← Books · Notes on the History of the Coptic Church

الشرق بعد مجمع خلقيدونية وحتى الفتح العربى (٤٥١ - ٤٦١)

The East after Chalcedon, to the Arab conquest, and the Persian occupation

‹ص ١›

"الشرق بعد مجمع خلقيدونية وحتى الفتح العربى" (٤٥١ - ٤٦١)

كانت النتيجة المباشرة لقرارات مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١م، هى الانقسام الاول لكنيسة المسيح. فقد وصمت الكنائس الغربية، الكنائس الشرقية على أنها مونوفيزية Monophysite (= تؤمن بطبيعة واحدة فى المسيح)، بينما وصفت الكنائس الشرقية الكنائس الغربية بأنها Diophysite (تؤمن بطبيعتين فى المسيح). وقد قاد أقباط مصر حركة المونوفيزتة (= الارثوذكسية) فى كل الشرق... على أنه يجب أن ننظر الى هذا الامر - بالاضافة الى كونه موضوعا ايمانيا - على أنه تعبير خارجى لنمو الاتجاهات القومية فى مصر ضد الامبريالية البيزنطية المتزايدة، التى بلغت أقصى مدى فى حكم جستنيان (٥٢٧ - ٥٦٥).

وقد بلغ الجدل اللاهوتى بين الارثوذكسيين (المونوفيزيين) فى كنيسة الاسكندرية وبين أصحاب مذهب الطبيعتين فى روما والقسطنطينية مبلغا تجاوز حد اللياقة. وكان هو أساس الصدع الذى حدث بين الكنائس الشرقية والغربية... لكننا لا نبحث هذا الامر بالتفصيل على المستوى اللاهوتى، لأن هذا لايدخل فى دراستنا فى مادة التاريخ الكنسى.. لقد تأثرت العوامل التاريخية الخاصة بهذا الصراع من جراء كثرة التعقيد والتشابك، ولذا تعتبر دراسة تلك الفترة من أكثر المواضيع تعقيدا وصعوبة... لقد اتهم الغربيون كنيسة الاسكندرية بالاوطاخية، كنتيجة للتآمر الذى حدث فى خلقيدونية ضدها. فى الوقت الذى اعتبرت كنيسة الاسكندرية الاوطاخية بدعة حرمتها مرارا وتكرارا، لأنها علّمت بأن طبيعة المسيح الناسوتية تلاشت فى طبيعته الالهية. هذا بينما يؤمن الاقباط (كنيسة الاسكندرية) بأن المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين أو أن طبيعتى المسيح اللاهوتية والناسوتية صارا طبيعة واحدة من - باتحادهما الفائق السرّى - بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير... وقد أثبت آباء كنيسة الاسكندرية وسلموها هذا المعتقد السليم، مستندين الى نصوص الكتاب المقدس، وماقرره مجمع نيقية المسكونى الأول سنة ٣٢٥، وتعاليم القديس كيرلس الكبير فى مجمع أفسس الأول سنة ٤٣١.

والدوافع التى دفعت كنيسة روما والقسطنطينية على وجه الخصوص، الى اتخاذ هذا الموقف المعين من كنيسة الاسكندرية والكنائس الشرقية، أمر لايحتاج الى كثير عناء لاظهاره.. فقد كان لآباء الكنائس الشرقية، وبالاخص آباء كنيسة الاسكندرية الدور القيادى فى المجامع المسكونية الثلاثة الاولى... يكفى أن نقرأ للمؤرخ ستانلى فى كتابه "محاضرات عن الكنائس الشرقية" المطبوع فى اكسفورد سنة ١٨٦٤ قوله "وأصبح بطريرك الاسكندرية بعد مجمع نيقية قاضى المسيحية فى المسكونة كلها". ويكفى أن نقرأ فى تاريخ المجمع المسكونى ‹ص ٢› الاول بنيقية عن الملك قسطنطين الكبير أنه وقف وسط المجمع الكبير الذى ضم ٣١٨ أسقفا من أنحاء العالم المسيحى، ليصافح الشماس اثناسيوس (البابا اثناسيوس فيما بعد)، ويقول له "أنت بطل كنيسة الله"... ثم يأتى المجمع الرابع الذى انعقد فى أفسس سنة ٤٤٩م برآسة البابا ديسقورس وتسيطر عليه كنيسة الاسكندرية... كل هذا، كان له أثر عميق فى المدينتين الامبراطوريتين روما والقسطنطينية... ان وصف الغرب لمجمع أفسس الثانى بأنه "مجمع اللصوص" ليظهر مدى الغيظ الذى أعتمل فى نفوس هؤلاء الغربيين ضد كنيسة الاسكندرية وآبائها. وكدليل على مدى هذا الغيظ، فقد وجّه مركيان وكنائس الغرب جهودهم فى حشد اكبر عدد من الاساقفة الغربيين فى مجمع خلقيدونية بلغوا نحو ستمائة اسقف، اجتمعوا لينقضوا قرارات مجمع افسس الثانى، وليؤكدوا بصورة علنية تقدم كرسى الامبراطورية فى روما على سائر كراسى العالم المسيحى.

لقد حاولت السلطة الحاكمة فى القسطنطينية فرض تعليم مجمع خلقيدونية بالقوة على الكنائس الشرقية. لكن هذة الكنائس - وفى مقدمتها وعلى رأسها كنيسة الاسكندرية لم تلن لها قناة، وتصدت لهؤلاء الهراطقة مهما بلغت مناصبهم، وفضلت أن يتجدد عصر الاستشهاد على أن يفرطوا فى الأمانة أو يعوّجوها... وهكذا قامت الفتن، واختل الامن فى بلاد كثيرة ز، لاسيما فى مصر وفلسطين وسوريا وبلاد مابين النهرين (العراق الحالية)، وأرمينيا وفارس (ايران الحالية)...

وفى ٧ فبراير سنة ٤٥٢ أصدر مركيان مرسوما يقضى بعزل الاكليروس وأصحاب المناصب فى الدولة ان هم ناقشوا موضوع الايمان بصورة عامة وعلنية. أما بالنسبة لغير الموظفين فى الدولة ممن يقيمون فى القسطنطينية فكان جزاؤهم النفى خارجها وتقديمهم للمحاكمة... توفيت بلكاريا (بلخاريا pulcheria) سنة ٤٥٣ غير مأسوف عليها. وأثار مركيان اضطهادا عنيفا ضد الارثوذكسيين. واستشهد فى هذا الاضطهاد عديد من الاساقفة والكهنة والرهبان والمؤمنين فى الشرق، ممن رفضوا الخضوع لقرارات وتعليم خلقيدونية... أما الاساقفة الذين زاغوا عن الحق ارضاء للملك الهرطوقى وطمعا فى مآرب خاصة، فقد كانوا سببا فى اهدار دماء زكية لاسيما فى فلسطين ومصر.

ان ماحدث فى مجمع خلقيدونية من هزيمة لكنيسة الاسكندرية على المستوى المسكونى، ومحاولة اذلالها بحرم ونفى بطريركها البابا ديسقوروس، لم يكن هو خاتمة المطاف فى ذلك الصراع، بل كان هو البداية... وصل رسول امبراطورى الى الاسكندرية يحمل قرارا بعزل البابا ديسقوروس وتعيين القس الاسكندرى بروتيريوس Proterius (٤٥٢ - ٤٥٧). وقد تم ذلك بالقوة المسلحة. والى جانب هذا القرار كان رسول الملك مركيان يحمل معه ‹ص ٣› رسالة امبراطورية بمعاقبة كل من يجرؤ على العصيان. على أن الاقباط لم يقبلوا هذا الوضع وأضرموا نار ثورة فى الاسكندرية وتجدد عصر الاستشهاد ثانية. ولكن على يد مسيحيين... قيل ان عدد من سقطوا قتلى فى هذا الاستشهاد يعدّون بالآلاف (ذكر البعض أن عددهم بلغ اربعة وعشرين الفا) معظمهم من الاساقفة والكهنة والرهبان... ومن بين من استشهدوا القديس مقاريوس اسقف ادكو [٤٥٢] بالصعيد. كان بالاسكندرية وحاول والى الاسكندرية أن يرغمه على أن يوقع قرارات مجمع خلقيدونية، لكنه رفض. فما كان من أحد الجنود الا أن ركله فى بطنه بقوة فسقط على الارض ميتا نظرا لشيخوخته... أما بقية الاساقفة الذين رفضوا التوقيع فقد نالهم النفى والتشريد.

توفى مركيان فى فبراير سنة ٤٥٧، وخلفه لاون الأول (٤٥٧ - ٤٧٤)، فاتخذها السكندريون فرصة لرسامة بطريركا خلفا للبابا ديسقوروس المعترف الذى تنيح فى منفاه فى ٤ سبتمبر سنة ٤٥٤. وهكذا رسم البابا تيموثاوس الثانى البطريرك ٢٦ فى ١٦ مارس سنة ٤٥٧، ويعرف فى المراجع باسم تيموثاوس ايلوروس Aelurus. وتبع ذلك ان انشقت اسقفية الاسكندرية بين سلسلتين من البطاركة: الملكانيين Melkites وكانوا من الروم (الاغريق)، وتتم رساماتهم فى القسطنطينية غالبا، ويخضعون لمجمع خلقيدونية. والسلسلة الأخرى الارثوذكسيين (مونوفيزيين) وكانوا وطنيين أقباط تمسكوا بقوميتهم ورفضوا زعامة وسيطرة الروم والخلقيدونيين... لكن رسامة البابا تيموثاوس الثانى، وماتبعها من عقده مجمعا بالاسكندرية حرم مجمع خلقيدونية وبروتيريوس الدخيل، جعلت والى الاسكندرية يلقى القبض على البطريرك تيموثاوس ويبعده الى ابوصير Taposiris. أما النتيجة فكانت مزيد من القتلى.

فى بداية الأمر لم تنظر السلطة المدنية بعين الاكتراث الى هذا الصدع الجديد الذى حدث فى كنيسة الاسكندرية نتيجة اقامة بطريرك دخيل يفرض عليهم من الخلقيدونيين. لكن خطورة الموقف بدت واضحة حينما استغل شعب الاسكندرية فرصة انشغال حاكمها بمحاربة الوندال بشمالى افريقيا وقبائل البلميين Blemyes فى صعيد مصر، فانقضوا على بروتيريوس الأمر الذى انتهى الى قتله وسحله فى شوارع الاسكندرية، واحرقوا جثته وذروا رمادها فى الهواء امعانا فى التشفى والانتقام. وكان ذلك فى ٢٨ مارس سنة ٤٥٧.. وانتهى الأمر بصدور قرار الملك لاون بنفى البابا تيموثاوس الثانى الى جزيرة غنغرة فى بفلاجونيا Gangra in Paphlagonia حيث نفى البابا ديسقوروس. وان كانوا قد نقلوه الى منفى آخر... أما البابا تيموثاوس الثانى فقد كرس جهوده فى المنفى للكتابة ضد النساطرة والخلقيدونيين والاوطاخيين.

‹ص ٤› بعد نفى البابا تيموثاوس أقام الخلقيدونيين بالاسكندرية بطريركا دخيلا خلفا لبروتيريوس دعوه تيموثاوس ايضا وهو المعروف باسم تيموثاوس سالوفاكيولس Salophaciolus وكان تعيينه بقرار من الامبراطور زينون Zeno. لكن الشعب قاطعه، وكانوا يقصدون الاديرة للصلاة. لكنهم كانوا لا يفتأون عن رفع الاحتجاجات الى الامبراطور طالبين اعادة البابا تيموثاوس ثانية من المنفى... وما أن تولى زينون حتى لجأ اليه أقباط الاسكندرية الارثوذكسيين يلتمسون عودة بطريركهم تيموثاوس الثانى من المنفى. لكن القائد باسيليسكوس Basiliscus تمكن من عزل زينون وملك مكانه. ويبدو أن باسيليسكوس أراد ان يستعين بقوة الارثوذكسيين فأصدر أمرا سنة ٤٧٦ باعادة البابا تيموثاوس من المنفى. وفعلا ترك منفاه ووصل الى القسطنطينية حيث استقبل استقبالا حارا بواسطة المؤمنين وحل ضيفا على البلاط الملكى. وهناك زاره كثيرون للاستشفاء والتبرك... ترك القسطنطينية الى الاسكندرية وعرج على أفسس. وفى الاسكندرية استقبل استقبالا حافلا من كل الشعب والاكليروس والرهبان والراهبات، وهم يهتفون "مبارك الآتى باسم الرب"... ودخل الكنيسة الكبرى بعد أن غادرها البطريرك الدخيل... ومما هو جدير بالذكر أن البابا تيموثاوس - بموافقة الامبراطور - نقل جسد البابا ديسقوروس فى صندوق فضى الى الاسكندرية حيث جنّز فى احتفال مهيب كمعترف، ووضع جسده فى مدفن الابآء البطاركة.

ومما يذكر أنه فى سنة ٤٧٦ حين تقابل البابا تيموثاوس الثانى مع الملك باسيليسكوس، طلب الى الملك أن يصدر مرسوما بحرم طومس لاون والزيادة التى أضافها مجمع خلقيدونية على الايمان النيقاوى... استجاب باسيليسكوس لهذا المطلب وعقد مجمعا فى القسطنطينية حضره خمسمائة اسقف يتقدمهم البابا الاسكندرى تيموثاوس، ومار بطرس الثانى الانطاكى فحرموا المجمع الخلقيدونى ولاون الرومانى وطومسه... وضع صيغة قرار المجمع الراهب بولس أحد الرهبان الوافدين من الاسكندرية وأصدر به منشورا عاما وفيه أعلن وجوب التمسك بالايمان النيقاوى الذى ثبتته ثلاثة مجامع مسكونية فى القسطنطينية سنة ٣٨١ و وافسس الاول سنة ٤٣١، وافسس الثانى سنة ٤٤٩. كما أمر باحراق طومس لاون وتعليم مجمع خلقيدونية حيثما وجد... وقد وقع هذا القرار تيموثاوس الاسكندرى وبطرس الانطاكى وبولس الافسسى ومعه أساقفة آسيا الصغرى والشرق، وانستاسيوس الاورشليمى واساقفة ولايته وغيرهم نحو سبعمائة اسقف. أما أكاكيوس Acacius بطريرك القسطنطينية فقد تردد فى التوقيع.

الملك زينون والارثوذكسيين:

لم يسترح أكاكيوس بطريرك القسطنطينية للنصر الذى أحرزه الارثوذكسيين بقيادة البابا تيموثاوس. حرض الاكليروس والرهبان فى القسطنطينية، واغلق الكنائس، ونظم مظاهرة ‹ص ٥› صاخبة ضد باسيليسكوس مدعيا أنه هرطوقى. فاضطر باسيليسكوس الى الغاء مرسومه السابق لاسيما وأن الظروف السياسية كانت فى غير صالحه، اذ أن زينون كان قد أعد جيشا كبيرا لمقاتلته واسترداد عرشه... وفعلا انتهى الامر بعودة زينون وطرد باسيليسكوس فى سبتمبر سنة ٤٧٦. وبعودته أصدر مرسوما بالغاء منشور باسيليسكوس الدينى ونفى بولس الافسسى وبطرس الانطاكى، وارسل يتهدد البابا تيموثاوس الاسكندرى، لكن هذا الاخير تنيح سنة ٤٧٧... وأقام الارثوذكسيين بطريركا خلفا لتيموثاوس هو بطرس الثالث المعروف باسم بطرس منغوس Mongus (٤٧٧ - ٤٩٠) البطريرك ٢٧، وكان هو أحد تلاميذ البابا ديسقوروس ورئيس شمامسة كنيسة الاسكندرية... عقد مجمعا فور تنصيبه وقرر حرم مجمع خلقيدونية ولاون وطومسه... فأرسل اليه الملك زينون يتوعده، فأخذ يتخفى فى بيوت المؤمنين بالاسكندرية... وفى نفس الوقت أعاد الملك البطريرك الخلقيدونى تيموثاوس سالوفاكيولس Salophaciolus لكنه توفى سنة ٤٨٢... توسل الاقباط لدى الامبراطور زينون أن يجعل بطريركهم بطرس منغوس هو البطريرك الوحيد، لكن الامبراطور رفض طلبهم، واقيم بطريركا خلقيدونيا هو يوحنا طلايا Talaia كان يحوز على مساندة روما، لكنه لم يكن على علاقة ود مع دوائر القصر والكنيسة بالقسطنطينية. وانتهى أمر هذا الدخيل بالهرب الى روما... وفى هذا الوقت بدأ التقارب بين أكاكيوس بطريرك القسطنطينية (٤٧١ - ٤٨٩) وبطرس الثالث (منغوس) البطريرك السكندرى، فى الوقت الذى أخذ زينون يفقد الأمل فى كسب الارثوذكسيين (المونوفيزيين) فى الاسكندرية عن طريق العنف وبات واضحا انه لابد من التفكير فى ايجاد حل لاعادة السلام للكنيسة الذى يؤثر بدوره على سلام الامبراطورية ووحدتها.

+ الهنوتيكون Henoticon:

كانت الفكرة الجديدة لحل المشكلة الدينية هو ما عرف باسم الهنوتيكون أى وسيلة الاتحاد أو عمل الاتحاد أو كتاب الاتحاد أو مرسوم الاتحاد. كانت الميول الاولى لكل من الامبراطور زينون والبطريرك القسطنطينى أكاكيوس خلقيدونية. لكن ثورة باسيليسكوس - وان كانت وقتية - لكنها أثبتت لكليهما بدون شك مدى قوة الارثوذكسيين (أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة) وأهمية مسالمتهم. لذا كان من الضرورى أن توضع صيغة ايمان يقبلونها بدلا من صيغة الايمان الخلقيدونى... والحقيقة أن واضع الهنوتيكون كان هو اكاكيوس. كان يهدف الى العودة بالكنيسة الى المفهوم اللاهوتى السابق لخلقيدونية أى قبل الانقسام... وفى سنة ٤٨٢ تمكن من اقناع الامبراطور زينون - دون كبير عناء - بالموافقة على المحاولة الجديدة. لقد اعترف الهنوتيكون بقرارات المجامع المسكونية الثلاثة الاولى، ‹ص ٦› وحرم كل من نسطور وأوطاخى واتباعهما. ولم يتعرض للنقطة الحساسة وسبب الانقسام وهى الخاصة بطبيعة المسيح. وحرم كل من يؤمن بايمان آخر...

كان المرسوم فى صورة رسالة موجهة من الامبراطور زينون الى "الاساقفة والاكليروس والرهبان والمؤمنين فى الاسكندرية ومصر وليبيا والخمس مدن الغربية".

أما خلاصة الهنوتيكون فكانت كالآتى:

"بما أن الايمان الذى لاعيب فيه وحده ينجينا وأمور الجيش، لذلك قدم الينا محبو الله رؤساء الأديرة والرهبان عرائض ملتمسين فيها بدموع أن يتم اتحاد الكنائس المقدسة فتنضم الى بعضها البعض. تلك الاعضاء التى فرقها عدو الخير منذ زمن، حتى مات بعض المؤمنين بدون اقتبال سر العماد، وآخرون بدون تناول القربان المقدس. فضلا عن سقوط ربوات من القتلى، الذين بدمائهم الغزيرة تخضبت الأرض والهواء. ولذلك فقد قررنا نحن والكنائس الارثوذكسية فى كل مكان، ورؤساء الكهنة الذين يدبرونها، الا نعرف ايمانا آخر سوى الذى وضعه الآباء القديسون الذين اجتمعوا فى افسس وحرموا نسطور ومن نسجوا على منواله. فنحرم نحن ايضا نسطور واوطاخى اللذين علما خلافا للايمان المذكور. ونقبل الفصول الاثنى عشر التى كتبها الطيب الذكر ومحب الله كيرلس الذى كان رئيس اساقفة كنيسة الاسكندرية الجامعة. ونعتقد بأن الوحيد ابن الله والاله يسوع المسيح، الذى نزل وتجسد حقا من الروح القدس ومن مريم العذراء والدة الاله، والذى هو من طبع الآب باللاهوت ومن طبعنا بالناسوت(١)، هو واحد لا اثنان(٢)، وأن العجائب والالام التى احتملها بالجسد هى لهذا الوحيد ابن الله الواحد(٣). أما الذين يميزون(٤)، أو يبلبلون أو يقولون بالخيال(٤)، فلا نقبلهم البتة. ذلك أن التجسد الحقيقى المنزه عن الخطيئة الذى من والدة الاله لم يزد على الابن شيئا. فقد ظل الثالوث ثالوثا، وما بعد تجسد الاله الكلمة الواحد من الثالوث ايضا. اننا نكتب بهذا اليكم لا لنعلن ايمانا جديدا، لكن لنبين أننا نحرم كل من ارتأى أو يرتأى شيئا آخر سواء أكان ذلك فى مجمع خلقيدونية أم فى أى مجمع آخر، ولاسيما نسطور واوطاخى، والذين ينسجون على منوالهما".

ملاحظة:

نلاحظ أن العبارة الموضوع فوقها (١) هى ضد أوطاخى، والموضوع فوقها (٢) هى ضد نسطور، والموضوع فوقها (٣) هى ضد طومس لاون والموضوع فوقها (٤) نفى النساطرة والخلقيدونيين.

‹ص ٧› وواضح مما تقدم أن الهنوتيكون كان خطوة كبيرة نحو تفكير الارثوذكسيين القائلين بالطبيعة الواحدة فى المسيح... كانت النتيجة المباشرة هو التقارب بين كنيستى الاسكندرية والقسطنطينية، على الرغم من أن كنيسة روما لم ترحب بالأمر برمته، بل ذهبت الى ما هو أبعد من هذا فى الاتجاه المضاد.

فى ذلك الوقت سنة ٤٨٢ توجه بعض علماء الاسكندرية ليشفعوا لدى زينون فى بطريركهم البابا بطرس الثالث (منغوس). وحالما التقوا بالملك بسطوا أمامه ماحل بالمؤمنين والكنائس من شدائد من جراء مجمع خلقيدونية. اقتنع الملك بعودة البطريرك بطرس الى كرسيه بشرط أن يقبل الهنوتيكون ويوقع عليه، ويدخل فى شركة مع الاساقفة الآخرين الذين يقبلونه.

رد الفعل فى الاسكندرية:

بدراسة الهنوتيكون وجد البابا بطرس أنه لا يضاد الايمان الارثوذكسى. فهو يقبل ايمان وقرارات المجامع الثلاثة الاولى المسكونية نيقية والقسطنطينية وافسس، وحرومات كيرلس الكبير الاثنى عشر، ويشجب نسطور واوطاخى... ومن ثم فقد قبله ووقع عليه، ووعد بأن يقبل فى شركته الذين يرجعون تائبين ومعترفين بما فى الهنوتيكون... وفى الكنيسة الكبرى بالاسكندرية أخذ يفسر للاكليروس والرهبان والمؤمنين مضمون الهنوتيكون، موضحا أنه يتضمن الايمان الصحيح، شارحا لهم لماذا قبله...

لكن بعض الاكليروس المغالين تحفظوا ضد الهنوتيكون، محتجين بخلوّه من حرم صريح للزيادة التى أدخلها المجمع الخلقيدونى على الايمان. وأخذوا يناهضون البطريرك بطرس لقبوله، وعلى وجه الخصوص كيف يصبح فى شركة مع الخلقيدونيين. وكادت تحدث فتنة كبيرة لولا أنه حرم علنا طومس لاون ومجمع خلقيدونية. وشرح لهم لماذا قبل فى شركته من قبلوا الهنوتيكون الذى نقض كل ما أضيف الى المجامع الثلاثة الأولى، حتى لو كانوا قبلا خلقيدونيين.

رد الفعل فى روما:

عقد فيلكس أسقف روما مجمعا سنة ٤٨٤ حرم فيه اكاكيوس، على الرغم من التعدى على مندوبيه وحبسهم فى القسطنطينية بأمر زينون... أما رد الفعل فى القسطنطينية فكان حذف اسم اسقف روما من القداسات. لقد حدثت ثغرة بين القسطنطينية وروما عرفت فى الكنيسة الكاثوليكية باسم انقسام اكاكيوس. وقد دامت هذة الفرقة نحو ٣٥ عاما.

‹ص ٨›

خلفاء زينون:

على الرغم من وفاة أكاكيوس سنة ٤٨٩ وبطرس منغوس سنة ٤٩٠ والملك زينون سنة ٤٩١، فقد ظل الهنوتيكون مرعيا من الامبراطور الجديد انستاسيوس الاول (٤٩١ - ٥١٨). وكان على أساقفة القسطنطينية أن يوقعوا على الهنوتيكون عند تنصيبهم... وظل الأمر على هذا النحو حتى توفى انستاسيوس... كانت تلك الفترة هى التى برز فيها القديس ساويرس الانطاكى (٥١٢ - ٥١٨) المحامى الكبير عن عقيدة الطبيعة الواحدة فى عظاته اللاهوتية الشهيرة.

حدث رد الفعل عندما تبوأ الامبراطور جوستن الاول (٥١٨ - ٥٢٧) للعرش الامبراطورى يساعده ابن عمه جستنيان وكانا خلقيدونيين... عزل ساويرس الانطاكى، وانقذ حياته بالهرب الى مصر. اعيدت الوحدة بين كنيستى القسطنطينية وروما بواسطة هورميسداس Hormisdas اسقف روما، الذى ارسل مندوبين الى القصر الامبراطورى فى القسطنطينية بصيغة أخرى للايمان، فيها يلعن ويحرم اوطاخى ونسطور وديسقوروس واكاكيوس، وكل اصحاب عقيدة الطبيعة الواحدة.

تبوأ جستنيان العرش (٥٢٧ - ٥٦٥)، وأحسّ كخليفة للقياصرة الرومان، أن عليه واجبا، هو أن يعيد الامبراطورية الرومانية. وفى نفس الوقت أراد أن يكون لها ايمان واحد وقانون واحد وكنيسة واحدة... هذة باختصار كانت سياسة جستنيان... وهكذا بدأ جستنيان العمل فى القضية الايمانية اللاهوتية. صمم على تحقيق الوحدة فى الكنيسة كخطوة أساسية لتحقيق طموحه فى السيطرة على الكنيسة... كان خلقدونيا وبدأ يظهر ميولا نحو الخلقدونيين لكنه تراجع عن الدخول فى نزاع مع الارثوذكسيين اصحاب مذهب الطبيعة الواحدة... كانت زوجته الامبراطورة ثيودورا Theodora ارثوذكسية فى الخفاء، ودافعت عن الارثوذكسيين ومشايعيها بكل ما أوتيت من قوة، وما استطاعت الى ذلك سبيلا، لكن بحكمة حتى لاتثير ثائرة الامبراطور. كانت ثيودورا امرأة متدينة، ذا شخصية قوية، ظهر نفوذها فى تشكيل سياسة الدولة الدينية. وبفضل جهودها سمح جستنيان للاساقفة الارثوذكسيين المنفيين بالعودة الى ديارهم وكراسيهم. كما دعا كثيرين من الارثوذكسيين الى القسطنطينية الى مؤتمر دينى للتصالح، وطلب اليهم أن يناقشوا كل الاسئلة التى يكتنفها الشك مع خصومهم... وهكذا تمكن ساويرس الانطاكى أن يأتى فى أمان الى القسطنطينية سنة ٥٣٣ على رأس مجموعة قوية من مصر لهذا الغرض، ومكث هناك سنة كاملة. لكن اجراء أو قرارا حاسما لم يتخذ، فقد كانت المشكلة بما يكتنفها من تيارات خفية وأهواء شخصية أعقد من أن تحل.

‹ص ٩› وكخطوة نحو الاثوذكسيين أصدر جستنيان فى سنة ٥٤٤ مرسوما أدان فيه ثلاثة من عمد النسطورية عرفوا باسم الثلاثة فصول Tria Kephalaia وهم تيودور من مبسيستيا Theodore of Mopsuestia وثيودوريت من قورش Thedoret of Cyrus وايباس من اديسا Ibas of Edessa وقد رحبت كنائس الشرق بادانتهم، بينما تذبذبت كنائس الغرب بين قبول هذا المرسوم أو رفضه... ولم تهدأ المسألة التى اثارها مرسوم جستنيان المعروف باسم الثلاثة فصول الا بموت جستنيان، وارتقاء الامبراطور جوستن الثانى (٥٦٥ - ٥٧٨)، الذى أصدر هنوتيكون آخر سنة ٥٧١.

أحوال مصر:

تميزت أحوال مصر السياسية خلال تلك الفترة بسوء التنظيم الادارى. ولعل الخلافات الدينية كانت سببا جوهريا ساعد على ذلك... كان فى مصر الملكانيون تسندهم قوات الدولة. بينما الارثوذكسيين كان عليهم أن يعتمدوا على قدراتهم فى كل المجالات.... كما تميزت تلك الفترة بنمو الاحساس بالقومية المصرية، الامر الذى كان يقوده ويغذيه الارثوذكسيين... كانت هذة هى حالة البلاد بينما كان البرابرة يحومون كالجوارح على حدود مصر... وازاء هذة الحالة قسّم جستنيان مصر الى قسمين اداريين: الاسكندرية والوجه البحرى وجعل له حاكما، وصعيد مصر وجعل له حاكما آخر، كانت خطة جستنيان التخفيف عن كاهل الحاكم الواحد لكل البلاد، لكن عملية التقسيم بذرت بذور التنافس وسوء التنظيم بين الحاكمين لاقليم واحد.

كما استحدث جستنيان أمرا خطيرا كان له أسوأ الاثر على نفسية الاقباط ومستقبل مصر السياسى. فحينما نصب ابوليناريوس Appollinaris لكرسى الاسكندرية سنة ٥٤١م قلده بالاضافة الى وظيفته الدينية سلطات عسكرية لتنفيذ سياسته الدينية. وما لبث أن أعطى هذا البطريرك الملكانى حق جمع ضرائب مباشرة لصيانة الكنائس والرهبنة. كانت تلك سابقة خطيرة لمن أتى بعده من الاباطرة... لقد اعطوا لأنصارهم الوسائل التى مكنتهم بها أن ينكلوا بخصومهم الدينيين ويجددوا الاضطهاد الدينى مرة اخرى، فى صورة أخرى بين المسيحيين والمسيحيين... كانت بداية المأساة على يد الاسقف الدخيل ابوليناريوس الذى حاول كبح جماح العناصر الارثوذكسية الهائجة. فكانت النتيجة مذبحة رهيبة مروّعة...

ومما يذكر بالخير لجستنيان اهتمامه بالقضاء على الوثنية التى كانت ماتزال حية فى اطراف ‹ص ١٠› الامبراطورية. فشجع الارساليات الى بلاد النوبة. لكن زوجته ثيودورة سارعت واحبطت خططه بارسال بعثات ارثوذكسية الى تلك البلاد مقابل الارساليات الملكانية... كما اغلق جستنيان معابد ايزيس الوثنية فى جزيرة فيلة ومعابد آمون فى واحة سيوة، وحل محلها كنائس مسيحية. كما بنى الدير الذى يحمل الآن اسم سانت كاترين فى جبل سيناء، وكان يعرف سابقا باسم دير الاستحالة (استحالة الخبز والخمر الى جسد المسيح ودمه)

المونوثيليتية Monotheletism (القول بمشيئة واحدة فى المسيح):

السنوات المتبقية للحكم البيزنطى فى مصر تؤلف واحدة من اكثر فترات التاريخ المصرى امتلاء بالأسى... فمن مشاكل اغتصاب السلطة الامبراطورية فى القسطنطينية، وما ترتب على ذلك من مطامع فى ادارة اقليم مصر، الى ما احدثته المنافسة بين حاكمى شطرى مصر من اضطراب وتشويش فى شئون الحكومة... وهكذا تعرضت مصر الى عناصر الشر من الداخل، واطماع الغزاة من الخارج... وهكذا ظهرت عصابات منظمة لنهب بعض المدن كما حدث فى بوصير وكانت على مقربة من مركز السلطة فى الاسكندرية، بينما كان أحد الحكام منشغلا بانزال آخر والاستيلاء على السلطة فى المدينة العظمى! كان عرش الامبراطور فوكاس Phocas (٦٠٢ - ٦١٠) يترنح فى ذلك الوقت، ووقع فى قبضة مغتصب آخر للعرش الامبراطورى هو هرقل، وكان قائدا بيزنطيا لجيوش الدول فى افريقيا. عبر البحر الابيض المتوسط وتمكن من اسقاط خصمه، واستولى على العرش ٦١٠م.

وبينما كان ذلك يحدث، اذا بالجيش الفارسى بقيادة Chasroes Parirz يجتاح اقاليم الدولة الاسيوية فى سوريا وفلسطين. وفى لحظة تبوأ هرقل للعرش (٦١٠ - ٦٤١)، كان الجيش الفارسى على مقربة من مدينة انطاكية. فى سنة ٦١٣ دخل دمشق، وفى سنة ٦١٤ سقطت اورشليم فى يده، وحمل الصليب المقدس والآت تعذيب المسيح. وفى سنة ٦١٩ بينما كانت احدى فرق الجيش تتجه الى البسفور كانت فرقة اخرى تغزو مصر التى ظلت فى قبضة الفرس قرابة عشر سنوات.

كانت حالة الامبراطورية الرومانية تدعو للرثاء، وبدا كل شىء وكأنه ضاع، وبينما كان هرقل يفكر فى الهرب الى قرطاجنة بشمالى افريقيا، وضع البطريرك البيزنطى سرجيوس أموال الكنيسة وكنوزها تحت تصرف الامبراطور للقيام بأول حملة لاسترجاع الصليب المقدس.

‹ص ١١› كانت الخطة التى وضعها هرقل أن يضغط على الفرس فى أماكن قريبة نسبيا من القسطنطينية حتى يضطرهم للانسحاب من مصر. وبالفعل تم ذلك سنة ٦٢٧، وتمكن هرقل من استعادة الصليب المقدس ووضعه فى القبر المقدس باورشليم.

عادت مصر ثانية الى الحكم البيزنطى، لكن هرقل لم يستفد شيئا من الدرس القاسى ولم يكتف بأنه أحيا سياسة جستنيان فى مصر، بل بالغ فيها بزيادة. فقد عيّن بطريركا ملكانيا، صار هو حاكم مصر كلها فى نفس الوقت، مع منحه سلطات دينية وحربية ومالية وتنظيمية وقضائية واسعة... وفى محاولة جديدة لكسب فريق الارثوذكسيين من أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة، دون أن يخسر الخلقيدونيين الغربيين، لجأ الى صياغة ايمانية جديدة تحل محل الهنوتيكون الذى لم يحقق النجاح الكامل... اتحد هرقل مع سرجيوس بطريرك القسطنطينية (٦١٠ - ٦٣٨)، وأعلن فى سنة ٦٢٢ العقيدة الجديدة التى عرفت باسم "المونوثيليتية" Monotheletism وهى القول بمشيئة واحدة فى المسيح، على أمل أن تحل محل الاعتقاد بطبيعة واحدة فى المسيح فى الاقاليم الهائجة فى سوريا ومصر.

ودون التعرض للموضوع الحساس الملتهب الخاص بطبيعة المسيح، وهل هو طبيعة واحدة أم طبيعتين، ركزت المونوثيليتية على وحدة مشيئتى المسيح الناسوتية واللاهوتية وانهما كانتا متطابقتين، متوافقتين، غير متغيرتين... كان هرقل يأمل أن يقبل الارثوذكسيين الصيغة الجديدة، وهى فى نفس الوقت لا تتعارض مع انصار خلقيدونية الغربيين، وقولهم بالطبيعتين....

فى البدء بدت هذة الفكرة وكأنها مقبولة لدى بعض رؤساء الكنائس من الجانبين.... ومن قبلوها أثناسيوس بطريرك انطاكية (٦٢١ - ٦٢٩)، وهونوريوس الأول اسقف روما (٦٢٥ - ٦٣٨)... على أن قبول هذة الصيغة لم يدم الا بين موارنة لبنان بينما قوبل هونوريوس بمقاومة عنيفة من أساقفة الغرب.

فى سنة ٦٣٨ طبع هرقل مرسومه الذى عرف باسم "اكتيسيس" Ecthesis وعزم على ارغام الجميع على قبول المونوثيليتية... لكن المقاومة الكبرى لتلك العقيدة الجديدة كانت فى الاسكندرية، حيث رفض الاقباط أى حلّ بيزنطى ابتداء من خلقيدونية الى الهنوتيكون والمونوثيليتية... كان الخوف من الابتعاد عن عقيدة اثناسيوس وكيرلس عمود الدين، فضلا عن شعور الاقباط بقوميتهم، جعلهم أكثر الرافضين للحيدة عن التاليد القديمة، ليقابلوا السلطة الامبراطورية فى منتصف الطريق فى المسائل الخاصة بالايمان.

‹ص ١٢› لكن مصر كانت ذات أهمية خاصة للامبراطورية، اذ كانت تعتبر مخزن غلالها. لذا فقد رفض هرقل الاستسلام للنزعة الانفصالية الدينية والمدنية. كان مصمما على فرض معتقده بأى وسيلة. كانت الخطوة الاولى فى تنفيذ هذا المخطط هى تعيين سيروس Cyrus اسقف فاسيس Phasis فى القوقاز قرب البحر الاسود - والذى كان ذا ميول نسطورية ويتمتع بذكاء وولاء ريائى للامبراطور - تعيينه بطريركا ملكانيا على الاسكندرية والحاكم الامبراطورى لاقليم مصر، تحت شريطة أن يقهر الاقباط لكى يقبلوا الايمان الخلقيدونى والمونوثيليتية بأى وسيلة... وسيروس هذا هو المعروف فى المراجع العربية باسم المقوقس وكان وصوله الى الاسكندرية فى سنة ٦٣١. وبدأ فى تنفيذ خططه بلا أدنى شفقة. وفى خلال عشر سنوات غدا من أكثر الطغاة المكروهين فى تاريخ مصر... لقد استخدم الصليب وصولجان الحكم لسحق المقاومة الوطنية.

كان ذلك سببا فى انخفاض شعبية هرقل الى الحضيض، بعد شهرته التى نالها نتيجة استرداد الصليب المقدس من الفرس... لقد أزال سيروس بتصرفاته كل ولاء للقسطنطينية فقد أخذ يتعقب ويطارد أساقفة الاقباط والقوميين من الاقباط. كان عليهم اما أن يقبلوا معتقده أو يفقدوا حياتهم. ويذكر كتاب تاريخ البطاركة للانبا ساويرس اسقف الاشمونين فى القرن العاشر "انه لعظم البلاء والضيق والعذاب الذى انزله (المقوقس) بالارثوذكسيين لكى يدخلوا فى الامانة الخلقيدونية، ضل جماعة منهم لا يحصى عددها. قوم منهم بالعذاب، وقوم بالهدايا والتشريف، وقوم بالسؤال والخداع. حتى أن قيروس اسقف نيقيوس وبقطر اسقف الفيوم، وكثيرين مثلهم خالفوا الامانة الارثوذكسية، لانهم لم يسمعوا وصية الأب المضبوط بنيامين، ولم يختفوا كغيرهم، فصادهم بصنارة ضلالته فضلوا بالمجمع الخلقيدونى الطامث".

ومن فرط الضيق هرب البطريرك القبطى الارثوذكسى البابا بنيامين الاول ٣٨ (٦٢٣ - ٦٦٢) الى دير صغير بالصعيد، واختفى خلال السنوات الاخيرة للحكم البيزنطى فى مصر وحتى الفتح العربى... ومن الذين نالهم الشدائد واستشهدوا فى تلك الفترة مينا شقيق البابا بنيامين. يقول تاريخ البطاركة "قبض على الطوباوى مينا شقيق الأب بنيامين البطريرك، وعذبه عذابا شديدا، وأمر بوضع مشاعل تحت جنبيه حتى خرج شحم كليتيه من جنبه وسال على الارض. وقلع أضراسه وأسنانه باللكم لاعترافه بالامانة. وأمر أن يملأ جوالق رملا ويجعل القديس مينا فيه ويغرق فى البحر".

وقد خلفت زيارات المقوقس لمدن وقرى الدلتا والصعيد ذعرا عظيما... فالضرب بالسياط والسجن والقتل كانت مقرونة بمصادرة الممتلكات وأوانى الكنائس. وحتى الاديرة لم تنج منه فقصدها ليصطاد مخالفيه فى الرأى والمعتقد. ورهبان الاديرة اما ‹ص ١٣› أنهم قاوموه مقاومة خاسرة، واما انهم هربوا من أمامه. حتى المتوحدون والنساك قبض عليهم وعذبوا حتى الموت. ولدينا قصة الانبا صموئيل المعترف فى دير القلمون بصحراء الفيوم كمثال لمقاومة الاقباط البطولية أمام ارهاب البيزنطيين... لقد جروا الانبا صموئيل من منسكه بالسلاسل، وحول عنقه طوق من حديد كأشر المجرمين. اقتيد الى مدينة الفيوم حيث أهين وجلد وضرب على أسنانه، وأخضع لكل أنواع العذابات الشيطانية وأمر الجنود بقتله. ولم ينقذه من أيديهم سوى سدول الليل، الامر الذى مكن تلاميذه من سرقته وهو بين الحياة والموت....

فى تلك الفترة حل بالاقباط من الاذلال ما لاعهد لهم به من قبل فى كل العصور. وتحملت الكنيسة القبطية الارثوذكسية عذابات المجدّفين على يد ذلك المستعمر الملكانى.. والعجيب أنها استطاعت تحمل كل هذة الضيقات دون أن تلين لها قناة، واستمرت حية شاهدة للايمان الحق والشجاعة البطولية. حقيقة أن بعض ابنائها ضعفوا واستسلموا للمستعمر لسبب أو لآخر، لكن تلك كانت حالات فردية وليست جماعية. أما نتيجة كل ذلك فهى أن الاقباط حملوا لمضطهديهم من البيزنطيين، ولكل ما هو بيزنطى كراهية عميقة. وقد عبّر الأقباط عن كل ذلك، ليس فقط فى العقيدة الارثوذكسية، بل فى اللغة القبطية والادب القبطى أيضا، وفوق كل ذلك فى الفن القبطى... لقد اتسعت الهوة بين الكنيستين القبطية والبيزنطية، ولم يعد ممكنا تخطيها. لقد ذهبت الخلافات الى ما وراء حدود المعقول. وكأن الموقف كان يعد لتغيير كبير، مهما يكن هذا التغيير لقد وقع الفتح العربى لمصر... وكان ذلك ايذانا ببدء صفحة جديدة من تاريخ كنيسة الاسكندرية العريقة، ذلك السجل الحافل بآلام الأقباط وثباتهم وبطولتهم وشجاعتهم وحبهم لالههم.

ومن الكواكب التى ظهرت فى تلك الفترة وأنارت الكثيرين بضيائها للسلوك فى عالم الروح والفضيلة الانبا بسنتاؤوس اسقف قفط، والانبا يوأنس اسقف البرلس، والانبا دانيال قمص برية شيهيت...

‹ص ١٤›

الاحتلال الفارسى لمصر (٦١٧ - ٦٢٧)

لابد لنا قبل أن نتناول موضوع فتح العرب لمصر، أن نذكر شيئا عن الاحتلال الفارسى لمصر الذى دام قرابة عشرة أعوام (٦١٧ - ٦٢٧)، خربوا وهدموا الكثير من الكنائس والاديرة..

العداوة بين الفرس والروم قديمة وتقليدية... كان كل فريق يتحين الفرصة ليقتطع من أملاك الآخر ولقد انتهز الفرس فرصة ضعف الدولة البيزنطية، وبدأوا يغيرون على ممتلكاتها. فبعد أن انتهى الفرس من فتح بلاد الشام، اتجهوا الى مصر، وكانت مطمع الغزاة منذ القدم... سلك الجيش الفارسى فى مصر طريق الغزاة السابقين من أمثال قمبيز والاسكندر الاكبر، والتى سلكتها جيوش العرب بعد ذلك سار الجيش من العريش بحذاء ساحل البحر المتوسط حتى الفرما ففتحت بدون عناء لكن الفرس خربوا الكثير من كنائسها وأديرتها وتقدموا الى ممفيس ثم بحذاء فرع رشيد الى مدينة نقيوس ومنها الى الاسكندرية...

كانت الاسكندرية مدينة محصنة جدا. وقد فشل الفرس فى غزوة سابقة لمصر حوالى سنة ٥٠٠م أن يقتحموها على الرغم من استيلائهم على الدلتا لكن المدينة سقطت فى هذه المرة بسبب الخيانة كانت المدينة تموج باخلاط من جنسيات مختلفة. الروم والسوريون واليهود الى جانت الأقباط الوطنين. يضاف الى هؤلاء جميعا أعداد من طلاب العلم وبعض اللاجئين وفدوا اليها من بلاد عديدة. ولم تكن هناك رابطة تربط هؤلاء جميعا...

ذكرت المراجع أن الخائن الذى سهل للفرس اقتحام مدينة الاسكندرية لم يكن من مواطنيها الاقباط، لكنه كان طالب علم وفد من اقليم البحرين (شمال شرق بلاد العرب ويدعى بطرس ولا تعرف ديانته أكان مسيحيا أم يهوديا أو وثنيا. وكما لايعرف الدافع الذى دفع هذا الخائن الى خيانته سوى أن بلاده (البحرين) كانت تحت الحكم الفارسى وكان اهلها خليطا اكثرهم من الفرس واليهود.

ويذكر ساويرس بن المقفع كاتب تاريخ البطاركة أن الفرس مدو حصارهم للأسكندرية. صبوا جام غضبهم على الاماكن المجاورة، خاصة الأديرة، ونهبوها ومثلوا برهبانها... وكانت المنطقة المحيطة بالاسكندرية فى ذلك الوقت غاصة بالاديرة. فقد قيل أن عددها ‹ص ١٥› صبوا جام غضبهم على الاماكن المجاورة، خاصة الأديرة، ونهبوها ومثلوا برهبانها... وكانت المنطقة المحيطة بالاسكندرية فى ذلك الوقت غاصه بالأديرة. فقد قيل أن عددها بلغ ستمائة ديرا. لكن الرهبان الآمنين فى أديرتهم لم يأخذوا حذرهم من هؤلاء الاعداء لقد اقتحم الفرس بعض هذة الأديرة، وقتلوا رهبانها بحد السيف، ولم يستطع أن يهرب منهم أحد الا القدر اليسير. ونهبوا ما فى الأديرة من نفائس، وهدموا الكنائس وتركوها خرابا. لكن يبدو أن هذا السطو والقتل والتخريب انصب على الأديرة المتاخمة مباشرة للاسكندرية.

وبعد أن دخل الفرس الاسكندرية عنوة، قتلوا الكثيرين من اهلها، كما أخذوا البعض أسرى ارسلوهم الى بلاد فارس... ومن الذين نجوا من يد الفرس البابا اندرونيكوس (٦١٦ - ٦٢٣)، بل قيل انهم أحسنوا معاملتة ويذكر الانبا ساويرس فى حياة هذا البابا، انه ان لم يصبة أذى على أيدى الفرس، لكن المصائب التى شهدها تحل بأولاده الأقباط، والخراب الذى حل بهم فى كل أرض مصر، ملأ قلبة حزنا وأسى حتى مضى عليه.. وجدير بالذكر انة بينما كانت الاسكندرية على وشك السقوط فى أيدى الفرس، هرب نيكيتاس حاكم مصر البيزنطى ومعة يوحنا (الرحوم) البطريرك الملكانى فى سفينة متجهين الى القسطنطينية.

بعد فتح الاسكندرية سار الجيش الفارسى نحو الجنوب بحذاء النيل قاصدا صعيد مصر. وكانت معاملة القائد الفارسى للمواطنين الأقباط واحدة فى كل مكان "يحل الموت والخراب حيث حل" ويذكر الانبا ساويرس بن المقفع أنه لما بلغ الجيش مدينة نقيوس (بشاتى)، وشى اليه عدو للأقباط ضد الرهبان الذين كانوا يعيشون فى مغاير الجبال مدعيا أن لديهم مالا كثيرا... وفى مناسبة دينية كان الرهبان مجتمعين كلهم فى مكان واحد. فما كان من القائد الا أن حاصر ذلك المكان اثناء الليل بجنوده. وفى الصباح اقتحموه وقتلوا كل من فيه من الرهبان

وقد وصل الفرس الى أقصى الجنوب فى صعيد مصر. وكانوا يشيعون الموت والدمار حيث يحلون... وبالجملة فقد ارتكب الفرس مصائب ومظالم كثيرة جدا... ولدينا ‹ص ١٦› مخطوطة تحوى نبوءة للانبا شنودة رئيس المتوحدين عن غزو الفرس لمصر، وما أحدثوه من خراب ودمار، وقتل الاقباط وهدم للكنائس والاديرة (تنيح الانبا شنودة قبل الغزو الفارسى بنحو ١٦٦ سنة)... كما ذكر كثير من فظائعهم فى الصعيد الاعلى فى مخطوطة تحوى سيرة الانبا بسنتاؤس أسقف قفط. وكلا المخطوطتين باللغة القبطية... ولعل فيما أصاب القبط من أهوال على يد الفرس ما يدحض الادعاء بأنهم تعاطفوا معهم...

لم يرسل هرقل جيشا لطرد الفرس من مصر، لكنه قام بهجوم مركز وشديد فى سنة ٦٢٧م على اقليم ما بين النهرين، فاضطر الفرس تلقائيا الى الانسحاب من مصر خشية قطع طرق الامداد التى تأتيهم من بلادهم، وهذا يعزل جيشهم فى مصر نهائيا...

From Notes on the History of the Coptic Church from the Council of Chalcedon to the Rise of the Independent States under the Islamic Caliphate by Anba Youannis, Bishop of Gharbiya, typed lecture notes for the Clerical College, 1979.

يُنشر هذا النص بإذن من إيبارشية الغربية.

Published with the permission of the Diocese of Gharbiya.