى، ويحددها بخط يمتد من أورشليم إلى الليريكون.
كان بولس يرى أن عليه حمل الإنجيل والبشارة إلى الحدود الغربية للإمبراطورية الرومانية، وأن يملأ الفراغات التى تركتها الإرساليات الأخرى فى جهودها، لتوصيل كلمة الخلاص للعالم كله ... وهكذا إنطلق إلى نصف العالم الغربى حيث وصل بكرازته إلى الحدود الغربية للإمبراطورية، فبشر فى إيطاليا ويحتمل أن يكون قد كرز فى أسبانيا أيضاً.
عوامل مهدت الطريق أمام المسيحية٣٠
إن النصر العجيب الذى أحرزته المسيحية ــ ابان ظهورها ــ على ديانات العالم القديم، أمر يدعو للدراسة. وإن كان السبب الرئيسى فى سرعة إنتشار المسيحية، هو أصلها الإلهى وعناية مؤسسها، وعقائدها السامية، التى هى فى حد ذاتها شهادة ‹ص ١٣٢› مقنعة، لكن الله دائماً يستخدم ظروف البشر كوسائل لتنفيذ مقاصده الإلهية ... لقد تجسد ابن الله فى ملء الزمان (غل٤: ٤). ومعنى الملء هنا، أن الإعداد لمجيئه قد كمل ... قيل عن يوحنا المعمدان أنه الملاك الذى هيأ الطريق أمام ابن الله .. لكن لم يكن هو وحده الذى قام بهذه المهمة، بل سبقته إعدادات كثيرة. ولعل يوحنا كان حلقة أخيرة فى سلسلة الإعداد الطويل ... فما هى هذه العوامل إذن٣١ ...؟
١ اليهودية وانتشارها:
كان تشتت اليهود فى أنحاء العالم القديم مظهراً من مظاهر غضب الله على هذا الشعب القاسى القلب، الغليظ الرقبة ... كانت المجامع اليهودية فى الشتات ــ بالنسبة للديانة المسيحية الناشئة، مراكز إضطهاد للمسيحين، ومعاقل مقاومة للمسيحية وتعاليمها. لكن الله إستخدم هذا العدو الكبير لخير العالم ... لقد كانت إنتشارهم الواسع فى كل أنحاء الامبراطورية الرومانية بمثابة الأساس الممتد الذى بنت عليه المسيحية٣٢ ... وهكذا غدت هذه المجامع وسائل لنشوء ونمو الجماعات المسيحية فى كل أنحاء الإمبراطورية ... لقد أمدت هذه المجامع الكنيسة المسيحية بمراكز ومناهج للتبشير سرعان ما طورتها المسيحية بما يتفق مع روحها ورسالتها ... وهكذا وجدت إرساليات الديانة الجديدة التى باسم إله إبراهيم وموسى، جواً مهيئاً لها ...
ملاحظات على اليهودية وإنتشارها فى العالم:
(أ) إنتشر اليهود فى معظم أقاليم الدولة الرومانية، وعلى وجه الخصوص فى ‹ص ١٣٣› حوض البحر المتوسط أو الأقاليم المتصلة به٣٣ ... وكانت أكبر تجمعاتهم فى سوريا ومصر وروما وأقاليم آسيا الصغرى وبلاد ما بين النهرين (شمالى العراق). ووصلوا فى إنتشارهم إلى الساحل الشمالى للبحر الأسود، وعلى طول ساحل أفريقيا الشمالى، وفى جنوبى غاليا (فرنسا) وأسبانيا وإيطاليا.
(ب) التحول الذى طرأ على اليهودية فى القرن الأول قبل الميلاد ... فبعد أن ظلت اليهودية لقرون طويلة ديانة مغلقة متحوصلة على ذاتها، يفصلها حاجز ضخم عن بقية الشعوب والأديان، وارتبط إرتباطا وثيقاً بوطنها وأمتها، أصبح لها باعث تبشيرى قوى، وحققت بعض النجاح ... وهذا ما عناه السيد المسيح بقوله للكتبة والفريسيين: «تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً. ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم أكثر منكم مضاعفاً» (مت٢٣: ١٥) ... وهذه الظاهرة برهان على أن اليهودية ــ كديانة ــ أخذت تتفتح نتيجة لتغيرات داخلية، وأصبحت معبراً بين ديانة قومية (اليهودية) وأخرى عالمية (المسيحية) ... كان اليهودى يشعر فخوراً أن لديه شيئاً يقدمه للعالم، ألا وهو الإله الواحد وحده وأحس بأن التبشير بعبادة يهوه واجب عليه. هذا ما يصوره القديس بولس: «وتثق (أيها اليهودى) أنك قائد للعميان، ونور للذين فى الظلمة، ومهذب للأغبياء ومعلم للأطفال ...» (رو٢: ١٩، ٢٠).
ويمكن تلخيص الخدمة التى قدمتها اليهودية للمسيحية فى هذا المجال بالآتى:
+ الحقل المنتشر فى كل الامبراطورية.
+ الجماعات الدينية الموجودة فعلاً فى كل مكان فى المدن.
+ المساعدة التى هيأتها معرفة كتاب العهد القديم، بالإضافة إلى بعض المواد التعليمية والمختصة بالصلاة، التى أمكن إستخدامها من غير تغيير كبير.
+ الأمور المختصة بالعبادة. ‹ص ١٣٤› + الدفاع اللاهوتى عن فكرة التوحيد.
٢ - إمتداد النفوذ الاغريقى (الهيلينى)، وتأثيره فى العالم، وبخاصة فى الشرق، منذ عهد الاسكندر الأكبر. وما ترتب على ذلك من وحدة فى اللغة والأفكار*.
٣ - الدولة العالمية الواحدة فى روما، والوحدة السياسية التى حققتها لشعوب البحر المتوسط، واستقرار الحياة الإجتماعية.
لقد أحس الناس فى أقاليم كثيرة فى الشرق بالسلام بعد كل الحروب والقلاقل المخيفة، ورحبوا بالقانون الرومانى. وفى ذلك يقول العلامة أوريجينوس فى رده ضد الفيلسوف كلسوس الوثنى: [فى أيام يسوع إكتمل البر والسلام، اللذان ظهرا بمولده. لقد أعد الله الشعوب لتعليمه، بأن جعل الامبراطور الرومانى يحكم العالم كله. لم تعد هناك ممالك كثيرة، وإلاَّ أضحت الشعوب غريبة عن بعضها. ولوجد الرسل أيضاً صعوبة فى القيام بالواجب الملقى عليهم من يسوع حينما قال: «إذهبوا وعلموا جميع الأمم». من المعلوم جيداً أن ميلاد يسوع حدث فى حكم أغسطس، الذى صهر ووحد الشعوب العديدة على وجه الأرض فى إمبراطورية واحدة. إن تعدد الممالك كان يمكن أن يصبح عقبة فى سبيل إنتشار الإيمان بيسوع فى كل العالم. ليس فقط للأسباب السالف ذكرها، بل لأن الأمم أيضاً فى مثل هذه الحالة تصبح مضطرة للحرب دفاعاً عن أراضيها الأصلية ... وكيف يمكن إذن لهذا التعليم الخاص بالسلام ــ الذى لا يسمح لمجرد الانتقام من عدو ــ أن ينتشر فى كل العالم، لو لم تمر ظروف العالم فى كل مكان فى طور ألطف عند مجىء يسوع؟]٣٤ .. وفضلاً عن ذلك، فقد عاون وجود الدولة الأرضية الواحدة فى ‹ص ١٣٥› العالم، على فهم الملكوت السماوى الذى يضم أمماً وأجناساً متباينة. كما أنه مهد الأفكار لقيام كنيسة عالمية جامعة.
٤ - كثرة الطرق التى شقتها الإمبراطورية، والأمن الذى صاحبها براً وبحراً، الأمر الذى أدى إلى نشاط التبادل التجارى والإتصالات الشخصية، وما صحب ذلك من تبادل الأفكار، وتنقل التجار والأساتذة من مكان إلى آخر .. وقد إستفادت المسيحية من ذلك.
٥ - الاعتقاد النظرى والعملى فى تلك الآونة، بضرورة وحدة الجنس البشرى، والحقوق والواجبات الإنسانية التى شجعت عليها الوحدة السياسية Orbis Romanus من ناحية، وتطور الآراء الفلسفية من ناحية أخرى.
كل هذه العوامل الخارجية أحدثت ثورة كبيرة فى كيان البشر فى ظل الإمبراطورية ... ثورة كان لابد وأن تؤدى إلى إنتشار الديانة المسيحية ... لقد أصبح العالم الضيق عالماً متسعاً. وغدا العالم الممزق وحدة واحدة، يخضع لسلطة حاكمة واحدة، ويتفاهم بلغة عالمية واحدة ... وبعبارة أخرى، لقد أصبح الوضع وقت قيام الكنيسة المسيحية على النحو الآتى: امبراطورية واحدة، لغة عالمية واحدة، حضارة واحدة، تطور عام نحو التوحيد، وإشتياق عام إلى مخلّص ...
‹ص ١٣٦›
عمل الرسل الكرازى
هذا العمل العظيم الذى قام به نفر قليل من الرسل والتلاميذ الكارزين، بلا سند من قوة زمنية، أو مؤازرة قوة بشرية ... بلا ذهب ولا فضة ... بلا مزود للطريق، ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا (مت١٠: ٩) كحملان وسط ذئاب ... كيف إستطاعوا أن يقوموا بهذا العمل الجبار، حينما قال لهم الرب: «إذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها» ... كيف كانوا يكرزون، وماذا كان منهجهم فى الكرازة، وكيف تغلبوا على الصعاب التى واجهتهم، وما أكثرها؟
فى الواقع أن قصة الكرازة بالإنجيل غامضة ... فنحن لا نعرف ماذا قال الرسل فى كرازتهم، وماذا فعل الإنجيليون والمبشرون، بل وأين ذهبوا وكرزو على وجه التحديد ... إننا لا نعرف من ذلك إلاَّ القليل جداً، ومع ذلك نرى ثمراً متكاثراً فى كل مكان ... نقرأ عن الكرازة والتبشير إشارات مقتضبة عابرة فى سفر الأعمال٣٥ .. لكن وراء هذه الإشارات العابرة أتعاب وجهادات وإماتات وبطولات وأسهار وأصوام، وصلوات رفعت، ودموع سُكبت، ودماء سُفكت ... تلك التى روت حبة الخردل الصغيرة فصارت شجرة عظيمة تتآوى فى ظلها كل الشعوب والأمم ...
ونلقى الآن بعض أضواء على هذا الموضوع:
‹ص ١٣٧›
أسلوب الكرازة[^36]:
لم تحمل إلينا أسفار العهد الجديد شيئاً مدوناً عن أساليب الكرازة فى عصر الرسل ــ باستثناء أمثلة قليلة مقتضبة ــ لكن إكتفت هذه الأسفار بمجرد الإشارة إليها. وهى إشارات عن كلمة الله الحية، والإعلان المقدس عن الحق من شفاه شهود٣٧ ... وقد إنتشرت الكرازة فى الفترة الأولى لتأسيس الكنيسة بالكلمة الحية المقولة أكثر من الكلمة المكتوبة. وسنعود إلى معالجة هذه النقطة حينما نتكلم عن التقليد كمصدر من مصادر التعليم فى الكنيسة.
منهج الكرازة[^38]:
لا نعدو الحقيقة إن قلنا أن سفر الأعمال لم يدخر لنا نماذج كاملة لعظات الرسل الكرازية. اللهم إلاَّ عظة القديس بطرس فى يوم الخمسين، وعظة للقديس بولس ألقاها فى المجمع اليهودى فى أنطاكية بيسيدية (أع١٣: ١٦-٤١)، وخطاب وجهه فى أثينا فى الأريوس باغوس إلى جماعة من الفلاسفة (أع١٧: ٢٢-٣١)، ولم تتح له فرصة إكماله .. يضاف إلى ذلك بعض الأحاديث والإشارات العابرة، التى توضح جوهر الخدمة الكرازية، بالإضافة إلى رسائل الرسل ... وسنأخذ خطابى بولس الرسول المذكورين نموذجين للكرازة بين اليهود وبين الأمم.
والآن نستعرض عظة بولس الرسول فى المجمع اليهودى فى أنطاكية بيسيدية:
(أ) بدأ بذكر تاريخ الأمة اليهودية المجيد، وكيف إختارهم الله من بين ‹ص ١٣٨› الشعوب، واعتنى بهم. لكنه أشار إلى أن هذا الماضى المجيد لم يكن إلاَّ إعداداً لمستقبل ذى مجد أعظم.
(ب) أشار إلى أن أنبياء اليهود شهدوا لمجىء المسيا، لا ليبطل الناموس بل ليتمه.
(جـ) رؤساء اليهود فى أورشليم رفضوا المسيا وصلبوه لكنهم بهذا تمموا كل ما كُتِبَ عنه.
(د) الحكام ــ دون أن يعرفوا ــ قتلوا المسيا، لكن الله أقامه من الأموات، ودلل على ذلك بشهادة شهود أظهر لهم نفسه حياً مراراً كثيرة بعد قيامته، وبشهادة داود فى المزمور الثانى.
(هـ) وختم حديثه بأن الله يدعوهم لغفران خطاياهم، الأمر الذى لا يستطيع موسى أن يهبه لهم. ثم حذرهم أيضاً من رفض هذه الدعوة، كما تنبأ الأنبياء
وواضح مما تقدم أن الرسل فى كرازتهم لليهود، كان من الطبيعى أن يقصروا كلامهم على إثبات أن يسوع المسيح الذى صُلِبَ، هو عينه المسيا الذى ينتظره اليهود، والذى تنبأ عنه الأنبياء، وأنه قام من بين الأموات، وأنه سيأتى فى إنقضاء الدهر ديّاناً للعالم ...
أما عن خطاب بولس فى محفل فلاسفة أثينا، ولو أن الرسول لم تتح له فرصة إكماله، إلاَّ أنه يحوى نقاطاً أساسية وهامة فى تبشير الأمم:
(أ) بينما ــ فى كرازته لليهود ــ يستشهد بولس بكلمة الله٣٩، إذ به فى كرازته للأمم يستشهد بالطبيعة المخلوقة.
(ب) يقدم لهم ــ فى أسلوب واضح ــ مفاهيم سليمة عن الله وطبيعته بكل ‹ص ١٣٩› الجوانب الأساسية (الله واحد، روح، كلى الوجود والقدرة، عنايته بالخليقة، وحدة الجنس البشرى وقدراته، عبادة الروح).
(جـ) يدعوهم للتوبة، ويعلن لهم أن الله مستعد أن يتغاضى عن أزمنة الجهل.
(د) أعلن لهم عن الدينونة العامة التى بها سيدين الله المسكونة كلها بالعدل بيسوع المسيح.
(هـ) وثمة ركن أساسى فى الكرازة للأمم، وهو مطالبتهم بقطع صلتهم بالأوثان... وهكذا قال للوثنيين فى لسترة الذين أرداوا أن يذبحوا له هو وبرنابا كآلهة: «نبشركم أن ترجعوا عن هذه الأباطيل إلى الإله الحى الذى خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها» (أع١٤: ١٥).
وكشىء مكمل لمضمون هذه العظة نقول، إن الرسول فى منهجه الكرازى بين الوثنيين، كان يكشف لهم ضلال البشر الشنيع بعيداً عن الإله الحقيقى، وأن جميع البشر زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله، وأنهم فى حاجة إلى مخلص ٤٠...
ونلاحظ الآتى على منهج القديس بولس الكرازى كمثال:
(أ) حسن الاستهلال فى أحاديثه، الأمر الذى يهيىء قلوب سامعيه للاستماع إلى حديثه الذى سيقدمه... ففى أنطاكية بيسيدية إستعرض أمام اليهود أمجادهم التاريخية. وفى الأريوس باغوس إمتدح الأثينيين على تدينهم على الرغم من أن روحه إحتدت فيه حينما رأى المدينة مملوءة أصناماً ٤١ (أع١٧: ١٦، ٢٢).
(ب) على الرغم مما إتسمت به عظاته الكرازية من صراحة وشجاعة وحزم ووضوح، لكنه إحترم سامعيه، وقدر فى عطف إحتياجاتهم الروحية، وجهلهم بالحقائق التى يدعو هو إليها.
‹ص ١٤٠› (جـ) إنتفاعه بكل ما قدمته له بيئة سامعيه وظروفهم من أجل نجاح رسالته. مثال ذلك: المذبح المكتوب عليه: «لإله مجهول» فى أثينا والعبارة التى إقتبسها من بعض شعرائهم الوثنيين: «لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد»... وهو بهذا يسير على المبدأ الذى أوضحه: «صرت لليهود كيهودى لأربح اليهود، وللذين تحت الناموس كأنى تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس، وللذين بلا ناموس كأنى بلا ناموس، مع أنى لست بلا ناموس لله بل تحت ناموس المسيح لأربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شىء لأخلص على كل حال قوماً» (١ كو٩: ٢٠-٢٢).
أماكن الكرازة وأوقاتها:
لم يترك الآباء الرسل والمبشرون مكاناً إلاّ وكرزوا فيه، ولم يدعوا فرصة إلاّ واستفادوا منها واستخدموها لأجل مجد الله ونشر بشرى الخلاص.. حتى وهم يحاكمون أمام قضاتهم، كان كل شغلهم الشاغل، خلاص أنفس سامعيهم... كان بولس مسجوناً فى قيصرية، وكان فى السجن يصلى. لكن صلاته فى السجن لم تكن من أجل تبرئة ساحته وإطلاق سراحه، بل من أجل إيمان كل سامعيه، وفى مقدمتهم قاضيه الذى كان بيده أن يطلقه، أو يبقيه مسجوناً.. فبينما كان بولس السجين يبسط دعواه أمام الملك أغريباس، قال هذا الأخير له: «بقليل تقنعنى أن أصير مسيحياً» فأجاب بولس: «كنت أصلى إلى الله، أنه بقليل وبكثير، ليس أنت فقط بل أيضاً جميع الذين يسمعوننى اليوم يصيرون هكذا كما أنا ما خلا هذه القيود» (أع٢٦: ٢٨).
• لقد كرز الآباء الرسل فى المجامع اليهودية ٤٢ فى كل مكان.
• وكرزوا فى البيوت، كما نقرأ عن ذلك فى كورنثوس (أع١٨: ٧)، وفى ترواس (أع٢٠: ٧). وقال القديس بولس لكهنة أفسس: «علمتكم جهراً ‹ص ١٤١› وفى كل بيت» (أع٢٠: ٢٠). وفى روما كان يكرز فى البيت الذى كان معتقلاً فيه (أع٢٨: ١٧-٢٣). وبعد إطلاق سراحه كان يكرز فى بيت إستأجره لنفسه سنتين كاملتين (أع٢٨: ٣٠، ٣١).
• وكرز القديس بولس فى أفسس فى مدرسة إنسان اسمه تيرانس لمدة سنتين (أع١٩: ٩، ١٠).
• وكرزوا فى بيوت الولاة والحكام... فكرز بولس أمام الوالى سرجيوس بولس فى قبرص (أع١٣: ٧)، وأمام الوالى فيلكس وزوجته اليهودية دروسلا، حتى أن فيلكس إرتعب من كلام بولس، بينما كان يتكلم عن البر والتعفف والدينونة العتيدة (أع٢٤: ٢٤، ٢٥)... وكرز بولس أيضاً أمام الملك اليهودى أغريباس وزوجته برنيكى، حتى قال ذلك الملك لبولس: «بقليل تقنعنى أن أصير مسيحياً» (أع٢٦: ٢٨)... كما كرز فى السجن، بينما كان مسجوناً فى فيلبى، وآمن حافظ السجن (أع١٦).
• وكرزوا فى الأسواق Agora كما نقرأ بالنسبة لبولس فى أثينا، وأمام مجلس قضاتها ومفكريها فى الاريوس باغوس (أع١٧: ١٧، ١٩).
• وكرز القديس بولس عند شاطىء نهر فى فيلبى (أع ١٦: ١٣)، وعلى درج سلم المعسكر الرومانى فى أورشليم حين هاج عليه اليهود فى زيارته الأخيرة لها (أع٢١: ٤٠؛ ٢٢: ١-٢١).
• وإذ أمر السيد — فى مثل العشاء العظيم — عبده أن يخرج إلى شوارع المدنية وأزقتها، والطرق والسياجات ليدعو المساكين (لو١٤: ٢١)، فعل الرسل مثل ذلك، فبشروا فى الطرق، على نحو ما فعل فيلبس المبشر مع الخصى الحبشى وزير كنداكة (أع٨: ٢٦).
• أما عن أوقات الكرازة، فكان الرسل يمارسون خدمتهم بلا فتور ولا هدوء، يكرزون ليلاً ونهاراً (أع٢٠: ٣١)... هكذا تعلم القديس تيموثاوس من ‹ص ١٤٢› معلمه الكارز النشيط بولس (أناشدك إذن أمام الله، والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته. أكرز بالكلمة، أعكف على ذلك فى وقت مناسب وغير مناسب» (٢تى٤: ٢).
‹ص ١٤٣›
عوامل نجاح الكرازة
نعرض هنا لبعض عوامل نجاح الكرازة التى كرز بها رسل ربنا يسوع المسيح، والمبشرون الأوائل، حتى فتنوا المسكونة بكرازتهم، وأضاءوا بالإنجيل طريق الحياة لكثيرين...
١ - قيادة الروح القدس للخدمة [^901]:
قبيل صعود الرب يسوع إلى السماء أوصى تلاميذه «أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا موعد الآب»... أما الحكمة فى ذلك فقد أوضحها الرب لهم، إنهم سينالون قوة متى حل الروح القدس عليهم (أع١: ٤، ٨)... وهذه العبارة تحمل تحذيراً فيما لو برحوا أورشليم قبل نوال هذه القوة... لماذا؟ لأن الروح القدس — منذ تأسيس الكنيسة — سيكون هو كل شىء فى كنيسة العهد الجديد: سيكون هو القائد، والمدبر، والمعين، والمرشد، والمعزى والعامل فى الكارزين والمخدومين والمؤمنين... ونستطيع أن نلمس أثر الروح القدس فى كنيسة الرسل، بالنظر فيما يلى:
• كان روح الله هو الذى يدعو للخدمة... هكذا أعلن لكنيسة أنطاكية «وبينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس، إفرزوا لى برنابا وشاول للعمل الذى دعوتهما إليه» (أع١٣: ٢)... ولنلاحظ أن المتكلم هو ‹ص ١٤٤› الروح القدس، ومعه نلاحظ أيضاً كلمتى «لى» و«دعوتهما».
• وكان يعلم الخدام ويتكلم على ألسنتهم ٤٣.
• وكان يحدد أماكن كرازتهم، فيرشدهم إلى حقل ويمنعهم عن آخر... وهذا الأمر واضح فى كرازة فيلبس ووزير كنداكة الخصى الحبشى «قال الروح لفيلبس تقدم ورافق هذه المركبة» (أع٨: ٢٦-٢٩)... وفى قصة كرنيليوس «قال له (لبطرس) الروح هوذا ثلاثة رجال يطلبونك. لكن قم وانزل واذهب معهم غير مرتاب فى شىء لأنى أنا قد أرسلتهم» (أع١٠: ١٩، ٢٠)... وتنقلات معلمنا بولس الكرازية توضح هذا الأمر بكل وضوح... «وبعدما إجتازوا فى فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلموا بالكلمة فى آسيا فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بيثينية فلم يدعهم الروح...» (أع١: ٦-١٠).
• وكان الروح ينقلهم أحياناً من مكان إلى آخر، كما حدث مع فيلبس بعد عماد الخصى الحبشى «خطف روح الرب فيلبس فلم يبصره الخصى أيضاً... وأما فيلبس فوجد فى أشدود» (أع٨: ٣٩، ٤٠).
• وروح الله هو الذى كان يعمل بهم الآيات والمعجزات... ففى قصة حنانيا وسفيرة، يقول لها بطرس: «ما بالكما اتفقتما على تجربة روح الله. هوذا أرجل الذين دفنوا رجلكِ على الباب وسيحملونكِ خارجاً. فوقعت فى الحال عند رجليه وماتت» (أع٥: ٩، ١٠)... والقديس بولس مع عليم الساحر فى قبرص: «إمتلأ من الروح القدس وشخص إليه وقال أيها الممتلىء كل غش... فالآن هوذا يد الرب عليك فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلى حين. ففى الحال سقط عليه ضباب وظلمة فجعل يدور ملتمساً مَنْ يقوده بيده» (أع١٣: ٩-١١).
• والروح القدس هو الذى كان يرشد الكنيسة كجماعة وأفراد... ولذا صدر قرار مجمع أورشليم باسمه أولاً «لأنه قد رأى الروح القدس ونحن...» ‹ص ١٤٥› (أع١٥: ٢٨).
• لذا لا نعجب أن جعلت الكنيسة الأولى، الإمتلاء من الروح القدس شرطاً أساسياً للخدمة... هذا ما نلاحظه فى موضوع إختيار السبعة شمامسة. لقد تركوا أمر إختيارهم للمؤمنين، لكن إشترطوا أن يكونوا «ممتلوئين من الروح القدس وحكمة» (أع٦: ٣).
٢ - الكرازة بديانة الروح والقوة [^44]:
لقد أثبتت المسيحية فى نشاطها الكرازى أنها ديانة الروح والقوة. ولا نقصد بهذا القول المثاليات والمفاهيم الروحية التى قدمتها للعالم، والنهج الروحى الذى نهجته، بل نقصد قوة رسالتها وفعاليتها فى النفوس. فعظة يوم الخمسين التى ألقاها بطرس، هى عظة قصيرة وبسيطة لكن تأثيرها كان عجيباً... «لما سمعوا نخسوا فى قلوبهم، وقالوا لبطرس ولسائر الرسل ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة». (أع٢: ٣٧). وانضم إلى الكنيسة فى ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس... ما الذى حدث؟ هل هذا هو تأثير كلمات صياد الجليل ورفقائه البسطاء؟ بكل تأكيد، لا... إنها تأثير روح الله المصاحب لهذه الكلمات... من هنا نفهم ما حدث «نخسوا فى قلوبهم».. وما الذى يستطيع أن ينخس القلب إلاّ روح الله؟!
والقديس بولس الفيلسوف يخاطب الكورنثيين فى بلاد الفلسفة قائلاً: «وأنا لما أتيت إليكم أيها الأخوة أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة منادياً لكم بشهادة الله... وكلامى وكرازتى لم يكونوا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة. لكى لا يكون إيمانكم بحكمة الناس، بل بقوة الله» (١ كو٢: ١-٥)... ويقصد الرسول بسمو الكلام والحكمة الفلسفة البشرية. أما برهان الروح والقوة فيشير به إلى عمل الروح القدس المصاحب للكرازة ٤٥، روح الله ‹ص ١٤٦› الذى لا يمكن أن يقاوم.
من هنا نفهم كلمات رب المجد «متى ساقوكم ليسلموكم، فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا... لأن لستم أنتم المتكلمين بل الروح القدس» (مر١٣: ١١)... ونرى صدقها فى محاكمة إستفانوس، حينما لم يقدر الذين تصدوا لمناقشته «أن يقاوموا الحكمة والروح الذى كان يتكلم به» (أع٦: ١٠).
ومن هنا نفهم كلمات القديس بولس: «لأنه إذ كان العالم فى حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، إستحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة» (١ كو١: ٢١)... وهذا يوضح أن المسيحية فى إنتشارها لم تكن تعتمد على الأساليب العقلية فى الإقناع، بل أن برهان صدق رسالتها كان ومايزال هو «برهان الروح والقوة».
وكانت كرازة الروح مؤيدة بقوة الروح فى العجائب والآيات... «خلاص هذا مقداره قد إبتدأ الرب بالتكلم به، ثم تثبت لنا من الذين سمعوا. شاهداً الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس حسب إرادته» (عب٢: ٣، ٤)... وتنوع التعبيرات هنا فى كلام الرسول عن هذه العجائب، هو فى حد ذاته برهان على الظواهر العديدة المرتبطة بهذا الموضوع.. ومنها شفاء المرضى وإخراج الشياطين باسم الرب يسوع، وما أكثر الإشارات عنها فى سفر أعمال الرسل... لقد كان ظل بطرس يشفى الأمراض (أع٥: ١٥)، وكانت مناديل ومآزر بولس تشفى الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة (أع١٩: ١٢).
٣ - الكرازة بإنجيل الخلاص:
الإنجيل كما بشر به ربنا يسوع المسيح هو ديانة فداء وخلاص. ولما قال على الصليب «قد أكمل»، كان قد أتم عمله كمخلّص أو شاف... والحق أن الرب يسوع ظهر وسط شعبه كطبيب «لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل ‹ص ١٤٧› المرضى» (مر٢: ١٧؛ لو٥: ٣١) والأناجيل الثلاثة الأولى تصوره كطبيب للنفس والجسد، وكمخلّص أو شاف للبشر. هكذا نقرأ عنه أنه كان «يطوف المدن كلها والقرى يعلم فى مجامعها، ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب. ولما رأى الجموع تحنن عليهم، إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعى لها. حينئذ قال لتلاميذه الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون» (مت٩: ٣٥-٣٧)... ونلاحظ هنا، كيف أن الرب يربط بين مرض الجسد ومرض النفس... لقد نظر إليهما كتعبيرين مختلفين لعلة البشرية الكبيرة الواحدة... كان أيسر له أن يقول للمريض «قم وامش» لكنه قال له: «أيها الإنسان مغفورة لك خطاياك» (لو٥: ١٨-٢٥).
لم ينفر من الخطاة وينفصل عنهم حسب المفهوم اليهودى الفريسى فى عصره بل كان تصرفه هذا مثيراً لدهشة اليهود بقدر ما كان إتهاماً موجهاً إليه «يأكل ويشرب مع عشارين وخطاة» *... كان المحيطون به، أناساً شفاهم من مرض الروح والجسد... هذا كان فى أيام جسده. ولما إرتفع على الصليب أظهر قوته المخلّصة فى أروع صورها، وادخرها لمَنْ لم يبصره فى الجسد «الذى حمل هو نفسه خطايانا فى جسده على الخشبة، لكى نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذى بجراحه شفيتم» (١ بط٢: ٢٤)... كان هذا هو الحق الجديد الذى إنبثق من الصليب، وينبوع التطهير الذى تفجر منه.
إنتشر الرسل والتلاميذ حاملين بشرى الإله المخلّص والطبيب الشافى، الذى كانت حياته وأعماله وموته هى خلاص البشر ٤٦... لقد كانت كل هذه المعانى مرتسمة أمام القديس بولس حينما قال للغلاطيين: «الذى أحبنى وأسلم نفسه لأجلى» (غل٢: ٢٠)، وحينما كتب لتيطس يقول: «لأنه قد ظهرت نعمة الله المخلّصة لجميع الناس... الذى بذل نفسه لأجلنا لكى يفدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعباً خاصاً غيوراً فى أعمال حسنة» (تى٢: ١١-١٤).
‹ص ١٤٨› هذا هو الحق الذى أعلنه ربنا يسوع المسيح منذ البداية... هكذا قال معلمنا بطرس أمام مجمع السنهدرين اليهودى: «ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء، قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص» (أع٤: ١٢)... لذا يتساءل القديس بولس الرسول فى دهشة: «فكيف ننجو نحن إن أهملنا خلاصاً هذا مقداره، قد إبتدأ الرب بالتكلم به، ثم تثبت لنا من الذين سمعوا» (عب٢: ٣).
لاقت هذه الدعوة إلى الخلاص، قبولاً كبيراً وعميقاً فى العالم القديم، وبخاصة بين الطبقات الدنيا المرذولة والمحتقرة... هذه الطبقات التى ما كان يحسب لها أدنى حساب — ليس سياسياً أو إجتماعياً فحسب، بل وحتى دينياً. كان الدين — بالنسبة للعالم الذى حمل إليه الرسل بشراهم الجديدة — للأصحاء وليس للمرضى، للأطهار وليس للخطاة... كانت هذه هى فكرة الوثنيين واليهود على السواء. كان المرضى والخطاة يُتركون فريسة لقوات الظلمة، لأن الآلهة لا تسر بهم ٤٧. وكان هذا الفهم موجوداً عند الفيلسوف الوثنى كلسوس عدو المسيحية اللدود فى القرن الثانى ٤٨.
كانت الخليقة كلها تئن، متطلعة إلى مخلص... اليهود يعلنون بلسان مريض بيت حسدا: «ليس لى إنسان» (يو٥: ٧)، والأمم يعلنون بلسان ذلك الرجل المكدونى الذى تراءى لبولس فى رؤيا: «أعبر إلى مكدونية وأعنا» (أع١٦: ٩)... وهكذا عاونت هذه المشاعر، الكارزين بالمسيحية..
٤ - الكرازة بإنجيل الحب:
جاءت خدمة الكارزين الأوائل وسط عالم سادته الشرور، واكتنفته الظلمة، وطغت عليه الأنانية، وقطعت أوصاله الحروب والاعتداءات والمظالم... نادت ‹ص ١٤٩› المسيحية بالمحبة للجميع حتى الأعداء، واتخذتها شعاراً لها، ونادت بالحب والإخاء بين جميع البشر. وعلّمت أن المحبة هى: «الوصية الأولى والعظمى» (مت٢٢: ٣٨)، وأنها «غاية الوصية» (١تى١: ٥)، وهى علامة التلمذة الحقة للرب «بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذى، إن كان لكم حب بعضاً لبعض» (يو١٣: ٣٥)... بل إنها سمت بالمحبة ورفعت من قدرها حينما قالت: «الله محبة» (١يو٤: ٨). وعلّمت المسيحية أن كل فضيلة تخلو من المحبة هى مرفوضة حتى لو اقتنى صاحبها إيماناً ينقل الجبال وتكلم بألسنة الملائكة (١ كو١٣)... وكان تعليم المسيحية بمحبة الأعداء نغمة جديدة على مسامع العالم القديم، لم يرق إليه مفكر أو فيلسوف... كانت المسيحية تهدف إلى تحويل المتنافرين إلى إخوة محبين «إن جاع عدوك فاطعمه، وإن عطش فاسقه. لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه. لا يغلبنك الشر، بل إغلب الشر بالخير» (رو١٢: ٢٠، ٢١).
جاء لحن المحبة وأنغامها العذبة شجياً فى مسامع العالم القديم المسكين، الذى ساده الطغيان، وترك الفقراء نهباً للأغنياء، والضعفاء غنيمة للأقوياء... ولم تكن المحبة لحناً عذباً فى أفواه الكارزين الأوائل فحسب، بل شوهدت حية فى حياتهم، ناطقة بأفعالهم...
٥ - تعضيد الكرازة بوسائط النعمة:
ينبغى — ونحن نعالج موضوع عوامل نجاح الكرازة فى كنيسة الرسل — ألاّ نغفل سراً هاماً كان وراء تيار الكرازة الدافق، يدفعه ويقويه... ونعنى به «الصلاة والصوم»... فمنذ البداية نقرأ عن الكنيسة الأولى أن أعضاءها كانوا «يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة» (أع١: ١٤)... بل كانت هذه الصلوات — فى قوتها وإقتدارها — تزعزع المكان (أع٤: ٣١)... وأقام الآباء الرسل السبعة شمامسة لخدمة الموائد، حتى يتفرغوا هم للمواظبة على الصلاة وخدمة الكلمة (أع٦: ٤).
وقد إستعانت الكنيسة الأولى فى حل مشاكلها بالصلاة، وهذا واضح كل ‹ص ١٥٠› الوضوح فى سفر أعمال الرسل ٤٩. وكانت هذه الصلوات غالباً ما تقترن بالأصوام ٥٠... أما النتيجة فكانت «كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً فى أورشليم، وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان» (أع٦: ٧)... وكانت الكنائس «تتشدد فى الإيمان وتزداد فى العدد كل يوم» (أع١٦: ٥)... وكانت كلمة الرب «تنمو وتقوى بشدة» (أع١٩: ٢٠).
‹ص ١٥١›
علاقة كنيسة الرسل بالدولة
إنبثقت المسيحية فى بادىء أمرها من اليهودية ومن ثم فقد اعتبرت إحدى شيعها. وبقدر ما أفادت المسيحية فى البداية من هذه النظرة، بقدر ما قابلت من متاعب... فالدولة الرومانية التى ظهرت المسيحية فى ظلها، إعتبرت اليهودية ديانة مسموحاً بها. وقد إستفادت المسيحية من هذا الإمتياز، فاستطاعت أن تمتد وتنتشر فى أنحاء الإمبراطورية قبل أن تفطن الدولة إلى أنها ديانة جديدة، وبدأت تقاومها وتضطهد أتباعها...
وصول المسيحية إلى روما:
لا نعرف على وجه التحديد متى وكيف دخلت المسيحية روما... قد يكون ذلك على يد الرومان الذين حضروا تأسيس الكنيسة يوم الخمسين (أع٢: ١٠) فالقديس بولس فى رسالته إلى رومية يحيى بين الإخوة الذين فى روما بعض أنسبائه الذين تنصروا قبله (رو١٦)... وقد يكون ذلك على يد بعض المسيحيين المتحمسين من سكان فلسطين أو سوريا أو آسيا الصغرى أو بلاد اليونان، الذين حملوا بشرى الخلاص إليها قبل أن يصلها القديس بولس الرسول.
وأول أثر تاريخى يشير إلى المسيحية فى روما فى غير الكتب المقدسة، نجده فى إشارة عابرة دوّنها المؤرخ الوثنى سوتونيوس Suetonius... قال إن الإمبراطور كلوديوس — حوالى سنة ٥٢ م — طرد اليهود من روما بسبب ميلهم للتمرد على ‹ص ١٥٢› السلطة الحاكمة، وفتنتهم بتحريض Chrestus ٥١ وقد أشار القديس لوقا فى سفر الأعمال إلى هذا الحادث (أع١٨: ٢)... ومن المحتمل جداً أن تكون هذه الفتنة سببها المجادلات بخصوص شخص المسيح بين اليهود والمسيحيين، الذين كان ينظر إليهم كشيعة يهودية مستحدثة.
ومهما يكن من أمر، فقد كان المسيحيون فى روما — فى أوائل حكم نيرون — يؤلفون جماعة معروفة فى كل العالم المسيحى، لهم عدد لا بأس به من المعلّمين، وأماكن متعددة لإجتماعاتهم. وليس أدل على ذلك من شهادة القديس بولس فى رسالته إليهم، والتى قال لهم فيها، إن إيمانهم ينادى به فى كل العالم، وإن طاعتهم ذاعت إلى الجميع ٥٢.
وقد تعرض المسيحيون فى العصر الرسولى لاضطهادين كبيرين من جانب الدولة الرومانية: الاضطهاد الذى أثاره نيرون، والإضطهاد الذى أمر به دومتيان... ونعرض هنا لكل منهما:
نيرون وحريق روما واضطهاده للمسيحيين [^53]:
كان نيرون ذا شخصية عجيبة إختلط فيها جنون العظمة بالميل الجارف نحو الشر والدنس وسفك الدماء. ومن ثم فقد كان قتل جمهرة المسيحيين الأبرياء بيد هذا الشيطان المتأنس نوعاً من الرياضة الممتعة بالنسبة إليه... على أنه ينبغى الإشارة إلى أن الاضطهاد الذى أثاره نيرون ضد المسيحيين، لم يكن إضطهاداً ديناً خالصاً، كما حدث فيما بعد، لكنه بدأ ضمن كارثة عامة ‹ص ١٥٣› إتهم بها المسيحيين الأبرياء.
بدأ الحريق ليلاً فى ليلة ١٨ / ١٩ يولية سنة ٦٤ م. وظلت ألسنة النيران تلتهم كل ما يصادفها لمدة ستة أيام وسبع ليالى، بعد أن فشل الجنود ورجال الاطفاء فى إخمادها أو محاصرتها... وكانت نتيجة الحريق دمار عشرة أقسام من الأربعة عشر قسماً، التى كانت تتألف منها مدينة روما عاصمة الإمبراطورية بل عاصمة العالم وقتذاك. وإن كان التاريخ لم يعط حكماً قاطعاً فى أسباب ذلك الحريق الهائل، لكن كل الشائعات التى ترددت والشهادات وكتابات المؤرخين القدامى، تشير بأصبعها إلى نيرون على أنه الفاعل، وأنه أراد أن يشبع طموحه وجنونه فى إعادة بناء روما على نسق أفخم ويدعوها باسمه Neropolis أى مدينة نيرون.
حينما إندلعت ألسنة النيران، كان نيرون على شاطىء البحر فى انتيوم Antium مسقط رأسه... وحتى يبعد الشبهة عن نفسه فى جريمة الحريق — وفى نفس الوقت يستمتع بقسوة شيطانية جديدة — ألصق تهمة الحرق بالمسيحيين المنبوذين، الذين أضحوا فى تلك الآونة — وبخاصة بعد خدمة القديس بولس الناجحة فى روما — مميزين عن اليهود.
وقد ترتب على تهمة الحريق، بدء كرنفال دموى لم تشهد له روما الوثنية مثيلاً، حتى قال البعض أن ما حدث كان بمثابة إجابة قوات الجحيم لحركة التبشير المثمرة التى قام بها الرسول بولس، والتى زعزعت أعماق الوثنية فى أهم معاقلها. لقد حكم بالموت على أعداد ضخمة من المسيحيين بأبشع الوسائل... صلب بعضهم إمعاناً فى السخرية بعقوبة السيد المسيح، ولف البعض الآخر فى جلود الحيوانات الضارية، وألقوا للكلاب المسعورة فى مسرح الألعاب الرياضية.
وبلغت المأساة ذروتها ليلاً فى الحدائق الإمبراطورية عندما اشتعلت النار فى المسيحيين والمسيحيات، بعد أن دهنت أجسادهم بالقار أو الزيت أو الراتنج (صمغ الصنوبر)، وسمروا فى أعمدة الصنوبر، يضيئون كالمشاعل لتسلية الجماهير... هذا، بينما شوهد نيرون يتجول بعربته، وقد إرتدى ثياباً غريبة الشكل مرسوم ‹ص ١٥٤› عليها جواد سباق، وكأنى به يتباهى بفنه.
كان حرق الإنسان حياً هى عقوبة مَنْ يحرق عمداً... وهكذا فإن ما أنزله نيرون من ضروب الوحشية بالمسيحيين لم تكن — من الناحية الرسمية الشكلية — عقاباً على ديانتهم بل التكتل الجماعى فى إحراق روما عمداً!!
كان هذا الاضطهاد المروع الذى أثاره نيرون ضد المسيحيين بمثابة تعبئة لمشاعر جماهير الوثنيين ضدهم. ولابد وأن موجة الكراهية ضد المسيحيين واضطهادهم قد انتقلت إلى أقاليم الدولة الأخرى فى عهد نيرون أيضاً. وقد أيد هذه الحقيقة كبار المؤرخين الموثوق بهم ٥٤... ومن هول ما ذاقه المسيحيون على يدى هذا الطاغية، اعتقدوا أنه سيظهر ثانية كالمسيح الدجال الذى أشار إليه العهد الجديد. على أن التاريخ مع الأسف لم يحفظ لنا أسماء الشهداء الذين سفكوا دماءهم وجادوا بأرواحهم على يد هذا الطاغية. لكن من المؤكد أن الرسولين بطرس وبولس كانا فى مقدمة مَنْ إستشهدوا ٥٥.
الفترة من نيرون حتى نهاية العصر الرسولى:
خلف نيرون على عرش الإمبراطورية، الأباطرة جالبا Galba وأتو Otho وفيتليوس Vitellius وفسبسيان Vespasian وتيطس. وبقدر ما نعرف لم توجه الدولة إضطهادات كبيرة ضد المسيحيين فى عهودهم. لكن هذا لا ينفى وجود متاعب إقليمية وشهداء إستشهدوا فى تلك الفترة، لكن كحوادث فردية وليس كإضطهاد أمرت به الدولة.
لكن دومتيان (٨١ — ٩٦) — وهو طاغية مرتاب متكبر، دعا ذاته «رباً وإلهاً» — إعتبر اعتناق المسيحية جريمة ضد الدولة. حكم على كثيرين من المسيحيين بالموت، ومن بينهم أقرب أقربائه، القنصل فلافيوس كليمنس Flavius ‹ص ١٥٥› Clemens، ونفى البعض الآخر وصادر ممتلكاتهم كما حدث مع دومتيلا Domitilla زوجة كليمنس.
ويذكر التقليد الكنسى، ويؤكده القديسان إيريناوس من الجيل الثانى وإيرونيموس والمؤرخ الكنسى يوسابيوس من الجيل الرابع، أن هذا الإمبراطور أثار إضطهاداً على كنائس آسيا الصغرى، الأمر الذى أشير إليه فى سفر الرؤيا فى الكلام الموجه إلى ملاك كنيسة سميرنا «أنا أعرف أعمالك وضيقتك وفقرك... لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا إبليس مزمع أن يلقى بعضاً منكم فى السجن لكى تجربوا ويكون لكم ضيق عشرة أيام» (رؤ٢: ٨-١٠). وفى الكلام الموجه إلى ملاك كنيسة برغامس «أنا عارف أعمالك وأين تسكن حيث كرسى الشيطان، وأنت متمسك باسمى ولم تنكر إيمانى حتى فى الأيام التى فيها كان انتيباس شهيدى الأمين الذى قتل عندكم حيث الشيطان يسكن» (رؤ٢: ١٢، ١٣).
ويؤكد التقليد الكنسى وإيريناوس وإيرونيموس ويوسابيوس أن دومتيان هو الذى أمر بإلقاء القديس يوحنا الإنجيلى الرسول فى خلقين زيت مغلى فى روما، ثم عاد ونفاه إلى جزيرة بطمس. كما إستشهد إبان عهده إنسيموس وديونيسيوس الأريوباغى وكثيرون غيرهم. وتذكر قصة إستشهاد القديس أغناطيوس الأنطاكى أنباء إضطهادات كثيرة حلت بالمسيحيين فى حكم دومتيان.
خلف دومتيان إمبراطور آخر يدعى نيرفا Nerva (٩٦ — ٩٨)... كان حاكماً عادلاً، أعاد المنفيين، ورفض إعتبار إعتناق المسيحية جريمة سياسية لكنه لم يعترف بالمسيحية ديانة مسموحاً بها.
‹ص ١٥٦›
أشهر الكنائس الرسولية
تميزت بعض كنائس العصر الرسولى عن سواها بميزات معينة، أضفت عليها نوعاً من الشهرة لم تكن لغيرها... وهذه الشهرة لم تنطو على أى نوع من الرئاسة الكنسية ٥٦، لكنها نالتها إما بسبب مركزها الدينى وتأسيس الرسل لها، وإما لشهرتها الثقافية، أو مكانتها السياسية... ونستطيع أن نميز أربع كنائس فى العصر الرسولى حازت شهرتها فى العالم المسيحى وهى: كنائس أورشليم، وأنطاكية، والاسكندرية، وروما.
كنيسة أورشليم
كان أمراً طبيعياً أن تحتل كنيسة أورشليم شهرة خاصة فى عصر الرسل فأورشليم لها تاريخها الدينى الطويل منذ أن كانت مركز الديانة اليهودية فى العالم كله وقلبها النابض، وقبلة أنظار اليهود المشتتين فى أنحاء العالم. وقد آل إلى كنيسة أورشليم المسيحية الكثير من الشهرة السابقة، بعد أن غدت الوريثة الشرعية الأولى للديانة اليهودية... هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن مدينة أورشليم هى أول مدينة رددت صدى صوت الرب يسوع، وذاقت حلاوته قبل العالم كله، وتقدس ثراها بدم الفادى الزكى الذى أهرق فيها...
وفى أورشليم ولدت الكنيسة المسيحية، ومنها ذاعت بشرى الخلاص فى العالم كله، وحظيت بكرازة الرسل، والعجائب التى أجراها الرب على أيديهم. وتبركت ‹ص ١٥٧› بدم باكورة شهداء الحمل، إستفانوس رئيس الشمامسة، والرسولين يعقوب بن زبدى، ويعقوب أخى الرب، وغيرهم ممَنْ لم يحفظ لنا التاريخ أسماءهم.
كانت أول مركز دينى مسيحى أنشىء، وفيها عقد أول مجمع كنسى. وكانت تعتبر بحق الكنيسة الأم فى تلك الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة، التى يتطلع إليها المؤمنون ٥٧... وقد ورد فى ليتورجية القديس يعقوب تلقيب كنيسة أورشليم «بالأم» كما أجمع آباء الكنيسة على ذلك ٥٨.
ولما ثارت ريح الاضطهاد على الكنيسة الناشئة فى أورشليم، واستشهد استفانوس «تشتت الجميع فى كور اليهودية والسامرة، ما عدا الرسل» (أع٨: ١)... وبقاء الرسل فى أورشليم مع تزايد الاضطهاد الدامى، يرينا أنهم كانوا يعتبرون تلك المدينة ولا شك مركزاً ورأساً للكنيسة الناشئة، ومصدراً للإشعاع المسيحى، وإلا لكانوا تفرقوا هم أيضاً مع بقية المؤمنين، يكرزون بالكلمة حيثما حلوا... ومن أورشليم كانت الكنيسة تشرف على النشاط الكرازى الذى يقوم به الكارزون... «ولما سمع الرسل الذين فى أورشليم أن السامرة قد قبلت كلمة الله، أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا، اللذين لما نزلا صليا لأجلهم لكى يقبلوا الروح القدس (أع٨: ١٤، ١٥). وكذلك أيضاً بالنسبة لأنطاكية، فحالما سمعت كنيسة أورشليم إيمان عدد من سكانها «أرسلوا برنابا لكى يجتاز إلى أنطاكية» (أع١١: ٢٢).
وثمة ظاهرة واضحة ترينا مكانة كنيسة أورشليم بين كنائس عصر الرسل، وإحساس المسيحيين خارج أورشليم بحقها عليهم وواجبهم نحوها... تلك هى إرسال التقدمات لفقراء أورشليم من الكنائس المختلفة، يهودية وأممية... لقد اعتنى القديس بولس بهذا الأمر، وكان يجمع التقدمات من كنائس الأمم التى ‹ص ١٥٨› أسسها، ويرسلها إلى كنيسة أورشليم ٥٩... بل هو بنفسه كان يحمل هذه التقدمات، كما حدث فى زيارته الثانية لأورشليم حوالى سنة ٤٤ م، حينما كان يحمل تقدمات كنيسة أنطاكية (أع١١: ٣٠).
وقد تولى أمور كنيسة أورشليم القديس يعقوب البار أحد الاثنى عشر حتى سنة ٦٢ حين إستشهد. وقد كان أول أسقف عليها، حسبما يخبرنا هيجيسبوس ٦٠. وخلفه أخوه سمعان بن كلوبا الذى إستشهد مصلوباً على يد أتيكس والى اليهودية سنة ١٠٦ وله من العمر ١٢٠ سنة. ويبدو أن سمعان خلف يعقوب مباشرة عقب إستشهاده، لأنه هو الذى انتقل بالمسيحيين من أورشليم إلى بلا Pella قبيل خراب أورشليم، إتماماً لوصية الرب.
لكن كنيسة أورشليم لم تحتفظ بمركزها الدينى المتميز، بسبب ما حل بالمدينة من خراب سنة ٧٠ م. ولم يسترد الكرسى الأورشليمى مركزه الدينى، إلاّ أوائل القرن الرابع الميلادى، حينما اتجهت أنظار المسيحيين إلى إعتبار الأراضى المقدسة بعد تغير الأحوال السياسية، وزيارة الملكة هيلانة أم الملك قسطنطين لها، واكتشافها صليب المخلص بها.
كنيسة أنطاكية
ويأتى بعد كنيسة أورشليم من جهة الأهمية فى تلك الفترة المبكرة من تاريخ المسيحية، كنيسة أنطاكية... كانت مدينة أنطاكية هى المدينة الثالثة فى الامبراطورية الرومانية بعد روما والاسكندرية، بسبب مركزها الجغرافى والسياسى... فقد كانت العاصمة السياسية للاقليم السورى، ومركزاً إستراتيجياً هاماً فى هذا الجزء من الإمبراطورية... كان سكانها خليطاً من الأغريق النبلاء والأغنياء، والسريان وهم عامة الشعب، واليهود. كان موقعها بين الشرق والغرب أنسب ‹ص ١٥٩› مكان لنشر الإيمان الزاحف إليها من أورشليم، فى جهات العالم الأخرى، نظراً لقربها من أورشليم، وبذا إستطاعت أن تظل على صلة دائمة — وبسهولة — بالكنيسة الأم فى أورشليم والحصول على ما تحتاج إليه منها... وفى كلمات أخرى نقول، إن أنطاكية كانت هى باب فلسطين المفتوح على العالمين اليونانى والرومانى. ومن هنا كانت خير قاعدة لنشر المسيحية فيهما... وكانت بدورها تقدم العون للكارزين الذين يخرجون منها.
وتعتبر كنيسة أنطاكية هى الكنيسة الأممية الأولى ٦١، من جهة تاريخ تأسيسها... وأول ما عرف المؤمنون باسم المسيحيين كان فى أنطاكية. وقد تعب فى الكرازة بها القديسان برنابا وبولس (أع١١: ٢٢-٢٦)... ووصل إليها القديس بطرس متأخراً، بعد مجمع أورشليم (غل٢: ١١)... وجعلها القديس بولس مركز إنطلاقه فى رحلاته التبشيرية...
وليس صحيحاً ما يدعيه البابويون الروم والسريان، من أن القديس بطرس الرسول هو مؤسس كنيسة أنطاكية، وأنه أول أسقف عليها ٦٢... وأنه أسسها بين سنتى ٣٦، ٣٧، ثم أقام بها سبع سنين ٦٣، أبحر بعدها إلى رومية. ومهما كانت شهادات الآباء والمؤرخون التى يستندون إليها، فشهادة كتاب الله أولى بالصحة والتصديق. فعقب مقتل إستفانوس حوالى سنة ٣٧، حدث «إضطهاد عظيم على الكنيسة التى فى أورشليم، فتشتت الجميع فى كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل» (أع٨: ١)... ثم ذهب بطرس مع يوحنا إلى السامرة (أع٨: ١٤)... وفى هذه الأثناء كان بطرس يجتاز فى اليهودية وذهب إلى لدة حيث شفى إينياس، ثم ذهب إلى يافا حيث أقام طابيثا، ومكث فيها أياماً كثيرة (أع٩: ٣٢-٤٢)... وبعد يافا قصد قيصرية بناء على دعوة كرنيليوس (أع١٠). وبعد هذه الجولة الكرازية، صعد إلى أورشليم حيث خاصمه بعض ‹ص ١٦٠› اليهود المتنصرين بسبب عماده كرنيليوس ومَنْ معه من الأمميين (أع١١: ٢). وكان ذلك حوالى سنة ٤٠، وفيها تقابل لأول مرة مع بولس فى أورشليم (غل١: ١٨، ١٩)... وبعد قصة كرنيليوس الواردة فى (ص ١٠، ١١) من سفر الأعمال، يتكلم القديس لوقا عن دخول الإيمان إلى أنطاكية على يد الذين تشتتوا بسبب مقتل إستفانوس (أع١١: ١٩-٢١). ولما سمع هذا الخبر عن الأنطاكيين فى آذان الكنيسة التى فى أورشليم «أرسلوا برنابا لكى يجتاز إلى أنطاكية. الذى لما أتى ورأى نعمة الله فرح ووعظ الجميع أن يثبتوا فى الرب بعزم القلب» (أع١١: ٢٢، ٢٣) وكان ذلك سنة ٤٣ ٦٤.. ثم خرج برنابا إلى طرسوس ليطلب بولس ليعمل معه فى الخدمة، فخدما معاً بانطاكية سنة كاملة حتى نمت كلمة الرب وترعرعت (أع١١: ٢٥، ٢٦).
واضح من كل ما تقدم أنه حتى سنة ٤٣ — وهى السنة التى أرسلت كنيسة أورشليم برنابا إلى أنطاكية ليساعد فى الكرازة ونشر الإيمان — لم يكن أحد من الرسل قد ذهب إلى أنطاكية... وفى سنة ٤٤ قبض هيرودس أغريباس على بطرس وسجنه، لكن ملاك الرب فتح أبواب السجن وأطلقه، ومضى إلى موضع آخر (أع١٢: ٣-١٧). بعد ذلك لا نقرأ فى سفر الأعمال عن بطرس إلاّ فى مجمع أورشليم حوالى سنة ٥٠... على أنه لا يمكن أن يكون قد خرج عن دائرة اليهودية — لا إلى روما ولا إلى غيرها من الأقاليم النائية — لأن بطرس كان لابد له من أن يتم تأسيس وتثبيت كنائسها ٦٥.
ثابت أن بطرس ذهب إلى أنطاكية عقب مجمع أورشليم، أى حوالى سنة ٥١ (غل٢: ١١). ولا يمكن أن يكون قد ذهب قبل ذلك التاريخ.. فالقضية التى أجتمع لأجلها مجمع الكنيسة فى أورشليم، كانت قضية التهود المعروضة على المجمع من كنيسة أنطاكية (أع١٥: ١، ٢). ولما تكلم بطرس أمام المجمع أشار ‹ص ١٦١› إلى إيمان كرنيليوس ومَنْ معه. ولو كان له سابق خدمة فى أنطاكية لكان أشار إلى ذلك باعتباره رئيس الكنيسة هناك وأسقفها، وأن كنيستها هى التى تعرض القضية على المجمع... لكن شيئاً من ذلك لم يحدث (أع١٥: ٧-١١)... ولو كان لبطرس أية علاقة بكنيسة أنطاكية لظهر ذلك فى قرار المجمع. لكن كنيسة أورشليم «الرسل والكهنة مع كل الكنيسة) أرسلوا برسابا وسيلا مع بولس وبرنابا إلى أنطاكية (انظر أع١٥: ٢٢، ٢٣).
إذن — من كل ما تقدم — يتضح جلياً أن وصول بطرس إلى أنطاكية كان حوالى سنة ٥١ أو ما بعد ذلك... ووجوده هناك وتصرفه إزاء المسيحيين من اليهود والأمم، والموقف الغريب الذى وقفه بعد وصول جماعة من عند يعقوب... كل ذلك يدل على أنه لم يكن لبطرس أى موقف متميز هناك، فكم برئاسة الكنيسة التى يدعيها البعض (غل٢: ١١-٢١)!! وثمة ملاحظة أخيرة نوردها عن هذا الموضوع... فالأب جان كلسون Jean Colson الذى صنف كتاباً كاملاً عن الأسقف فى الكنائس الأولى ٦٦، يجعل برنابا المؤسس لكنيسة أنطاكية ٦٧.
كنيسة الاسكندرية
كانت مدينة الاسكندرية وقت كرازة الرسل، تعتبر — من الناحية السياسية — المدينة الثانية فى الامبراطورية الرومانية بعد العاصمة روما. لكنها من جهة شهرتها العلمية والثقافية، كانت دون منازع، عاصمة العالم الثقافية فى ذلك الحين... فمدرستها الشهيرة، كانت أكبر مركز علمى وفلسفى فى العالم الوثنى، بما توفر لها من مشاهير العلماء والفلاسفة، وما زخرت به مكتبتها الشهيرة من الكتب والمخطوطات القيمة... كانت الاسكندرية مدينة دولية، عامرة بالسكان من المصريين وأغريق ورومان ويهود وبعض أجناس أخرى... وكانت جاليتها ‹ص ١٦٢› اليهودية، أهم الجاليات اليهودية خارج فلسطين.
وصل الإيمان المسيحى إلى مصر قبل كرازة مار مرقس بها، نظراً لقرب مصر من بلاد اليهودية... كما كان بين مَنْ شاهدوا معجزة يوم الخمسين بعض من سكان «مصر ونواحى ليبيا التى نحو القيروان» (أع٢: ١٠). وليس ما يمنع أن يكون هؤلاء الذين آمنوا بأورشليم يوم الخمسين، قد حملوا الإيمان معهم إلى مواطنيهم... وهناك إشارة فى سفر الأعمال إلى أبلوس الاسكندرى الذى كان يهودياً وتنصر، مقتدراً فى الكتب وخبيراً فى طريق الرب: «وكان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب» (أع١٨: ٢٤، ٢٥).. والقديس لوقا كتب إنجيله إلى أحد وجهاء الاسكندرية المدعو ثاوفيلس... ولم يكن إنجيل لوقا هو الوسيلة الأولى التى حملت الإيمان إلى ذلك الرجل، بل إنه كان مؤمناً قبل وصول إنجيل لوقا إليه، إذ يقول له لوقا: «لتعرف صحة الكلام الذى علمت به» (لو١: ٣، ٤)... وقيل إن الرسول سمعان القانوى كرز فى جنوبى مصر (منطقة أسوان والنوبة)... وعلى أية الحالات فقد وصل الإيمان المسيحى إلى القطر المصرى قبل وصول مار مرقس إليه... لكن تأسيس الكنيسة المصرية التى تعرف باسم كنيسة الاسكندرية، يُنسب إلى القديس مار مرقس.
والقديس مار مرقس — أحد السبعين رسولاً — أسس هذه الكنيسة حوالى سنة ٦٠ م... وتميزت بكثرة عدد مَنْ آمن، وبسمو روحانياتهم، وبحياة الزهد الفلسفية الفائقة الحد التى عاشها جمهور المؤمنين... ومن فرط إعجابه بهذه الحياة، أشار إليها فيلو الفيلسوف اليهودى الاسكندرى فى القرن الأول الميلادى فى كتاب حياة التأمل ٦٨.
كما أسس مار مرقس فى الاسكندرية مدرسة لاهوتية، لتثبيت المؤمنين فى الدين الجديد، وتقف أمام المدرسة الوثنية الشهيرة، تقاوم تيارها وأفكارها وترد ‹ص ١٦٣› عليها... وقد قدر لهذه المدرسة — فيما بعد — بما توفر لها من علماء أن تجذب بعض فلاسفة المدرسة الوثنية وتهديهم إلى الإيمان، بل أن تصبح أكبر مركز دراسى لاهوتى مسيحى فى العالم كله شرقاً وغرباً لعدة قرون. وقدمت هذه المدرسة للكنيسة المسيحية فى مصر وخارجها علماء وفلاسفة، إستطاعوا أن يخدموا المسيحية أجل خدمة، ويذودوا عن إيمانهم بأقلامهم التى فندت أدعاءات الفلاسفة الوثنيين...
ولا صحة مطلقاً للادعاء الضعيف القائل بأن بطرس الرسول فى جولاته الكرازية عرج على مصر، ومنها — من بابيلون — كتب رسالته الأولى (١ بط٥: ١٣). وقد تناولنا هذه النقطة بالرد والتفنيد فى موضوع آخر.
كنيسة رومية
كانت مدينة روما فى عصر الرسل هى المدينة الأولى فى العالم — من الناحية السياسية — باعتبارها عاصمة الامبراطورية الرومانية... وكان ينظر إليها المعاصرون نظرة كلها إجلال وتقدير حتى سموها «روما الخالدة» وارتبطت أفكار الناس بها إلى حد بعيد ٦٩...
سبق لنا أن تناولنا موضوع دخول المسيحية إلى روما، وقلنا إن ذلك تم إما بواسطة مَنْ حضر معجزة يوم الخمسين من الرومان، وإما بواسطة بعض المتحمسين من فلسطين أو سوريا أو آسيا الصغرى أو بلاد اليونان... لكن تأسيس كنيسة رومية ككنيسة لم يتم إلاّ على يد بولس الرسول..
لكن البابويين يدعون لمار بطرس ما لم يُعط له، وما لم يدعيه هو لنفسه، وما ‹ص ١٦٤› لم تعرفه الكنيسة الأولى. يقولون إن السيد المسيح أقام بطرس نائباً عنه على الأرض، ورئيساً للكنيسة المنظورة. ويقولون أيضاً أن القديس بطرس هو مؤسس كنيسة رومية وأول أسقف عليها، وأنه أقام بها ٢٥ سنة من سنة ٤٢ إلى سنة ٦٧!! وسوف لا نتعرض لدحض الادعاءات الخاصة برئاسة بطرس، لأن ذلك يبعدنا عن جوهر بحثنا فى التاريخ الكنسى وإنما سنناقش فقط موضوع تأسيس بطرس لكنيسة رومية، وإقامته الطويلة المزعومة بها...
ولابد أن نشير أولاً إلى نقطة هامة ينبغى ألاّ تغيب عن أذهاننا، وهى أن المراكز الدينية فى عصور المسيحية الأولى كانت تقاس قيمتها وعظمتها بما للمدن الكائنة فيها تلك المراكز من قيمة وعظمة مدنية ٧٠. ولعله مما يفيدنا فى هذا المقام، أن نورد شهادة القديس إيرونيموس (چيروم»، الذى تعتبره الكنيسة البابوية أحد ثقاتها فى التعليم... يقول فى كلامه عن الأسقف: [حيثما يوجد أسقف، سواء كان فى روما، أو فى Engubium، فى القسطنطينية أو فى Rhegium، فى الاسكندرية أو Zoan، فإن كرامته واحدة وكهنوته واحد فلا الثروة أو ضعة الفقر تزيده أو تنقص من قدره عن كونه أسقفاً فالجميع سواء خلفاء الرسل] ٧١.
تأسيس كنيسة رومية
أولاً - الأدلة الكتابية على تأسيس بولس لكرسى رومية:
١ - بولس رسول الأمم:
إن الكنيسة التى تأسست فى مدينة رومية عاصمة العالم الوثنى، هى كنيسة ‹ص ١٦٥› أممية وليست يهودية (رو١: ٥، ١٣). وكان القديس بولس هو رسول الأمم، بينما القديس بطرس هو رسول الختان «إذ رأوا (يعقوب وبطرس ويوحنا) أنى أؤتمنت على إنجيل الغرلة (تبشير الوثنيين)، كما بطرس على إنجيل الختان (تبشير اليهود)، أعطونى وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم فللختان» (غل٢: ٧-٩)... نلاحظ التعبير الذى إستخدمه القديس بولس «إذ رأوا أنى أؤتمنت»... مَنْ الذى إئتمنه؟ الرب نفسه منذ البداية أفرز بولس لهذه المهمة، وقال لحنانيا فى دمشق عن بولس عقب إهتدائه مباشرة: «هذا لى إناء مختار ليحمل اسمى أمام الأمم والملوك وبنى إسرائيل» (أع٩: ١٥)... ومرة ثانية يسجل القديس لوقا فى سفر الأعمال، أن الرب ظهر لبولس فى رؤيا فى الهيكل بأورشليم وقال له: «أسرع وأخرج عاجلاً من أورشليم... فأنى سأرسلك إلى الأمم بعيداً» (أع٢٢: ١٨، ٢١)...
هذا عن الأمم بوجه عام، أما عن رومية بوجه خاص، فقد أعلن له الرب ذلك فى رؤيا بينما كان مقبوضاً عليه، ومودعاً بالمعسكر الرومانى فى أورشليم... «ثق يا بولس، لأنك كما شهدت بما لى فى أورشليم، هكذا ينبغى أن تشهد لى فى رومية أيضاً» (أع٢٣: ١١).
ولا حاجة بنا إلى تفنيد الادعاء القائل بأن القديس بطرس — بعماد كرنيليوس قائد المائة الأممى — صار رسولاً للأمم. فهذه كانت حادثة فردية ٧٢ وقعت حوالى سنة ٤٠... ولقد تحدد هذا الإختصاص وتأيد فيما بعد بواسطة مجمع الكنيسة فى أورشليم، الأمر الذى أشار إليه بولس فى (غل٢: ٧-٩).
٢ - مبدأ بولس فى الكرازة:
سار بولس فى كرازته على مبدأ واضح، وهو أنه لا يكرز فى مكان كرز فيه آخر «كنت محترصاً أن أبشر هكذا، ليس حيث سمى المسيح، لئلا أبنى على ‹ص ١٦٦› أساس لآخر» ٧٣ (رو١٥: ٢٠)... ومن العجيب أن يذكر بولس هذا المبدأ فى رسالته إلى رومية، مما يدل على أن أحداً من الرسل لم يذهب إلى تلك المدينة ويبشرها. وكان بولس يشتهى تبشير أهل رومية (رو١: ١١، ١٥) وذهب إليها بالفعل، واستأجر بيتاً هناك يكرز فيه، ويقبل كل الذين يدخلون إليه لمدة سنتين كاملتين (أع٢٨: ٣٠)... وهذا دليل أكيد على أن بطرس لم يكن قد ذهب إلى رومية حتى ذلك الوقت، ولم يكن موجوداً بها فى تلك الفترة بين سنتى ٦١، ٦٣.
٣ - صلات بولس بمؤمنى رومية:
الاصحاح السادس عشر من رسالة بولس إلى أهل رومية حافل بعدد كبير من أسماء المسيحيين الرومان — يهود وأمميين — يبعث إليهم بولس بتحياته الحارة وتقديره، الأمر الذى يقطع بأن له صلات وثيقة معهم... فمنهم مَنْ عمل معه فى ميدان الخدمة، ووضع عنقه لأجله. ومنهم مَنْ إحتمل الأسر معه. ومنهم مَنْ تعب كثيراً لأجله ولأجل خدمة الرب (رو١٦: ٣-١٦)... وهو يشرح لهم فى هذه الرسالة، كيف أنه كثيراً ما قصد أن يأتى إليهم لكنه مُنِعَ، وأنه مشتاق أن يراهم لكى يمنحهم هبة روحية لثباتهم... والرسالة إلى رومية، تشعرنا بأنه — حتى وقت كتابتها سنة ٥٨ — لم تكن هناك أية كنيسة مؤسسة من هيئة رسولية فى روما. فالرسالة يوجهها بولس إلى «جميع الموجودين فى رومية أحباء الله مدعوين قديسين» ٧٤ (رو١: ٧).
٤ - كرازة بولس برومية:
لا تحوى أسفار العهد الجديد أية إشارة — ولو من بعيد — لكرازة بطرس ‹ص ١٦٧› فى رومية... لكن ثابت أن بولس وصل إلى رومية وأقام كارزاً بها (أع٣٨: ١٦، ٣٠، ٣١)... فبعد ثلاثة أيام من وصوله إلى رومية سنة ٦١، إستدعى وجوه اليهود، وحدثهم عن المسيح رجاء إسرائيل، الذى لأجله كان موثقاً... وجاءت إجابتهم أنهم لا يعرفون شيئاً عن المسيحية، وبالتالى أن أحداً لم يبشرهم «لكننا نستحسن أن نسمع منك ماذا ترى، لأنه معلوم عندنا من جهة هذا المذهب أنه يُقاوم فى كل مكان» (أع٢٨: ٢٠، ٢٢)... كان معنى إجابة اليهود هذه، أنه حتى تلك السنة (سنة ٦١ م)، لم تكن قد تأسست فى روما كنيسة Ecclesia... فأين إذن كانت كرازة بطرس فى رومية، لو كان قد ذهب إليها سنة ٤٢ كما يدعى البابويون؟!
أما عن كرازة بولس فيشهد عنها كاتب سفر الأعمال بصراحة «وأقام بولس سنتين كاملتين فى بيت إستأجره لنفسه. وكان يقبل جميع الذين يدخلون إليه كارزاً بملكوت الله، ومعلماً بأمر الرب يسوع المسيح بكل مجاهرة بلا مانع» (أع٢٨: ٣٠، ٣١)... وإلى جانب جهوده الكرازية فى رومية، فقد كتب فيها رسائله إلى أفسس وفيلبى وكولوسى وفليمون.
ثانياً - بطرس وكنيسة رومية من شهادة الكتاب المقدس والتاريخ:
١ - أثبتنا فى كلامنا السابق عن كنيسة أنطاكية، والادعاء بأن بطرس هو مؤسسها، أنه حتى إنعقاد مجمع أورشليم حوالى سنة ٥١، كان بطرس مايزال ببلاد اليهودية، وأنه ذهب إلى أنطاكية سنة ٥١ أو بعدها (غل٢: ١١)... بعد ذلك نجد كلوديوس قيصر يطرد اليهود من روما حوالى سنة ٥٢ ٧٥ الأمر الذى أشار إليه القديس لوقا فى (أع١٨: ٢)... وكانت المسيحية حتى ذلك الوقت، معتبرة شيعة يهودية. فلا يمكن أن يكون بطرس قد ذهب إلى رومية فى تلك الفترة — ما بين طرد اليهود من روما وعودتهم إليها.
‹ص ١٦٨› ٢ - ولا يمكن أن يكون بطرس قد ذهب إلى رومية قبل سنة ٥٨ م — تلك السنة التى كتب فيها بولس رسالته إلى أهل رومية من كورنثوس، والتى لم يرد فيها أى تحية أو ذكر لبطرس، بينما حوت الرسالة تحيات إلى أشخاص عديدين كما سبق أن دكرنا (عشرين شخصاً وأسرتين)... والقديس بولس فى هذه الرسالة يقول لأهل رومية أنه مستعد لتبشيرهم (رو١: ١٥)، مما يقطع بأن أحداً من الرسل لم يبشرهم حتى ذلك التاريخ، لا بطرس ولا غيره من الرسل.
٣ - ويغلب علىّ الظن — كما يعتقد البعض — أن بطرس كان فى جولات تبشرية مع زوجته حتى سنة ٥٧، وهى السنة التى كتب فيها بولس رسالته الأولى إلى كورنثوس من مدينة أفسس، وقال فيها: «ألعلنا ليس لنا سلطان أن نجول بأخت زوجة كباقى الرسل وإخوة الرب وصفا (بطرس)» (١ كو٩: ٥)... وغالباً ما كانت تلك الجولات فى المناطق التى وجه إليها رسالته الأولى (١بط١: ١).
٤ - لا أثر لوجود القديس بطرس بروما فى فترة وجود بولس بها (٦١ — ٦٣)... فالقديس لوقا فى سفر الأعمال لا يذكر شيئاً عن بطرس. والقديس بولس — فى رسائلة الأربع التى أنفذها من روما فى تلك الفترة — لم يورد أية إشارة تفيد — ولو من بعيد — إلى وجود القديس بطرس فى رومية.
٥ - من غير المعقول أن يغفل القديس لوقا كاتب سفر الأعمال، خبر وجود بطرس الرسول برومية لمدة ربع قرن من الزمان، وتأسيسه لكنيسة عاصمة الإمبراطورية، بل عاصمة العالم كله وقتذاك، لو كان ذلك حدث فعلاً!
وعلى ذلك، فإن الادعاء بوجود مار بطرس فى روما قبل سنة ٥٣ أمر مستحيل كما أثبتنا... أما إحتمال ذهابه إليها بعد ذلك التاريخ، فليس له ما يؤيده، سوى إشارات عابرة غير واضحة ولا قاطعة لبعض الآباء اللاحقين...
٦ - أول مَنْ أشار من الآباء إلى إستشهاد بطرس هو القديس كليمنضس الرومانى أسقف رومية (٩٢ — ١٠١ م) فى رسالته إلى كنيسة كورنثوس. لكنه لم ‹ص ١٦٩› يذكر مكان إستشهاده فى روما أم فى غيرها ٧٦.
٧ - فى الاكليمنضيات المزورة ٧٧، والكتابات المدسوسة الغفل من أسماء كاتبيها، يربطون بين بطرس الرسول وسيمون الساحر عقب اللقاء الذى حدث بينهما فى السامرة حوالى سنة ٣٧ م. ويصورون بطرس أنه أخذ يتعقبه حتى وصل إلى روما عاصمة الإمبراطورية، وهناك أماته بصلاته...
٨ - يذكر يوستينوس الشهيد فى دفاعه الذى كتبه حوالى منتصف القرن الثانى، أن سيمون ذهب إلى روما فى عهد كلوديوس قيصر، ونال شرفاً وتقديساً، حتى أنه أقيم له تمثال فى جزيرة فى نهر التيبر كتب عليه Simoni Deo Sancto أى (سيمون الإله القدوس)... هذا كل ما ذكره يوستينوس عن سيمون ٧٨... ويوستينوس لم يكن مؤرخاً، لكنه عرض لسيمون الساحر فى معرض دفاعه الذى قدمه للإمبراطور أنطونيوس بيوس سنة ١٤٧، وفيه يوضح ماهية المسيحية كديانة ونقاوتها، وأن الدولة تشجع السحر والسحرة، بدليل أنها أقامت تمثالاً لسيمون هذا... ونحن نتساءل، ما الذى ربط بين ما ذكره يوستينوس وبين قصة تعقب بطرس له فى روما وإماتته بصلاته؟!! إن يوستينوس لم يذكر اسم بطرس نهائياً...
أما الدافع الذى دفع الأبيونيين الهراطقة — وهم أصلاً من اليهود المتنصرين المتطرفين — إلى الربط بين سيمون وبطرس فى الإكليمنضيات المزورة فقد أشرنا إليه سابقاً حينما عرضنا لمخلفات حركة التهود، وكيف أنهم كانوا يمجدون رسل الختان وفى مقدمتهم بطرس...
إنحدر هذا الخليط العجيب — إشارة يوستينوس العابرة غير الواضحة وما حوته الاكليمنضيات المزورة — إلى يوسابيوس المؤرخ فى القرن الرابع، وعنه أخذ هذه ‹ص ١٧٠› القصة كما هى ودونها فى تاريخه، ومؤداها أن بطرس ذهب إلى روما وراء سيمون الساحر المضل ٧٩... ويجدر بنا أن نشير إلى أن يوسابيوس لم يكن مؤرخاً بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنه كان ناقلاً عن غيره، ويتضح هذا من تاريخه ٨٠.
على أن رواية يوستينوس هذه قد أظهرت الحفريات خطأها. فقد كشف الباحثون سنة ١٥٧٤ على قطع رخامية من التمثال الذى أشار إليه يوستينوس، ووجدت عليه الكتابة الآتية Semoni Sanco Deo Fidio Sacrum واتضح أن هذا التمثال أقيم لإله الخصب Semo Sancus، الذى عبده سكان سابين Sabin فى شمالى إيطاليا ٨١... أما كيف إختلط الأمر على يوستينوس إلى هذا الحد فيبدو أن يوستينوس — وكان سامرياً — إستقى هذه المعلومات المشوشة عن سيمون الساحر السامرى من مواطنيه السامريين الذين كانوا يفخرون به على أنه «قوة الله العظيمة» ٨٢ (أع٨: ١٠). وقد يكونوا فى إفتخارهم هذا أخذوا ينسبون إليه أعمالاً عظيمة لكيما يحيطوه بهالة كبيرة... ومهما يكن من أمر، فالمؤرخون حالياً يكذّبون نهائياً واقعة ذهاب سيمون إلى روما ٨٣.
٩ - ذكر بعض آباء القرن الثانى، من أمثال ديونيسيوس الكورنثى وإيريناوس ومَنْ جاء بعدهما، أن بطرس إشترك مع بولس فى تأسيس كنيسة رومية... أما تعليل ذلك، فهو إما أن هؤلاء الآباء أخذوا عن مصدر خاطىء بلا فحص ٨٤، وأما أنهم إعتبروا بطرس — فى أشخاص الرومانيين اليهود والدخلاء الذين حضروا ‹ص ١٧١› معجزة يوم الخمسين، وآمنوا بعد سماعهم عظة بطرس، ومن ثم حملوا الإيمان إلى وطنهم — أنه إشترك بصورة غير مباشرة فى تأسيس كنيسة روما ٨٥.
١٠ - وثمة نقطة كانت مثار جدل بين العلماء، وهى بابل المذكورة فى رسالة بطرس الأولى، والتى منها كتب هذه الرسالة (١بط٥: ١٣)... فقد فسرها البابويون على أنها روما (بابل = روما)، على أساس أن القديس يوحنا أشار إليها فى سفر الرؤيا بهذه التسمية الرمزية... وقصدهم من ذلك أن يثبتوا وجود بطرس فى روما، وأنه كتب منها هذه الرسالة..!!
يجمع الآباء والعلماء بلا إستثناء على أن بابل المذكورة فى سفر الرؤيا هى روما، بناء على الملابسات المذكورة معها... ذكرها يوحنا خمس مرات. وفى كل مرة يذكرها باسم «بابل العظيمة» ٨٦... أما بابل المذكورة فى رسالة بطرس (١بط٥: ١٣) فهى بابل الواقعة على نهر الفرات، لا يمكن أن يكون المقصود بها التسمية الرمزية أى روما ٨٧... هذا هو رأى فطاحل العلماء حالياً ٨٨... أما الأدلة على ذلك فكثيرة. منها:
(أ) حينما أشار يوحنا فى رؤياه إلى روما على أنها بابل، فإن هذا السفر نبوى ورمزى، وتستقيم معه هذه الإشارة. لكن ليس ما يدعو بطرس لأن يستخدم الأسلوب الرمزى فى رسالته، علماً أن أسفار الكتاب المقدس كلها، لم تشر إلى روما على أنها بابل، إلاّ فى سفر الرؤيا فقط.
(ب) الأماكن الجغرافية والأقاليم المذكورة فى رسالة بطرس الأولى (مقاطعات بنطس وغلاطية وكبادوكية وآسيا وبيثينية)، تعنى المعنى الحرفى فلماذا لا يعنى بطرس ببابل معناها الحرفى أيضاً؟!
‹ص ١٧٢› (جـ) ليس ما يدعونا إلى الإفتراض أن المسيحيين — وقت كتابة هذه الرسالة — كانوا يفهمون روما على أنها بابل القديمة...
(د) سفر الرؤيا — وهو الموضع الوحيد فى الكتاب المقدس الذى فسرت فيه بابل على أنها رومية — كتب بعد زمان كتابة رسالة بطرس الأولى بنحو ثلاثين سنة، فكيف إتبع بطرس نفس أسلوب يوحنا الرمزى؟!
(هـ) أينما ذكرت مدينة رومية فى العهد الجديد، ذكرت باسمها باستثناء سفر الرؤيا... وحتى فى الرؤيا ذكرت باسم «بابل العظيمة».
(و) هناك أدلة قوية على أنه فى وقت كتابة رسالة بطرس، كان المسيحيون من اليهود والوثنيين يؤلفون جماعة كبيرة فى مدينة بابل على نهر الفرات وما حولها ٨٩ وكانت المدينة على جانب كبير من الأهمية. وقد لعبت مدارس التعليم اليهودى فى ذلك الاقليم دوراً هاماً فى النهوض باليهودية خاصة بعد خراب أورشليم وهيكلها ٩٠. ولا شك أن هذه المنطقة كانت حقلاً هاماً ومتسعاً لأعمال بطرس الرسول الكرازية باعتباره رسول الختان الأول...
الخلاصة
يكاد يجمع التقليد الكنسى المعترف به شرقاً وغرباً، على أن الرسول بطرس إستشهد فى روما حوالى سنة ٦٧ م على عهد نيرون... وكثرة من المؤرخين يذكرون أنه قبض عليه فى مكان آخر بعيد عن روما باعتباره من قادة المسيحيين، وسيق إلى روما لمحاكمته، على نحو ما حدث مع القديس أغناطيوس الشهيد أسقف أنطاكية الذى سيق من أنطاكية إلى روما ليلقى للوحوش سنة ١٠٧ م. وهذا يتفق مع رواية ‹ص ١٧٣› يوسابيوس ٩١ — نقلاً عن العلامة أوريجينوس — الذى قال عن بطرس: [وإذ أتى أخيراً إلى روما صُلِبَ منكس الرأس]... ورأى آخرون أنه ذهب إلى روما فى أواخر حياته لمقاومة سيمون الساحر... وأياً كان سبب ذهابه إلى روما، فإن ذهابه إليها لم يكن على أية الحالات بقصد تبشيرها أو تأسيس كنيستها، فإن كنيستها كانت قد تأسست بواسطة القديس بولس... أما هو فلم يذهب إليها إلاّ فى السنة الأخيرة من حياته... هذا هو ما يؤكده العلماء ٩٢.
أما قصد البابويين من محاولاتهم، فهو أن يجعلوا من بطرس كاروزاً للعالم أجمع، ومبشراً للخليقة كلها، ومؤسساً لكل الكنائس الكبيرة المتميزة بشهرتها، حتى يستأهل بذلك رئاسة العالم المسيحى، كنائب للمسيح على الأرض!! وهو حسب زعمهم، أسس كراسى أنطاكية وروما والاسكندرية وبيزنطة وأفسس وكورنثوس وبلاد اليونان، بالإضافة إلى أقاليم آسيا الصغرى... وأنه أقام لها أساقفة ٩٣.
وكدليل على هذه الروح الاستعمارية فى الكنيسة البابوية، نسوق هنا ما يذكره الارشمندريت ميشل عساف فى كتاب سنكسار الروم الكاثوليك، فى تذكار القديس بطرس [^94]:
[يذكر المؤرخون... الذين وضعوا سير القديسين، أن بطرس بعد أن مر فى مدن آسيا، تضرع إلى الرب ليوضح له إرادته، ويبيّن له الطريق التى يريد أن يسلكها. فتراءى له الرب يسوع وقال له: قم يا بطرس، واستولى على بلاد الغرب، لأنه ينتظرك لتشرق عليه أنوار الإنجيل، وسأكون أنا معك. وأوحى إليه الرب أن ‹ص ١٧٤› كرسيه الثابت الأعلى يجب أن يكون فى روما. فقام وسار إلى روما].
إن هذا الكلام لا ينطوى على روح إنجيلية سليمة... فالكرازة فى نظر البابويين هى غنيمة وإستيلاء [قم يا بطرس، واستولِ على بلاد الغرب]!! هذه ليست روح المسيح.
أما القديس بولس الذى قال عن نفسه — بالروح القدس — أنه تعب أكثر من جميع الرسل، فيقول عنه نفس الكاتب: [وتعب بولس أيضاً فى تلك الكنيسة (رومية)، فأصبحت حقاً أم الكنائس]. إلاّ أننا نلاحظ فى كل ما تبقى لدينا من الآثار التاريخية أن منزلة بطرس وبولس فى كنيسة روما ليست واحدة، بل بطرس هو الأول والأكبر، وبولس هو الثانى. وأما التصاوير التى تمثلهما معاً، فمنها ما يجعل بطرس جالساً وبولس واقفاً أمامه ومنها ما يمثل بطرس بأثواب مزركشة وبولس بثياب بسيطة. ومنها ما يمثلهما جالسين كليهما، لكن كرسى بطرس بمسند لظهره، وبولس بغير مسند...!!
وكدليل على الإنحراف البابوى، نسوق هنا بعض فقرات مما قاله الأب اليسوعى Marin de Boy Lesve عن بطرس [^95]:
[بطرس هو الأساس. وكل مَنْ لا يستند عليه، ليس من الكنيسة].
Pierre est le fondement. Tout ce qui ne repose pas sur lui n'est pas de l' Eglise.
[بطرس يمسك مفاتيح مملكة السموات. وهو وحده الذى يستطيع أن يمنع الدخول أو يسمح به].
Pierre tient les Clefs du royaume des cieux. Lui seul peut exclure et introduire.
[بطرس يربط أو يحل الضمائر، هو يغفر الخطايا أو يبقيها].
Pierre lie ou délie les consciences, il remet ou retient les péchés.
‹ص ١٧٥› [بطرس لا يزل فى الإيمان. له وحده أعطى تثبيت إخوته].
Pierre ne peut failler dans la foi. À lui seul d'affermir ses fréres.
وبعد... إذا كانوا قد نسبوا كل هذه الحقوق لبطرس، فماذا أبقوا للمسيح الإله؟! هذه الروح التى تعبر وتكشف عن ظلام العصور الوسطى، نرجو أن تكون قد زالت الآن تماماً، وحل محلها روح المسيح القائل: «أما أنتم فلا تدعوا سيدى، لأن معلمكم واحد المسيح، وأنتم جميعاً إخوة» (مت٢٣: ٨).
أما القديس بطرس فهو برىء كل البراءة مما نسبه إليه البعض... فتصرفاته وكتاباته تظهرانه بمظهر القديس الوديع الهادىء.. فبعد أن إستدعاه كرنيليوس قائد المائة، إستقبله فى بيته وسجد واقعاً على قدميه. أما هو فأقامه وقال: «قم أنا أيضاً إنسان» (أع١٠: ٢٥، ٢٦)... وفى رسالته الأولى يخاطب الكهنة قائلاً: «أطلب إلى الشيوخ الذين بينكم، أنا الشيخ رفيقهم» (١بط٥: ١)... هذه الكلمات التى تدحض كل إدعاء للرئاسة... والتى حوتها رسالة تفيض عذوبة.. يتحدث فيها معلمنا بطرس عن الإتضاع «كونوا جميعاً خاضعين بعضكم لبعض. وتسربلوا بالتواضع لأن الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة. فتواضعوا تحت يد الله القوية لكى يرفعكم فى حينه» (١بط٥: ٥، ٦)... وبعد أن اصطدم به القديس بولس، وقاومه مواجهة أمام الجميع فى أنطاكية — بسبب موقفه الذى اعتبره بولس رياء — إستشهد بكتاباته فى رسالته الثانية وقال: «كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضاً بحسب الحكمة المعطاة له» (٢بط٣: ١٥).
- ‹ص ١٢٢› (١) H.E., 2.3.1.
- ‹ص ١٢٥› (٢) H.E., 3.1.
- ‹ص ١٢٥› (٣) بارثيا Parthia بلاد واقعة إلى الشرق من مادى وإلى الجنوب الشرقى من بحر قزوين. وكانت فى زمان الرسل تؤلف مملكة مستقلة تمتد من نهر اندوس Indus (أحد روافد نهر السند شمال غربى الهند) إلى نهر الدجلة، ومن بحر قزوين إلى الخليج الفارسى، تذكر فى المصادر العربية باسم فرتيه، ويذكر سكانها فى الكتاب المقدس باسم «الفرتيون» (انظر أع٢: ٩).
- ‹ص ١٢٥› (٤) استخدم القدماء اسم سكيثيا Scythia بمعنى واسع. فقد أطلقوه على كل المنطقة الواقعة شمالى بحر قزوين والبحر الأسود. كان هنا إقليمان باسم سكيثيا: سكيثيا الأوربية شمالى البحر الأسود ما بين الدانوب وتنايس Tanais (شمالى شرقى البحر الأسود) وسكيثيا الآسيوية وتمتد شرقى جبال الأورال. والمقصود هنا الأولى. وقد أشار إليها القديس بولس (انظر كو٣: ١١).
- ‹ص ١٢٥› (٥) كانت كلمة آسيا سياسياً تشمل شريطاً ضيقاً من آسيا الصغرى يطل على شاطىء بحر ايجة ويضم ميسيا Mysia وليديا Lydia وكاريا Caria.
- ‹ص ١٢٦› (٦) Smith, Dictionary of Christian Biography, Vol. 1, pp. 17-32.
- ‹ص ١٢٦› (٧) Eusebius, H.E., 3.1.
- ‹ص ١٢٦› (٨) من أجل ذلك اتخذت الكنيسة الروسية هذا الرسول شفيعاً لها. وإن كانت الكنيسة اليونانية تتنازعه معها، وتقول إنه صُلب فى اليونان!! وتذكر بعض المصادر أنه كرز فى بيزنطة (منطقة إستنابول الحالية)، وفى اقليم أخائية ببلاد اليونان، واستشهد مصلوباً فى مدينة بتراس ببلاد اليونان. انظر: الدرر النفيسة فى مختصر تاريخ الكنيسة ص ٥١.
- ‹ص ١٢٧› (٩) إلى الشرق من شبه جزيرة القرم، شمالى البحر الأسود.
- ‹ص ١٢٧› (١٠) استخدمت هذه الكلمة (البرابرة) للتعبير عن عدة مدلولات: للدلالة على الغرباء، أو مَنْ يتكلمون لغة غير مفهومة. بهذين المعنيين وردت فى (أع٢٨: ٢، ٤؛ رو١: ١٤؛ ١كو١٤: ١١؛ كو٣: ١١). ظهرت الكلمة أولاً عند الأغريق واستخدموها فى فترة استقلالهم، وعبّروا بها عن كل مَنْ لا يتكلمون اليونانية، وبعدما خضعت بلاد اليونان للسيطرة الرومانية، أصبحت تطلق على كل مَنْ ليس يونانياً أو رومانياً. وهى بالمعنى الأخير، كانت تعبر عن حالة عدم التحضر والخشونة. انظر: Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 1, p. 355; Hastings, Dictionary of the Bible, p. 84.
- ‹ص ١٢٧› (١١) على الساحل الشرقى للبحر الأسود.
- ‹ص ١٢٧› (١٢) جميع هذا المدن واقعة جنوبى البحر الأسود.
- ‹ص ١٢٧› (١٣) H.E., 5.10.
- ‹ص ١٢٧› (١٤) H.E., 1.19.
- ‹ص ١٢٨› (١٥) Daniélou, Vol. 1, p. 48.
- ‹ص ١٢٨› (١٦) كانت مدينة تقع شمالى غرب بلاد ما بين النهرين قرب نهر الفرات. عرفت باسم الرها، ولعبت دوراً هاماً فى التاريخ المسيحى. ويظن البعض أنها كانت فى موقع أور الكلدانيين موطن إبراهيم.
- ‹ص ١٢٨› (١٧) H.E., 3.1.
- ‹ص ١٢٨› (١٨) H.E., 1.19.
- ‹ص ١٢٨› (١٩) H.E., 2.5.
- ‹ص ١٢٨› (٢٠) H.E., 4.18.
- ‹ص ١٢٨› (٢١) الدرر النفيسة فى مختصر تاريخ الكنيسة ص ٥٥، ٥٦.
- ‹ص ١٢٩› (٢٢) يقول يوسابيوس أنه وجد هذا الخبر محفوظاً فى سجلات أديسا الرسمية، وأنه أخذه عنها، وترجمه من اللغة السريانية.
- ‹ص ١٢٩› (٢٣) الدرر النفيسة فى مختصر تاريخ الكنيسة ص ٥٦.
- ‹ص ١٢٩› (٢٤) Josephus, Antiquities, 11.5.2.
- ‹ص ١٣٠› (٢٥) Daniélou, Vol. 1. pp. 39-44.
- ‹ص ١٣٠› (٢٦) Ibid; pp. 39-44.
- ‹ص ١٣٠› (٢٧) Harnack, Mission ... pp. 73-83; Schaff, Vol. 1, pp. 322-333; Daniélou, Vol. 1, pp. 32-38.
- ‹ص ١٣١› (٢٨) فى رسالته إلى أهل رومية التى كتبها فى كورنثوس حوالى سنة ٥٨.
- ‹ص ١٣١› (٢٩) على الساحل الغربى لشبه جزيرة البلقان، المطل على البحر الأدرياتى، وتسمى دلماتيا.
- ‹ص ١٣١› (٣٠) Harnack; Missions ... pp. 1-21; Gibbon, pp. 259.
- ‹ص ١٣٢› (٣١) Schaff, Vol. 1, p. 198.
- ‹ص ١٣٢› (٣٢) Smyth; The story of St. Paul's Life, p. 16 ...
- ‹ص ١٣٣› (٣٣) إن قائمة الشعوب المذكورة فى (أع ٢) التى حضرت يوم الخمسين فى أورشليم واستمعت إلى عظة بطرس تعطينا فكرة عن ذلك.
- ‹ص ١٣٤› (*) حتى منتصف القرن الثالث الميلادى تقريباً، كانت جميع التآلف العظيمة تكتب باللغة اليونانية، حتى التى كتبها علماء من روما أو الاسكندرية. كانت اليونانية هى لغة العلم، فضلاً عن أنها كانت لغة عالمية. وقد كتبت أسفار العهد الجديد جميعها باليونانية، باستثناء إنجيل متى الذى قيل أنه كُتب أصلاً بالآرامية ... ونشير أيضاً هنا إلى كتاب العهد القديم الذى ترجم من العبرية إلى اليونانية قبل الميلاد بنحو مائتى سنة، فيما عرف باسم الترجمة السبعينية.
- ‹ص ١٣٤› (٣٤) Origen; Contra Celsum, 2. 30.
- ‹ص ١٣٦› (٣٥) انظر فى سفر أعمال الرسل: ٨: ٤، ٥، ٤٠؛ ٩: ٣١، ٣٢؛ ١١، ١٩؛ ١٤: ٧، ٢١.
- ‹ص ١٣٧› (٣٦) De pressensé, Vol. 1, pp. 216-218; Carrington, Vol. 1, pp. 38, 39.
- ‹ص ١٣٧› (٣٧) انظر أمثلة لهذه الإشارات فى: ١كو٢: ٤؛ ١تس٢: ١٣؛ ١تى١: ١١؛ ٢تى٢: ٢؛ تى١: ٣؛ يع١: ٢٢).
- ‹ص ١٣٧› (٣٨) Harnack, Missions ... pp. 381-386; Allen, Missionary Methods, pp. 87-96;. Smyth; The Story of St. Paul's life, pp. 64, 65.
- ‹ص ١٣٨› (٣٩) هذا أمر طبيعى، لأنه كما يقول بولس عنهم «لهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد. ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد» (رو٩: ٤، ٥).
- ‹ص ١٣٩› (٤٠) انظر الرسالة إلى رومية ص ١-٣؛ ١ كو١٢: ٢؛ ١ تس١: ٩، ١٠.
- ‹ص ١٣٩› (٤١) ليس هذا رياء من جانب بولس، فقد كانوا بالفعل متدينين بحسب مفهومهم، وإن كانوا مخطئين...
- ‹ص ١٤٠› (٤٢) انظر: أع٩: ٢٠؛ ١٣: ٥، ١٤؛ ١٤: ١؛ ١٧: ١، ١٠، ١٧؛ ١٨: ٤، ١٩؛ ١٩: ٨.
- ‹ص ١٤٣› (*) انظر مجلة مدارس الأحد السنة الخامسة العدد الخامس (للأنبا شنوده).
- ‹ص ١٤٤› (٤٣) انظر: أع٤: ٧-١٢ بالمقارنة مع مر١٣: ١١؛ يو١٦: ١٣؛ ١ كو٢: ٤؛ ٥، ١٠، ١٣.
- ‹ص ١٤٥› (٤٤) Harnack; Missions ... pp. 199-206.
- ‹ص ١٤٥› (٤٥) انظر: لو٢٤: ٤٩؛ أع١: ٨.
- ‹ص ١٤٧› (*) انظر: مت٩: ١١؛ مر٢: ١٦؛ لو١٥: ٢.
- ‹ص ١٤٧› (٤٦) انظر: لو٢: ١١؛ يو٤: ٤٢؛ تى٣: ٤، ٦.
- ‹ص ١٤٨› (٤٧) Harnack; Missions ... pp. 103, 104.
- ‹ص ١٤٨› (٤٨) Origen, C. Cels., 3.59-
- ‹ص ١٥٠› (٤٩) انظر: أع٤: ٢٣-٣١؛ ص ١٢ (سجن بطرس واطلاقه).
- ‹ص ١٥٠› (٥٠) انظر: أع١٣: ٢، ٣؛ ١٤: ٢٣.
- ‹ص ١٥٢› (٥١) هذه الكلمة هجاء خاطىء لكلمة Christus أى المسيح. فقد خلط الرومان بين هذه الكلمة — ومعناها المسيح — والكلمة الأولى ومعناها صالح، وكانوا يسمون المسيحيين Chrestiani أى الصالحين.
- ‹ص ١٥٢› (٥٢) انظر رو١: ٨؛ ١٦: ٥-١٥، ١٩.
- ‹ص ١٥٢› (٥٣) عن هذا الموضوع بالتفصيل، انظر: الاستشهاد فى المسيحية ص ٤٨ — ٥٢ للمؤلف.
- ‹ص ١٥٤› (٥٤) Schaff, Vol. 1, p. 384.
- ‹ص ١٥٤› (٥٥) انظر: رسالة كليمنضس الرومانى إلى كنيسة كورنثوس ف ٩٥.
- ‹ص ١٥٦› (٥٦) لم يستطع فيكتور أسقف روما أواخر القرن الثانى أن يجبر كنائس آسيا الصغرى أن تعيد الفصح مع كنيسة روما فى وقت واحد. وحوالى منتصف القرن الثالث قاوم القديس كبريانوس الشهيد أسقف قرطاجنة بشمالى أفريقيا استفانوس أسقف روما بشدة بسبب معمودية الهراطقة.
- ‹ص ١٥٧› (٥٧) Schaff, Vol. 1, p. 247.
- ‹ص ١٥٧› (٥٨) ما أصدق النبوة التى قالها المرتل عن أورشليم «صهيون الأم Ⲥⲓⲱⲛ ϯⲙⲁⲩ تقول إن إنساناً حل فيها وهو العلى الذى أسسها إلى الأبد» (مز ٨٦ — الترجمة القبطية)، انظر الخريدة النفيسة ص ٨٨، ٨٩.
- ‹ص ١٥٨› (٥٩) انظر: غل٢: ١٠؛ رو١٥: ٢٦، ٢٧ — خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم ص ٥.
- ‹ص ١٥٨› (٦٠) Eusebius; H.E., 4.22.4.
- ‹ص ١٥٩› (٦١) Schaff, Vol. 1, p. 279.
- ‹ص ١٥٩› (٦٢) De Pressensé, Vol. 1, pp. 77, 78.
- ‹ص ١٥٩› (٦٣) أسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى جـ ١ ص ١٩، ٢٠ — الدرر النفيسة ص ١٤٢ — سليم سليمان، تاريخ الأمة القبطية ص ٢٨٩.
- ‹ص ١٦٠› (٦٤) Daniélou, Vol. 1, p. 24. هذه الشهادة لها قيمتها لأن المؤلف راهب يسوعى كاثوليكى
- ‹ص ١٦٠› (٦٥) Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 2, p.803, سليم سليمان، تاريخ الأمة القبطية ص ٢٨٩.
- ‹ص ١٦١› (٦٦) Colson, L'Evêque dans les communautés Primitives.
- ‹ص ١٦١› (٦٧) أسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، جـ ١ ص ٢٠.
- ‹ص ١٦٢› (٦٨) Eusebius, H.E., 2.17.
- ‹ص ١٦٣› (٦٩) استمر هذا الشعور لعدة قرون، حتى أن القوط الغربيين لما دخلوا روما ظافرين سنة ٤١٠ م، أحدث دخولهم صدمة شديدة. واعتقد المعاصرون أن هذا نذير بزوال العالم. واستغل أعداء المسيحية هذه الفرصة، وحاولوا أن يلصقوا هذه الكارثة بالمسيحيه، لأن روما والدولة كانت مهابة الجانب فى ظل الوثنية... فانبرى لدفع هذا الإتهام بعض الشخصيات المسيحية ومنهم القديس أغسطينوس فى كتابه «مدينة الله»... انظر Fisher; History of Europe.
- ‹ص ١٦٤› (٧٠) Fisher; History of Europe; Merle d'Aubigné, History of the Reformation, 1.8. كيرلس مقار، الوضع الإلهى فى تأسيس الكنيسة جـ ٢ ص ١٦٢ — ١٧٧. وهكذا نص القانونان ١٧، ٢٨ من قوانين مجمع خلقيدونية الذى لا تعترف به كنيستنا [انظر: سليم سليمان، تاريخ الأمة القبطية ص ٣٣٨ — ٣٤٠].
- ‹ص ١٦٤› (٧١) St. Jerome, Letter to Evangelus (N.P.N.F., Vol. 6, p. 289).
- ‹ص ١٦٥› (٧٢) انظر: البابا شنوده الثالث، مرقس الرسول ٣٢-٣٥.
- ‹ص ١٦٦› (٧٣) فى الترجمة اليسوعية «واعتنيت أن لا أبشر بالإنجيل فى موضع دعى فيه اسم المسيح، لئلا أبنى على أساس غيرى».
- ‹ص ١٦٦› (٧٤) Carrington, Vol. 1, pp. 148-150, 170.
- ‹ص ١٦٧› (٧٥) Schaff, Vol. 1, p. 367; Smith. Dictionary of the Bible, Vol. 1, p. 613.
- ‹ص ١٦٩› (٧٦) Clement of Rome, 1 Corinthians, 5.
- ‹ص ١٦٩› (٧٧) كتابات مزورة منسوبة خطأ إلى كليمنضس الرومانى، ويرجع تاريخها إلى حوالى منتصف القرن الثانى. كتبها جماعة من الابيونيين الهراطقة وهم شيعة متطرفة من بعض اليهود المتنصرين، الذين قاومتهم الكنيسة فى تاريخها المبكر.
- ‹ص ١٦٩› (٧٨) Justin Martyr, 1 Apol. chs., 26, 56.
- ‹ص ١٧٠› (٧٩) Eusebius, H.E., 2.14.
- ‹ص ١٧٠› (٨٠) Schaff, Vol. 1, p. 257.
- ‹ص ١٧٠› (٨١) Daniêou, Vol. 1, p. 61.
- ‹ص ١٧٠› (٨٢) Justin Martyr; 1 Apol., (A.N.F., Vol. 1, p. 187 foot note).
- ‹ص ١٧٠› (٨٣) De Pressensé, Vol. 1, pp. 67, 68; أسد رستم جـ ١، ص ٢٩
- ‹ص ١٧٠› (٨٤) وقع ايريناوس فى نفس الخطأ الذى وقع فيه يوستينوس الشهيد، إذ قال أن الدولة كرمت سيمون وأقامت له تمثالاً من أجل أعماله السحرية (Against Heresies, 1.23) ولا شك أن الدليل المادى هو سيد الأدلة. لقد أثبتت الحفريات خطأ هذه الرواية... لا يبعد إذن أن يكون إيريناوس فى موضوع تأسيس كنيسة روما قد نقل عن مصدر خاطىء أو مغرض...
- ‹ص ١٧١› (٨٥) Schaff, Vol. 1, pp. 251, 252.
- ‹ص ١٧١› (٨٦) رؤ١٤: ٨؛ ١٦: ١٩؛ ١٧: ٥؛ ١٨: ١٠، ٢١.
- ‹ص ١٧١› (٨٧) Smith, Dictionary of the Bible. Vol. 2. pp. 803-805; Wuest, First Peter in the Greek New Testament, pp. 132, 133; De Pressensé, Vol. 1, pp. 210, 211.
- ‹ص ١٧١› (٨٨) See. N.P.N.F., series 2, Vol. 1, p. 116 (footnote 7)
- ‹ص ١٧٢› (٨٩) كانت بابل لاتزال مدينة عامرة ولم تكن قد خربت انظر: Josephus; Antiq. 15.3.1.
- ‹ص ١٧٢› (٩٠) يورد الدكتور وليم سميث فى قاموسه عن الكتاب المقدس إثباتات كثيرة على ذلك منها أن مدرستى الرها ونصيبين المسيحيتين الشهيرتين فيما بعد، مدينتان لكرازة بطرس فى هذه المنطقة، كما أن كتابات معلمى هاتين المدرستين واضح فيها تأثيرات هذا الرسول... انظر: (Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 2, p. 805).
- ‹ص ١٧٣› (٩١) H.E., 3.1.
- ‹ص ١٧٣› (٩٢) انظر: البابا شنوده الثالث، مرقس الرسول ص ٣٥، ٣٦.
- ‹ص ١٧٣› (٩٣) حتى الطريق التى مات بها بطرس، جعلوها مادة لتأييد رئاسته على الكنيسة كلها. فصلبه منكس الرأس يعتبره أحد أساقفة الفاتيكان دليلاً على ذلك. فعلى نحو ما أن رأس بطرس (وهو منكس) حمل جسمه كله، وليس الجسم هو الذى حمل الرأس، كذلك بطرس يحمل الكنيسة كلها!! [انظر: Schaff, Vol. 1, p. 259. (footnote)].
- ‹ص ١٧٣› (٩٤) الأرشمندريت ميشل عساف، سنكسار الروم الكاثوليك — تحت يوم ٢٩ حزيران.
- ‹ص ١٧٤› (٩٥) Le Pope et l'Eglise, p. 18.
From The Christian Church in the Apostolic Age by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya (first published in 1971 under his monastic name, Fr Shenouda al-Suriani), third edition, May 1987, printed at the Anba Ruways offset press, Abbasiyya, Cairo.
يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.
Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.