← Books · Notes on the History of the Coptic Church
الكنيسة القبطية فى عصر الولاة المسلمين (٦٤٢ - ٨٦٨م)
The Coptic Church in the era of the Muslim governors (641-868)
‹ص ٤٠›
الكنيسة القبطية فى عصر الولاة المسلمين (٦٤٢ - ٨٦٨م)
يقصد بعصر الولاة الفترة التى كانت فيها مصر ولاية تابعة للخلافة، يحكمها ولاة من قبل الخلفاء. فكانت الخلافة تبعث بالولاة من مقرها فى المدينة المنورة زمن الخلفاء الراشدين، ومن الكوفة زمن على بن ابى طالب، ومن دمشق زمن الايوبيين، واخيرا من بغداد وسامرا زمن العباسيين... كان الولاة عربا من ابناء القبائل العربية حتى نهاية الدولة الاموية. اما فى عصر العباسيين فكان الولاة خليطا من العرب والفرس والخرسانيين والاتراك.
وندرس احوال الكنيسة القبطية وشعبها من خلال استعراض النقاط التالية، التى تظهر لنا ملامح هذا العصر:
(أولا) كثرة عدد الولاة المسلمين:
أول ما يلاحظ على تلك الفترة كثرة عدد من تولوا حكم مصر... فالاحصاءات تدل على ان الخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين منذ ولاية عمرو بن العاص الى ولاية احمد بن طولون، نصبوا مائة واحد عشرا (١١١) واليا فى مدة ٢٢٥ سنة.. وطبيعى ان المدة القصيرة التى كان يقضيها كل وال فى حكم مصر لم تتح له فرصة اتباع سياسة انشائية، ووضع خطة معينة لخير البلاد وشعبها. ويقدم لنا الاستاذ جاستون فييت فى بحث له عن مساجد القاهرة احصاء عن ذلك فيقول "حكم مصر اثناء خلافة الامويين واحد وعشرون واليا. اثنان منهم وليا الحكم مرتين، وواحد منهم ثلاث مرات... كان خمسة من هؤلاء من اسرة الخلفاء. وقد توفى ستة منهم وهم ولاة، ونقل الخليفة او اقال احد عشر منهم، واستقال احدهم وطرد الجند آخر لانه خفض رواتبهم... مكث احدهم على كرسى الولاية ستة عشر يوما.. واذا انتقلنا الى الخلافة العباسية، الفيناهم عينوا اربعة وستين واليا... ومما يلفت النظر ان عدد التنقلات قد ازداد فى عصر العباسيين عما كان عليه فى حكم الامويين... ويرجع السبب الى ان السلطة المركزية كانت بعيدة جدا فى بغداد. وكان الخليفة لا يريد ان يترك للولاة متسعا من الوقت يستطيعون خلاله استمالة قلوب الشعب اليهم. وكان الخوف من نفوذ الولاة قد طبع فى قلوب الخلفاء شيئا من الخوف المستديم... ‹ص ٤١› ان عدم الاستقرار الذى لازم تعيين الولاة لم يكن فى صالح البلاد على الاطلاق. اذ كيف تطلب من موظف جاء من الخارج ويثق من عدم بقائه فى الولاية ان يعير البلاد اهتمامه، او ان ينظم مواردها او ان يسهر على دولاب ادارتها..". وكمثال لكثرة عدد من تولوا حكم مصر، بالاضافة الى ما تقدم، ما حدث فى خلافة هارون الرشيد الخليفة العباسى التى امتدت الى ثلاثة وعشرين عاما لقد حكم مصر فى مدة خلافته اربعة وعشرون واليا..
كان كل هم من يتولى حكم مصر هو الاثراء بأية صورة من الصور وفى اقصر وقت ممكن. وبطبيعة الحال فان هذا لايتأتى الا بكثرة المظالم على الشعب المسكين... ومن ياترى هو ضحية هذة المظالم سوى الاقباط الذين رفضوا اعتناق الاسلام وثبتوا على ايمانهم المسيحى..
(ثانيا) سياسة الخلفاء والولاة تجاة مصر اساسها المنفعة المادية:
ذكر بن عبد الحكم فى كتابه "فتوح مصر" حديثا منسوبا الى عبد الله بن صالح عن مصر قال: "من اراد ان يذكر الفردوس، او ينظر الى مثلها فى الدنيا، فلينظر الى ارض مصر حين تخضر زروعها وتنور ثمارها" (ص٤، ٥)... ان صيحة الاعجاب بمصر رددها كل اعرابى وطئت قدماه وادى النيل... وكان من الطبيعى ان يعمل رجل البادية، الذى خرج منتصرا بعد حرب شنها على امبراطوريتين (الفارسية والبيزنطية)، على الاستفادة من انتصاراته.. وهذا الأمر واضح من الحاح الجيوش المنتصرة لتوزيع اراضى البلاد المفتوحة فى العراق وسوريا ومصر.
ومما يكشف النظرة المادية البحتة التى كان عليها الخلفاء والولاة من نحو مصر، تلك الكلمات المنسوبة الى عمر بن الخطاب الذى يوصف بأنه كان اكثر الخلفاء عدلا... اذ لما حاقت المجاعة بالمدينلا المنورة، طلب عمر ان يستعجل ارسال القمح اللازم من مصر وقال "اخرب الله مصر فى عمران المدينة وصلاحها".. (الطبرى فى تاريخه، البلاذرى "فتوح البلدان" - اقباط ومسلمون ص٧٩).. وعند ما تكلم عمر عن الشعوب المغلوبة قال "يأكلهم المسلمون ماداموا أحياء. فاذا هلكنا وهلكوا، اكل ابناؤنا أبناءهم ما بقوا". (ابو يوسف "الخراج" - اقباط ومسلمون ص٧٩).
ومما يفضح تلك الروح المادية الجشعة، خطابان متبادلان بين الخليفة عمر وواليه على مصر عمرو بن العاص بخصوص ما تغله مصر من ضرائب... فقد حدث ان قيمة الضرائب التى كان يرسلها عمرو ‹ص ٤٢› الى الخليفة، اخذت فى التناقص سنة بعد اخرى، اما بسبب دخول بعض الاقباط فى الاسلام وما ترتب على ذلك من رفع الضرائب عنهم، واما بسبب عدم نزاهة عمرو نفسه وقد قيل عن ذلك الكثير... يقول عمر فى خطابه الى عمرو "... اما بعد، فانى فكرت فى امرك والذى انت عليه، فاذا أرضك ارض واسعة عريضة رفيعة... وانها قد عالجتها الفراعنة وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك. واعجب مما عجبت انها لاتؤدى نصف ماكانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحط ولا جدب"، فرد عمرو بالآتى "... اما بعد فقد بلغنى كتاب امير المؤمنين فى الذى استبطانى فيه من الخراج، والذى ذكر فيه من عمل الفراعنة قبلى، واعجابه من خراجها على ايديهم، ونقص ذلك فيها مذ كان الاسلام. ولعمرى للخراج يومئذ اوفر واكثر، والارض اعمر لانهم كانوا على كفرهم وعتوهم ارغب فى عمارة ارضهم منا منذ كان الاسلام. وذكرت ان النهر يخرج الدر، فحلبتها حلبا قطع درها" (ابن عبد الحكم "فتوح مصر" اقباط ومسلمون ص٧٦/٧٥)... وقد تكرر اتهام عمرو بنفس التهمة زمن عثمان بن عفان فقد كان عمرو يجمع اثنى عشر مليونا من الدينارات ضريبة جزية، فرفعها الوالى الذى اتى بعده وهو عبد الله بن سعد بن ابى سرح الى اربعة عشر مليونا. فقال الخليفة عثمان لعمرو "يااباعبد الله، درت اللقحة بأكثر من درها الاول". فقال عمرو "اضررتم بولدها".
كان هذا هو حال الخلفاء، فكم يكون حال الولاة؟؟
والحق ان المسائل المالية كانت شغل الخلفاء الشاغل... كانت الضرائب فى تناقص مستمر.. وبينما كان الدخل ينقص اخذت المصروفات تزداد... اما السبب فى ذلك فكان الرغبة فى القيام بفتوحات جديدة، وضرورة تأمين سلامة الامبراطورية. الامر الذى اقتضى الاحتفاظ بجيوش كثيرة العدد والعدة... كما اقتضت الضرورة انشاء قوة لحفظ الامن الداخلى.
كان الجيش يستنفد الجزء الاكبر من الدخل... حاول الخلفاء ضغط الميزانية بخفض مرتبات الجند، لكنهم فشلوا فى ذلك عدة مرات... لم يكن امامهم اذن سوى البحث عن حلول اخرى لا تعرضهم للخطر، فلجأوا الى زيادة الضرائب على شعوب البلاد المفتوحة...
يذكر ابن الحكم واقعة حدثت مع احد اقباط الصعيد ويدعى بطرس يقول "ان عمرو بن العاص لما فتح مصر قال لقبط مصر ان من كتمنى كنزا عنده فقدرت عليه قتلته". ونما لعلم عمرو ان ‹ص ٤٣› بطرس هذا عنده كنز، فأرسل اليه، ولما سأله انكر، فحبسه فى السجن، وكان عمرو يسأل من حوله فى السجن "هل تسمعونه يسأل عن احد" فقالوا "انما سمعناه يسأل عن راهب فى الطور". فأرسل عمرو الى بطرس، ونزع خاتمه من يده، وكتب الى ذلك الراهب، ليبعث اليه بما عنده وختمه بخاتمه (وكأن الخطاب صادر من بطرس). فعاد رسول عمرو بقلة شامية مختومة بالرصاص. ولما فتحها عمرو وجد فيها صحيفة مكتوب فيها "مالكم تحت الفسقية الكبيرة" فأرسل عمرو الى الفسقية، فحبس عنها الماء ثم قلع البلاط الذى تحتها، فوجد فيها اثنين وخمسين اردب ذهب مضروبة. فضرب عمرو رأسه (بطرس) عند باب المسجد. فذكر ابن رقية ان القبط اخرجوا كنوزهم شفقا ان يبقى على احد منهم فيقتل، كما قتل بطرس". (ابن عبد الحكم: فتوح مصر).
وعلى الرغم مما يوصف به عبد العزيز بن مروان (٦٨٥ - ٧٠٥) من عدل فى مدة ولايته على مصر التى امتدت الى واحد وعشرين عاما متتالية، لكنه استحدث فرض ضريبة على الرهبان ظلت سارية بعده. جاء بعد عبد العزيز بن مروان اخوه عبد الله، ولم يكتف بتثبيت ضريبة الدينار على رجال الدين المسيحيين، بل سجن البابا الكسندروس الثانى البطريرك ٤٣ (٧٠٠ - ٧٢٤) حتى يدفع له ثلاثة آلاف دينار. يقول ساويرس بن المقفع "فى تلك الايام خرج الطوبانى الكسندروس وسار الى مصر ليسلم عليه (الوالى) كالعادة من البطاركة والولاة. فلما نظر اليه قال ايش هو هذا. قالوا له هذا أب وبطرك جميع النصارى. فأخذه وسلمه لواحد من حجابه وقال له افعل به ما تريد من الهوان الى ان يقوم بدفع ثلاثة آلاف دينار. فأخذه واقام عنده ثلاثة ايام... فلما نظر ذلك جرجة الشماس انه ما يفرج عن البطرك الا بعد ان يأخذ المال تقدم اليه وقال له (الوالى) وقال له ياسيدنا تطلب نفس البطرك او مالا. فقال له اريد المال فقال له الشماس جرجه ضمنى اياه مدة شهرين انحدر به الى بحرى اطلب له من الاراخنة والنصارى واقدم لك عنه ثلاثة آلاف دينار. فسلمه اليه فطاف به المدن والقرى على المؤمنين بالمسيح حتى حصل المال وحمله"... ويصف ساويرس بن المقفع هذا الوالى بأنه "كان محبا للمال جدا" حتى انه حصل من اهل الذمة ثلثى دينار زيادة عما كانوا يدفعونه... ويؤيد رواية ساويرس الكندى ويتهمه بأنه شجع الرشوة وملأ جيوبه بمال الجزية". (كتاب الولاة والقضاة - عن اقباط ومسلمون ص٩٣).
‹ص ٤٤› وخلف عبد الله فى ولايته آخر اسمه قرة بن شريك، وكان هو الآخر جشعا ظالما حتى ان البطريرك الكسندروس لما ذهب اليه ليهنئه بالولاية قبض عليه وقال لبه "الذى قبضه منك عبد الله بن عبد الملك تحتاج ان تقوم لى بمثله" يقصد لكن يدفع ثلاثة آلاف دينار. وعبثا حاول البطريرك ان يفهم الوالى ضيق ذات يده وانه لايملك شيئا بل انه مازال مديونا بخمسمائة دينار. فكان رد الوالى عليه "هذا الكلام ما ينفع". ولو انك تبيع لحمك لابد من ثلاثة آلاف دينار والا فما تخلص من يدى". وكانت النتيجة ان خرج البطريرك فى هذة المرة الى بلاد الصعيد ليتصدق من اولاده المسيحيين ليوفى هذا المبلغ..
ومما يذكر فى هذا الصدد ما ارتكبه اسامة بن زيد والى مصر قبل الخليفة الاموى سليمان بن عبد الملك... كان اسامة هذا اكثر جشعا ممن سبقوه من الولاة. ويذكر المؤرخون المسلمون والمسيحيون انه صادر الاملاك بغير حق كما اسرف فى القتل بصورة وحشية. جمع الرهبان واخبرهم بابقاء الضريبة عليهم. واجبرهم على ان يطلبوا من رجال الضرائب خاتما من حديد تنقش عليه اسماؤهم وموعد دفع الضرائب، ويضعونه فى احدى اصابعهم. واذا قبض على راهب ولم يكن يضع الخاتم فى يده، كانت تقطع يده فى الحال... ونفذ هذا الامر. اما الرهبان الذين لجأوا الى الاديرة ليختبئوا فيها، فقد قام رجال الشرطة بالبحث عنهم حتى قبضوا عليهم، وحكم عليهم بقطع رؤوسهم او جلدهم بوحشية. (ساويرس بن المقفع، تاريخ البطاركة ٣٢٤، ٣٢٥).
(ثالثا) العرب لم يكن لهم سياسة ثابتة فى حكم البلاد:
بالاضافة الى النقطة السابقة التى عالجنا فيها سياسة الخلفاء والولاة المادية تجاه مصر نقول ان هناك طابعا آخر لازم الحكم العربى اثناء الفتوحات فى مصر وفى جميع البلدان التى احتلها العرب، الا وهو افتقار الحكم الى خطة مرسومة يسير عليها. فالقرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت تصدر حسب الظروف ولمقتضيات الحال. يقول بعض المؤرخين ان السبب فى ذلك يرجع الى انه لم يكن فى نية العرب الاقامة فى تلك البلاد وادارتها، بل كانوا يهدفون الى غرض واحد هو المحافظة على سلامة مؤخرة جيوشهم حتى يقوموا بفتوحات جديدة. وهذا بالتالى دفعهم الى الرغبة فى الحصول على المال الكافى لمتابعة اعمالهم العسكرية الجديدة.
‹ص ٤٥› كانت الخطة المرسومة الا يختلط الجنود العرب بالشعوب المغلوبة. وكان رؤساؤهم يمنعونهم من ذلك. ويذكر لنا بن عبد الحكم ماقاله الخليفة عمر بن الخطاب عن جيش الاحتلال العربى لمصر "انى لااحب ان ينزل المسلمون منزلا يحول الماء بينى وبينهم فى شتاء ولا صيف". هذا ونحن لا نجد بين الوثائق التاريخية ما يدل على اى اجراء او تدبير قام به الحكام العرب من اجل زيادة ثروة البلاد الاقتصادية او اصلاح احوالها ورفع المعاناة عن الشعب... وان كان ثمة شىء قد تم، فقد كان الغرض منه خدمة مصالح المستعمر. من امثلة ذلك اعادة حفر قناة تراجان من اجل تسهيل ارسال قمح مصر الى البلاد العربية القاحلة فى اقصر مدة وأسهل الطرق. لكن مالبثت هذة القناة ان اهملت فردمتها الرمال أوائل القرن الثامن الميلادى. وردمها حكام مصر بين سنتى (٧٦١، ٧٦٢) كى يمنعوا ارسال الاقوات الى المدينة (المنورة) عند ما اصبحت مصدرا للثورات. وقد سخر الحكام السكان لتطهير القنوات واعادة بناء الطرق والجسور، مقابل اعفائهم من قسط من الضرائب تتلائم مع ما قاموا به من عمل (المقريزى، الخطط ج١ ص٧٤).
ثم بينما كان بناء الكنائس محظورا فى المدن التى انشأها العرب، سمح عبد العزيز بن مروان ببناء كنيسة فى حلوان لوجود بعض المسيحيين الملكانيين فى خدمة الوالى... ونفس السياسة اتبعها الخليفة العباسى المأمون حال اقامته فى مصر، واستخدم بعض النصارى الذين التمسوا منه تشييد كنيسة بالقرب من قبة الهواء، فأذن لهم (ابن بطريق ص٤١، ٥٨ - اقباط ومسلمون ٦٤)
ويروى تاريخ البطاركة انه لما هبط مستوى النيل سنة ٧٥٢ م، رفعت صلوات الى الله من اجل ارتفاع ماء النيل فصلى المسلمون وتبعهم اليهود دون جدوى، ولم تحدث المعجزة الا حينما بدأ النصارى فى الصلاة. فقرر نائب الوالى مكافأتهم، فخفض الجزية وامنهم على حياتهم واملاكهم فى القطر المصرى كله (تاريخ البطاركة).
وليس ادل على سياسة الحكام الارتجالية واتخاذهم قرارات متناقضة، مما حدث سنة ٧٨٥م حين امر الوالى على بن سليمان بهدم الكنائس المحدثة بمصر، لكنه لما اعطى خمسون الف دينار مقابل تر تركها قائمة عدل عن قراره. هذا بينما صرح موسى بن عيسى الذى خلفه سنة ٧٨٧ م باعادة تشييد الكنائس لاعتبارات مادية خالصة. وقد اقدم على هذا بعد ان سأل الفقهاء رأيهم فى هذة المشكلة، فأفتوا بأن الكنائس هى "من عمارة البلاد" ويجب الا يكون الوالى اكثر تطرفا ممن ‹ص ٤٦› سبقوه بدليل ان "عامة الكنائس التى بمصر لم تبن الا فى الاسلام فى زمن الصحابة والتابعين". (الكندى ١٣١، ١٣٢)... ومما هو جدير بالملاحظة ان الغوغاء فى سنة ٧٣٥ م - اى قبل ذلك ببضع سنوات - قاموا على الوليد بن رفاعة، لانه صرح للنصارى ببناء كنيسة مارمينا.
(رابعا) أمثلة من المتاعب التى حاقت بالكنيسة:
ليس من المبالغة ان قلنا ان المصادر القديمة التى سجلت لنا تاريخ تلك الفترة، ترسم لنا صورة قاتمة محزنة اليمة عن المآسى التى عانت منها كنيسة المسيح فى مصر والاقباط... وقبل ان نتكلم بشىء من التفصيل عن تلك المآسى نسجل شهادة الدكتورة سيدة اسماعيل كاشف استاذة التاريخ الاسلامى فى كتابها مصر فى عصر الولاة... تقول:
"على ان سياسة العرب نحو الاقباط بدأت تتغير عما كانت عليه فى السنين الاولى التى تلت الفتح ووجد قسم كبير من الاقباط ان من مصلحتهم الدخول فى الدين الاسلامى والتعرب هربا من المضايقات الاجتماعية والادبية، او فرارا من الضرائب المتزايدة عليهم، او رغبة فى الابقاء على مناصبهم... والمعروف ان العرب بعد فتوحاتهم العظيمة، وتفوقهم على شعوب لها حضارات عريقة، وبعد استقرار اقدامهم فى البلاد المفتوحة بدأوا يشعرون بتفوق شعبهم على سائر الشعوب، وتفوق لغتهم ودينهم على سائر اللغات والاديان. ولم تكن هذة النزعة قوية فى السنوات الاولى للفتوحات العربية، حينما كانت تغلب عليهم روح البساطة والتواضع. ولكنها سرعان مازدادت وضوحا... وليس ادل على هذة الروح الجديدة مما ذكره المقريزى عن معاوية بن ابى سفيان فقد اثر عنه انه قال: وجدت اهل مصر ثلاثة اصناف. فثلث ناس، وثلث يشبه الناس، وثلث لا ناس. فأما الثلث الذين هم الناس فالعرب. والثلث الذين يشبهون الناس فالموالى. والثلث الذين لاناس المسالمة يعنى القبط. وقد وقع الاقباط تحت طائل الاقبا المضايقات والشدة لكن هذة المضايقات لم تكن دائمة، وانما حدثت فى فترات متقطعة... ومن المضايقات التى تعرض لها الاقباط فى مصر انه كان هناك امور يجب على اهل الذمة اتباعها من حيث بناء الكنائس، ومن حيث لباسهم وزيهم والدواب التى يركبونها، وغير ذلك مما يميز بينهم وبين المسلمين فى مظهرهم من الناحية الاجتماعية والادبية. ويذكر المؤرخون أن الخليفة عمر بن الخطاب امر بألا يتشبه ‹ص ٤٧› أهل الذمة فى الدولة الاسلامية بالمسلمين فى مظهرهم وفى لباسهم، والا يبقى من الكنائس الا ما كان قبل الاسلام. كما امر الخليفة بهدم كل كنيسة استجدت بعد الهجرة. وكذلك منع الخليفة من تجديد اى كنيسة... وفى سنة ٢٣٥ هـ ايام الخليفة المتوكل على الله العباسى، امر المتوكل بأخذ اهل الذمة بلبس الطيالسة (شال او طرحة) العسلية، والزنانير (الحزام الذى يشد على الوسط)، وركوب السروج بركب الخشب. وتكون السروج كهيئة الاكف (بردعة الحمار)، وعلى رؤوسهم القلانس المختلفة الالوان. وان تخيط الرقاع على ظهورهم وصدورهم. كل رقعة قدر اربع اصابع ولونها عسلى. وأزر نسائهم عسلية، وملبس مماليكهم مثلهم. ويمنعون من لبس المناطق. وهدم بيعهم المحدثة. وأخذ العشر من منازلهم. فان كان الموضع واسعا صير مسجدا، وان كان لايصلح ان يكون مسجدا صير فضاء. وامر ان تجعل على باب دورهم اساطين (عدان) وقيل شياطين من خشب مسمورة تفريقا بين منازلهم ومنازل المسلمين. ونهى ان يستعان بهم فى الدواوين واعمال السلطان التى تخالف احكامهم فيها احكام المسلمين. ونهى ان يتعلم اولادهم فى كتاتيب المسلمين، وان يعلمهم مسلم. ونهى ان يظهروا فى اعيادهم وشعانينهم صلبانا. وامر بأن تسوى قبورهم بالارض لئلا تشبه قبور المسلمين. وكتب الكتب الى عماله فى الآفاق بذلك. ثم امر اهل الذمة فى سنة ٢٣٩ هـ بلبس دراعتين (الدراعة قميص مفتوح من الامام الى موضع القلب) عسليتين على الدرايع والاقبية (القباء ثوب يلبس فوق الثياب). وبالاقتصار فى مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين (الخيول التركية)... والواقع ان العصبية الدينية تغلبت على العرب بعد الفتح، وتغلب عليهم الشعور بعزتهم وتفوقهم على غيرهم من الشعوب، بعد ان انشأوا امبراطوريتهم الاسلامية بحد السيف. فرأوا ان يتميزوا عن غيرهم فى اللباس والزى والركوب وغير ذلك مما يشعر فى الوسط الاجتماعى بأنهم هم السادة وغيرهم دونهم. ولذا نراهم يعاملون اهل الذمة معاملة الطبقات الدنيا، مهما كانت ثروتهم ومراكزهم فى الدولة، مما حمل الكثيرين على الدخول فى الدين الاسلامى رغبة فى التخلص من تلك المضايقات. كما ان العرب وقد اصبحت البلاد التى فتحوها ملكا للمسلمين رأوا ان ليس عليهم ان يبنوا كنائس فيها، ويكفيهم ان يبقوا على ماوجدوه منها، وقد حاول الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) احلال المسلمين محل المسيحيين حتى فى الوظائف الصغيرة... وما لبث ان ارسل كتابا يأمر فيه الاقباط بالتخلى عن اعمالهم فى الدولة ما داموا ‹ص ٤٨› على دينهم. اما من يريد منهم الاحتفاظ بعمله فليكن على دين محمد. كذلك استبعد عمر بن عبد العزيز رؤساء الكور الاقباط واحل محلهم المسلمين. وربما ادى قرار عمر بن عبد العزيز الى اسلام كثيرين اذ ذاك كى لا يتركوا مناصبهم... ومن المضايقات التى وقع الاقباط تحت طائلها ان الخليفة يزيد بن عبد الملك (١٠١ - ١٠٥ هـ) امر فى سنة ١٠٤ هـ بكسر الصلبان فى كل مكان ومحو الصور والتماثيل التى فى الكنائس. ولذا نرى ساويرس بن المقفع يصفه بأنه سلك طريق الشيطان وحاد عن طريق الله. وقد شمل هذا القرار اللايقونى او حركة كسر الصور فى جميع بلاد الدولة الاسلامية. وكان من نتائج هذة الحركة فى مصر ان كسرت التماثيل والصلبان ومحيت الصور ولم تنج فى هذة الحركة بعض الآثار الفرعونية من الهدم والتخريب... وقد اصاب اقباط مصر كثير من الاذى اثناء الفتن التى قامت من اجل النزاع حول الخلافة. فعند ما هرب الخليفة مروان بن محمد الى مصر، عاث جنده فى البلاد فسادا، فقتلوا جماعة من رجال الاقباط ونهبوا اموالهم وسبوا نساءهم، كما احرقوا ديارات عدة وهدموا كثيرا من الكنائس، واعتدوا على كثير من الراهبات. وفى ايام الفتنة بين الامين والمأمون اعتدى على الاقباط فى الاسكندرية، واحرقت مواضع عديدة لهم كما احرقت ديارات وادى النطرون، ونهبت فلم يبق بها من رهبانها الا نفر قليل. ولا شك ان المضايقات التى نالت الاقباط فى مصر احيانا، والتعصب لكل ماهو عربى ومسلم، وتعريب الدواوين لاشك ان هذا حمل كثيرين من المسيحيين فى عصر الولاة على اعتناق الدين الاسلامى وعلى تعلم اللغة العربية". (د. سيدة اسماعيل كاشف: مصر فى عصر الولاة ص١١٤ - ١٢٢).
والآن نستعرض بعض صور وامثلة لما حل بأقباط مصر من اضطهاد ومعاناة:
(١) ما يختص بالشعائر الدينية:
+ عبد العزيز بن مروان والى مصر (٦٨٥ - ٧٠٥) الذى يوصف بأنه اكثر من حكموا مصر عدلا، امر بكسر جميع الصلبان التى فى كورة مصر حتى صلبان الذهب والفضة... ثم كتب عدة رقاع وجعلها على ابواب الكنائس بمصر والريف يقول فيها "محمد الرسول الكبير الذى لله وعيسى ايضا رسول الله وان الله لم يلد ولم يولد". (تاريخ البطاركة ص٢٧٩). وكان ذلك فى بطريركية البابا اسحق البطريرك ٤١ (٦٨٦ - ٦٨٩). وذهب عبد العزيز بن مروان الى اكثر من هذا اذ مالبث ان ابطل اقامة القداسات. وحدث هذا فى بطريركية البابا سيمون الاول البابا الثانى والاربعين (٦٨٩ - ٧٠١).
‹ص ٤٩› + ويذكر المقريزى عن عبد العزيز بن مروان هذا انه اشتد فى معاملة النصارى وقد ذهب ولده الاصبغ الى دير حلوان فرأى صورة السيدة العذراء وهى تحمل طفلها المسيح فبصق عليها وقال "ان وجدت زمانا فانا امحو النصارى من هذة الكورة. ومن هو المسيح حتى تعبدوه الها"... لكن الله اظهر قوته بعد ان رأى حلما مزعجا فى نفس تلك الليلة وفى اليوم التالى روى لابيه الحلم مرض بالحمى ومالبث ان مات فى الليلة التالية. وبعد اربعين يوما لحقه ابوه ومات. (تاريخ البطاركة ص٣٠٧، ٣٠٨). وكان ذلك فى بطريركية البابا الكسندروس الثانى.
وفى مدة بطريركية البابا خائيل الاول ٤٦ (٧٤٤ - ٧٦٨) هم القاسم ابن عبد الله الحجاب متولى الخراج - وكان شريرا محبا للنساء بالدخول الى البيعة بدير الانبا شنودة بالصعيد، وهو راكب فرس، ومعه سرية مفضلة لديه كانت تركب على فرس آخر... حاول رئيس الدير منعه، لكنه فى غطرسة ابى، ودخل البيعة، فنفرت الفرس التى تركبها السرية، فوقعت على الارض ميتة، ونفقت الفرس ايضا... اما القاسم فصرعه روح نجس لبث ملازما له يعذبه حتى مات.
(٢) مظالم ضد الاكليروس والاقباط العلمانيين:
تعاقب على مصر ولاة وعمال خراج من قبل الخلفاء... وقد اشرنا سابقا الى كثرة عددهم لغاية فى نفوس الخلفاء الذين ولوهم. فكان هم هؤلاء الولاة والعمال هو الاثراء بأسرع وسيلة، لانهم كانوا على يقين من انهم لن يستمروا طويلا فى مناصبهم... وفى سبيل الحصول على المال لم يألو هؤلاء جهدا فى اضطهاد قبط مصر وتعذيبهم وسلب اموالهم وهتك اعراضهم وتقطيع اعضائهم بل وقتلهم، ومحاولة النيل منهم واذلالهم بكل الطرق، ووسائل يقف المرء ازاءها مذهولا لبشاعتها... وللامانة التاريخية نقول لكن مظالم بعض هؤلاء الولاة وعمال الخراج عمت الشعب كله اقباط ومسلمين، لكن الاقباط حظوا بالنصيب الاوفر من المظالم... لقد احتمل الاقباط المظالم لكونهم مسيحيين اولا، ثم احتملوا المظالم لكون الولاة وعمال الخراج جشعين.. ونعرض الآن لبعض النماذج:
+ البابا يوحنا السمنودى ٤٠ (٦٧٢ - ٦٨٦):
نالته شدائد من عبد العزيز بن مروان والى مصر (٦٨٥ - ٧٠٥) والسبب فى ذلك وشاية من حاسد... فعبد العزيز فى أول سنة تولى فيها مصر ذهب الى الاسكندرية ليأخذ خراجها ‹ص ٥٠› ولكن البطريرك لم يخرج للقائه معتذرا بضعفه، الامر الذى وشى به الى عبد العزيز على انه تعالى من البطريرك... غضب عبد العزيز وامر بالقبض عليه حتى يدفع مائة الف دينار. وان يوقفوه على جمر نار... وكاد الامر يتم لولا ان زوجة عبد العزيز رأت حلما واخبرت به زوجها بألا يفعل سوء بالبطريرك... ومع ذلك فقد هدد عبد العزيز الوالى الاب البطريرك بأنه سيلبسه ثياب يهودى ويلطخ وجهه برماد وسيأمر بأن يطوفوا به المدينة بهذة الصورة... لكن البابا لم يرهب... واخذ الوالى يقلل المبلغ حتى وصل الى عشرة الاف دينار. فلما سمع الكتاب والمسيحيون طلبوا الى البطريرك ان يقبل دفع هذا المبلغ وهم سيتولون جمعه خشية ان يجرى على البيعة اضطهاد وفعلا انتهى الامر بذلك (تاريخ البطاركة ٢٦٧).
+ فى بطريركية البابا الكسندروس الثانى ٤٣ (٧٠٥ - ٧٣٠):
فى آخر حياة عبد العزيز بن مروان التى امتدت لنحو عشرين عاما، اعطى ابنه الاكبر ويدعى الاصبغ نفوذا وسلطانا على كل اقليم مصر. وكان الاصبغ يبغض النصارى، محبا لسفك الدماء. استخدم مواهبه لمضايقة المسيحيين... وقد ساعده على تحقيق مآربه شخص يدعى بنيامين... قيل انه كان قبلا شماسا فى الكنيسة، ثم ارتد عن الايمان واعتنق الاسلام. التصق به وصار صديقه الحميم وبدأ يكشف له عن خطط يضايق بها الاقباط ويقلل عددهم... انفذ الاصبغ اثنين من خاصته الى اديرة وادى النطرون وقاما بخصى جميع الرهبان هناك!؟ وفرض جزية على كل راهب مقدارها دينار. كما امر الاديرة الا ترهب احدا... وكان الاصبغ هو اول من فرض جزية على الر الرهبان... وفرض على الاساقفة ان يؤدوا عن ايبارشياتهم الفى دينار غير ماكانوا يدفعونه... وقد ضغط الاصبغ ضغوطا رهيبة على الاقباط، فكان من نتيجتها ان اضطر البعض الى اعتناق الاسلام، ومن بينهم بطرس والى الصعيد واخيه تاودور وابن مقدم مريوط وعدد كبير من الكهنة والعلمانيين.. لكن السيد المسيح لم يمهله ليتمادى فى طغيانه. ففى يوم سبت الفرح دخل الى دير حلوان، فرأى صورة العذراء مريم تحمل ابنها. فلما نظر اليها سأل الاساقفة عن الصورة، فلما قالوا له انها للعذراء مريم ام المسيح، تكلم بافتراء عليها، وبصق على الصورة، وقال "ان وجدت زمنا فانا امحق النصارى من مصر. ومن هو المسيح حتى تعبدوه الها"... فى نفس تلك الليلة ازعجه الله بحلم رأى فيه السيد المسيح جالسا على عرش عظيم، ووجهه يضىء اكثر من الشمس. ‹ص ٥١› ورأى نفسه ووالده خلف المسيح مربوطين بسلاسل... فلما سأل عن الجالس على العرش قيل له انه يسوع المسيح ملك النصارى الذى هزأ به.. وبالفعل اصيب بحمى لم تمهله، ومات فى الليلة التالية. اما والده عبد العزيز فمات بعد اربعين يوما حزنا وكمدا عليه.
+ خلف عبد العزيز بن مروان فى ولاية مصر عبد الله بن عبد الملك (٧٠٥ - ٧٠٩):
وهو ابن الخليفة الاموى عبد الملك بن مروان. وبلغ هذا الوالى من القساوة والغلظة حدا كبيرا حتى ان ساويرس بن المقفع يقول عنه "كان كالوحش الضارى، حتى انه فى اكثر اوقاته اذا جلس على المائدة يقتلون الناس قدامه. وربما طار دمهم فى الصحن الذى يأكل منه فيفرح بذلك".. توجه اليه البابا الكسندروس ليهنئه بالولاية كالعادة. وحالما عرف ان هذا هو بطرك النصارى حتى سلمه لواحد من حجابه وقال له "افعل ماتريد من الهوان الى ان يقوم بدفع ثلاثة آلاف دينار" وظل محفوظا فى الحبس ثلاثة أيام. وعبثا حاول الاقباط تخفيض المبلغ. واخيرا سمح بالافراج عن البطريرك بضمانة شماس يدعى جرجه (جرجس) فى مدة شهرين... ثم اخذ يطوف معه بلاد الوجه البحرى مدنه وقراه حتى تمكن من سداد المبلغ. (البطاركة ٣٠٨، ٣٠٩). وقيل عن هذا الوالى انه كان يجمع رجال الدين المسيحى من اساقفة ورهبان واراخنة ويهزأ بهم ويقول لهم بتجبر "انتم عندى مثل الروم ومن قتل منكم واحدا غفر الله له لانكم اعداء الله". ومن المظالم التى اقترفها هذا الوالى وجشعه فى محبة المال ان امر بعدم دفن ميت قبطى حتى يقوم اهله بدفع الجزية الواجبة عليه. وفى سبيل تحقيق ذلك عين انسانا مختصا بهذا الامر.
+ ولى مصر بعد عبد الله بن عبد الملك، وال آخر يدعى قرة بن شريك (٧٠٩ - ٧١٤):
.. وتكرر مع البابا الكسندروس ما حدث له من الوالى السابق... فما ان قصده البابا للتهنئة بالولاية حتى قبض عليه وقال له "الذى قبضه منك عبد الله بن عبد الملك تحتاج ان تقوم لى بمثله". وكان يقصد الثلاثة آلاف دينار... وعبثا حاول البطريرك ان يفهمه ان الدين المسيحى يأمره بألا تكون له قنية وانه يحيا بالكفاف، وان ما فعله به عبد الله بن عبد الملك كان ظلما نتيجة سعاية ظالمة وانه لم يجد معه شيئا، وانه مازال مدينا بخمسمائة دينار من ذلك المبلغ ودار حوار عجيب بين الوالى والاب البطريرك، انتهى فيه الوالى الى قوله للبطريرك "هذا كلام ما ينفع. ولو انك تبيع لحمك لابد من ثلاثة آلاف دينار والا فما تخلص من يدى"... ولما ‹ص ٥٢› ايقن البطريرك انه لاجدوى من الكلام سأله ان يقصد الصعيد "ومهما فتح الله من صدقات الناس ارسله اليه". (البطاركة ٣١٢، ٣١٣).
+ وبلغ جشع الوالى قرة بن شريك حدا مذهلا، حتى انه كان يستولى على تركة كل من يموت من الاراخنة والاقباط والاساقفة، حتى ان ساويرس يقول عنه "وكان الناس يهربون ونساؤهم واولادهم من مكان الى مكان، ولا يأويهم موضع من اجل البلايا، ومطالبات الخراج، وعظم ظلمه اكثر ممن تقدمه". (البطاركة ٣١٨).
+ واسامة بن زيد الذى حكم مصر بعد قرة بن شريك، وكان قبل ذلك فى ولاية الخراج، امر الرهبان "الا يرهبوا من يأتى اليهم، ثم خصى الرهبان ووسمهم كل واحد منهم بحلقة من حديد فى يده اليسرى ليعرف. ووسم كل واحد باسم بيعته وديره بغير صليب بتاريخ مملكة الاسلام". وامر بعقاب من يهرب من هذا الاجراء بقطع احد اعضائه فشوه عددا كبيرا، وحلق لحى كثيرين وقتل جماعة وقلع اعين جماعة بغير رحمة. بل ان البعض كان يموت تحت جلد السياط... وبلغ من جبروته وجشعه فى محبة المال ان امر الولاة ان يقتلوا الناس ويحضروا اليه مالهم. ويقول ساويرس عنه انه كاتب الولاة وقال لهم "سلمت لكم انفس الناس فتحملوا ما تقدرون عليه من اساقفة ورهبان او بيع او كل الناس. فاحملوا القماش والمال والبهائم وكل ما تجدونه لهم ولا تراعوا احدا واى موضع نزلتموه فانهبوه". وفى مرارة يذكر ساويرس عنه، انه "من الضيق والضنك هم الناس ببيع أولادهم" (تاريخ البطاركة ٣٢٢، ٣٢٣).
+ وعبيد الله بن الحبحاب الذى ولى الخراج على مصر فى عهد الخليفة الاموى هشام بن عبد الملك ارتكب صنوفا من المظالم لاتحصى. فجعل علامة الاسد على ايدى النصارى. وكل من يضبط فى اى موضع وليس على يده الرسم تقطع يده... ومن ضمن الذين حاولوا وضع الرسم على يده البابا الكسندروس الثانى، الذى رفض. ومن شدة ضيقة نفسه طلب الى الله ان ينقله اليه. وقد استجاب الله ذلك واخذ روحه. (تاريخ البطاركة ٣٣٢، ٣٣٣).
+ ومن قبض عليهم عبيد الله هذا وعذبهم الانبا جمول اسقف اوسيم، الذى اتهمه الوالى انه قام بتهريب البابا الكسندروس فافلت من قبضة يده... ففرض على هذا الاسقف غرامة قدرها ‹ص ٥٣› الف دينار... وكان الاسقف فقيرا يعجز عن قوت يومه. فلما عرف انه لايقدر على دفع ولادينار واحد، سلمه الى المعذبين. وهؤلاء جاءوا به الى باب بيعة الشهيد مارجرجس بمصر القديمة، وهم يسحبونه. ثم نزعوا عنه ثيابه، والبسوه مسح شعر، وعلقوه بذراعيه وهو عريان، والشعب ينظره وهم يضربونه بسياط من جلود البقر حتى سال دمه. وقد ظلوا يعذبونه لمدة اسبوع بهذة الكيفية. فجمع له المسيحيون ٣٠٠ دينار. ولم يفرج عنه الا بعد توسلات الكثيرين من الاقباد لعبيد الله. (تاريخ البطاركة ٣٣٢، ٣٣٣).
+ وذكر عن احد جامعى الخراج ويدعى ابا [؟] جراح. هذا كان له اخوان، اخذهما ودخل دير عامر بالرهبان قرب تانيس على اسم السيدة العذراء. فطرد الرهبان ونهب الدير. وبصق اخوه الاصغر على صليب كان بقلاية امين الدير الايغومانس ابيماخس، مستهزئا به. فخرج الايغومانس من الدير وقال ان لم ينتقم الرب من هذة الاهانة لا اعود الى الدير... وكانت نقمة الرب سريعة اذ شعر هذا المعتدى بحاجة لازالة ضرورة، وهناك فى دورة المياة انسكبت احشاؤه على نحو ما حدث لآريوس المجدف ومات. فصار خوف عظيم عند المسلمين فى ذلك المكان. (البطاركة ٣٥٦، ٣٥٧).
+ وحفص بن الوليد الحضرمى الذى ولى مصر (٧٤٢ - ٧٤٥) اصدر امره بأن يصلى كل من بمصر واعمالها بصلاة السنة.. وكل من يتخلى عن دينه ويكون مسلما لاتؤخذ منه جزية. وبسبب هذا الاجراء "اضل الشيطان خلائق كثيرين فتخلوا عن دينهم"... ولشدة الضيق خرج الاساقفة من كراسيهم الى الاديرة ليتضرعوا الى الله" وقيل ان من اعتنق الاسلام بسبب ذلك بلغ عددهم اربعة وعشرين الفا". (البطاركة ٣٧١).
+ وقد تنبأ الانبا مويسيس اسقف اوسيم بأن الله سينتقم من حفص فيحرق جسده بالنار وسط الفسطاط... وقد تم ذلك حينما ارسل الخليفة مروان الثانى حوثرة بن سهيل سنة ٧٤٥ بجيش الى مصر قوامه خمسة الاف مقاتل ليصبح واليا على مصر واعمالها. فاحرق حفصا بالنار واخذ جميع امواله.
+ وفى خلافة مروان بن محمد وولاية عبد الملك بن موسى على مصر ساد الاضطراب. واستدعى الوالى البابا خائيل ليدفع خراج البيع التابعة له. وطولب الاب البطريرك بما يفوق طاقته فعجز ‹ص ٥٤› عن الوفاء بما يطالب به... فأمر الوالى ان يعتقل البطريرك وتوضع فى رجله خشبة عظيمة وفى رقبته طوق حديد ثقيل... واعتقل مع الاب البطريرك الاباء الاساقفة انبا مويسيس اسقف اوسيم وانبا تادرس اسقف مصر، وانبا ايلياس بولس الابن الروحى للانبا مويسيس، وجعلوهم فى خزانة مظلمة... وظل البابا خائيل مكبلا بالحديد حوالى الشهر من ١١ توت الى ١٢ بابه، لم ير ضوء الشمس خلالها، وبالاضافة الى هؤلاء الاباء، كان فى المعتقل ثلثمائة رجل وامرأة.... واخيرا أفرج الوالى عن البطريرك تحت شرط ذهابه الى بلاد الصعيد ليأتى بما يستطيع جمعه من اولاده المسيحيين ويقدمه للوالى... وبالفعل اخذ الوالى ماتصدق به المسيحيون. ولم يطلق سراح البطريرك الا بعد ان زحف قرياقس ملك النوبة المسيحى على القطر المصرى، وكانت كنيسة النوبة تتبع الكنيسة القبطية كنسيا (البطاركة ٣٨٥ - ٣٩٣، رفيلة ٧٥).
وبلغ من تجبر عبد الملك بن موسى والى مصر حدا كبيرا حتى ان الانبا ساويرس كاتب تاريخ البطاركة "ولم تجد ديار مصر طمأنينة ولا راحة فى ايام مملكة عبد الملك لانه لم يكن من جنس ملوك الاسماعيليين (العرب) الذين ملكوا عليهم مثله. وصنع مع الديارات مالا يجوز لبغضه للنصارى وكما كان يشاء ان يعمل كذلك فعل. والسيد المسيح الذى بيده قلوب الملوك، رد قلبه لمحبة ابا خائيل البطريرك، وكان يدعوه الى قصره ويطلب منه ان يدعو له. وكانت ابنته قد سكن فيها روح نجس، وكان عمرها اربع سنين. فسأل الاب البطريرك ان يصلى عليها فأخذ زيتا وصلى عليها ودهنها به، فخرج الشيطان منها للوقت. فصار يحب النصارى لاجل محبته للاب البطريرك وكان ايضا يحب الاساقفة ويكرمهم" (البطاركة ٤٠٢).
+ وقد بلغت الضيقات التى حلت بالاقباط حد الذروة بعد تواجد مروان بن محمد على حينما وصلها هربا من العباسيين... وصل مروان مصر سنة ٧٥٠ م = ٤٦٧ ش... وقد اعلن الاعلان الآتى "كل من لايدخل فى دينى ويصلى صلاتى ويتبع رأيى من اهل مصر قتلته وصلبته. ومن دخل معى فى دينى خلعت عليه" (البطاركة ٤١٢، ٤١٣).
+ وكان البشموريون قد قاموا بثورتهم ضد الاحتلال العربى... وحدث ان قبض حوثرة بن سهيل مقدم جيش مروان بالاسكندرية على البابا خائيل وقال له "كيف مكنت اولاد النصارى (يعنى البشموريين) ان يقاتلونا"... وطلب منه مبلغا من المال، ولما لم يستطع ان يحقق طلبه، طرحه فى ‹ص ٥٥› السجن وجعل رجليه مربوطتين بالحديد... وضيق عليها كثيرا لمدة تسعة ايام، احضره بعدها امامه وجذبه على وجهه وطرحه على ركبتيه، وضربه مائتى دفعة بقضيب على رأسه، لكن المسيح حفظه ثم امر بضرب عنقه. وكانوا يجذبونه مثل الخروف الساكت... وانزل قلنسوته على وجهه حتى تؤخذ رأسه. ثم انه مد رقبته بفرح. مد السياف يده وجرد السيف" وكلنت العادة ان يصيح السياف ثلاث دفعات "هل آخذ رأسه"... واستأذن السياف مرتين، وفى المرة الثالثة عدل، لانه تذكر كيف ان البابا خائيل كان قد كتب الى البشموريين لتهدئتهم، وعلى امل ان يستخدمه مستقبلا لنفس هذا الغرض... فأمر حوثرة بالافراج عنه (البطاركة ٤١٤ - ٤١٦).
+ لكن جيش مروان اخذ يعيث فى بلاد الصعيد فسادا ومن ذلك انهم "قتلوا جماعة من الاراخنة ونهبوا اموالهم وسبوا نساءهم واهاليهم واولادهم، واحرقوا ديارات الرهبان واخذوا الراهبات. ومما يحفظه التاريخ قصة دير للراهبات قرب اخميم كان فيه ثلاثون عذراء، اخذوهن جنود مروان. وبعد ان نهبوا الدير ارادوا اغتصاب عذراء صغيرة، تدعى فبرونيا، فتنوا بجمالها. واذ وجدت العذراء نفسها ضائعة لامحالة، خرجت للجند بحيلة للخلاص من الدنس... فطلبت اليهم ان يتركوها لعبادتها مقابل جميل تسديه اليهم تعلمته من اسلافها. وكان هذا الجميل زيتا تقتنيه اذا دهن به اى جزء من اجزاء الجسم، لاتعمل فيه السيوف. ولكى تبرهن على صدق كلامها، دهنت عنقها بالزيت، وطلبت ان يهوى اقواهم بسيفه على عنقها... وما ان فعل ذلك، حتى انفصل رأس العذراء الطاهرة عن جسدها. اما الجند فاعتراهم خوف شديد، واسرعوا بمغادرة الدير، بعد ان تركوا كل ما كانوا قد نهبوه... (البطاركة ٤١٧، ٤١٨).
+ ويصف كتاب تاريخ البطاركة الضيق الذى حل بالناس فى نهاية الدولة الاموية، فيقول انه كان ضيق شديد حيث ان مروان اشعل النار فى الفسطاط. واسرع الناس يعبرون النيل الى الجيزة، وسقط فى النهر عدد كبير من الناس والبهائم ما لايحصى عدده لعدم وجود الوسائل لعبور النيل. ويقول ساويرس بن المقفع وهو يصف هذا الضيق "وكان الاخ يهرب من اخيه والصديق من صديقه والاعمى لا يجد من يقوده والمقعد والمفلوج والضعيف والشيخ الفانى والعجوز التى لانهضة لها. جميع هؤلاء احترقوا بالنار. وكان الناس مطروحين فى الشوارع والازقة والحقول فى اعمال الجيزة كالاموات مما حل بهم تحت شقاء عظيم وجوع وعطش ولا يجدون ما يقتاتون به من كثرة الخلق. وكانت ‹ص ٥٦› الغلات التى بمصر قد احرقها مروان" (البطاركة ٤٢٢).
+ خلف الامويين فى حكم مصر العباسيون سنة ٧٥٠ م. وان كان العباسيون قد اظهروا نوايا طيبة نحو اقباط مصر فى بداية عهدهم، لكن المشكلة الكبرى كانت فى الولاة الذين يعينون على مصر... كان هؤلاء الولاة فى ظلمهم وحقدهم امتدادا للولاة الامويين. وكانت الدوافع التى دفعت ولاة الامويين الى ابتزاز الشعب، هى عينها دوافع الولاة الذين ولوا مصر من قبل العباسيين، خاصة وان مركز الخلافة صار فى بغداد وهى ابعد من دمشق. وربما استعصى الامر على المظلومين من أن يقرعوا باب الخليفة.
+ ويذكر تاريخ البطاركة فى سيرة البطريرك يوساب الاول (٨٣٠ - ٨٤٩) ان امرا وصل من بغداد صحبه رجل نسطورى اسمه العازر يقضى بنزع الاعمدة الرخامية والاضيات الرخامية من الكنائس لاستخدامها فى تزيين قصور الخليفة والامراء فى بغداد. وذلك لما عرف عن مصر من الشىء الحضارى. كان معنى نزع اعمدة الكنائس وحملها ان تهدم هذة الكنائس.. وما ان وصل العازر النسطورى حتى انضم اليه الخلقيدونيون المقيمون بالاسكندرية واخذوا يرشدونه الى الكنائس الفخمة بالاسكندرية، الى ان انتهى به المطاف الى بيعة الشهيد مارمينا بمريوط التى اهتم الاباطرة البيزنطيون بتزيينها، وكان بها من الرخام الشىء الكثير جدا. فلما رأى ذلك النسطورى مابها من الرخام الملون تعجب وبهت وقال هذا مايحتاجه الخليفة". فلما سمع البابا يوساب بذلك، قال لذلك النسطورى "هوذا كل البيع التى بحكمى بين يديك فافعل بها [؟] ما امرك به الملك وهذة البيعة فقط احب منك الا تعترضها. ومهما التمسته منى سلمته اليك". لكن العازر لم يقبل شماتة منه. واخرج من البيعة المذكورة الرخام الملون والبلاط الذى يحوى الوانا بديعة ولا مثيل له ولا يقدر بثمن على حسب تعبير تاريخ البطاركة. بعدها قام البطريرك باعادة عمارتها... لكن الله اظهر قوته، فضرب العازر ضربة فى جسده فمرض بمرض الاستسقاء (تاريخ البطاركة ٦٢٦ - ٦٢٨).
(خامسا) ثورات الاقباط:
ادرك الاقباط انهم بالغوا فى تفاؤلهم لان الحكومة العربية مهما كانت متسامحة، لا تستطيع ان تكف عن جباية الضرائب. وزادت خيبة املهم عند ما ادركوا ان العرب كمستعمرين جدد كانوا ‹ص ٥٧› يريدون ان ينعموا بثمرة انتصارهم. لذلك لم يلبثوا ان وضعوا نصب اعينهم هدفا واحدا هو التخلص من حكامهم الجدد والتحرر من ربقتهم. هكذا لم يقف اقباط مصر مكتوفى الايدى ازاء مظالم الخلفاء والولاة، لكنهم عبروا عن تمردهم بعدة ثورات قاموا بها فى انحاء مختلفة من البلاد خاصة الوجه البحرى. وظلت تلك الثورات تندلع من آن لآخر نحو قرن من الزمان. ولعل اهم هذة الانتفاضات الشعبية كانت سبعة نعرض لها فيما يلى:
(١) فى حكم هشام بن عبد الملك الخليفة الاموى، وولاية الحر بن يوسف على مصر (٧٢٤ - ٧٢٧م) ونتيجة المظالم الفادحة التى حلت بالاقباط، جأر الاقباط بالشكوى دون جدوى. وكانت النتيجة ان قام اهل الحوف الشرقى (المنطقة الواقعة شرقى فرع دمياط والصحراء)، واعتصبوا وتوقفوا عن دفع الاموال. فأرسل الوالى جندا حاربوهم. ولما وجد ان كفة الثوار راجحة، خرج اليهم بنفسه ورابط فى دمياط لمدة ثلاثة اشهر. وكانت النتيجة ان قتل من الفريقين عدد كبير. وحلت الهزيمة اخيرا بالاقباط لعدم تدربهم على القتال. غير انهم لم يهربوا بل ثبتوا امام اعدائهم حتى ذبحوا عن آخرهم. وكانت النتيجة ان عزل الخليفة الحر بن يوسف ونقل الى امارة اسبانيا.
(٢) وفى الولاية الثانية لحنظلة بن صفوان (٧٣٧ - ٧٤٢ م) - وكان عاتيا غشوما - اثقل على الشعب، ولم يكتف بالضرائب المفروضة على الاطيان وعوائد الاملاك والجزية، بل استحدث ضرائب جديدة على الحيوانات. واساء معاملة الجميع لاسيما الاقباط، حتى ان اقل جزاء عنده كان قطع يد من لايجده حاملا ايصالا مختوما بختم عليه صورة اسد. هاج اهل الصعيد وقاموا على عمال الخراج واخرجوهم من بلادهم. وحدثت بينهم وبين جند الوالى واقعة عظيمة قتل فيها عدد كبير من القبط، وخربوا عدة اديرة... وكتنت النتيجة ان تقدم الشعب بشكواه الى الخليفة فعزل حنظلة وولى مكانه آخر ويدعى حفص بن الوليد.
(٣) وحدث فى ولاية عبد الملك بن موسى والى مصر من قبل مروان بن محمد آخر خلفاء الدولة الاموية، ان حل بالاقباط ظلم كثير، حتى انه الزم الاقباط بدفع مبالغ طائلة. والزم البطريرك البابا خائيل ٤٦ (٧٤٤ - ٧٦٨) والاساقفة بدفع غرامة لم يكن فى طاقتهم اداؤها. فطلب اليه البطريرك ان يمهله حتى يطوف بالبلاد يجمع المال من رعيته، فصرح له بذلك. فاتجه البطريرك اولا الى الوجه القبلى فوجد الاقباط فى ضنك شديد بسبب الغرامات الفادحة التى فرضها هذا الوالى ‹ص ٥٨› وتشديد رجاله فى تحصيلها. لم يدر البطريرك ماذا يفعل، وصار ينتقل من بلد الى بلد ومن قرية الى اخرى حتى بلغ اقصى الصعيد...
وقيل ان قرياقس ملك النوبة المسيحى - الذى كانت بلاده تابعة دينيا للكنيسة القبطية - لما علم بما حل بالبطريرك من اهانات واضطهاد، جمع جيشا وسار به الى مصر، حتى صار على مقربة من الفسطاط... فانزعج عبد الملك بن موسى لقلة جنوده، وما كانت عليه البلاد من الضعف بسبب ظهور العباسيين وحربهم ضد الامويين، وانشغال مروان بن محمد فى هذة الحروب. استدعى الوالى البطريرك، وابرأ ذمته من المبلغ الذى فرضه عليه، وطلب اليه ان يتوسط فى الصلح بينه وبين ملك النوبة.. فأجابه البابا خائيل الى طلبه، ومازال بالملك حتى انسحب وعاد الى بلاده.
(٤) وحدث اثناء الصراع بين العباسيين والامويين ان مروان بن محمد آخر خلفاء الامويين وفد الى مصر هاربا من وجه ابى العباس، الذى استطاع ان ينتزع كل الولايات التابعة للامويين. وكان قصد مروان - كما ظن - ان يستبقى مصر فى يده... لكنه لما وصل اليها وجدها فى هياج واضطراب شديدين بسبب ظلم الولاة وعمال الخراج...
وكان البشموريون - وهم سكان الارض الرملية بأقصى شمال الدلتا ما بين فرعى دمياط ورشيد - قد ثاروا على عمال الخراج وقتلوهم. وكان يقود البشموريين فى ثورتهم قبطى يدعى مينا بن بقيرة... جرد الوالى عليهم جنده، لكن الثوار انتصروا عليهم مرتين. كان هذا سببا فى ان مروان حمل عليهم بجنوده، فقاوموهم وقاتلوهم. لكن البشموريين لعلمهم انهم لايستطيعون الثبات طويلا امام مروان، تركوا ميدان القتال وتحصنوا فى بلادهم الكثيرة المياة. ولهذا السبب لم يستطع مروان ان يتعقبهم... استدعى مروان البطريرك القبطى الانبا خائيل ٤٦، وطلب اليه ان ينصح البشموريين بالخضوع. فكتب اليهم البطريرك رسالة يحثهم فيها على الخضوع والطاعة لكنهم لم يذعنوا، واصروا على المقاومة. فظن مروان ان البطريرك يحرضهم سرا على العصيان، فاستعمل معه العنف والشدة، وقبض عليه، وعلى كثير من الاساقفة والقسوس وزج بهم فى السجون، وهددهم بالقتل اذا استمر البشموريين على المقاومة. فكتب البطريرك والاساقفة رسالة اخرى الى البشموريين، ابانوا لهم فيها النتائج السيئة التى تعود على الاقباط عموما من جراء شق عصا الطاعة ونصحوهم بالتسليم والاذعان... وقبل ان تظهر نتيجة هذة الرسالة الثانية وصلت جيوش ابى العباس ‹ص ٥٩› واضطر مروان الى ترك الوجه البحرى والفرار الى الصعيد. واخذ جنوده ينهبون اموال القبط ويهدمون الديارات والكنائس... وكان من نتيجة ذلك ان توقف اهل طما (كانت مدينة عامرة، ولما تخربت قامت فى موضعها قرية صغيرة تسمى طما العموديين بمحافظة المنيا) عن دفع الخراج، فأرسل اليهم مروان احد قواد جيشه فقتل كثيرين، واستباح اموالهم وهدم كنائسهم. ولم يبق منها سوى واحدة، كانوا التزموا بدفع ثلاثة آلاف دينار نظير بقائها. فلما دفعوا الفى دينار فقط وعجزوا عن دفع الباقى جعل ثلثها جامعا..
كان القبض على البطريرك الانبا خائيل والمعاملة السيئة التى عامله بها مروان كتكبيله بالحديد بمثابة ايذان بانضمام الاقباط كلهم الى صف العباسيين (او الخرسانيين كما يدعوهم ساويرس بن المقفع)... يقول الانبا ساويرس "كان بقية النصارى بمصر قالوا للخرسانيين هذا ابونا البطريرك عند مروان الكافر، وما ندرى مايصنع به. وكان البشامرة قد لقوهم من الفرما، وقالوا للخرسانيين ان بطركنا عند مروان قد اخذه ليقتله بسبب اننا قاتلناه وقتلنا عسكره قبل مجيئكم وكان حوثرة الكافر عند مروان يقول له هذا البطرك كان يقول (للبشامرة) تقووا فان الله ينزع المملكة من مروان ويسلمها لاعدائه. ومثل هذا كثير. فلما سمع مروان هذا قال ترجمانه للبطريرك وذلك عن قول مروان... انت رئيس اعداء مذهبنا!... ثم امر مروان الاعوان الذين يمسكونه ان يمدوا ايديهم بسرعة وينتفوا شعر لحيته من عارضيه، ورموا شعره فى البحر (البطاركة ٤٢٦، ٤٢٧)... ويصف تاريخ البطاركة انتصار العباسيين (الخرسانيين) على الامويين ويقول "لاجل ذلك كان الناس يقولون ان يد الرب مع الخرسانيين وكانوا اذا وجدوا قوما عليهم علامة الصليب يخففون عنهم الخراج، ويرفقون بهم، ويعملون معهم الخير فى جميع البلاد. وصلبوا مروان منكسا بعد ان قتلوه... ولما سأل عنا اولئك الملوك مقدمو الخرسانيين، ومضينا اليهم فيخلون الاب القديس الشهيد انبا ميخائيل واكرموه كرامة عظيمة" (البطاركة ٤٤١).
(٥) سقطت الدولة الاموية، وآلت مصر لحكم العباسيين، وغدت ولاية تابعة للخلافة التى كان مقرها بغداد. كان العباسيون اكثر دراية من عمرو بن العاص، فقد عرفوا كيف يستعينون باهل البلاد الاصليين، الذين كانوا على استعداد لمساعدتهم ضد حكام البلاد تخلصا من المظالم الكثيرة لكن كثيرا ما يعيد التاريخ نفسه، فما لبث العباسيون ان وجدوا انفسهم مضطرين الى فرض ‹ص ٦٠› ضرائب باهظة... يقول تاريخ البطاركة "ولما كان فى ثالث سنة من مملكة الخرسانيين اضعفوا الخراج واكملوه على النصارى، ولم يوفوا لهم بما وعدوهم" (البطاركة ٤٤٣)...
تكررت مظالم الولاة واستبدادهم بالناس على نحو ما اتبعه ولاة الامويين... ففى خلافة ابى جعفر المنصور العباسى، اوقع واليه على مصر يزيد بن حاتم بن المهلب بن ابى صفرة (٧٦٢ - ٧٦٩) ببطريرك الاقباط الانبا مينا الاول اضطهادا شديدا. فساء الاقباط مالحق برئيسهم الدينى وابيهم الروحى. وكان نتيجة ذلك ان ثار الاقباط فى رشيد وسخا وغيرهما من المدن المصرية، وجاهروا بالعصيان. فارسل اليهم الوالى قوة من الجيش. لكن الثوار الاقباط ردوهم على اعقابهم مهزومين اما الوالى فازاء هزيمته اشتعل غضبه على الاقباط، واضطهدهم وهدم كنائسهم. فعرض عليه اقباط الفسطاط (مصر القديمة) ان يترك لهم كنائسهم مقابل خمسين الف دينار يدفعونها، لكنه رفض واصر على هدمها اذلالا لهم وانتقاما من اقباط سخا ورشيد. وبالفعل هدمها.
(٦) فى ولاية الليث بن الفضل (٧٦٩ - ٨٠٣م) بعث مساحين يمسحون الارض، وامرهم ان ينتقصوا من القصبة اصابع، فتظلم اهل الحوف لديه، فلم يسمع منهم. فتجمهروا قبطا وعربا وساروا الى الفسطاط. فخرج اليهم الليث بجنده وقاتلهم فهزموه. لكنه عاد ولم شمل قواته وهزمهم، وقتل منهم عددا كبيرا. وقبض على ثمانين من زعمائهم وقطع رؤوسهم، وحملها الى الفسطاط وعرضها على الناس حتى يلقى الرعب فى نفوسهم، فكان لهذا العمل اثر فى امتداد الثورة الى معظم بلاد الوجه البحرى، واستمر الحال على هذا المنوال حتى ولى الخلافة المأمون فى سنة ٨١٣م.
(٧) فى خلافة الخليفة المأمون العباسى (٨١٣ - ٨٣٣)، تفجرت مشاعر المظالم والتحقير والاضطهاد التى ظلت مكبوتة لسنوات عديدة فى نفوس الاقباط. فقد امتنع اقباط الوجه البحرى عن دفع الخراج، وشاركهم فى ذلك العرب. وقامت بينهم وبين الولاة حروب متفرقة قتل فيها كثيرون... وازاء هذة الحالة الخطيرة التى لم يسبق لها مثيل فقد كانت اكثر الثورات عنفا - ونظرا لانشغال المأمون بمحاربة الروم، بعث برسائل على يد مندوبين لاهل مصر ان يخلدوا للهدوء، لكنها لم تجد نفعا.
فما ان انتهى من حربه مع الروم حتى قصد مصر، وكان واليها فى ذلك الوقت هو عيسى بن منصور (٨٣١ - ٨٣٢ م)، فعاتبه بشدة ناسبا اليه كل ما حدث من هياج الناس نتيجة المظالم ‹ص ٦١› الكثيرة. وبلغ الامر ان المأمون امر بتجريد الوالى من ملابسه الخارجية علامة على التحقير.
يقول مؤرخو المسلمين ان الخليفة المأمون لما كان فى مصر ورأى ثورة اقباط الوجه البحرى، حكم بقتل رجالهم وبيع نسائهم وسبى اطفالهم. لكن يبدو ان هذا الكلام هو تلخيص للنتيجة النهائية... اما مؤرخو القبط فيقولون انه لما وصل المأمون الى مصر ذهب اليه البطريرك يوساب ٥٢ (٨٣٠ - ٨٤٩ م)، فاستقبله الخليفة استقبالا حسنا، وطلب اليه ان ينصح اقباط الوجه البحرى ويحذرهم بأن يكتب لهم منشورا يدعوهم فيه الى الطاعة حقنا لدمائهم ووعده بأن ينظر بنفسه فى راحتهم.
وكتب البطريرك المنشور فأطاع الناس واذعنوا الا اهل البشمور، الذين رفضوا الاستسلام والخضوع، وابوا الا المقاومة... فلما علم المأمون بما وصل اليه الامر، حمل عليهم بجنوده، فشتت شملهم ودخل بلادهم، وقتل رجالهم وسبى نساءهم واطفالهم، وسلب اموالهم وهدم كنائسهم امعانا فى اذلالهم. وبالجملة فان المأمون لم يبرح اراضيهم الا بعد ان خرب ديارهم وجعل بلادهم اطلالا... ومكث المأمون فى مصر نحو شهرين طاف خلالها بانحاء البلاد يسكن خواطر الشعب فسامحهم بما تبقى عليهم من اموال... كانت هذة الثورة هى آخر ما قام به الاقباط من ثورات، وكانت فى نفس الوقت اعظمها...
وعلى الرغم ان البطريرك يوساب عمل جاهدا على اقناع البشموريين على الاذعان والخضوع، لكن كاتب سير البطاركة يصف الحالة المهينة التى وصلوا اليها، مما يبعث على الاعتقاد انه يبرر مسلكهم الثورى، يقول بعد ان يصف ثقل يد عمال الخراج وموجة الغلاء التى عمت البلاد "مات بالجوع خلق كثير من النساء والاطفال والصبيان والشيوخ والشبان ومن جميع الناس مالايحصى عدده من شدة الجوع. وكان متولى الخراج يؤذى الناس فى كل مكان. واكثر النصارى البشموريين كانوا يعذبونهم بعذاب شديد مثل بنى اسرائيل الى ان باعوا اولادهم فى الخراج من كثرة العذاب لانهم كانوا يربطونهم فى الطواحين ويضربونهم حتى يطحنوا مثل الدواب... فلما نظر اهل البشموريين ان ليس لهم موضع يخرجون منه، وموضعهم لا يقدر عسكر يسلكه لكثرة الوحلات فيه وما يعرف طرقه الا هم. فبدأوا ينافقوا ويمتنعوا ان يدفعوا خراجا، واتفقوا وتآمروا على ذلك وكان الملك فى ذلك الوقت عبد الله المأمون ابن هارون الرشيد" (تاريخ البطاركة ٦٠٠، ٦٠١).
‹ص ٦٢› ومما يلاحظ على ثورات الاقباط التى استمرت نحو قرن من الزمان - لاسيما فى منطقة الدلتا - انها كان يعوزها التنظيم والتكتيك والقيادة الموحدة، لذلك كان يقضى عليها سريعا... لم يعرف الاقباط كيف يوحدون صفوفهم ويتخذون لهم قيادة قوية حكيمة. ويبدو ان هدف هذة الثورات الرئيسى كان رفع المظالم المالية التى اثقلت كواهلهم. بالاضافة الى الاعتراض على نواحى وانواع الاضطهادات الاخرى كالتحقير الادبى ومايمس العقيدة الدينية...
ويذكر المؤرخ المقريزى ان المسلمين بعد ثورة البشموريين اصبحوا يؤلفون غالبية فى بلاد مصر خاصة فى الوجه البحرى، بعد ان اعتنق الاسلام عدد كبير من الاقباط نتيجة كل هذة الضغوط المروعة. لكن يبدو ان كلام المقريزى مبالغ فيه جدا.
محنة اللغة القبطية
اللغة القبطية هى اللهجة الدارجة للغة المصرية القديمة فى آخر مراحلها (الديموطيقية) مكتوبة بحروف يونانية بعد اضافة سبعة حروف يونانية تمثل الاصوات التى ليس لها مقابل فى اللغة اليونانية... ومن غزوة الاسكندر الاكبر لمصر فى الثلث الاخير من القرن الرابع قبل الميلاد، غدت اللغة اليونانية هى اللغة الرسمية، وظلت كذلك الى مابعد الفتح العربى لمصر سنة ٦٤٠ م.
كانت اليونانية هى لغة الثقافة فى العالم كله وقتذاك. وكانت هى اللغة المستعملة فى مدرسة الاسكندرية الذائعة الصيت. على ان اللغة القبطية ظلت اللغة السائدة بين المصريين الوطنيين (الاقباط) فى انحاء القطر المصرى. وظلت القبطية لغة رسمية فى الدواوين حتى بعد الفتح العربى لمصر.
فى خلافة الوليد بن عبد الملك الاموى، وولاية واليه على مصر عبد الله بن عبد الملك فى سنة ٧٠٥ او ٧٠٦ م (= ٨٧ هـ) اعلنت اللغة العربية لغة رسمية فى البلاد المصرية بدلا من اللغة القبطية... كان الوالى عبد الله بن عبد الملك يكره النصارى جدا، فاشتد عليهم وعمل على نزع الكتابة فى الدواوين من من ايديهم، ونقلها الى العربية... وكانت اللغة القبطية حتى ذلك الوقت هى اللغة المستخدمة فى دواوين الدولة، وكان الاقباط هم القائمون بسائر الاعمال الادارية والحسابية فى دواوين الدولة تحت اشراف رئيس منهم يسمى اثناس او كان قبلها امينا على بيت المال ‹ص ٦٣› فعزله الوالى عبد الله بن عبد الملك وولى مكانه شخصا يسمى بن يربوع الفزارى من حمص...
ولما رأى القبط ان هذا التغيير فى لغة الدواوين يفقدهم وضعهم فى الدولة، عولوا على تعلم اللغة العربية فظهر ما عرف باسم السلالم، وهى كتب تحوى الكلمات العربية مكتوبة بحروف قبطية، على مثال الكتب التى توضع حاليا للاجانب لتعلم اللغة العربية او العكس. كما نقلت اسماء البلاد الى العربية فتحرفت عن اصلها....
تقول دكتورة سيدة كاشف فى كتابها مصر فى عصر الولاة ص١١٩، ١٢٠ "بدأ العرب بعد فتح مصر بأقل من نصف قرن يتجهون الى تعريب البلاد، والى جعل اللغة العربية لغة رسمية، وذلك لعدم معرفتهم باللغة القبطية. بل اننا نرى الاصبغ بن عبد العزيز بن مروان الذى كان يلى كثيرا من امور مصر فى ولاية ابيه (٦٥ - ٨٦ هـ)، يأمر بترجمة الانجيل وعدة كتب دينية مسيحية اخرى الى اللغة العربية، وذلك ليعرف المسلمون اذا كان فى هذة الكتب ما يمس الدين الاسلامى بسوء، وقد حدث فعلا ان عربت دواوين الدولة الاسلامية فى ذلك الحين، اذ كانت الدواوين فى البلاد المفتوحة حتى مجىء عبد الملك بن مروان تكتب بلغات البلاد المحلية، فكانت تكتب باليونانية فى الشام، وبالبهلوية فى العراق والامصار الشرقية، وبالقبطية واليونانية فى مصر. وكان ذلك طبيعيا لقلة خبرة العرب بأمور الادارة، ولان الكتابة فن خاص. ولكن توسع خبرة العرب واستقرار الدولة واتجاهها نحو الوحدة المركزية ادى الى وجوب التعديل، فضلا عن السياسة العربية التى سار عليها بنو امية... وقد شرع فى هذا التعريب ايام عبد الملك بن مروان، وبدىء بتعريب دواوين الشام والعراق. وكان الحجاج بن يوسف الثقفى صاحب اليد الطولى فى الاخذ بهذا التعريب فى العراق وما يتبعها شرقا. اما فى مصر فقد بدىء فى تعريب دواوينها فى خلافة الوليد بن عبد الملك وذلك فى سنة ٧٠٦ م (= ٨٧ هـ) فى ولاية عبد الله بن عبد الملك... وهكذا اصبحت الدولة من الناحية السياسية عربية بمعنى اكمل. وقد ساعد التعريب على شيوع اللغة العربية وانتشارها بين الموالى والاقباط، فاصبحت اللغة العربية لغة الدواوين. كما بدأت تظهر طبقة الكتاب، كذلك اصبحت اللغة العربية لغة الادارة، فضلا على انها لغة الثقافة، بالاضافة الى كونها لغة السياسة والدين".
‹ص ٦٤› ومالبثت اللغة القبطية ان تلقت ضربة قاصمة على يد الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله (٩٩٦ - ١٠٢١ م)، الذى اصدر اوامر مشددة بابطال استخدامها نهائيا فى المنازل والطرقات العامة ايضا، ومعاقبة كل من يستعملها بقطع لسانه.. كما ضيق على الاولاد والبنات والسيدات بالبيوت، بالامر بقطع لسان كل سيدة تتكلم بها مع اولادها واطفالها. واقتدى بالحاكم الطاغية فى محاربة اللغة القبطية كثيرون ممن جاءوا بعده. وهكذا باتت اللغة القبطية محصورة داخل جدران الكنائس والاديرة...
وقد اتت ايام اشتد فيها الرعب على الكنيسة، فاضطر الاباء الى وضع ستائر على احجبة الهياكل وقت التقديس واجراء الخدمة الالهية، خوفا من الحكام الغاشمين الذين كانوا اذا سمعوا الصلاة باللغة القبطية، يهجمون على الكنائس ويفتكون بالذين فيها بدون شفقة ولا رحمة.
كان البطريرك غبريال بن تريك (١١٣١ - ١١٤٦ م) هو اول من صرح بقراءة الاناجيل والخطب وما اليها باللغة العربية فى الكنائس، وذلك بعد تلاوتها باللغة القبطية.
ومما يدل على ان اللغة العربية بدأت تناهض اللغة القبطية فى القرن التاسع، تلك الرؤيا المنسوبة خطأ لانبا صموئيل القلمونى، والتى يرجح الى انها ترجع الى القرن العاشر. وهى تحتوى على حث مؤثر على الاهتمام باللغة القبطية. ومنها نعرف ان اللغة العربية بدأت تحل محل القبطية حتى فى جهات كثيرة بالوجه القبلى... وظل نجاح اللغة العربية مطردا، حتى انه فى القرن الثالث عشر كانت اللغة العربية هى السائدة، واخذ علماء الاقباط يصنفون مؤلفاتهم بالعربية. ومن امثلتهم اولاد العسال الذين وضعوا مؤلفات دينية ولغوية كثيرة. ومنهم ايضا جرجس بن العميد المعروف بابن المكين وابو شاكر بن الراهب شماس الكنيسة المعلقة وشمس الرئاسة ابو البركات بن كبر والقس بطرس السدمنتى وعلم الرئاسة بن كاتب قيصر. ولهذا فقد عمد هؤلاء العلماء الى وضع قواعد مختصرة للغة وتدوين مفرداتها لحفظها من الضياع والاندثار.
واول من الف كتابا باللغة العربية من الاقباط هو ساويرس بن المقفع اسقف الاشمونين الذى كان معاصر للبطريرك افرام بن زرعة السريانى ٦٢ (٩٧٥ - ٩٧٩ م). وهو الذى ترجم سير الاباء البطاركة مما وجده من مخطوطات بدير الانبا مقار ودير نهيا، وما وجده بحوزة ‹ص ٦٥› بعض النصارى باللغة القبطية واليونانية الى اللغة العربية التى كانت شائعة آنئذ. وساعده فى تصحيح وتنقيح العبارات العربية الواضح بولس بن رجاء الوارد خبره فى سيرة انبا فيلوثاوس البطريرك ٦٣ (٩٧٨ - ١٠٠٣ م).
وعلى الرغم من انتشار العربية فان اللغة القبطية بقيت لغة التخاطب فى الوجه القبلى حتى القرن السابع عشر. ويقول العلامة ماسبيرو فى محاضرة له عن "صلة المصريين الاقدمين بالمصريين الحاليين" القاها سنة ١٩٠٨ "من المؤكد ان سكان صعيد مصر كانوا يتكلمون ويكتبون باللغة القبطية حتى السنين الاولى من القرن السادس عشر، فى اوائل حكم الاتراك"... وقال المقريزى من القرن الخامس عشر فى كلامه عن دير موشه "والاغلب على نصارى هذة الاديرة معرفة القبطى الصعيدى... ونساء نصارى الصعيد واولادهم لايكادون يتكلمون الا القبطية الصعيدية".
وفى القرن الثامن عشر لما قاربت اللغة القبطية على الزوال - كلغة للتخاطب، بدأ الاقباط يكتبونها بحروف عربية... لكنها ومع كل هذة الظروف بقيت لغة الكنيسة.
نزوح العرب الى مصر:
عرفنا فيما سبق ان عمرو بن العاص وفد الى مصر على رأس جيش عربى قوامه اربعة آلاف مقاتل. وقد ارسل عمر بن الخطاب اربعة الاف اخرى كمدد. وقد قتل بعض هؤلاء الجنود اثناء الحملة على مصر... معنى ذلك ان العرب الفاتحين كانوا اقلية ضئيلة جدا اذا ماقورنوا بعدد سكان مصر من الاقباط وغيرهم فى ذلك الوقت... لم يختلط هؤلاء العرب الفاتحين بسكان البلاد الاصليين، وانما اختطوا لهم مدينة عربية اسلامية فى وسط المحيط المصرى القبطى هى مدينة الفسطاط الواقعة شمالى حصن بابليون بمصر القديمة مابين النيل والجبل المقطم (المرجح ان اسم الفسطاط معرب وانه مشتق من لفظ بيزنطى فسطاطون الذى بدوره مشتق من اللفظ اللاتينى فسّاتم الذى كان يطلقه الرومان على معسكراتهم الحربية - مصر فى عصر الولاة ص٢٣٣) - وكان تخطيط المدن من اهم الظواهر التى سارت ‹ص ٦٦› جنبا الى جنب مع الفتوحات العربية.
ولما اختط العرب مدينة الفسطاط فى سنة ٦٤١ م (= ٢١ هـ) قسمت الى خطط اى اقسام وسكنت كل قبيلة خطة من الخطط. وبالاضافة الى الفسطاط فقد اختط العرب مدينة الجيزة على غرار الفسطاط. ونزل قوم من العرب الاسكندرية. وهكذا فان العرب الذين استقروا فى مصر كانوا يقيمون فى الفسطاط او الجيزة او الاسكندرية. وقد حرم عليهم عمر بن الخطاب الاشتغال بالزراعة او امتلاك الارض، حتى يكون كل همهم منصرفا الى السياسة والحكم والحرب. لذا لم يختلط العرب باقباط مصر فى البداية، ولم يكن لهم تأثير يذكر على الاقباط، سواء من ناحية انتشار الدين الاسلامى او اللغة العربية.
كان استيلاء العرب على مصر فاتحة لهجرات عربية متوالية دامت زمنا طويلا. ولعل اقل هذة الهجرات، هجرة العرب او الجند الذين اتوا مع عمرو بن العاص لفتح مصر. على ان اغلب الذين حكموا مصر فى عصر الولاة كانوا يصحبون معهم جيوشا عربية حتى نهاية العهد الاموى (٧٥٠م) او عربية ومن شعوب اخرى من غير العرب، كالخرسانيين والترك فى العصر العباسى. والمعروف ان الجنود كانوا يصحبون معهم اسراتهم.
وفى خلافة هشام بن عبد الملك (٧٢٤ - ٧٤٤ م) حدث تطور فى هجرة القبائل العربية الى مصر. لقد سأل عبيد الله بن الحبحاب عامل الخراج على مصر سنة ٧٢٨ م ان ينقل الى مصر بيوتا من قيس اى عرب الشمال، فاذن له الخليفة بذلك. وجاء بن الحبحاب لعدد كبير بلغ حوالى ثلاثة آلاف. وقد انزلهم بالحوف الشرقى اى شرقى الدلتا وامرهم بالاشتغال بالزراعة.
معنى ذلك ان العرب فى زمان هشام بن عبد الملك اخذوا يتخلون عن السياسة التى اتبعوها منذ الفتح، وهى سياسة الترفع عن الاختلاط بالاهالى وعن الاشتغال بالزراعة... وقد ساعد وجود العرب فى القرى المصرية واشتغالهم بالزراعة على الاختلاط بالاهالى. وكان لهذا الاختلاط اثره فى انتشار الاسلام بمصر نتيجة التزاوج والجوار والمصاهرة. لذا يقول المقريزى فى كتابه الخطط "ولم ينتشر الاسلام فى قرى مصر الا بعد المائة من تاريخ الهجرة، عندما انزل عبيد الله بن ‹ص ٦٧› الحبحاب مولى سلول قيسا بالحوف الشرقى. فلما كان بالمائة الثانية من سنى الهجرة، كثر انتشار المسلمين بقرى مصر ونواحيها".
كلمة حق يجب ان تقال:
عرضنا فيما سبق لانواع من المضايقات التى تعرضت لها الكنيسة القبطية وابناؤها، من رجال دين وعلمانيين، فى ظل حكم الولاة المسلمين... واحقاقا للحق وللتاريخ، نقول ان المضايقات التى تعرضت لها الكنيسة القبطية، لم تكن جميعها بسبب العامل الدينى... لكن حدث فى بعض الاحيان ان المسيحيين انفسهم كانوا هم مصدر او سبب هذة المتاعب والمضايقات، سواء كانوا من رجال الدين او العلمانيين... ونسوق بعض الامثلة:
+ البابا سيمون الاول البطريرك ٤٢ (٦٨٩ - ٧٠١ م):
كان على جانب كبير من التقوى والتقشف. كان ناسكا لايأكل اللحوم. وكان حريصا على اتمام قانون عبادته الخاص كما كان يفعل زمن الرهبنة قبل البطريركية)... كان يوبخ الكهنة على حياة التساهل مع النفس والافراط وعدم النسك. وكانت النتيجة ان بعض الكهنة بالاسكندرية ضجروا من توبيخه وصرامته، ودس اربعة من الكهنة له سما فى الاناء الذى كان يشرب منه. وكان بعض السحرة قد اعدوا هذا السم... وحدث ان البطريرك شرب من الماء الموضوع به السم عقب تناوله من الاسرار المقدسة فلم يصبه اذى.. وتكرر الامر مرة ثانية ولم يصبه اذى. اما فى المرة الثالثة فقد اعد السحرة سما اقوى من الاول والثانى وامروا ان يضعوه للبطريرك فى طعام يتناوله على الريق وضعوا السم فى تين وجدوه فى غير اوانه وظلوا يلحوا عليه حتى يأكل. فما ان اكل منه حتى تحركت عليه احشاؤه، ولزم الفراش مدة اربعين يوما. حتى يئس الناس من شفائه. لكن الرب اقامه معافى. وحدث ان الوالى وفد الى الاسكندرية، ورأى البطريرك فى صحة هزيلة. ولما علم السبب وهو موضوع دس السم له، حتى امر بحرق الاربعة كهنة احياء مع السحرة الذين ركبوا السم... وفى وقت تنفيذ الحكم، ركع البابا امام الوالى وبكى بدموع غزيرة، طالبا العفو عن الكهنة قائلا "ان نالهم شيئا من اجلى، وجب على القتل، ولا يصح لى ان اكون بعد ذلك بطريركا"... فتعجب الوالى وعفا عن الكهنة، اما السحرة فاحرقهم ليكونوا عبرة لغيرهم (تاريخ البطاركة ٢٨٦، ٢٨٧)
‹ص ٦٨›
+ البابا الكسندروس الثانى البطريرك ٤٣ (٧٠٥ - ٧٣٠ م):
وجد فى زمانه شماس راهب يدعى بنيامين... هذا تصادق مع ابن والى مصر فى ذلك الوقت، وتوطدت الصداقة بينهما جدا، حتى وثق به اكثر من كل اصحابه. وكان هذا الراهب الشماس يظهر له اسرار النصارى، حتى ان تاريخ البطاركة يقول عنه "وكان بنيامين الشماس الراهب [؟].. اشد على النصارى من كل احد ويهيجه على كل بلاء. واضطر جماعة الى ان اسلموا ومن جملتهم بطرس والى الصعيد، واخوه تاودرا، وولد تاوفانس مقدم مريوط، وجماعة كهنة وعلمانيين لايحصون من كثرتهم" (تاريخ البطاركة ٣٠٥، ٣٠٦).
اضف الى هذا بعد ان بعض الاهانات التى نالت هذا البابا الكسندروس الثانى، على يد والى مصر قرة بن شريك (٧٠٩ - ٧١٤ م)، كانت نتيجة وشاية شخص يدعى تاوضروس متولى ديوان الاسكندرية، الذى كان يضمر للبطريرك عداوة كبيرة، حتى ان قرة بن شريك قال للبطريرك - بعد ان فرض عليه مبلغا كبيرا من المال، وبعد ان اوغر تاوضروس صدره ضد البطريرك "ولو انك تبيع لحمك، لابد من ثلاثة آلاف دينار، والا فما تخلص من يدى". (تاريخ البطاركة ٣١١، ٣١٢).
+ البابا مينا الاول البطريرك ٤٧ (٧٦٧ - ٧٧٤ م):
لحقته متاعب كثيرة بسبب شماس راهب يدعى بطرس، كانت تتملك عليه شهوة الاسقفية... فلما رفض البابا مينا رسامته لعدم استحقاقه، لم يطق وسافر الى بلاد الشام حاملا معه رسائل مزورة كتّبها صادرة من البابا مينا الى الانبا جرجه بطريرك انطاكيا واساقفته. وفيها يقول ان الكنيسة فى مصر تعانى من تعب عظيم واضطهاد وشدة من الولاة... فانفذ بطريرك انطاكية مبلغا من المال وحرر لمطارنة الكنيسة السريانية ان يجمعوا لهذا الراهب الشماس مالا... ولما جمع قدرا كبيرا من المال قصد بغداد حيث مقر الخلافة. واخذ بمكر ينفق المال عن سعة على حاشية الخليفة تقربا اليهم. وكان يقول لهم ان بطريرك الاقباط يمكنه ان يحصل على الذهب بالكيمياء، ولذلك فان كنائسه مملوءة بأوانى الذهب... وظل على هذا النحو حتى تمكن من الوصول الى الخليفة العباسى المنصور... تعلق قلب الخليفة بهذا الشماس لانه كان يشبه ‹ص ٦٩› ابنا له توفى، وابدى استعداده ان يعطيه مايريد. فطلب الشماس المسكين ان ينفذه الى مصر ومعه كتابا الى واليه ان يصير بطريركا على الكنيسة القبطية وان يمنحه السلطان على البطريرك مينا وكل اساقفته... وبالفعل حرر الخليفة لواليه على مصر عبد الله بن عبد الرحمن (٧٦٩ - ٧٧٢ م)، الذى استحضر البطريرك مينا واعلمه بمضمون رسالة الخليفة. وكان الشماس بطرس حاضرا، فلما رفض الانبا مينا تنفيذ امر الخليفة، لانه يتعارض مع قوانين الكنيسة، اخذ بطرس يوغر صدر الوالى... اخيرا سأل الانبا مينا الوالى ان يمهله اياما حتى يجتمع بالاباء الاساقفة ويقرروا مايتبع. لكن الشماس بطرس طلب الى الوالى ان يعتقل البطريرك حتى يتمكن من دخول الكنائس كعادة البطاركة... اعتقل الوالى البطريرك ومعه تاوضروس اسقف مصر... وارسل الشماس بطرس - البطريرك المزيف - الى جميع الاساقفة ليجتمع بهم... وفى نفس الوقت حرر الانبا مينا للاساقفة رسالة فيها يشددهم ويقويهم... اجتمع الاساقفة فى الفسطاط... واذ رأى الاساقفة بطرس يصعد الهيكل ليصلى صلاة الشكر كعادة البطاركة، حتى وثب عليه الانبا مينا اسقف صنبو والانبا ميسيس اسقف اوسيم، وامسكوا قلنسوته - وكان قد كتب عليها بالخط العربى "بطرس بطرك مصر" والى جانب اسمه اسم الخليفة المنصور - وقالا له "واتستحق بيع مصر ان تتنجس بك"... فامتلأ غضبا وامر رجال الوالى ان يمضوا بجميع الاساقفة الى الحبس... هناك اجتمع البطريرك فى الحبس مع بعض الاساقفة، واخذ يعزيهم بالقول "يااحبائى ان الذى يقاتل عنا اعظم ممن يقاتلونا والرب ينجينا من اعدائنا..." ثم ان الوالى اخرج البطريرك ومن معه من الحبس، وطلب اوانى الكنيسة الذهب حسب وشاية بطرس... على الرغم من كل ذلك، فان الوالى بطبعه كان يحب المسيحيين. فلما احس بطرس بتعاطفه مع الانبا مينا اخذ يهدد الوالى بالذهاب الى الخليفة ورفع شكواه اليه لعدم تنفيذ اوامره... وما ان سمع الوالى هذا التهديد حتى انقلب على بطرس ووضعه فى السجن. وظل فيه مدة ثلاث سنوات حتى عزل من ولاية مصر وارسل آخر مكانه، الذى لما استمع الى قصة بطرس، انفذه ثانية الى الخليفة... ولم يصل بطرس الى شىء، وكل ما انتهى اليه انه انكر ايمانه المسيحى واعتنق الاسلام (تاريخ البطاركة ٤٧٦ - ٤٩٣).
‹ص ٧٠›
+ البابا يوساب البطريرك ٥٢ (٨٣٠ - ٨٤٩ م):
اضطر لحكم مجمع الاساقفة ان يقطع اسحق اسقف تانيس، وتادرس اسقف مصر، بعد ان نسب اليهما شعباهما، كلاما رديئا، وهددوا بالخروج عن الايمان الارثوذكسى ان لم يسحبهما البطريرك من ايباراشيتهما... انتهز الاسقفان المقطوعان فرصة تجمع عدد كبير جدا من الشعب فى كنيسة العذراء بقصر الشمع يوم احد الشعانين، - وكان قد رسم فى نفس اليوم ارخن يدعى اسحق شماسا، وكان مرشحا للبطريركية قبل البابا يوساب - ذهبا الاسقفان المقطوعان الى الافشين قائد الجيش - وكانت ثورة البشموريين قد اخمدت بصعوبة منذ فترة قليلة - ووشيا اليه بأن البطريرك يوساب هو الذى حرض البشموريين على العصيان، وانه مجتمع بجمهرة كبيرة من شعبه الذى لايعصون له امرا، وانه يدبر مؤامرة لقتله.. كان الافشين مخمورا حينما سمع هذا الكلام، فثار ثورة عارمة وانفذ اخاه ومعه عدد كبير من الجند الى الكنيسة التى قيل ان البطريرك موجود فيها ليحضره حتى مايقتله... وكان يتقدم هؤلاء الموفدين من قبل الافشين اسحق اسقف تانيس المقطوع، ودخل الهيكل، وبايماءة من اصبعه ارشدهم الى البطريرك لكى يعرفوه فجرد اخو الافشين سيفه ليأخذ رأس البطريرك، لكن يده مالت فاصطدم السيف بعمود رخام وانكسر، فازداد هياجا. وكان يحمل فى وسطه سكين، فاستلها من وسطه وطعن بها البطريرك فى جنبه. لكن يد الله تدخلت ايضا. فكل ما فعله السكين انها مزقت ثيابه وانتهت الى المنطقة الجلد فقطعتها، لكنه لم يصب بسوء... حصل هرج ومرج بين الشعب. وظن ان البطريرك قد مات... فلما نظر اخو الافشين هذة الاعجوبة، اخذه ليمضى به الى اخيه كما امره... وفيما هم يجذبون البطريرك ليخرجوه والشعب متعلق به، قال لهم لاتمسكونى، فما نحن مقاومون للسلطان... فخرج البطريرك والشعب يتبعه باكين، وكان الناس يطرحون انفسهم على يديه ورجليه ظانين انه مساق للقتل... فلما نظر اخو الافشين تعلق الشعب به غضب جدا وضربه بمقرعة على رأسه، فانجرحت عيناه... ولما مثل الانبا يوساب امام الافشين شرح له حقيقة الامر بالنسبة للبشموريين، وحقيقة امر الاسقفين المقطوعين، الذين ضللاه بمعلومات كاذبة. وكيف ان الغيظ يأكل ضد ريهما بسبب قطعهما من الكنيسة. ولما وجد البطريرك يوساب ان الافشين تعبأت مشاعره ضد الاسقفين، بعد ان اتضحت له الحقيقة، وانه عزم على الانتقام منهما، قال ‹ص ٧١› للافشين متوسلا "مذهبى يأمرنى بفعل الخير مع من يعمل معى الشر، والذى سعيا به هذان قد طرح الله فى قلبك الصحيح. فأسالك ان تفعل معهما خيرا برئاستك واتركهما كرامة لله"... تعجب الافشين من هذة السماحة واطلق الاسقفين (تاريخ البطاركة ٦٠٤ - ٦١٥).
+ حدث ايضا فى زمان البابا يوساب البطريرك ٥٢ ان شخصا اسمه تاوضروس اشتهى ان يرسم اسقفا على اوسيم بغير رضا الشعب، فامتنع البطريرك عن رسامته. وكان والى مصر فى ذلك الوقت هو على بن يحيى الارمنى (٨٤١ - ٨٤٣ م) فى خلافة المعتصم الخليفة العباسى... فلما رفض البطريرك رسامة تاوضروس، وكانت شهوة الاسقفية تعتمل فى قلبه، لجأ الى الوالى ليرغم الاب البطريرك على رسامته اسقفا... ولما سأل الوالى البطريرك فى رسامة تاوضروس المذكور اسقفا، رفض البطريرك، مما سبب حنق الوالى... فبدأ يهدم الكنائس مبتدئا بكنيسة المعلقة بمصر القديمة، التى هدم اعلاها... واخيرا تحت ضغوط الاراخنة الاقباط - وحتى لايتسبب تشدده فى هدم كثير من الكنائس - قبل البطريرك رسامة المذكور بعد ان اشهد الله عليه. وفرض الوالى على الانبا يوساب غرامة ثلاثة آلاف دينار، دفعها عنه الاراخنة بالتقسيط. لكن الله العادل لم يدع هذا الوالى المتجبر يفلت من انتقامه، فقد قتل بيد الروم حينما انفذه الخليفة على رأس حملة لغزو بلادهم (تاريخ البطاركة ٦٣٣ - ٦٣٦).
+ وفى زمان البطريرك يوساب ٥٢ ايضا، كان هناك قاض بمصر اسمه محمد بن عبد الله، وكان رجلا متجبرا، عارفا بأصول الفقه والشرع، لكن سيرته كانت مذمومة، فقد كان مولعا بالخمر والنساء... كان اسقف مصر ويدعى بنا قد طلب من الانبا يوساب البطريرك ان يقدمه على بقية الاساقفة. لكن البطريرك رفض، فاحتال للوصول الى غرضه بالتقرب الى القاضى المذكور.. استدعى القاضى البابا البطريرك فى احد الايام، وكان حاضرا عنده بعض الاساقفة ممن يناصرون هذا الاسقف المتكبر... فما ان دخل البطريرك الى حيث كان القاضى، حتى ابتدره بالقول "من جعل لك السلطان ان تكون رئيسا على جميع النصارى؟" اجاب البطريرك "الله". ثم التفت القاضى الى الاساقفة المجتمعين ومعهم اسقف مصر المخدوع، وقال لهم "لاتسمعوا من هذا البطريرك من اليوم ولا تسموه ابا. بل اجعلوا لكم هذا ابا (يعنى بنا اسقف مصر) ‹ص ٧٢› ويكون مقدمكم"... فأجاب الاساقفة القاضى بما يفيد استحسانهم لقوله. وكان ذلك باتفاق مسبق مع القاضى مقابل مبلغ من المال كرشوة... فخاطب البطريرك الاساقفة باللغة القبطية ووبخهم على ضلالهم... وكان بعض فقهاء المسلمين ممن يعرفون القبطية حاضرين، فترجموا للقاضى كلام البطريرك. وحينئذ غضب القاضى اذ كيف لايطاع امره... اما البطريرك فقال له فى هدوء انه لايقدر ان يقاوم الله والخليفة، حيث كان تحت يد البطريرك رسائل من عدة خلفاء بأن له سلطانا على كل شعبه المسيحى ورعيته فى مصر... وما ان اطلع القاضى على هذة المكاتبات حتى امتقع وجهه ولزم الصمت فى خزى (تاريخ البطاركة ٦٣٧ - ٦٤١).
"قديسو الكنيسة وعلماؤها واراخنتها فى عصر الولاة"
ما اغنى الكنيسة القبطية بقديسيها وعلمائها فى كل الاجيال. انه من المستحيل ان يحصى الانسان كل القديسين فى فترة تمتد نحو قرنين وربع من الزمان هو ما اصطلح على تسميته بعصر الولاة. لكننا نقدم بعض النماذج:
البابا بنيامين الاول البطريرك ٣٨ (٦٢٣ - ٦٦٢ م):
ولد فى قرية بيرشوط (كفر مساعد مركز ايتاى البارود - محافظة البحيرة)، وانحدر من اسرة واسعة الثراء. مال منذ صباه لحياة الرهبنة، وترهب بدير كانوبوس بجهة ابو قير الحالية... اعلن له فى رؤيا انه سيرعى قطيع المسيح. ومنذ ذلك الوقت اخذت العناية الالهية تعده لهذة المهمة الخطيرة. قربه اليه البابا اندرونيكوس ٣٧، ورسمه قسا ليخدم معه، وصار مساعدا له... وعند ما احس بقرب انتقاله، اوصى به ليكون خليفته على كرسى مارمرقس. وتتميز حياة البابا بنيامين الرعوية بثلاث مراحل متباينة:
المرحلة الاولى: وتمتد منذ رسامته اوائل سنة ٦٢٣ حتى اختفائه سنة ٦٣١.
وقد تميزت هذة الفترة بالنسبة لهذا البابا انه عاصر الخمس سنوات الاخيرة من الحكم الفارسى لمصر - وكانت فترة هدوء نسبى، قام خلالها بجولة رعوية زار خلالها منطقة حصن بابليون بمصر القديمة، وارسل منشورا رعويا للاباء الاساقفة بالتدقيق مع الكهنة خاصة حديثى السن منهم، كما ‹ص ٧٣› قام بعزل المتهاونين روحيا من بينهم...
ولما عاد الحكم الرومانى الى مصر ثانية بعد انسحاب الفرس منها نعم هذا البابا بثلاث سنوات من الهدوء، لانشغال الدولة البيزنطية وعلى رأسها الامبراطور هرقل بتصفية مشاكل ما بعد الحرب مع الفرس.
المرحلة الثانية وتمتد من سنة ٦٣١ الى سنة ٦٤٤:
وفيها اختفى البابا بنيامين، وظل مختفيا حتى اصدر عمرو بن العاص خطاب امان له... وتتميز هذة الفترة بالتمزق والنقسام الذى حدث نتيجة سياسة الامبراطور ومحاولته فرض عقيدة جديدة للشعوب التى يحكمها بالقوة، وتنصيب المقوقس بطريركا ملكانيا وحاكما زمنيا فى نفس الوقت على النحو الذى درسناه فيما سبق.
ويقال ان الرب كشف للبابا بنيامين الاحداث التى كانت عتيدة ان تحدث وامره ان يختفى هو وجميع الاساقفة، ليرعوا كنائسهم وشعبهم من مخابئهم. وفعلا كتب للاباء الاساقفة بما يفيد ذلك موصيا شعبه بالتمسك بالعقيدة القويمة حتى الموت... وقد خرج البابا بنيامين مختفيا مارا بأديرة وادى النطرون ومنها الى الصعيد. وظل مختبئا بأحد اديرة الصعيد لمدة ثلاثة عشر عاما... وبينما كان هذا البابا فى مخبئه، غزا العرب مصر واحتلوها.
المرحلة الثالثة وتمتد من سنة ٦٤٤ الى سنى[؟]حته سنة ٦٦٢:
وفيها شهدت مصر الحكم العربى... وعاد البابا بنيامين الى نشاطه الرعوى بعد اختفاء لمدة ثلاثة عشر عاما. خاصة بعد التعاطف الذى اظهره القائد العربى عمرو بن العاص على الاقباط والنعمة التى اعطيت للبابا فى عينيه حتى ان عمرو اعطى للبابا بنيامين سلطانا على جميع رجال الكنيسة فى مصر ليدبر احوالهم، كالبطريرك والرئيس الشرعى للكنيسة فى كل اقليم مصر، كما امر باسترداد جميع الكنائس التى اغتصبها الروم خاصة فى الاسكندرية.
اما عن جهود البابا بنيامين الرعوية فى هذة الفترة فنستطيع تلخيصها فيما يلى:
(١) تثبيت الايمان الارثوذكسى بين اقباط مصر، وعودة الذين ضلوا عن الايمان باتياعهم الايمان الخلقيدونى.
(٢) دعوة الاساقفة الذين ضعفوا تحت وطأة اضطهاد قيرس (المقوقس)، بالرجوع الى حضن الكنيسة. وبالفعل عاد كثيرون وهم يذرفون دموعا غزيرة.
‹ص ٧٤› (٣) أقام اساقفة جددا مكان الاساقفة الخلقدونيين، بعد ان تعذر على الروم ارسال بطريرك جديد الى مصر مدة ٧٧ عاما بين سنتى ٦٥١، ٧٢٨.
(٤) اعاد رأس القديس مارمرقس بعد ان سرقها احد البحارة من كنيسة مارمرقس بالاسكندرية وكانت تقع على السور الشرقى للمدينة، وكانت ملفوفة بلفائف، وظنه مالا مخبئا - ومعجزة الهية لم تبحر المركب التى كانت فيها الرأس. فخرج البابا ومعه الكهنة وحملوا الرأس المقدس وسط التسابيح... وكانت كنيسة مارمرقس قد أحرقت اثناء فتح العرب الثانى للاسكندرية فى صيف سنة ٦٤٦ م. وقد اعاد بناءها خلفه البابا اغثون ٣٩.
(٥) ومما يذكر للبابا بنيامين انه دشن كنيسة الانبا مقار بديره ببرية شيهيت. ويروى انه فى اثناء صلوات التكريس شاهد الانبا بنيامين الانبا مقار حاضرا بين اولاده رهبان الدير، فظنه واحد منهم ووضع فى قلبه ان يرسمه اسقفا حينما يخلو احد الكراسى، لكن السيرافيم ظهر له واعلمه بحقيقة هذة الشخصية وهو انه انبا مقار ابو البطاركة والاساقفة... ووقت الدهن بالميرون رأى البابا بنيامين يد السيد المسيح تمسح معه الهيكل...
البابا خائيل البطريرك ٤٦ (٧٤٤ - ٧٦٨):
ظل كرسى البطريركية شاغرا لمدة سنة ونصف قبل رسامته، حدث خلالها مشادات عمن يصلح لهذا المنصب. واخيرا اعطيت علامات من الرب بخصوص اختيار هذا البابا الذى كان مترهبا بدير القديس ابو مقار ببرية شيهيت. وقد احتمل هذا البابا شدائد وضيقات واضطهادات تجل عن الوصف مما اشرنا اليه سابقا فى اكثر من موضع. وقد عاصر نهاية الدولة الاموية وقيام العباسية... حاول الخلقيدونيون (الملكانيون) ان يضعوا ايديهم على بيعة مارمينا العظيمة بمريوط. وقد قويت شوكتهم بعد ان اقيم لهم بطريركا يدعى قسما (٧٢٨ - ٧٥٦)... وكان عضدهم هو ثاوفيلكتس بطريرك الروم فى الشام الذى كان مقربا للخليفة الاموى مروان بن محمد. واستطاع ان يحصل من الخليفة على خطاب الى والى مصر عبد الملك بن مروان للتحقيق فى ملكية بيعة مارمينا المشار اليها. وقد حقق الوالى الموضوع بنفسه اولا، ثم احاله الى احد القضاء... قدم الخلقدونيين رشوة للقاضى، ورغم وضوح ثبوت ملكية البيعة للاقباط فانه اخذ يماطل... فاقترح البعض ان يدفع البطريرك خائيل شيئا للقاضى. فتصدى الانبا مويسيس اسقف اوسيم وقال انه ‹ص ٧٥› ما يليق بالبطاركة والاساقفة ان يدفعوا رشوة لاحد، والله لن يتخلى عنا. وفى نفس الاسبوع عزل القاضى المرتشى، واقيم آخر وكان شخصا لا يحابى، فحكم بملكية الاقباط لهذة الكنيسة.
وفى اثناء نظر قضية ملكية كنيسة مارمينا بمريوط جرت اول محادثات للوحدة المسيحية فى مصر بين الاقباط والروم الملكانيين فى مارس او ابريل سنة ٧٤٩... كانت المبادرة من جانب الملكانيين لكنها لم تكن بنية خالصة، وكانت نتيجة لفشلهم فى وضع يدهم على بيعة مارمينا بمريوط... ارسل البابا خائيل يستطلع رأيهم فى هذة المسألة. فكان جوابهم انها خدعة. لكن الانبا مويسيس اسقف اوسيم رأى ان يجربوا ويرسل اليهم وفدا لمعرفة رأيهم. وفعلا ارسل البطريرك اثنان للتباحث هما القس مينا كاتب البطريرك (وهو الذى خلف البابا خائيل فى البطريركية)، والشماس يحنس كاتب سير البطاركة. وكان الاول علما بكتب البيعة. اجتمع الاثنان مع قسما بطريرك الملكانيين وقسطنطين اسقف مصر الملكى... اعترف الاثنان بطبيعة واحدة للمسيح بعد الاتحاد وليس طبيعتين. ولما طلب منهما ان يحررا اعترافهما كتابة ليحملوه للبابا، لكنهما سألا عن وضعهما ووضع باقى الاساقفة الملكانيين بعد الاتحاد. وطلب قسما البطريرك الملكانى ان يعامل كأب مثل البابا خائيل، ويحضر جميع البيع مثله. فطلب القس مينا الرجوع للبطريرك. فلما سمع الاساقفة الاقباط طلب قسما، صاح انبا مويسيس انه لايكون هناك بعد الوحدة ابوان، بل اب واحد للكنيسة. واقترح ان كان قسما يقبل ان يكون اسقفا على مصر ويكون اخا للاساقفة... ولما اخبر قسما بطريرك الملكانيين بذلك فرح اولا، الا ان شماسا من الاسكندرية يتبعه، تدخل وافسد هذا الاتفاق المبدئى للوحدة، لانه كان يطمع ان يكون اسقفا. وهكذا فشلت اول مباحثات للوحدة المسيحية، لكنها نجحت فى ضم قسطنطين اسقف مصر [؟] الملكانى الى الكنيسة القبطية الارثوذكسية.
اعتقل البابا خائيل شهرا كاملا فى السجن (٨ سبتمبر - ٩ اكتوبر ٧٤٩ م)، وكان معه انبا مويسيس اسقف اوسيم وانبا تادرس اسقف مصر. واعطاه (البابا خائيل) الرب نعمة فى عيون المسجونين مسيحيين ومسلمين وغيرهم - وكانوا يعترفون له بذنوبهم التى فعلوها. فكان يعزيهم ويصبرهم ويقول لهم انهم ان نذروا توبة حقيقية وعدم العودة لمثل الذنوب التى فعلوها فان الله يخلصهم قبل انتهاء السنة. فعاهدوه جميعا على ذلك. وقد تمجد الرب وتم ما قاله حرفيا. وقد افرج عنه الوالى بعد ماضمنه بعض اراخنة الاقباط فى ان يذهب الى الصعيد ليجمع ما يمكن ‹ص ٧٦› جمعه من الاقباط ويقدمه للوالى. واعطاه الرب نعمة فى هذة الجولة وتمت على يديه معجزات شفاء كثيرة.
وحدث يوم خروج البابا خائيل من السجن بعد اعتقاله شهرا، ان طلب اليه الشعب ان يصلى معهم قداسا. وبالفعل رفع القرابين فى كنيسة سرجيوس وواخس (ابى سرجة) بمصر القديمة... ولما حان وقت التناول تقدم اليه رجل ليتناول من الاسرار المقدسة، فمنعه ولم يناوله. وفى نهاية الخدمة حضر هذا الرجل للبابا البطريرك باكيا ليعرف سبب منعه من تناول الاسرار المقدسة فقال له البطريرك انه لم يمنعه، لكن السيد المسيح هو الذى فعل ذلك، وطلب اليه ان يعترف بخطيئته... فاعترف الرجل وقال انه كان يتناول طعام الافطار فى بيته ثم يأتى الى الكنيسة ويتقرب من الاسرار. وهكذا فعل فى ذلك اليوم ليتناول من يد البابا. كان ذلك سببا فى ان اصدر البابا خائيل تعليماته الى الاكليروس لكى يحذروا الناس من ذلك.
وحدثت معجزة عجيبة فى بيعة العذراء مريم بالاسكندرية، حينما دخل شاب غير مسيحى ورأى صورة السيد المسيح على الصليب والجندى يطعنه فى جنبه بالحربة. وسأل الشاب عن معنى الصورة فقيل له انها تعبر عن خلاص العالم. فما كان من ذلك الشاب الا ان اخذ قصبة وطعن الصورة فى الجانب الايسر فى استهزاء. وللوقت تصلب الشاب والتصقت يده بالقصبة التى طعن بها صورة المصلوب، وصار معلقا هكذا وهو يصرخ طوال اليوم. فصلى الشعب الحاضرين كيرياليسون... ولم يعد الشاب الى حالته الطبيعية الا بعد ان اعترف ان تلك الصورة هى للمسيح المخلص.. وبعدها قصد ذلك الشاب احد الاديرة وتعمد هناك.
اما عن الضيقات الكثيرة التى احتملها هذا البابا فقد اشرنا اليها فى اماكن متفرقة من هذة المذكرة.
البابا يوساب البطريرك ٥٢ (٨٣٠ - ٨٤٩):
لما خلا الكرسى البطريركى بعد نياحة البابا سيمون الثانى، حاول شعب الاسكندرية ان يقيموا شخصا يدعى اسحق ابن اندونة صاحب ديوان السلطان بالفسطاط على الكرسى البطريركى نظرا لثرائه الكبير ومركزه... وكان الرجل علمانيا متزوجا، وللاسف فان [؟] اسقفى مصر واوسيم ‹ص ٧٧› حبذا هذا الاختيار. فما كان من بقية الاساقفة الا ان عقدوا مجمعا بالاسكندرية ووبخوا الاسقفين بقولهم "اين تركتم خوف الرب وخالفتم القوانين، حتى انكم عمدتم برجل علمانى متزوج بامرأة لتجلسوه على كرسى مارمرقس الانجيلى بخلاف ماجرت به العادة والقوانين". وكان فى هذة الكلمات فصل الخطاب، فلزموا الصمت وما عادوا يذكرون ذلك العلمانى. وعرض اسم القس يوساب المترهب بدير انبا مقار فانفذ مجمع الاساقفة بعض الاساقفة وكهنة الاسكندرية الى برية شيهيت. وبينما هم سائرون وضعوا علامة وقالوا "ان كان الرب يختار تقدمة هذا الانسان (يوساب)، فاننا نجد باب قلايته مفتوحا... ولما وصلوا الى الدير اتجهوا نحو قلايته فوجدوه قائما وقد خرج ليغلق بابها... فكانت هذة علامة ان الرب اختاره...
وقد امتلأ تاريخ هذا البابا بالازمات والمشلكل والضيقات: منها موضوع اسقفى تانيس ومصر اللذين طلب شعباهما ابعادهما والا تركا الكنيسة وانتهى الامر بقطعهما من الكهنوت بقرار مجمعى... وفى ايامه ثار البشموريون وكان ذلك فى خلافة المأمون العباسى، الامر الذى اشرنا اليه سابقا. وقد تعرض للموت بضربة عنقة بالسيف بواسطة اخى الافشين قائد الجيش بوشاية اسقفى تانيس ومصر كما اسلفنا سابقا.
قام البابا يوساب برسامة اسقفين لتانيس ومصر كما اسلفنا بدل الاسقفين المقطوعين، كما رسم اساقفة كثيرين اوفدهم الى انحاء الكرازة المرقسية فى افريقيا والخمس مدن الغربية ومصر والحبشة والنوبة.
وفى ايامه اصدر المعتصم الخليفة العباسى امرا الى واليه على مصر بتجريد الكنائس من زينتها، وينزع منها الاعمدة الرخامية. ومن الكنائس التى خضعت لتنفيذ هذا الامر بيعة مارمينا بمريوط، على يد نسطورى يدعى لعازر. هذا وقد سبق ان اشرنا الى الضيقة التى سببها تادرس الذى اشتهى اسقفية اوسيم، ويوحنا اسقف مصر الذى اشتهى ان يكون متقدما على بقية الاساقفة.
كان البابا يوساب يعد شابا من الافريقيين - ممن كانوا يهدونهم ملوك الحبشة والنوبة المسيحيين - ليكونوا بمثابة ارساليات للكرازة فى بلاد الحبشة وغيرها من البلاد الافريقية... ‹ص ٧٨› وفتح البابا لهؤلاء الشبان مدرسة لتعليمهم قواعد الدين المسيحى فى البطريركية. لكن اسقف مصر المقطوع من الكهنوت وشى الى قاضى مصر ان هؤلاء الشبان مسلمين... فما كان من القاضى الا ان ارسل واحضر هؤلاء الشباب، كما استدعى البطريرك وعنفه قائلا "لاينبغى ان تخطف ابناء المسلمين لتنصرهم". فأجابه البابا "هؤلاء نصارى اولاد نصارى ارسلوا الى من ملكى النوبة والحبشة"... فاتى القاضى بالشبان امام البطريرك، ونظرا لعظم تهديد القاضى لهم، اعترفوا بالاسلام امامه... وانتهى الامر بأن صار هؤلاء الشبان عبيدا واقتسمهم اعيان المسلمين.
وقد احتمل هذا الاب البطريرك شدائد كثيرة، واهانات بالغة ذكرنا بعضها فى غير هذا الموضع... ولما اكمل سعيه الحسن اراد الله الذى لاينسى تعب المحبة، ان يريحه من اتعاب هذا العالم الفانى فنقله اليه. وكان انتقاله فى يوم احد وقت تناول الاسرار المقدسة.
انبا مويسيس اسقف اوسيم:
من اعلام الكنيسة وقديسيها العظام فى القرن الثامن الميلادى. نشأ على حب الطهارة والبتولية منذ نعومة اظفاره، وتعلم علوم البيعة، ترهب منذ شبابه فى برية شيهيت، وعاش فى طاعة احد الاباء النساك لمدة ثمانية عشر عاما سالكا فى طريق الفضيلة والنسك الشديد. وبسبب ذيوع فضيلته اختير اسقفا لاوسيم (مركز امبابه بمحافظة الجيزة)... وكانت حياته مدة الاسقفية امتدادا لحياته الرهبانية فى البرية... عاش حياة التجرد واتصف بالتقوى والشجاعة. كان يقضى معظم اوقاته فى العبادة، حتى قيل انه كان لايقابل احدا من الشعب الا فى يومى السبت والاحد... وكان غيورا على الايمان الارثوذكسى.
اعطى موهبة صنع الآيات والعجائب وشفاء الامراض، كما اعطى موهبة النبوة... جاء وقت على على الكنيسة، من شدة الضيق عاد الاساقفة الى اديرتهم ليتفرغوا للصوم والصلاة ليرفع الرب الضيقة، اما الانبا موسى فقد استمر مع شعبه يثبتهم ويحفظهم من الذئاب الخاطفة... واتاه يوما بعض اراخنة مصر وطلبوا اليه ان يصلى الى الله ليرفع الضيق عنهم وعن شعبه، لانهم احصوا الذين اعتنقوا الاسلام فوجدوا عددهم اربعة وعشرين الفا. فقال لهم آمنوا يااولادى ان الوالى الذى يضطهدكم يهلك فى بحر هذا الشهر... وفعلا تم الامر كما قال.
‹ص ٧٩› عاصر هذا الاسقف البابا خائيل البطريرك ٤٦، وحاول الخلقيدونيون باسلوب ملتوى وللتشفى ان ينزعوا ما فى بيعة مارمينا بمريوط من زينة رخامية واعمدة... وعرض بعض اراخنة الشعب على البطريرك ان يدفع رشوة للقاضى، لكن الانبا مويسيس تصدى لاصحاب هذة المشورة وقال انه ما يليق بالبطاركة والاساقفة ان يدفعوا رشوة لاحد، والله لن يتخلى عنا... وحدث انه فى ذات الاسبوع عزل القاضى المرتشى..
وفى اثناء ثورة البشموريين الاقباط سأل انبا مويسيس تلميذ له عن نهاية الامر. فكان جوابه ان الله لايترك بيعته الى النهاية، بل يخلصها. وهذة المملكة (دولة بنى امية) تبيد وتحل محلها دولة اخرى. وقد تمت هذة النبوة بسقوط دولة بنى امية، وقيام دولة العباسيين.
ولما اضطهد مروان بن محمد آخر الخلفاء الامويين، البابا خائيل ٤٦ لازمه الانبا مويسيس واشتهى ان يستشهد ويسفك دمه على اسم المسيح... وما ان وصلا (البابا والانبا مويسيس) الى خيمة مروان طرح الجند الانبا مويسيس على ركبتيه ورفعوا رجليه الى اعلا وضربوه بدبابيس نحاس على جنبيه وعلى رقبته. وكان المعذبون يطلبون منه رشوة ليطلقوه، اما هو فلم ينبث ببنت شفة لانه كان لايفهم لغة الجند العربية.
وامر مروان بقطع رقبة البابا خائيل بالسيف. وساقه السياف الى موضع تنفيذ حكم القتل. فجرى خلفه الانبا مويسيس. حاول السياف منعه، لكنه لم يمتنع، حتى غضب منه احد الجند ورفع عليه دبوس نحاس ليضربه به، فمد القديس رأسه، لكن بعض الموظفين منعوا الجلاد من ضربه ثم زج به فى السجن مع البابا، ووضعت القيود فى ارجلهما مع كثيرين. لكن انبا موسى تنبأ بأنهم سيخرجوا من السجن سالمين، وبالفعل تم قوله بهزيمة مروان امام العباسيين.
استمر الانبا مويسيس مرافقا للبابا خائيل، وفيا له وللكنيسة طوال ايام تجاربه المرة. واخيرا مرض، وعلم بدنو ساعة رحيله من هذا العالم، فاستدعى رعيته واوصاهم وباركهم وتنيح بسلام.
النساك القديسون فى البرارى والاديرة:
يعسر علينا ان نحصى القديسين من النساك الذين حرصوا كل الحرص على ان يخفوا فضائلهم كتدريب مستمر لاماتة الذات، لكننا نذكر منهم: ‹ص ٨٠› الانبا يوحنس قمص شيهيت (هذا غير يوحنس القصير) الذى كان يظهر له المخلص وامه العذراء فى كل مرة يقدس القرابين. وكذلك تلميذه ابيماخس القمص الذى شبهوه بموسى النبى للنعم التى كانت تبدو عليه، والذى اعطى موهبة شفاء الامراض وعمر اكثر من مئة عام. وكذلك القديسان انبا ابرام ورفيقه انبا جوارجى. والقديس انبا اغاثون العمودى الذى ترهب بدير ابو مقار وتوحد فى جهة سخا (بمحافظة كفر الشيخ)... وغيرهم كثيرون جدا.
العلماء وكتاب السير:
(١) يوحنا النقيوسى: نعرف القليل عن حياته الخاصة مما جاء عرضا فى تاريخ البطاركة للانبا ساويرس بن المقفع. عاش فى النصف الثانى من القرن السابع، بعد الفتح العربى لمصر مباشرة سيم اسقفا على نقيوس واسند اليه تدبير اديرة وادى النطرون. وحدث انه تطرف واشتد فى تأديب احد الرهبان الذى وقع فى خطيئة زنا، وضربه ضربا مبرحا حتى مات بعدها بقليل. وكان ذلك سببا فى ان مجمع الاساقفة قطعه واسقطه من رتبته.
وترجع شهرة يوحنا النقيوسى الى كتابه الذى الفه فى التاريخ العام، ودون فيه تاريخ العالم منذ الخليقة حتى اواخر القرن السابع الميلادى. ويعتبر يوحنا الى حد ما معاصرا للفتح العربى لمصر. وقد اسهب فى ذكر حوادث ذلك الفتح، مما جعل لكتابه هذا قيمة خاصة، واصبح بذلك مصدرا لاغنى عنه للباحث فى تاريخ تلك الفترة... ولقد ضاع هذا الاثر النفيس بلغته الاصلية. ولكن يوجد نص كامل للكتاب باللغة الحبشية القديمة (الجعز).
(٢) مينا أسقف نقيوس الذى كتب سيرة البابا اسحق البطريرك ٤١.
(٣) الشماس جرجه الذى عاش فى النصف الثانى من القرن السابع الميلادى واوائل الثامن، وكتب سير البطاركة منذ مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ الى سنة ٧١٧ م.
(٤) الانبا زخارياس اسقف سخا الذى ترهب فى دير يحنس القصير، وكان على صلة روحية بالقديسين ابرام وجوارجى. رسم بيد البابا سيمون الاول البطريرك ٤٢ حوالى سنة ٦٩٣ م - وكتب سيرا كثيرة وميامر منها ميمر مجىء السيد المسيح الى مصر.
From Notes on the History of the Coptic Church from the Council of Chalcedon to the Rise of the Independent States under the Islamic Caliphate by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, typed lecture notes for the Clerical College, 1979.
يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.
Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.